من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السادس والثلاثون: من فاته الوصال نعشه الخيال
قد تقدَّم قولنا في عيب من خلَّف خليله أوْ تخلَّف عنه في وقته أوْ عن اللُّحوق به على حسب طاقته ثمَّ وكَّدنا عيب من لم يرض حتَّى أقرَّ بأنَّ المشوِّق له إلى إلفه عارضٌ غير متمكِّنٍ له من نفسه وأصحاب هذا الباب الَّذي نحن في أوَّله يلحقهم ذلك العيب كلُّه ويزدادون معه لوماً على مسامحتهم أنفسهم في التَّلذُّذ برقادهم وأخلاَّؤهم ظاعنون عن بلادهم ومن الصُّوفيَّة من لا يقنع لهم بما ألحقناه من العيب بهم حتَّى يقولوا إنَّ النَّوم لو كان مانعاً لهم لكان تخصيصهم إيَّاه بأنَّه يريهم أحبَّتهم نقصاً بيِّناً في مودَّتهم فإنَّ الحال إذا تمكَّنت لم تفترق الرُّوحان وإن افترق الشَّخصان فالمحبُّ المشاهد لصاحبه على كلِّ حالٍ مستغنٍ عن الاستعانة على إحضاره برؤية الخيال ومن طرائف ما قيل في الخيال وأدلّه على ضعف قائله في الحال.
قول ذي الرمة:
فيا ميُّ هلْ يُجزى بُكائي بمثلهِمراراً وأنفاسي عليكِ الزَّوافرُ
وإنْ لامني يا ميُّ من دونَ صُحبتيلكِ الدَّهرَ من أُحدوثةِ النَّفسِ ذاكرُ
وأنْ لا ينالَ الرَّكبُ يا ميُّ وقفةًمنَ اللَّيلِ إلاَّ اعتادني لكِ زائرُ
فهذا أحسن الله جزاءه لم يرض بالعيب الَّذي ذكرناه حتَّى طالب محبوبه بأن يجازيه على تخييله إيَّاه في منامه ثمَّ لم يقنعه أن يجازى بمثل بكائه مراراً فأما اعتذاره بأنه لا يرقد إلاَّ اعتاده منها زائرٌ فقد يتهيَّأ أن يخفَّف جرمه فيه فضربٌ من المعاذر فيقال إنَّه إنَّما عنى أنَّه لا ينفكُّ خاطره من ذكرها فإذا رقد رأى خيالها بقلبه لشدَّة غلبته في حال اليقظة على فكره وأما ما ذكره سوى ذلك من المحالات فإنَّه ينبو عن مراتب الاعتذارات وقد قال قيس بن الملوَّح ما إن لم يكن موفياً على حدِّ الكمال فإنَّه إلى الجليلة من الأحوال وهو:
وإنِّي لأستسقي وما بيَ عطشةٌلعلَّ خيالاً منكِ يلقى خياليا
وأخرجُ من بينِ الجلوسِ لعلَّنيأُحدِّثُ نفسي عنك في السرِّ خاليا
فهذا البائس إذاً تناعس وليس بناعسٍ ليتعلَّل بخيالها إذا فاته ما يؤمِّله من وصالها فنحن نشهد له بالتَّمام في هذه الحال ولا ندري ما الَّذي يوجب له الغيبة عن إلفه حتَّى اضطرَّه إلى التَّعلُّل بطيفه فنعلم أين منه ذلك تماماً أم يوجب عليه ملاماً.
وما قصّر أيضاً الحسين بن وهب حيث يقول:
أرَقتُ وكيفَ لي بالنَّومِ كيفافألقى من حبيبِ النَّفسِ طيْفا
أقولُ لها متى وتقولُ حتَّىوتمطُلني الهوَى بنعمْ وسوْفا
ولولا فرطُ إشفاقي عليهاغدوْتُ محكَّماً وشهرْتُ سيْفا
ولكنِّي إذا فكَّرتُ فيهانهتْني النَّفسُ إشفاقاً وخوفا
ومن مليح ما يدخل في هذا الباب وإن كان مشهوراً في النَّاس:
فقلتُ لها بخلتِ عليَّ يقظىفجودي في المنامِ لِمُستهامِ
فقالت لي وصرتَ تنامُ أيضاًوتطمعُ أن تواصلَ في المنامِ
ولبعض أهل هذا العصر:
جُعلتُ فداكَ لم يخطر بباليحضورُ البينِ إلاَّ مذْ ليالي
فقد وهواكَ زادنيَ اشتياقاعلَى شوقي نواكَ وأنتَ قالي
وأكَّدَ ذاكَ أنِّي مذْ ليالٍسهرتُ فلمْ يزُرْ طيفُ الخيالِ
فبتُّ علَى الفراشِ كأنَّ قلبييقلِّبهُ هواكَ علَى المقالي
وكانَ الطَّيفُ يكشفُ بعضَ ما بيولستَ تراهُ يطرُقني بحالِ
فقلْ لي بالذي أصفاكَ ودِّيأأنتَ نهيْتَ طيفكَ عن وصالي
أمِ السَّهرُ الَّذي ألزمتَنيهِنفى عنِّي الخيالَ فلا أُبالي
ولبعض أهل الأدب:
أعادَ عليَّ الله يومَ وصالكَوأخطرني قبلَ المماتِ ببالكَ
يُضاعفُ ما بي أنَّني لكَ وامقٌأميرٌ بما تهوى ولستَ كذلكَ
منعت جفوني أن تنامَ قريرةًولو نمتُ أرضاني طروقُ خيالكَ
وحلَّلْتَ عهدي في الهوَى وتركتنيأُعقِّدُ ما حلَّلْتهُ من حبالكَ
ومن مختار ما قالت الشعراء في الخيال علَى تقصير قائله عن بلوغ درج الكمال:
أسْرَتْ لعينكَ ليلَى بعدَ مغفاهايا حبَّذا بعدَ نومِ العينِ مسراها
فقلتُ حُيِّيتَ من طيفٍ ألمَّ بناإن كنتَ تمثالها أوْ كنتَ إيَّاها
وقال العرجي:
وقد كنتُ أرجو أنَّ نأيكِ راحةٌولم أدرِ أنَّ الطَّيفَ إن نمتُ طالبي
فواللهِ لا يُنكى محبٌّ بمثلهاوإن كانَ مكروهاً فراقُ الحبائبِ
وأنشدني أعرابي بالبادية:
حلمتُ أقرَّ اللهُ عينيَ أنَّنيأرى أُمَّ لهوِ القلبِ فيمنْ أُجاورُ
فلمَّا انتبهْنا بالخيالِ الَّذي سرىإذا صوتُ جنٍّ والنُّجومُ الزَّواهرُ
فعدتُ لكيْما أن تعودَ فلمْ تعدْوعاودني منها الَّذي قد أُحاذرُ
وقال بعض الأعراب وكان محبوساً في سجن الطائف:
فأنَّى اهتدَتْ تسري وأنَّى تخلَّصتْإليَّ وبابُ السِّجنِ بالعتلِ موثَقُ
عجبْتُ لمسراها وسربٍ سرتْ بهِ بُعَيدَ الكرى كادتْ له الأرضُ تشرقُ
فلا تحسبي أنِّي تخشَّعتُ بعدكُمْلشيءٍ ولا أنِّي منَ الموتِ أفرقُ
ولكنَّ ما بي من هواكِ ضمانةٌكما كنتُ ألقى منكِ إذْ أنا مُطلقُ
فأمَّا الهوَى منِّي إليكِ فطائحٌيمانٍ ولكنِّي بمكَّةَ موثقُ
ألمَّتْ فحيَّتْ ثمَّ قامتْ فودَّعتْفكادتْ عليها مهجةُ النَّفسِ تزهقُ
فما برحتْ حتَّى وددْتُ بأنَّنيبما في فؤادي من دمِ الجوفِ أشرقُ
وقال الأقرع القشيري:
ألمَّتْ فحيَّاها فهبَّ فحلَّقتْمعَ النَّجمِ رؤيا في المنامِ كذوبُ
لقدْ شغفتني أمُّ عمرٍو وبغَّضتْإليَّ نساءً ما لهنَّ ذنوبُ
وأنشدتني ستيرة العصيبية:
ألمَّ خيالُ طَيبةَ أجنبيَّافحيَّا الرَّكبَ دوني والمطيَّا
لما حيَّيْتهمْ يا طيفُ دونيوأنتَ أحبُّهمْ شخصاً إليَّا
ألمَّ بنا فسلَّمَ ثمَّ ولَّىعلَى الهجَّادِ تسليماً خفيَّا
فلمَّا أنْ كشفْتُ غطاءَ رأسيإذا أنا لا أرى إلاَّ النَّضيَّا
وأينُقَنا الثَّلاثَ ملقَّياتٍعلَى متنِ الطَّريقِ وصاحبيَّا
وزرقاً بالجفيرِ مُنشَّباتٍوشوحطةً ترنُّ ومشرفيَّا
فكلَّفنا سُراها أن رحلناوأحثثنا الأميرَ العامريَّا
وأنشدني أعرابي ببلاد نجد:
ألا طرقَتْ جمْلٌ وبيني وبينهامهامِهُ أمْراتٌ وداويةٌ قفرُ
فقلتُ لها كيفَ اهتديْتِ لصاحبٍونضوٍ طواهُ السَّيرُ مَمْساهما وعرُ
فقالتْ أمنْتَ الدَّهرَ ألاَّ تُحبَّنيفقلتُ عداني النَّأيُ والأعينُ الخزرُ
علَى أنِّني أهواكِ ما هبَّتِ الصَّباوما سكنتْ سلمى وأكنافها العفرُ
وما هتفتْ يوماً لإلفٍ حمامةٌعلَى بانةٍ أفنانها عطَّفٌ خضرُ
فدوميَ علَى العهدِ الَّذي كانَ بيننافما يُبتغى منِّي ولا منكِ لي عذرُ
وقال الحسين بن الضحاك:
سقياً لزورٍ منْ طيفِ مُحتجبٍعاتبتهُ في المنامِ فاعتذرا
فزالَ حقدُ الضَّميرِ عنْ سكنٍيُسخطني رائحاً ومُبتكرا
رضيتُ من عذرِ منْ أقامَ علَى الذَّنْبِ بطيفٍ ألمَّ مُعتذرا
وقال الرقاد بن المنذر الضبي:
ألا طرقَتْ أسماءُ واللَّيلُ دامسٌفأحببْ بها من طارقٍ حينَ يطرقُ
وما طرقَتْ إلاَّ لتُحدثَ ذكرةًوتُحكمَ وصلاً بيننا كادَ يخلقُ
وقال أبو تمام الطائي:
عادكَ الزَّورُ ليلةَ الرَّملِ منْ رمْلةَ بينَ الحمى وبينَ المطالي
قمْ فما زاركَ الخيالُ ولكنَّكَ بالفكرِ زُرتَ طيفَ الخيالِ
وقال البحتري:
وليلةَ هوَّمنا علَى العيسِ أرسلتْبطيفِ خيالٍ يشبهُ الحقَّ باطلُهْ
فلولا بياضُ الصُّبحِ طالَ تشبُّثيبعِطفيْ غزالٍ بتُّ وهناً أُغازلُهْ
وكم من يدٍ للَّيلِ عندي حميدةٍوللصُّبحِ من خطبٍ تذمُّ غوائلُهْ
وقال أيضاً:
مثالُكَ من طيفِ الخيالِ المعاودِألمَّ بنا من أُفقهُ المُتباعدِ
يُحيِّي هجوداً ميِّتينَ منَ الكرىوما نفعُ إهداءِ السَّلامِ لهاجدِ
وقال أيضاً:
إذا نسيتُ هوى ليلَى أشادَ بهِطيفٌ سرى في سوادِ اللَّيلِ إذْ جنحا
دنا إليَّ علَى بعدٍ فأرَّقنيحتَّى تبلَّجَ وجهُ الصُّبحِ فاتَّضحا
عجبْتُ منهُ تخطَّى القاعَ من إضَمٍوجاوزَ الرَّملَ من خبتٍ وما برحا
وقال أبو تمام:
إسْتَزارتْهُ فكرتي في المنامِفأتاني في خفيةٍ واكتتامِ
فاللَّيالي أحفى بقلبي إذا ماجرحتْهُ النَّوى من الأيَّامِ
يا لها ليلةً تنزَّهتِ الأرْواحُ فيها سرّاً منَ الأجسامِ
مجلسٌ لم يكنْ لنا فيهِ عيبٌغيرَ أنَّا في دعوةِ الأحلامِ
وقال عمر بن ربيعة المرقش:
أمِنْ بنتِ عجلانَ الخيالُ المبرِّحُألمَّ ورحْلي ساقطٌ مُتزحزحُ
فلمَّا انتبهنا بالخيالِ وراعنيإذا هوَ رحلي والبلادُ توضَّحُ
ولكنَّهُ زَوْرٌ يوقِّظُ نائماًويحدثُ أشجاناً بقلبكَ تجرحُ
بكلِّ مبيتٍ يعترينا ومنزلٍفلوْ أنَّها إذْ تدلجُ اللَّيل تصبحُ
فولَّتْ وقد بثَّتْ تباريحَ ما ترىووجدي بها من قبلِ ذلك أبرحُ
وقال عبادة الطائي:
أما وهواكَ حِلفةَ ذي اجتهادِيعدُّ الغيَّ فيكِ منَ الرَّشادِ
لقدْ أذكى فراقُكِ نارَ وجديوعرَّفَ بينَ عيني والسُّهادِ
وما ناديتني للشَّوقِ إلاَّعجلتُ بهِ فلبَّيْتُ المنادي
وهجرُ القربِ منها كانَ أشهىإلى المشتاقِ من وصلِ البعادِ
وقال أيضاً:
وإنِّي وإنْ ضنَّتْ عليَّ بودِّهالأرتاحُ منها للخيالِ المؤرِّقِ
يعزُّ علَى الواشينَ لو يعلمونهاليالٍ لنا نزدارُ فيها ونلتقي
فكمْ غلَّةٍ للشَّوقِ أطفأتُ حرَّهابطيفٍ متى يطرقْ دجى اللَّيل يطرُقِ
أضمُّ عليهِ جفنَ عيني تعلُّقاًبهِ عندَ إجلاءِ النُّعاسِ المرفِّقِ
وقال أيضاً:
دعا عبرتي تجري علَى الجورِ والقصدِأظنُّ نسيماً قارفَ الهجرَ من بعدي
خلا ناظري من طيفهِ بعدَ شخصهِفيا عجباً للدَّهرِ فقداً علَى فقدِ
خليليَّ هلْ من نظرةٍ توصلانهاإلى وجناتٍ ينتسبْنَ إلى الوردِ
وقد كادَ هذا القلبُ ينقدُّ دونهُإذا اهتزَّ في قربٍ من العينِ أوْ بعدِ
فلو تُمْكنُ الشَّكوى لخبَّركَ البكاحقيقةَ ما عندي وإن جلَّ ما عندي
وقال أيضاً:
أنسيمُ هلْ للدَّهرِ وعدٌ صادقُفيما يؤمِّلهُ المحبُّ الوامقُ
ما لي فقدْتُكَ في المنامِ ولم يزلْعوْنَ المشوقِ إذا جفاهُ الشَّائقُ
أمنعْتَ أنتَ منَ الزِّيارةِ رِقبةًمنهم فهلْ منعَ الخيالُ الطَّارقُ
الآنَ جازَ بنا الهوَى مِقدارهُفي أهلهِ وعلمتُ أنِّي عاشقُ
ولبعض أهل هذا العصر:
وقدْ كنتُ لا أرضى منَ النَّيلِ بالرِّضاوأقبلُ ما فوقَ الرِّضى مُتلوِّما
فلمَّا تفرَّقنا وشطَّتْ بنا النَّوىقنعْتُ بطيفِ منكَ يأتي مُسلِّما
فساعفني وهناً خيالكَ في الكرىفزارَ وحيَّا ثمَّ قامَ فسلَّما
بنفسي وأهلي من خيالٍ ألمَّ بيفداوى سقامي ثمَّ بانَ فأسقما
فواحسرتا لم أدرِ أنَّى اهتدى لناولمْ أدرِ إذْ ولَّى إلى أينَ يمَّما
رعاهُ ضمانُ اللهِ في كلِّ حالةٍوإن ذرفَتْ عيني لفرقتهِ دما
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع