من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثالث والثلاثون: في نوحِ الحَمامِ أُنسٌ للمنفردِ المُستهامِ
ذكروا أنَّ مجنون بني عامر رقد ليلةً تحت شجرةٍ فانتبه بتغريد طائرٍ فأنشأ:
لقدْ هتفتْ في جنحِ ليلٍ حمامةٌعلَى فننٍ تدعُو وإنِّي لنائمُ
فقلتُ اعتذاراً عندَ ذاكَ وإنَّنيلنفسِي فيما قدْ رأيتُ للائمُ
أأزعمُ أنِّي عاشقٌ ذو صبابةٍبليلَى ولا أبكِي وتبكِي الحمائمُ
كذبتُ وبيتِ اللهِ لوْ كنتُ عاشقاًلمَا سبقَني بالبكاءِ الحمائمُ
وقال شقيق بن سليك الأسدي:
ولمْ أبكِ حتَّى هيَّجتْني حمامةٌبعَبْنِ الحمامِ الوُرقِ فاستخرجتُ وجدِي
فقد هيَّجتْ منِّي حمامةُ أيكةٍمنَ الوجدِ شوقاً كنتُ أكتمهُ جُهدِي
تُنادِي هُذيلاً فوقَ أخضرَ ناعمٍغذاهُ ربيعٌ باكرٌ في ثرًى جعدِ
فقلتُ تعالَيْ نبكِ مِنْ ذكرِ ما خَلاونذكرُ منهُ ما نُسرُّ وما نُبدِي
فإنْ تُسعدِيني نبكِ عبرتَنا معاًوإلاَّ فإنَّي سوفَ أسفحُها وحدِي
وهذه حال ناقصة منها في المحبَّة من ليست له حال تبة جحدر الفقعسي حيث يقول:
وكنتُ قدِ اندملتُ فهاجَ شوقِيبُكاءَ حمامتينِ تَجاوبانِ
تَجاوبَتَا بلحنٍ أعجميٍّعلَى غُصنينِ مِنْ غرَبٍ وبانِ
افتراه إن سلا عمَّن يهواه لم يبق له في قلبه أثر من حبِّه ولا خاطر شارد من ذكره يعيد هواه على فكره فيعطف قلبه عليه إذ لم يستطع أن يردَّ وجده إليه حتَّى يكون نوح الحمام أقوى شيئاً في ردِّ قلبه إلى أحبابه مَن كان السبب في تعذيبه نوح الحمام كان السبب في تبعيده أضعف نوائب الأيَّام ولكنَّ أبا صخر الهذلي قال قولاً لا يهجَّن من ابتدعه ولا يقال على من انتخبه وهو:
وليسَ المعنَّى بالَّذي لا يهجنهُإلى الشَّوقِ إلاَّ الهاتفاتُ السَّواجعُ
ولا بالَّذي إنْ صدَّ يومَّ خليلهُيقولُ ويُبدي الصَّبرَ إنِّي لجازعُ
ولكنَّهُ سقمُ الجوَى ومطالهُوموتُ الجفا ثمَّ الشُّؤونُ الدَّوامعُ
رشَاشاً وتَهتاناً ووبلاً وديمةًكذلك تُبدي ما تجنُّ الأضالعُ
وقال آخر:
ألا يا حماماتِ اللِّوَى عُدنَ عودةًفإنِّي إلى أصواتكنَّ حزينُ
فعُدنَ فلمَّا عدنَ كدنَ يُمتنَنِيوكدتُ بأسرارِي لهنَّ أُبينُ
ولمْ ترَ عيني قبلهنَّ حمائماًبَكينَ ولمْ تدمعْ لهنَّ عيونُ
وقال آخر:
يا طائرينَ علَى غُصنٍ أنا لكُمامِنْ أنصحِ النَّاسِ لا أبغِي بهِ ثمنَا
كونا إذا طرتُما زوجاً إخالكُمالا تأمنانِ إذا أُفردتُما حزَنا
هذا أنا لا علَى غيري أدلُّكمالاقيتُ جهداً بتركي الإلفَ والوطنا
وقال آخر:
ألا يا حمامَ الأيكِ إلفُكَ حاضرٌوعودكَ ميَّادٌ ففيمَ تنوحُ
أفقْ لا تنحْ من غيرِ شيءٍ فإنَّنيبكيتُ زماناً والفؤادُ صحيحُ
وقال آخر:
دعاني الهوَى والشَّوقُ لمَّا ترنَّمتْعلَى الأيكِ من بينِ الغصونِ طروبُ
تُجاوبها وُرقُ يُرعْنَ لصوتهاوكلٌّ لكلٍّ مسعدٍ ومُجيبُ
ألا يا حمامَ الأيكِ ما لك باكياًأفارقتَ إلفاً أمْ جفاكَ حبيبُ
وقال آخر:
أُلامُ علَى فيضِ الدُّموعِ وإنَّنيبفيضِ الدُّموعِ الجارياتِ جديرُ
أيبكي حمامُ الأيكِ من فقدِ إلفهِوأحبسُ دمعي إنَّني لصبورُ
وقال بعض الأعراب:
ألا قاتل الله الحماماتِ غُدوةًعلَى الفرعِ ماذا هيَّجتْ حينَ غنَّتِ
تغنَّتْ غناءً أعجميّاً فهيَّجتْهوايَ الَّذي كانت ضلوعي أجنَّتِ
نظرتُ بصحراءِ البريدَيْنِ نظرةًحجازيَّةً لو جُنَّ طرفٌ لجنَّتِ
ولو هملتْ عينٌ دماً من صبابةٍإذاً هملتْ عيني دماً وأهمَّتِ
وقال ابن الدمينة:
ألا يا صَبا نجدٍ متى هجتِ من نجدِلقد زادني مسراكِ وجداً علَى جدِ
أإنْ هتفتْ ورقاءُ في رونقِ الضُّحىعلَى غصنٍ غضِّ النَّباتِ منَ الرَّندِ
بكيتَ كما يبكي الوليدُ ولم يكنْجليداً وأبديتَ الَّذي كنتَ لا تُبدي
وقال ناقد بن عطارد العبشمي:
ويثني الشَّوقَ حينَ أقولُ يخبوبكاءُ حمامةٍ فيلجُّ حينا
مطوَّقةُ الجناحِ إذا استقلَّتْعلَى فننٍ سمعتُ لها رنينا
يميلُ بها ويرفعُها مراراًويسعفُ صوتها قلباً حزينا
كأنَّ بنحرها والجيدِ منهاإذا ما أُمكنتْ للنَّاظرينا
مخطّاً كان من قلمٍ لطيفٍفخطَّ بجيدها والنَّحرِ نوتا
وقال نبهان العبشمي:
أحقّاً يا حمامةَ بطنِ قَوٍّبهذا الوجدِ أنَّكِ تصدُقينا
غلبتكِ يا حمامةَ بطنِ قوٍّوقبلكِ ما غلبتُ الهائمينا
غلبتكِ في البكاءِ بأنَّ ليلِيأُواصلهُ وأنَّكِ تهجَعينا
وأنِّي أشتكِي فأُقولُ حقّاًوأنَّكِ تشتكينَ فتكذِبينا
وأنَّكِ أجرأُ الأحياءِ طرّاًعلَى سفكِ الدِّماءِ وتسلَمينا
وقال أبو تمام الطائي:
أتَضعضعتْ عبراتُ عينكَ إذْ دعتْورقاءُ حينَ تضعضعَ الإظلامُ
لا تنشِجنَّ لها فإنَّ بُكاءهَاضحكٌ وإنَّ بكاءكَ استغرامُ
هنَّ الحَمامُ فإنْ كسرتَ عَيافةًمِنْ حائهِنَّ فإنَّهنَّ حِمامُ
وقال البحتري:
ما لخُضرٍ ينُحْنَ في القضُبِ الخُضْرِ علَى كلِّ صاحبٍ مفقودِ
عاطلاتٌ بلْ حالياتٌ يُردِّدْنَ الشَّجى في قلائدٍ وعقودِ
زِذْنَني صبوةً وذكَّرنني عهْداً قديماً مِنْ ناقضٍ للعهودِ
ما يريدُ الحَمامُ في كلِّ وادٍمِنْ عميدٍ صبٍّ بغيرِ عميدِ
كلَّما أُخمدتْ لهُ نارُ شوقٍهِجنَها بالبكاءِ والتغريدِ
وقال بعض الأعراب:
إلى اللهِ أشكو مقلةً أريحيَّةًوقلباً متى يعرِض لهُ الشَّوقُ يرجفُ
ونفساً تمنَّى مخرجاً مِنْ وِعائهاإذا سمعتْ صوتَ الحمامةِ تهتفُ
وقال يزيد بن الطثرية:
وأسلمَني الباكونَ إلاَّ حمامةًمطوَّقةً قدْ صانعتْ ما أُصانعُ
إذا نحنُ أنفدْنا الدُّموعَ عشيَّةًفموعدُنا قرنٌ منَ الشَّمسِ طالعُ
وقال بعض الأدباء:
ناحتْ مطوَّقةٌ ببابِ الطَّاقِفجرتْ سوابقُ دمعكَ المهراقِ
حنَّتْ إلى أرضِ الحجازِ بحُرقةٍتُشجِي فؤادَ الهائمِ المشتاقِ
إنَّ الحمائمَ لم تزلْ بحنينَهاقِدماً تُبكِّي أعينَ العشَّاقِ
كانتْ تفرِّخُ بالأراكِ وربَّماسكنتْ بنجدٍ في فروعِ السَّاقِ
فأتَى الفراقُ بها العراقَ فأصبحتْبعدَ الأراكِ تنوحُ في الأسواقِ
فتبعتُها لمَّا سمعتُ حنينَهاوعلَى الحمامةِ جُدتُ بالإطلاقِ
بي مثلُ ما بكِ يا حمامةُ فاسأَلِيمَنْ فكَّ أسركِ أنْ يفكَّ وثاقِي
وقال بعض الأعراب:
صَدوحُ الضُّحى هيَّاجةُ اللَّحنِ لم تزلْقيودُ الهوَى تُهدَى لها وتقودُها
جزوعٌ جمودُ العينِ دائمةُ البُكاوكيفَ بُكا ذي مقلةٍ وجمودُها
مطوَّقةٌ لمْ تُطربِ العينَ فضَّةٌعليها ولمْ يعطلْ منَ الحِليِ جيدُها
وقال آخر:
مطوَّقةٌ لا تفتحُ الفمَ بالَّذيتقولُ وقدْ هاجتْ ليَ الشَّوقَ أجمَعا
تُؤلِّفُ أحزاناً تفرَّقنَ بالهوَىإذا وافقتْ شعبَ الفؤادِ تصدَّعا
دعتْ ساقَ حرٍّ بالمراويحِ وانتحتْلها الرِّيحُ في وادٍ فراخٌ فأسرَعَا
وحقَّ لمصبوبِ الحشَا بيدِ الهوَىإذا حنَّ باكٍ أن يحنَّ ويجزَعا
وقال آخر:
ألا هلَ إلى قمريَّةٍ في حمائمٍبنخلةَ أوْ بالمرجتينِ سَبيلُ
فتُلبسَني قمريَّةٌ مِنْ جناحِهاوذلكَ نيلٌ للمحبِّ قليلُ
مطوَّقةٌ طوقاً ترَى لفصوصِهِروائعَ ياقوتٍ لهنَّ فصولُ
وقال آخر:
رويدكَ يا قمريُّ لستُ بمضمرٍمنَ الشَّوقِ إلاَّ دونَ ما أنا مُضمرُ
ليَكْفكَ أنَّ القلبَ منذُ تنكَّرتْأُمامةُ مِنْ معروفِها متنكِّرُ
سقَى اللهُ أيَّاماً خلتْ وليالِياًفلم يبقَ إلاَّ عهدُها والتَّذكُّرُ
لئنْ كانتِ الدُّنيا عنتْنَا إساءةًلمَا أحسنتْ في سالفِ الدَّهرِ أكثرُ
وقال بعض العقيليين:
لقدْ هاجَ لي شوقاً وما كنتُ سالياًولا كنتُ لو رُمتُ اصطباراً لأصبِرا
حمامةُ وادٍ هيَّجتْ بعدَ هجعةٍحمائمَ وُرقاً مُسعداً أوْ معذِّرا
كأنَّ حمامَ الوادِيينِ ودوْمةٍنوائحُ قامتْ إذا دجَى اللَّيلُ حسَّرا
محلاَّةُ طوقٍ ليسَ تخشَى انقضابهُإذا همَّ أن يهوِي تبدَّلَ آخرا
دعتْ فوقَ ساقٍ دعوةً وتناولتْبها صحرا علَى بديل لتحذَرَا
وإنَّ هذا لمن نفيس الكلام قد اشتمل على لفظ فصيح ومعنى صحيح ألا ترى إلى احترازه من أن يتوهَّم سامع كلامه أنَّ الحمام أعاد له الشوق بعد سلوته أو ردَّ عليه ما كان ذهب من صبوته ثمَّ ما عقَّب به بعد ذلك من الجزالة السَّهلة والرِّقَّة المستحسنة.
ولقد أحسن الَّذي يقول:
وقبليَ أبكَى كلَّ مَنْ كانَ ذا هوًىهتوفُ البواكِي والدِّيارُ البلاقعُ
وهنَّ علَى الأطلالِ مِنْ كلِّ جانبٍنوائحُ ما تخضلُّ منها المدامعُ
مزَبْرَجةُ الأعناقِ نمرٌ ظهورُهامخطَّمةٌ بالدُّرِّ خضر روائعُ
ومِنْ قطعِ الياقوتِ صِيغتْ عقودُهاخواضبُ بالحنَّاءِ منها الأصابعُ
وأحسن أيضاً الَّذي يقول:
وقدْ كدتُ يومَ الحزنِ لمَّا ترنَّمتْهتوفُ الضُّحى محزونةً بالتَّرنُّمِ
أموتُ لمبْكاها أسًى إنَّ لوعَتيووجدِي بسُعْدَى قاتلٌ لي فاعلمِ
فلوْ قبلَ مبْكَاها بكيتُ صبابةًبسُعدَى شَفيتُ النَّفسَ قبلَ التَّندُّمِ
ولكنْ بكتْ قبلِي فهيَّجَ لي البُكاهواها فقلتُ الفضلُ للمتقدِّمُ
وقال حميد بن ثور:
وما هاجَ هذا الشَّوقُ إلاَّ حمامةٌدعتْ ساقَ حرٍّ نوحةً وترنُّما
بكتْ شجوَ ثكلَى قدْ أُصيبَ حميمُهامخافةَ بينٍ يتركُ الحبلَ أجذَما
فلمْ أرَ مثلي شاقهُ صوتُ مثلِهاولا عربيّاً شاقهُ صوتُ أعجَمَا
وقال آخر:
يهيجُ عليَّ الشَّوقَ نوْحُ حمامةٍدعتْ شجوها في إثر إلفٍ تشوُّقا
دعتْ فبكتْ عينا محبٍّ لصوتِهاوفاضَ لها ماءُ الهوَى فترقرقا
يلذُّ بها الرَّائي جناحاً مولَّجاًومتْناً سماويّاً من اللَّونِ أزرقا
خفضتُ إليها القلبَ حتَّى تشرَّبتْحلاوتَها أحشاؤهُ فتشوَّقا
أقولُ لها نوحي أُعنْكِ ولم أكنْلأُسعدَ بالأمسِ الحمامَ المطوَّقا
ولبعض أهل هذا العصر:
أرى نوحُ الحمامِ يشوقُ قوماًوفي نوحِ الحمائمِ لي عزاءُ
إذا بكتِ الحمائمُ وهيَ وحشٌوأزعجها التفرُّقُ والجفاءُ
فما جزعَ الأنيسِ منَ التَّصابيإذا امتنعَ التَّزاوُرَ واللِّقاءُ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع