من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب التاسع والثلاثون: مُسامرةُ الأوهامِ والأماني سببٌ لتمام العجزِ والتَّواني
قال حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال حدثني أبو العالية قال حدثني حباب القشيري قال لمَّا ملك الوليد بن يزيد بعث إلى ابن ميادة وكان معجباً بشِعره فألزمه بابه فاشتاق الشَّيخ لمَّا طال مقامه فقال:
ألا ليتَ شِعرِي هلْ أبيتنَّ ليلةًبحرَّةِ ليلَى حيثُ ربَّتَني أهلِي
بلادٌ بها نِيطتْ عليَّ تمائِمِيوقُطِّعنَ عنِّي حيثُ أدركَني عقلِي
فإن كنتُ عنْ تلكَ المواطنِ حَابسِيفأيسِرْ عليَّ الرِّزقَ واجمعْ إذاً شملِي
قال فلمَّا سمع شِعره كتب إلى مصدِّق كلبٍ أن يعطيه مئة ناقةٍ دهماءَ جعاداً.
وقال ابن ميادة:
ألا ليتَ شِعرِي هلْ يحلَّنَّ أهلَهاوأهلكَ روضاتٍ ببطنِ اللِّوى خُضرا
وهلْ تأتينَّ الرِّيحُ تدرجُ موهناًبريَّاكِ تعرُوني بها بلداً قفرَا
بريحِ خُزامَى الرَّملِ باتَ معانقاًفرُوعُ الأقاحِي تهضبُ الطَّل والقطرَا
ألا ليتَني ألقاكِ يا أُمَّ جحدرٍقريباً فأمَّا الصَّبرُ عنكِ فلا صبرَا
ألا لا تلُظِّي السِّترَ يا أُمَّ جحدرٍكفَى بذُرى الأعلامِ مِنْ دوننا سِترا
وأنشدني أحمد بن يحيى:
قالتْ أُميمةُ ما لجسمكَ شاحباًوجدٌ بقلبِي يا أُميمُ برَاني
للهِ صاحبيَ الَّذي نبَّأتهُوشكوتُ حبُّكِ عندهُ فكَواني
ظنَّ المكاوِي مُخرجاتِ حرارةٍبينَ الضُّلوعِ ودونَها هَيَماني
يا للرِّجالِ أمَا رأَى ما شفَّنيأفلا بذكركِ والمُنى داوانِي
وقال كثيّر:
وددتُ وما تُغني الودادةُ أنَّنيبما في ضميرِ الحاجبيَّةِ عالمُ
فإنْ كانَ خيراً سرَّني وعلمتهُوإن كانَ شرّاً لمْ تلُمْني اللَّوائمُ
وما ذكرتكِ النَّفسُ إلاَّ تفرَّقتْفريقينِ منها عاذرٌ لي ولائمُ
وقال البحتري:
مُنَى النَّفسِ في أسماءَ لوْ تستطيعُهابها وجدُها مِنْ غادةٍ وولوعُها
عجبتُ لها تُبدِي القِلى وأودُّهاوللنَّفسِ تَعصينِي هوًى وأُطيعُها
وقال آخر:
وددتُ بأنَّ النَّاسَ كلّهمُ أناوأنِّي فداءٌ للَّذي أنا عاشقهْ
وأنِّي إذا صاحبتُ للعرضِ مِنْ غدٍإلى اللهِ جيراناً هناكَ أُوافقهْ
فإمَّا إلى جنَّاتِ عدنٍ نكنْ معاًوإمَّا إلى نارٍ ففيها أُرافقهْ
وقال كثيّر:
يودُّ بأنْ يُمسي سقيماً لعلَّهاإذا سمعتْ عنهُ بشكوَى تُراسلهْ
ويرتاحُ للمعروفِ في طلبِ العُلىلتُحمدُ يوماً عندَ ليلَى شمائلهْ
فلوْ كنتُ في كبلٍ وبحتُ بعَوْلَتيإليهِ ألانتْ جمَّةً لي سلاسلهْ
ويدركُ غيري عندَ غيركِ حظَّهُبشِعري ويُعييني بهِ ما أُحاولهْ
فلا هانتِ الأشعارُ بعدِي وبعدكمْمُحبّاً وماتَ الشِّعرُ بعدِي وقائلهْ
وقال آخر:
تمنَّيتُ في عرضِ الأمانِي وربَّماتمنَّى الفتَى أُمنيَّةً لنْ ينالَها
لَوَ انِّي وسُعدى جارُ بيتٍ حبائباًفتعلمَ حالِي ثمَّ أعلَمَ حالها
وقال عمر بن أبي ربيعة:
يا ليتَني قدْ أجزتُ الحبلَ دونكمُحبلَ المعرَّفِ أوْ جاورتُ ذا عُشرِ
إنَّ الثَّواءَ بأرضٍ لا أراكِ بهافاسْتيقنيهِ ثواءٌ حقٌّ ذي كدَرِ
وما مللتُ ولكنْ زادَ حبُّكمُوما ذكرتكِ إلاَّ ظَلتُ كالسَّدرِ
أُذري الدُّموعَ كذِي سقمٍ يُخامرهُوما يخامرُ مِنْ سقمٍ سوَى الذِّكرِ
كمْ قدْ ذكرتكِ لوْ أُجزَى بذكركمُيا أشبهَ النَّاسِ كلِّ النَّاسِ بالقمرِ
إنِّي لأجذَلُ أنْ أمشِي مقابلهُحبّاً لرؤيةِ مَنْ أحببتُ في الصُّورِ
ولبعض أهل هذا العصر:
زُبالةُ لا همَّ اسقِها ثمَّ روِّهاوقلَّتْ لها أضعافُ ذي الدَّعواتِ
ألا هلْ إلى نجدٍ وماءٍ بقاعِهاسبيلٌ وأرواحٍ بها عطراتِ
وهلْ لي إلى تلكَ الطُّليحةِ عودةٌعلَى مثلِ تلكَ الحالِ قبلَ وفاتِي
فأشربَ مِنْ ماءِ السَّماءِ فأرتويوأرعَى معَ الغزلانِ في الفلواتِ
وأُلصقَ أحشائِي برملِ زُبالةٍوآنسَ بالظِّلمانِ والظَّبياتِ
وقال بعض الأعراب:
يا ليتَ شِعري وليتٌ أصبحتْ حرَجاًهلْ أهبطنَّ بلاداً ما بها دورُ
ألا سبيلَ إلى نجدٍ وساكِنهاأمْ لا بنجدٍ حبيبُ الأهلِ مهجورُ
لقدْ تبدَّلتُ مِنْ نجدٍ وساكنهِأرضاً بها الدِّيكُ يزقُو والسَّنانيرُ
وقال آخر:
ليتَ شِعري وأينَ منِّيَ ليتٌإنَّ ليتاً وإنَّ لوّاً عناءُ
أيُّ ساعٍ سعى ليقطعَ حبلِيحينَ لاحتْ للصَّالحِ الجوزاءُ
واستكنَّ العصفورُ كُرهاً معَ الضَّبِّ وأوفَى في عودهِ الحرباءُ
وأما أهلُ قريةٍ أنكرُونيعرفَتْني الدَّوِّيَّةُ الملساءُ
عرفتْ ليلَها الطَّويل وليلِيإنَّ ليلَ المحزونِ فيهِ عناءُ
وقال آخر:
عسَى اللهُ يا ظلاَّمُ أنْ يعقبَ الهوَىفتلقَى كما قدْ كنتُ فيكِ لقيتُ
وتنهَيْ فتزدادِي إليَّ صبابةًكما ازددتُ في حبِّيكِ حينَ نُهيتُ
ألمْ تعلمِي يا ريقةَ الوصلِ أنَّنيشربتُ بصابٍ بعدكمْ فرويتُ
وإنِّي لخيرٍ قدْ تداويتُ بعدكمْبهجرٍ لكمْ مِنْ حبِّكمْ فبريتُ
وقال آخر:
ألا ليتَني لا أطلبُ الدَّهرَ حاجةًولا بغيةً إلاَّ عليكِ طريقُها
فيا حبَّذا مِنْ منظرٍ لوْ تنالهُعذابُ الثَّنايا أُمُّ عمرٍو وريقُها
وقال آخر:
إذا كلَّمْتِني وكحلتِ عينيبعينكِ فامنَعي ما شئتِ منِّي
إذا ازدحمتْ همومِي في فؤادِيطلبتُ لها المخارجَ بالتَّمنِّي
وقال آخر:
ألا ليتَ بعدَ الموتِ أُنشرُ نشرةًفأنظرَ ما شمطاءُ صانعةٌ بعدِي
أترعَى وصالَ العهدِ بيني وبينَهافذلكَ ظنِّي أمْ تغيَّرُ عنْ عهدِي
وقال العباس بن الأحنف
تمنَّى رجالٌ ما أحبُّوا وإنَّماتمنَّيتُ أنْ أشكُو إليها وتسمعَا
أرَى كلَّ معشوقينِ غيرِي وغيرَهاقدِ استعذَبا طعمَ الهوَى وتمتَّعا
وإنِّي وإيَّاها علَى حدِّ رقبةٍوتفريقِ شملٍ لمْ نبتْ ليلةً معَا
وإنِّي لأنهَى النَّفسَ عنها ولمْ تكنْبشيءٍ منَ الدُّنيا سواها لتقْنَعا
وقال جميل:
ألا ليتَنا نحيَى جميعاً وإنْ نمتْيجاورُ في الموتَى ضريحِي ضريحُها
فما أنا في طولِ الحياةِ براغبٍإذا قيلَ قدْ سُوِّي عليها صفيحُها
أظلُّ نهارِي مُستهاماً ونلتَقِيمعَ اللَّيلِ رُوحي في المنامِ وروحُها
وقال أبو بكر عبد الرحمن الزهري:
ولمَّا نزلْنا منزلاً طلَّهُ النَّدىأنيقاً وبستاناً منَ النَّورِ حاليا
أجدَّ لنا طيبُ المكانِ وحسنهُمُنًى فتمنَّينا فكنتِ الأمانيا
وقال مزاحم العقيلي:
وددتُ علَى ما كانَ منْ شرفِ الفتَىوجهلِ الأمانِي أنَّ ما شئتُ تفعلُ
فترجعَ أيَّامٌ مضينَ بنعمةٍعلينا وهلْ يُثنَى منَ العيشِ أوَّلُ
وقال جرير:
أُؤمِّلُ أنْ أُلاقيَ آلَ ليلَىكما يرجُو أخُو السَّنةِ الرَّبيعا
فلستُ بنائمٍ إلاَّ بهمٍّولا مستيقظاً إلاَّ مَروعا
وقال آخر:
فما مسَّ جنبِي الأرضَ إلاَّ ذكرتُهاوإلاَّ وجدتُ ريحَها في ثيابيا
فيا ربِّ إنْ كانتْ عروضُ هيَ المُنىفزنِّي بعينيها كما زِنتَها لِيا
وقال سعد ذلفاء:
فليتَ ابنَ أوسٍ حينَ يأتيهِ أهلُهايخاصمهمْ أهلِي قضانِي لها عبْدا
فتربطُني ذلفاءَ في شقِّ بيتِهاإلى الطَّنبِ الأقصَى فتوسعُني جلدا
فأضحكَ منها إذا تقولُ نساؤُهالكِ الويلُ يا ذلفاءُ لا تقتُلي سعدَا
وقال عروة بن حزام:
كأنَّ قطاةً عُلِّقتْ بجناحِهاعلَى كبدِي مِنْ شدَّةِ الخفقانِ
ألا ليتَنا نحيَى جميعاً وليتَناإذا نحنُ مُتنا ضمَّنا كفنانِ
ألا ليتَنا عفراءُ مِنْ غيرِ ريبةٍبعيرانِ نرعَى القفرَ مؤتلفانِ
وإنِّي لأهوَى الحشرَ إذْ قيلَ إنَّنيوعفراءَ يومَ الحشرِ ملتقيانِ
وقال آخر:
ألا مَنْ لهمٍّ بتُّ وحدِي أُكابدهْومَنْ يكُ ذا همٍّ يبتْ وهوَ عامدهْ
تذكَّرتُ بطنَ الحِبرِ يا ليتَني بهِإذا اعتمَّ بيتاً متنهُ وأجالدهْ
وقال الأحوص:
إنِّي لآملُ أن تدنُو وإنْ بعُدتْوالشَّيءُ يؤملُ أنْ يدنُو وإنْ بعُدا
أبغضتُ كلَّ بلادٍ كنتُ آلفُهافما أُلائمُ إلاَّ أرضَها بلدَا
يا للرِّجالِ لمقتولٍ بلا ترَةٍلا يأخذونَ لهُ عقلاً ولا قوَدا
إنْ قرَّبتْ لمْ يُفقْ عنها وإنْ بعُدتْتقطَّعتْ نفسهُ مِنْ حبِّها قدَدا
ما تذكرُ الدَّهرَ لي سُعدى وإنْ نزحتْإلاَّ ترقرقَ ماءُ العينِ فاطَّردا
ولا قرأتُ كتاباً منكِ يبلُغُنيإلاَّ تنفَّستُ مِنْ وجدٍ بكمْ صعدا
وقدْ بدتْ لي مِنْ سُعدى معاتبةٌأمسَى وأضحَى بها جدِّي وما سعِدا
ولو أُعاتبُ ذا حقدٍ قتلتُ لهُنفساً مُعاتَبَتي إيَّاكِ ما حقدا
وقال النميري:
ألا هلْ إلى نصِّ النَّواعجِ بالضُّحىوشمِّ الخُزامى بالعشيِّ سبيلُ
بلادٌ بها أمسَى الهوَى غيرَ أنَّنيأميلُ معَ المقدارِ حيثُ يميلُ
وقال أبو القمقام الفقعسي:
يقرُّ بعيني أن أرَى رملةَ الغضاإذا ما بدتْ يوماً لعينِي قِلالُها
ولستُ وإنْ أحببتُ مَنْ يسكنُ الغضابأوَّلِ راجٍ حاجةً لا ينالُها
وقال أيضاً:
تبدَّلَ هذا السِّدرُ أهلاً وليتَنيأرَى السِّدرَ بعدِي كيفَ كانتْ بدائلهْ
فعهدِي بهِ عذبَ الجنَى ناعمَ الذُّرَىتطيبُ وتندَى بالعشيِّ أصائلهْ
كما لوْ وشَى بالسِّدرِ واشٍ رددْتهُكئيباً ولمْ تملحْ لديَّ شمائلهْ
وقال آخر:
ألا هلْ إلى إلمامةٍ قبلَ موتِناسبيلٌ وهلْ للنَّازحينَ رجوعُ
وهلْ لعيونٍ قدْ بكينَ إلى الفلاوأبكينَ حتَّى ما لهنَّ دموعُ
يُحاذرنَ إنْ لا يرتجعنَ إلى الفلاوإنْ لا يُراعُ الشَّملُ وهوَ جميعُ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع