من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الرابع والثلاثون: من امتحن بالمفارقة والهجر اشتغل فكره بالعيافة والزَّجر
سبيل كلّ مشغوف بشيء ما كان أن يحذر عليه ما دام في قبضته ويرجو رجوعه إذا خرج عن يده فالمحبُّ ما دام مقيماً مع محبوبه فخواطره موقوفةٌ على الحذر عليه من الزوال وفكره مرتهنةٌ بالخوف من تغيّر الحال فإذا فارق محبوبه وافتقد مطلوبه اشتغلت خواطره بتأميل أوبته كاشتغالها بمحاذرة فرقته إذ هو غير خال من الأحوال فتراه حينئذ يتيامن بالسَّوانح حسب تشاؤمه بالبوارح وقد قالت الشعراء في كلّ ذلك ونحن إن شاء الله نذكر من أقاويلهم حسب ما يحتمله الباب إذ كنَّا غير متجاوزين لما شرطناه في صدر الكتاب.
قال عبد الله بن قيس الرقيات:
بشَّرَ الظَّبيُ والغرابُ بسُعدىمرحباً بالذي يقولُ الغرابُ
قالَ لي إنَّ خيرَ سُعدى قريبٌقدْ أنى أنْ يكونَ منهُ اقترابُ
قلتُ أنَّى تكونُ سعدى قريباًوعليها الحصونُ والأبوابُ
حبَّذا الرِّيمُ والوشاحانِ والقصْرُ الَّذي لا تنالهُ الأسبابُ
فعسى أنْ يُؤتِّىَ الله أمراًليسَ في غيِّهِ علينا ارتقابُ
وقال آخر:
نعبَ الغرابُ برؤيةِ الأحبابِفلذاكَ صرتُ أليفَ كلِّ غرابِ
لا شُكَّ ريشكَ إذْ نعبْتَ بقربهمْوسقيتَ مُزنَ صبيبِ كلِّ سحابِ
وسكنتَ بينَ حدائقٍ في جنَّةٍمحفوفةٍ بالنَّخلِ والأعنابِ
وقال الراعي:
جرى يومُ رُحنا عامدينَ لأهلِهاعُقابٌ فقالَ القومُ مرَّ سنيحُ
وكرَّ رجالٌ منهمُ وتراجعوافقلتُ لهمْ طيرٌ إليَّ بريحُ
عقابٌ بأعقابٍ من الدَّارِ بعدمامضتْ نيَّةٌ تُقصي المحبَّ طروحُ
وقالوا نراهُ هُدهداً فوقَ بانةٍهدًى وبيانٌ والطَّريقُ تلوحُ
وقالوا دمَ دامتْ مودَّةٌ بينناودامَ لنا صفوٌ صفاهُ صريحُ
وقال جران العود:
جرى يومَ جئنا بالجِمالِ نزفُّهاعقابٌ وشحَّاجٌ من البينِ يبرحُ
فأمَّا العقابُ فهو منها عقوبةٌوأمَّا الغرابُ فالغريبُ المطرَّحُ
أفلا ترى إلى تقارب ما بين هذين التَّأويلين الرَّاعي لأنه كان مفارقاً لأحبابه وجرى العقاب بالأعقاب من الدَّار ورجوع الحال إلى ما يهوى لضعف المخاوف من المفارق وقوَّة الآمال وهذا لأنه كان مقيماً مع أحبَّته وجرى العقاب بالعقوبة من صاحبته فهذا كلُّه شاهدٌ لما قد ذكرناه.
وقال جحدر الفقعسي:
تغنَّى الطَّائرانِ ببينِ سُعدىعلَى غُصْنينِ من غربٍ وبانِ
فقلتُ لصاحبيَّ وكنتُ أحرىبزجرِ الطَّيرِ ماذا تُخبرانِ
فقالا الدَّارُ جامعةٌ بسُعدىفقلتُ بَلَ انْتُما مُتمنِّيانِ
وكانَ البانُ أنْ بانتْ سُليمىوفي الغربِ اغترابٌ غيرُ داني
إذا جاوزتُما سُعفاتِ حجْرٍوأكنافَ اليمامةِ فانعياني
وقال آخر:
رأيتُ غُراباً واقعاً فوقَ بانةٍيُشرشرُ أعلى ريشهِ ويُطائرُهْ
فقلتُ لوَ انِّي لو أشارَ زجرتهُبنفسيَ للنَّهديِّ هلْ أنتَ زاجرُهْ
فقالَ غُرابٌ باغترابٍ من النَّوىوفي البانِ بينٌ من حبيبٍ تُجاورُهْ
فما أعْيفَ النَّهديَّ لا درَّ درُّهُوأزجرَهُ للطَّيرِ لا عزَّ ناصرهْ
وقال عروة بن حزام:
ألا يا غُرابيْ دمنةِ الدَّارِ بيِّناأبالصَّرمِ من عفراءَ تنتحبانِ
فإنْ كانَ حقّاً ما تقولانِ فانهضابلحمي إلى وكْرَيكما فكُلاني
ولا يدرينَّ النَّاسُ ما كانَ ميتتيولا يأكُلنَّ الطَّيرُ ما تذرانِ
فعفراءُ أصفى النَّاسِ عندي مودَّةًوعفراءُ عنِّي المُعرضُ المُتواني
وقال قيس بن ذريح:
ألا يا غرابَ البينِ قد طرتَ بالذيأُحاذرُ من لُبنى فهل أنتَ واقعُ
أتبكي علَى لُبنى وأنتَ تركتَهافقد ذهبتْ لُبنى فما أنتَ صانع
وطارَ غرابُ البينِ وانشقَّتِ العصابلُبنى كما شقَّ الأديمَ الصَّوانعُ
وقال آخر:
ألا يا غرابَيْ دارِ أسماءَ بشِّرابخيرٍ وطيرا بعدنا اليومَ أوقَعا
فقدْ كنتُما واللهِ حينَ نعبْتُماكداعٍ دعا بالبينِ عُدوى فأسمعا
ولا وجْدَ إلاَّ دونَ وجدٍ وجدْتُهُغدا إذْ وجدنا عرصةَ الدَّارِ بلقعا
وقال آخر:
جرى نازحٌ من آلِ زينبَ عُدوةًأمامَ المطايا أعورُ العينِ أعصبُ
وأسحمُ شحَّاجٌ علَى غصنِ بانةٍمُقدَّدُ أطرافِ الجناحيْنِ بنعبُ
فلا طارَ إلاَّ في النواهضِ بعدهاغُرابٌ وباتَ الطَّيرُ في الحبلِ يضربُ
وقال الضحاك الخفاجي:
ألا يزجرُ الأُلاَّفُ والنَّاشطُ الفردابلى باللِّوى بُعداً لهُ إذْ جرى بُعدا
جرى بانحلال الشَّوقِ في داخلِ الحشاومُستعجمٍ لا يستطيعُ لهُ ردَّا
وقال ثوابة بن زيات الأسدي:
ألا يا غُرابَيْ بينِ ظمياءَ طالماتعرَّضتُما لي تنزعانِ شجاكُما
فيا لكما من طائرَيْنِ شجيتُمابشحطِ النَّوى حتَّى يطولَ جواكُما
وقال عدي بن زيد:
دعا صُرَدٌ يوماً علَى عودِ شوْحطٍوصاحَ بذاتِ البينِ منها غُرابُها
فقلتُ أتصْريداً وشحطاً وغرْبةًوبيناً فهذا بينُها واغترابُها
وقال قيس بن ذريح:
ألا يا غُرابَ البينِ لونكَ شاحبٌوأنتَ بلوْعاتِ الفراقِ جديرُ
فإنْ كانَ حقّاً ما تقولُ فأصبحتْهمومُكَ شتَّى بثُّهنَّ كثيرُ
ودرتَ بأعْداءٍ حبيبُكَ فيهمِكما قد تراني بالعدوِّ أدورُ
وقال جميل بن معمر:
ألا يا غرابَ البينِ فيمَ تصيحُفصوتُكَ مشْنيٌّ إليِّ قبيحُ
وكلُّ غداةٍ لا أبا لكَ تنتحيإليَّ فتلقاني وأنتَ مُشيحُ
تحدِّثني أنْ لستُ لاقيَ نعمةٍبعُدتَ ولا أمسى لديكَ نصيحُ
فإنْ لم تهجني ذاتَ يومٍ فإنَّهُسيكفيكَ ورقاءُ السَّراةِ صدوحُ
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
أبالصَّرمِ من أسماءَ خبَّركَ الَّذيجرى بيننا يومَ استقلَّتْ ركابُها
زجرتُ لها طيرَ الشِّمالِ فإنْ تصبْهواكَ الَّذي تهوى يصبكَ اجتنابُها
عصاني إليها القلبُ أنِّي لأمرهِسميعٌ فما أدري أرُشدٌ طلابُها
فقلتُ لقلبي يا لكَ الخيرُ إنَّمايُدلِّيكَ للموتِ الصَّريحِ اجتنابُها
وقال جرير:
بانَ الخليطُ برامتيْنِ فودَّعواأوَ كلَّما رفعوا لبينٍ تجزعُ
أنَّ الشَّواحجَ بالضُّحى هيَّجننيفي دارِ زينبَ والحمامُ الوُقَّعُ
نعبَ الغرابُ فقلتُ بينٌ عاجلٌوجرى بهِ الصُّرَدُ الغداةَ الألمعُ
وقال آخر:
ألا يا غرابَ البينِ ما لكَ كلَّماذكرتُ لُبيْنى طرتَ لي عن شماليا
أعندكَ علمُ الغيبِ أمْ أنتَ مخبريبحقٍّ عنِ الأمرِ الَّذي قد بداليا
فلا حملتْ رجلاكَ عشّاً لبيضةٍولا زالَ ريشٌ من جناحكَ باليا
وقال بعض الأعراب:
ألا يا غرابَ البينِ هلْ أنتَ بائعيجناحيْكَ أمْ مُستبدلاً بهما بُرْدي
فما زلتُ أبكي عندهُ وأبثُّهُمن الشَّوقِ حتَّى جاءني فبكا عندي
وقال آخر:
كذبتَ غرابَ البينِ ما أنتَ واجدٌبإلفٍ وما شوقي وشوقُكَ واحدُ
زعمتَ لحاكَ اللهُ أنَّكَ مدنفٌفهلْ لكَ في دعواكَ ويحَكَ شاهدُ
يُترجمُ ما يُخفي المحبُّ دموعهُودمعيَ مُنصبٌّ ودمعكَ جامدُ
فكيفَ هوانا واحداً وفصاحتيتصرِّحُ عن وجدي ولفظكَ جاحدُ
وقال آخر:
فأوَّلُ طيرٍ حينَ رُحنا عشيَّةًجنوبٌ أُصيلاناً وقدْ جنحَ العصرُ
فقلتُ جَنوبٌ باجتنابكَ أهلَهاونفحُ الصَّبا تلكَ الصَّبابةُ والهجرُ
وقالَ غُرابٌ باغترابٍ من النَّوىوقطعِ القُوى تلكَ العيافةُ والزَّجرُ
وقال المرقش السدوسي:
ولقدْ غدوتُ وكنتُ لاأغدو علَى واقٍ وحاتمْ
فإذا الأشائمُ كالأيامِنِ والأيامنُ كالأشائمْ
وكذاكَ لا خيرٌ ولاشرٌّ علَى أحدٍ بدائمْ
وقال الحارث بن سمر الحنفي:
ولستُ بمُشفقٍ من ضُرِّ نجمٍولا أرجو المنافعَ في النُّجومِ
وما نعبَ الغرابُ لنا بيُمنٍوما نعبَ الغرابُ لنا بشومِ
ولكنْ ما أرادَ الله أمضىكذلك قدرةُ الرَّؤوفِ الرَّحيمِ
ولبعض أهل هذا العصر:
أيا قلبُ لا تجزعْ منَ البينِ واصطبرْفلستَ لما يُقضى عليكَ بدافعِ
توكَّلْ علَى الرَّحمانِ إنْ كنتَ مؤمناًيُجرْكَ ودعني من نحوسِ الطَّوالعِ
فكلُّ الَّذي قد قدَّرَ اللهُ واقعٌوما لم يقدِّرْهُ فليسَ بواقعِ
وقال جهم بن عبد الرحمن الأسدي:
ألمْ ترَ أنَّ العائفَيْنِ ولو حوتْلكَ الطَّيرُ عمَّا في غدٍ عميانِ
يظنَّانِ ظنّاً مرَّةً يُخطئانهِوأخرى علَى بعض الَّذي يصفانِ
قضى اللهُ ألاَّ يعلمَ الغيبَ غيرهُففي أيِّ أمرِ اللهِ تمتريانِ
وقال عروة بن الورد:
تقولُ سُليمى لو أقمتَ بسرِّناولم تدرِ أنِّي للمُقامِ أُطوِّفُ
أرى أمَّ حسَّانَ الغداةَ تلومُنيتخوِّفُني الأقدارُ واللهُ أخوفُ
لعلَّ الَّذي خوَّفتنا من أمامنايصادفهُ من أهلِنا المتخوَّفُ
وقال الكميت:
وما أنا ممَّنْ يزجرُ الطَّيرَ همُّهُأصاحَ غرابٌ أمْ تعرَّضَ ثعلبُ
ولا السَّانحاتُ البارحاتُ عشيَّةًأمرَّ سليمُ القلبِ أمْ مرَّ أعضبُ
وقال مجنون بني عامر:
ألا يا غراباً صاحَ من نحوِ أرضِهاأفقْ لا أفقتُ الدَّهرَ من صيحانِ
ولا كنتَ من ريبِ الحوادثِ سالماًجناحاكَ إنْ أزمعتَ بالطَّيرانِ
وقال آخر:
أمِنْ أجلِ غربانٍ تصايحْنَ غُدوةًببينِ حبيبٍ ماءُ عينيْكَ يسفحُ
ألا يا غرابَ البينِ لا صحتَ بعدهاوأمكنَ من أوداجِ خلفكَ مذبحُ
وقال آخر:
كأنِّي غداةَ البينِ إذْ صاحَ شاحجٌمن الطَّيرِ مشنيُّ الصِّياحِ لعينُ
سليمٌ رماهُ الحزنُ أمَّا نهارهُفغشْيٌ وأمَّا ليلهُ فأنينُ
وقال آخر:
يا طائرَيْ بينِ سُعدى لو أبثُّكمانجيَّ نفسي وحاجاتي وأسراري
لمْ تفجعاني ببينٍ تنبعانِ بهِولمْ تُحقَّا بهِ وجدي واحذاري
وقال آخر:
وكادَ غداةَ سارَ الحيُّ يُبديضميرَ القلبِ تشحاجُ الغرابِ
غدا بي شامتاً وغدوتُ صبّاًيُريني ما بهِ وأُريهِ ما بي
يضاحكُني فيضحكُ حينَ أبكيكذلكَ دابهُ أبداً ودابي
فلوْ أنَّ الغرابَ يرقُّ يوماًلرقَّ لطولِ وجدي واكتئابي
لعلَّ الدَّهرَ يقلبُ حالتيهِفإنَّ الدَّهرَ حولٌ ذو انقلابِ
فيقلقَهُ اشتياقٌ وارتياحٌويوحشَهُ اغترابٌ كاغترابي
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع