من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السابع والثلاثون: من مُنع من النَّظر استأنس بالأثر
قال بعض الأعراب:
أيا شجراتِ الوابشيَّاتِ إنَّنيلكُنَّ علَى مرِّ الزَّمانِ صديقُ
ولو لم تُجاوركُنَّ أسماءُ لم يصلْإليكنَّ من قلبي الغداةَ فريقُ
يميلُ الهوَى بي نحوكُنَّ وقد أرىبعينيَّ ما لي نحوكنَّ طريقُ
فلوْ كنتُ أُهدي الغيثَ أو كنتُ والياًعلَى الماءِ لم تعطشْ لكُنَّ عروقُ
وقال آخر:
يا سرحةَ الدَّوحِ أينَ الحيُّ واكبديلهفاً تذوبُ وبيتِ اللهِ من حسرِ
ها أنتِ عجماءُ عمَّا قد سُئِلتِ فمابالُ المنازلِ لم تنطقْ ولم تحرِ
يا قاتَلَ اللهُ غادات قرعنَ لناحبَّ القلوبِ بما استودعْنَ من حورِ
عنَّتْ لنا وعيون من براقعهامكنونةٌ مُقلُ الغزلانِ والبقرِ
باللهِ يا ظبياتِ القاعِ قُلنَ لناليْلايَ منكنَّ أم ليلَى منَ البشرِ
يا ما أُميْلَحَ غزلاناً شدنّ لهاهوَ لِباي بينَ الضَّالِ والسَّمُرِ
وقال بعض الأعراب:
ألا هلْ إلى شمِّ الخُزامى ونظرةٍإلى قرقرى قبلَ المماتِ سبيلُ
أيا أثلاتِ القاعِ من بطنِ توضحٍحنيني إلى أفيائكُنَّ طويلُ
ويا أثلاتِ القاعِ قد ملَّ صُحبتيسُرايَ فهل في ظلِّكنَّ مقيلُ
ويا أثلاتِ القاعِ قلبي معلَّقٌبكُنَّ وجدْوى خيركُنَّ قليلُ
ويا أثلاتِ القاعِ ظاهرُ ما بدابجسمي علَى ما في الفؤادِ دليلُ
وقال بشر بن هذيل العبسي:
فيا طلحتَيْ لوذانَ لا زالَ فيكُمالمنْ يبتغي ظلَّيْكُما فننانِ
وإن كنتما قد هجتُما لوعةَ الهوَىودانيْتُما ما ليسَ بالمتدانِ
وقال آخر:
تجرَّمَ أهلوها لئنْ كنتُ مُشعراًجَنوباً بها يا طولَ هذا التجرُّمِ
وما ليَ من ذنبٍ إليهمْ علمتهُسوى أنَّني قد قلتُ يا سرحةُ اسلَمي
بلى فاسلَمي ثمَّ اسلمي ثمَّتَ اسلميثلاثَ تحيَّاتٍ وإن لم تكلَّمي
وقال حميد بن ثور:
أبى اللهُ إلاَّ أنَّ سرحةَ مالكعلَى كلِّ آفاقِ العضاهِ تروقُ
نمى النَّبتُ حتَّى نالَ أفنانَها العلىوفي الماءِ أصلٌ ثابتٌ وعروقُ
فيا طيبَ ريَّاها ويا بردَ ظلِّهاإذا حانَ من شمسِ النَّهارِ زروقُ
وهلْ أنا إنْ علَّلتُ نفسي بسرحةٍمنَ السَّرحِ موجودٌ عليَّ طريقُ
حمى ظلَّها شكْسُ الخليقةِ خائفٌعليها غرامَ الطَّائفينَ شفيقُ
فلا الظِّلُّ منها بالضُّحى نستطيعهُولا الفيءُ منها في العشيِّ نذوقُ
وقال آخر:
أيا نخلتَيْ أوْلٍ سقى الأصلَ منكُمامُهيجُ الرُّبى والمدجناتُ رواكُما
ويا نخلتَيْ أوْلٍ إذا هبَّتِ الصَّباوأمسيْتُ مقروراً ذكرْتُ ذُراكُما
ويا نخلتَيْ أوْلٍ بليتُ وأنتماجديدانِ كالبُردَيْنِ طابَ شذاكُما
وقال خلف بن روح الأسدي:
أيا نخلتَيْ بطنِ العقيقِ أمانعيجنى النَّخلِ والبينُ انتظاري جناكُما
لقد خِفْتُ ألاَّ تنفعاني بطائلٍويُكتبَ في الدُّنيا لغيري جداكُما
وقال بعض الأعراب:
أيا منْ لِعينٍ لا ترى قُللَ الحمىولا جبلَ الأوسالِ إلاَّ استهلَّتِ
لجوجٌ إذا لجَّتْ بكيٌّ إذا بكتْبكتْ فأدقَّتْ في البُكا وأجلَّتِ
نعِمْنا زماناً باللِّوى ثمَّ أصبحتْبِراقُ اللِّوى من أهلها قد تخلَّتِ
ألا قاتلَ اللهُ اللِّوى من محلَّةٍوقاتلَ دنيانا بها كيفَ ولَّتِ
وقال آخر:
إقرأْ علَى الوشلِ السَّلامَ وقلْ لهُكلُّ المشاربِ مذْ هجرْتَ ذميمُ
سقياً لظلِّكَ بالعشيِّ وبالضُّحىولِبردِ مائكَ والمياهُ حميمُ
لو كنتُ أقدرُ منعَ مائكَ لمْ يذقْما في قِلاتكَ ما حييتُ لئيمُ
وقال آخر:
ألا حبَّذا أعطانُ فلجةَ بالضُّحىوخيمُ ذرَى في جلْهَتَيْها المُنصَّبُ
يقولونَ مِلحٌ ماءُ فلجةَ آجنٌأجلْ هوَ مملوحٌ إلى النَّفسِ طيِّبُ
وقال ابن الدمينة:
خليليَّ رُوحا بالهجينِ فسلِّماعلَى الخيمِ أوْ مُرَّا بذي العشراتِ
وقِيلا بنا في ظلّهنَّ ورمْيِناذراهنَّ رميَ المحرمِ الجمراتِ
وقُولا لمنْ لاقيتُما يا هديتُماأحثَّا لنا في الطَّوافِ مِنْ بكراتِ
قلائصَ فيهنَّ الَّتي كِبرُ همّهاأنينٌ وتُذري الدَّمعَ بالزَّفراتِ
ولبعض بني كلاب:
ألا حبَّذا الماءُ الَّذي قابلَ الحمىويا حبَّذا مِنْ أجلِ ظمياءَ حاصرهْ
ولو سألتْ ظمياءُ يوماً بوجهِهاسحابَ الثُّريَّا لاستهلَّتْ مواطرهْ
وقال آخر:
يقرُّ بعيني أنْ أرَى بمكانهِسُهيلاً كطرفِ الأخدرِ المتشاوسِ
وأنْ أُشرفَ القاراتِ مِنْ أيسرِ الحمىفتبدُو والأنضاءُ حوصٌ خوامسُ
ذكرتكِ ذِكرى مثلها صدَّعَ الحشابتوٍّ وأُخرى مثلها يومَ حابسِ
ويومَ تعالتْ بي السَّفينةُ وارتمَىبيَ البحرُ في آذيهِ المتلاطسِ
وقال ورد الهلالي:
سقَى اللهُ نجداً مِنْ ربيعٍ ومصيفٍوماذا تُرجِّي مِنْ ربيعٍ سقَى نجدا
بلَى إنَّه قدْ كانَ للبيضِ مرَّةًوللعيشِ والفتيانِ منزلةً حمدَا
وقال آخر:
ألا حبَّذا الدَّهنَا وطيبُ ترابِهاوأرضٌ خلاءٌ يصدعُ اللَّيلُ هامُها
ونصُّ المهاري بالعشيَّاتِ والضُّحىإلى بقرٍ وحيُ العيونِ كلامُها
وقال آخر:
خليليَّ إنِّي واقفٌ فمسلِّمٌ... علَى..خالطَ اللَّحمَ والدَّما
ولو زالَ هضبُ الرَّملِ عنْ سكناتهِليمَّمتُ مِنْ وجدٍ بهِ حيثُ يمَّما
ولو نطقتْ ضمرُ الجبالِ لعاشقٍحزينٍ لحيَّانا إذاً وتكلَّما
وقال آخر:
سلِّمْ علَى قطَنٍ إنْ كنتَ لاقيهُسلامَ مَنْ كانَ يهوَى مرَّةً قطَنا
أُحبُّهُ والَّذي أرسَى قواعدهُحبّاً إذا ظهرتْ آياتهُ بطَنا
يا ليتَنا لا نريمُ الدَّهرَ ساحتهُأوْ كانَ إنْ نحنُ سرنا غربةً معَنا
وقال جرير:
ألا حيِّ رهبَى ثمَّ حيِّ المطاليافقدْ كانَ مأنوساً فأصبحَ خالِيا
ألا أيُّها الوادِي الَّذي ضمَّ سيلهُإلينا نوَى ظمياءَ حيِّيتَ وادِيا
نظرتُ برهبَى والظَّعائنُ باللِّوىفطارتْ برهبَى شعبةٌ مِنْ فؤادِيا
وقال آخر:
أيا نخلتَيْ شرقِ العذابِ هَلَ انْتُماإذا احتملَ الجيرانُ محتملانِ
تفرَّقَ أُلاَّفٌ كثيرٌ وأنتمامقيمانِ ينبُو عنكُما الحدثانِ
كأنَّكما قدَّامَ جيشٍ طليعةٌعلَى حاضرِ الرَّوحاءِ مرتبيانِ
وقال آخر:
ألا حبَّذا نجدٌ وطيبُ ترابِهاوغلظةُ دنيا أهلِ نجدٍ ولينُها
نظرتُ بأعلى الجلهتَيْنِ فلم أجدْسِوى مِنْ سُهيلٍ لمحةً أستبينها
فكذَّبتُ طرفَ العينِ ثمَّ ردَّدتهُفراجعَ نفسِي بعدَ شكٍّ يقينُها
وقال آخر:
بليتُ بلى البردٍ اليماني ولا أرىجناناً ولا أكنافَ ذروةَ تخلقُ
ألوي حيازيمي بهنَّ صبابةًكما تتلوى الحيةُ المتسرقُ
وقال آخر:
أيا سروَتَيْ وادي العقيقِ سُقيتماحياً غضَّةَ الأنفاسِ طيّبةَ الوردِ
تروَّيتما مجَّ النِّدى وتغلغلتْعروقُكُما تحتَ النَّدى في ثرًى جعدِ
ولا يهنأنْ ظلاَّكما إنْ تباعدتْبيَ الدَّارُ مَنْ يرجُو ظلالكُما بعدِي
وقال آخر:
تذكّرني خزاماً كلُّ أرضٍمنَ الأرضينَ حلَّ بها خزامُ
بهذا الزَّادِ يحيى كلُّ صبٍّفليتَ الزَّادَ كانَ هو الحِمامُ
وقال آخر:
تحنُّ إلى الرَّملِ اليمانِي صبابةًوهذا لعمري لوْ قنعتَ كثيبُ
فأينَ الأراكُ الدَّوحُ والسِّدرُ والغضاومستخبرٌ عمَّن تحبُّ قريبُ
هناكَ يغنِّينَا الحمامُ ونجتَنيجنَى النَّخلِ يحلوْلِي لنا ويطيبُ
وقال آخر:
أقمنا مُكرهينَ بها فلمَّاألفْناها خرجنا كارهينَ
وما حبُّ البلادِ بنا ولكنْأمرُّ العيشِ فرقةُ مَنْ هوينا
وقال ورد بن عبد الرحمن الأسدي:
أيا كبدِي ماذا أُلاقي منَ الهوَىإذا الرَّسُّ في آلِ السَّرابِ بدَا لِيا
ضمنتُ الهوَى للرَّسِّ في مُضمرِ الحشاولمْ يضمرِ الرَّسُّ الغداةَ الهوَى لِيا
أعدُّ اللَّيالي ليلةً بعدَ ليلةٍللقيانِ لاهٍ لا يعدُّ اللَّياليا
وقال آخر:
أرَى كلَّ أرضٍ دمَّنتها وإنْ مضتْلها حججٌ يزدادُ طيباً ترابُها
ألمْ تعلمنْ يا ربِّ أنَّ ربَّ دعوةٍدعوتكَ فيها مخلصاً لوْ أُجابُها
لعمرُ أبي ليلَى لئنْ هيَ أصبحتْبوادي القرى ما ضرَّ غيريَ اغترابُها
وقال آخر:
أمَا والَّذي حجَّ الملبُّونَ بيتهُسلاماً ومولَى كلِّ باقٍ وهالكِ
وربِّ القلاصِ الحوصِ تدمَى أُنوفُهابنخلةَ والسَّاعونَ حولَ المناسكِ
لقدْ صرتُ آتي الأرضَ ما يستفزُّنيلها الشَّوقُ لولا أنَّها مِنْ دياركِ
لئنْ قطعَ اليأسُ الحنينَ فإنَّهُرقوءٌ لإذرافِ الدُّموعِ السَّوافكِ
ولبعض أهل هذا العصر:
سقى اللهُ رملَ القاعِ في النَّخلاتِفذاكَ الكثيبَ الفردَ في السَّمراتِ
فقبرَ العباديِّ الَّذي دونَ مُربِخٍفمربخَ والغدرانَ فالهضباتِ
فجبلَيْ زرودٍ فالطَّليحةَ فاللِّوىفإنَّ لها عندِي يداً وهناتِ
ولمْ يبقَ مِنْ لذَّاتها غيرُ ذكرةٍتقطَّعُ نفسِي عندَها حسراتِ
لقصرٍ علَى وادِي زُبالةَ مشرفٍأُكفكفُ في أكنافهِ عبَراتي
أحبُّ إلى نفسِي وأشقَى لشجوِهاوأولَى بها مِنْ هذهِ القُرياتِ
عسَى اللهُ لا تيأسْ سيأذنُ عاجلاًبنصرةِ مظلومٍ وفكِّ عُناةِ
وترضَى قلوبٌ قدْ تواترَ سخطُهاعليَّ فعادتْني بغيرِ تِراتِ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع