من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الحادي والأربعون: من غلب عزاه كثر بكاه
أمَّا أهل هذا الباب فقد انفردوا بأمرٍ يقوم لهم ببعض العذر على أنَّ ذلك الأمر الَّذي يعذرهم هو بعينهِ يدلُّ على نقيصتهمْ فأما جهته المحمودة فهي وصف الحال بالدَّمع لا يمكن فيها من التَّصنُّع ما يمكن في الصِّفات بالألسن وأما جهته المذمومة وهي أنَّ امتناع الدَّمع من الجريان أوَّل على تظاهر ألم الأشجان لعلَّةٍ سنذكرها في الباب الثاني ولا نألو إن شاء الله أن نذكر من هذا الباب أحسن ما قيل فيه على النقص الَّذي يلحق قائليه ثمَّ نذكر الحال التَّامة في الباب الَّذي يليه.
أنشدني أبو عبادة البحتري لنفسه:
لعمْرُ الرُّسومِ الدَّارساتِ لقد جرتْبريَّا سعادٍ وهي طيِّبةُ العرْفِ
بكيْنا فمنْ دمعٍ يمازجهُ دمٌهناكَ ومن دمعٍ نجودُ به صرفِ
وقال أبو تمام الطائي:
لا عذرَ للصبِّ أن يُفني الحياءَ ولاللدَّمعِ بعدَ مضيِّ الحيِّ أنْ يقفا
حتَّى يطلُّ بماءٍ سافحٍ ودمٍفي الرَّبعِ يُحسبُ من عينيهِ قدْ رعِفا
وقال آخر:
وبتُّ من الأحزانِ قد أسفرَ الضُّحىوفي كبدي من جمرهنَّ حريقُ
مزجْتُ دماً بالدُّمعِ حتَّى كأنَّمايُذابُ بعيني لؤلؤٌ وعقيقُ
وقال أحمد بن أبي طاهر:
دموعٌ فيضهُنَّ معَ الدِماءِكما ورَّدْتَ حاشيةَ الرِّداءِ
أُريحُ إلى الدُّموعِ الوجدَ منِّيإذا ما عزَّني حسنُ العزاءِ
ملامكَ ليسَ من عينيكَ دمعيولا بحشاكَ أسقامي ودائي
وقال آخر:
فما زالَ يشكو الحبَّ حتَّى كأنَّماتنفَّسَ من أحشائهِ أوْ تكلَّما
ويبكي فأبكي رحمةً لبُكائهِإذا ما بكى دمعاً بكيتُ له دما
وقال آخر:
وقفنا وثالثُنا عبرةٌفيشكو إليَّ وأشكو إليهْ
وولَّى يخوضُ دموعاً جرَيْنَ من مُقلتيَّ ومن مُقلتيهْ
ويستودعُ الله ما في يديَّوأستودعُ الله ما في يديهْ
وقال آخر:
يقولُ وقد أبكى البُكاءَ بمُقلتينُدوباً ألا داويتَ عينيكَ بالكُحلِ
فقلتُ رأيتُ الكُحلَ يشغلُ قدرهُمن العينِ قدراً لم يكنْ عنكَ في شُغلِ
وقال آخر:
محبٌّ بكتْ عيناهُ من حبِّ قاتلٍفيا قاتلاً يبكي عليهِ قتيلُ
خليلٌ جفاني كانَ روحي لروحهِخليلاً وهلْ يجفو الخليلَ خليلُ
وقال آخر:
وما شنَّتا خرقاءُ واهيتا الكُلىسقى بهما ساقٍ ولم يتبلَّلا
بأضيعَ من عينيكَ للماءِ كلَّماتوسَّمْتَ برقاً أوْ توهَّمْتَ منزلا
وقال أبو حية النميري:
لعينيكَ يومَ البينِ أسرعُ واكفاًمنَ الفنن الممطورِ وهو مروحُ
إذا قلتُ يفنى ماؤها اليومَ أصبحتْغداً وهيَ ريَّا الماقيَيْنِ نضوحُ
وقال جران العود:
أبيتُ كأنَّ العينَ أفنانُ سدرةٍإذا ما بدا من آخرِ اللَّيلِ تنطفُ
أُراقبُ لمحاً من سُهيلٍ كأنَّهُإذا ما بدا من آخرِ اللَّيلِ يطرفُ
وقال ابن هرمة:
استبقِ دمعكَ لا يودي البكاءُ بهِواكففْ بوادرَ من عينيكَ تستبقُ
ليسَ الشُّؤونُ وإن جادتْ بباقيةٍولا الجفونُ علَى هذا ولا الحدقُ
وقال آخر:
وممَّا شجاني أنَّها يومَ ودَّعتْتولَّتْ وماءُ العينِ في الجفنِ حائرُ
فلمَّا أعادتْ من بعيدٍ بنظرةٍإليَّ التفاتاً أسلمتْهُ المحاجرُ
وقال ابن ميادة:
ألا مَنْ لعَيْنٍ لا ترى صائباً ولاترى واديَ الطَّرفاء إلاَّ استهلَّتِ
بماءٍ لوَ انَّ المُزنَ جادتْ بمثلهِرضينا بما جادتْ بهِ حينَ ولَّتِ
وللعينِ فيضاتٌ إذا ما ذكرتُهاوللصَّدرِ بلبالٌ إذا العينُ كلَّتِ
وقال الطائي:
لو قيلَ سلْ تُعطَ المنى أنْ لو درىمولاهُ في الخُلواتِ كيفَ بُكاؤهُ
مطرٌ منَ العبراتِ خدِّي أرضهُحتَّى الصَّباحِ ومُقلتيَّ سماؤهُ
وقال ابن قوفا:
سيِّدي أنتَ لمْ أقُلْ سيِّدي أنْتَ لمخلوقٍ سواكَ والصَّبُّ عبدُ
كبدٌ رطبةٌ تذوبُ منَ الوجْدِ وخدٌّ فيهِ منَ الدَّمعِ خدُّ
وقال آخر:
نظرتُ كأنِّي من وراءِ زجاجةٍإلى الدَّارِ من ماءِ الصَّبابةِ أنظرُ
فعينايَ طوراً تغرقانِ منَ البُكافأغشى وطوراً تحسرانِ فأُبصرُ
وهذا مأخوذ من قول ذي الرمة:
لعمركَ إنِّي يومَ جرعاءِ مالكٍلذو عبرةٍ كُلاًّ تفيضُ وتخنقُ
وإنسانُ عيني يحسرُ الماءُ مرَّةًفيبدو وأحياناً يجمُّ فيغرقُ
وقال ابن هرمة:
كأنَّ عينيَ إذْ ولَّتْ حمولهُمْعنَّا جناحا حمامٍ صادفا مطرا
أوْ لؤلؤٌ سلسٌ في عقدِ جاريةٍخرقاءَ نازعها الوُلدانُ فانتثرا
وقال آخر:
تكادُ أُخرى دموعي من تسرُّعهاتفيضُ قبلَ الأُلى أنْ ينحدرْنَ معا
وغاضَ عنها كثيراً راجعاً حذراًولنْ ترى قاتلاً كالدَّمعِ إن رجعا
وقال أبو نواس:
يا قمراً أبصرْتُ في مأتمٍيندبُ شجواً بينَ أترابِ
تبكي فتُذري الدُّرَّ من عينهاوتلطمُ الوردَ بعنَّابِ
وقال أيضاً:
تقولُ غداةَ البينِ عندَ وداعهاليَ الكبدُ الحرَّى فسرْ ولكَ الصَّبرا
وقدْ سبقتْها عبرةٌ فدموعهاعلَى خدِّها بيضٌ وفي نحرها صفرُ
وقال بعض الأعراب:
عشيُّ وداع قبِّحتْ من عشيَّةٍولكنَّها لا قُبِّحتْ من مُودَّعِ
كأنَّ انحدارَ الدَّمعِ منها تعدُّهُلها ذاتُ سلكٍ قيلَ عُدِّي وأسرعي
وقال ابن الدمينة:
أفي كلِّ يومٍ أنتَ رامٍ بلادهابعينيْنِ إنساناهُما غرقانِ
إذا اغروْرَقَتْ عينايَ قال صحابتيلقدْ أُولعَتْ عيناكَ بالهملانِ
ألا فاحملاني باركَ اللهُ فيكُماإلى حاضرِ الرَّوحاءِ ثمَّ ذراني
وقال الركاض الزبيري:
فيا مَنْ لعينٍ قد أضرَّ بها البُكافهلْ حاولتْ من طولِ ما سجمَتْ تعمى
وقلبٍ كئيبٍ لا يزالُ كأنَّمايُقلَّبُ في أعراضهِ ميسمٌ مُحْمى
وقال البحتري:
دنتْ فدنا هجرانُها فإذا نأتْغدا وصلُها المطلوبُ أنأى وأسحقا
وما ربَّما بلْ كلَّما عنَّ ذكرُهابكيْتَ فأبكيتَ الحمامَ المُطوَّقا
وقال آخر:
عرِّجْ بذي سلمٍ ففيهِ المنزلُليقولَ صبٌّ ما أرادَ ويفعلُ
سارتْ مقدَّمةُ الدُّموعِ وخلَّفتْحُرقاً توقَّدُ في الحشا ما ترحلُ
إنَّ الفراقَ كما علمْتَ فخلِّنيومدامعاً تسعُ الفراقَ وتفضلُ
إلاَّ يكنْ صبرٌ جميلٌ فالهوىنشوانُ يجملُ فيه ما لا يجملُ
ولبعض أهل هذا العصر:
ولمَّا وقفنا للوداعِ وبينناأحاديثُ يُعْيي الحاسبينَ عديدُها
تبادرَ دمعي فانصرفْتُ تهضُّنيإلى عبرتي بُقيا عليكَ أذودُها
فما أشبهتْ عينايَ إلاَّ سحابةًدنا صرْبُها واستعجلتها رعودُها
فما زالَ زجرُ الرَّعدِ يحدو سحابهافتبدو وأرواحُ الشَّمالِ تُحيدُها
فما أقلعَتْ حتَّى بكتْ فتضاحكَتْرياضُ الرُّبى فاخضرَّ بالعشبِ عودها
وهلْ تتلافى ذاتُ عقدٍ جُمانَهاإذا انسلَّ من سلكِ النِّظامِ فريدُها
فقال رفيقي ما للونِكَ حائلاًوعينيكَ ما يعدو جفونكَ جودُها
فأغضيْتُ عن ردِّ الجوابِ تبلُّداًوخيرُ قلوبِ العاشقينَ بليدُها
وقال البحتري:
لعَمرُ المغاني يومَ صحراءِ أرثدِلقد هيَّجتْ وجداً علَى ذيَ توجُّدِ
منازلُ أمستْ للرِّياحِ منازلاًتردَّدُ منها بينَ نؤْيٍ ورِمْددِ
شجتْ صاحبي أطلالُها فتهلَّلتْمدامعهُ فيها وما قلتُ أسعدِ
وقلَّتْ لدارِ المالكيَّةِ عبرةٌمنَ الشَّوقِ لم تُملكْ بصبرٍ فتُرْددِ
سقتها الغوادي حيثُ حلَّتْ ديارُهاعلَى أنَّها لم تشفِ ذا الغُلَّةِ الصَّدِّي
تزيدينَ هجراً كلَّما ازددْتُ صبوةًطلاباً لأنْ أُردى فها أنذا رَدِ
وقال الحسين بن الضحاك:
هَبوني أغضُّ إذا ما بدتْوأملكُ طرفي فلا أنظرُ
فكيفَ انتصاري إذا ما الدُّموعُنطقْنَ فبُحْنَ بما أُضمرُ
وقال آخر:
ألا أيُّها الباكونَ من ألمِ الهوَىأظنُّكمُ أُدركْتُمُ بذنوبِ
تعالَوْا نُدافعْ جُهدنا عنْ قلوبنافنوشكَ أن نبقى بغيرِ قلوبِ
وقال البحتري:
أعرضْتِ حتَّى خلْتُ أنِّي ظالمٌوعتبتِ حتَّى قلتُ إنِّي مُذنبُ
سأعدُّ ما ألقى فإنْ كذَّبتنيفسلي الدُّموعَ فإنَّها لا تكذبُ
وقال آخر:
قالوا تصنَّعَ بالبُكاءِ فقلتُ هلْيبكي الشَّجيُّ لغيرِ ما في قلبهِ
ولقدْ ألِفتُ الدَّمعَ حتَّى ربَّماجرتِ الجفونُ بهِ ولم أعلمْ بهِ
وقال آخر:
وغائبِ الرُّوحِ شاهدِ البدنِيبكي بعينٍ قليلةِ الوسنِ
يبكي عليها بها مخافةَ أنْتقْرِنهُ والظَّلامَ في قرَنِ
وقال البحتري:
هلْ أنتَ من حبِّ ليلَى آخذٌ بيديأوْ ناصرٌ لي علَى التَّعذيبِ والسَّهدِ
وهلْ دموعٌ أفاضَ الحزنُ ريِّقَهاتُدني منَ البعدِ أوْ تشفي منَ الكمدِ
قد باتَ مُستعبراً من كانَ مُصطبراًوعادَ ذا جزعٍ من كانَ ذا جلدِ
إنْ أسخطَ الهجرُ لا أرجِعْ إلى بدلٍمنهُ وإنْ أطلُبِ السُّلوانَ لا أجدِ
وقال الأعشى:
وفاضتْ دموعي فظلَّ الشُّؤونُإمَّا وكيفاً وإمَّا انحدارا
كما أسلمَ السِّلكُ منْ نظمهِلآلئَ مُنحدراتٍ صغارا
وقال آخر:
ولوْ أنَّ دمعي لم يفضْ لتقطَّعتْنباتُ فؤادي حينَ تُذكرُ من وجدي
وقدْ صرمتْني إذْ تيقَّنَ قلبُهابأنْ لستُ عنها بالصَّبورِ ولا الجلدِ
فيا ليتني واللهِ متُّ ولمْ أكنْفتحتُ لها بالدَّمعِ باباً منَ الصَّدِّ
وقال آخر:
أعيْنَيَّ ما لي كلَّما بتُّ ليلةًبأرضٍ فضاءٍ كانِ دمعي قراكُما
أعينيَّ لامَ اللهُ من لامَ فيكُمامُحبّاً وآذى من يريدُ أذاكُما
أعينيَّ صبراً أعقباني حلاوةًفقدْ خفتُ من طولِ البكاءِ عماكُما
ألا قد أرى واللهِ أنْ قد قذيتُمابمن لا يبالي أن يطولَ قذاكُما
أجدَّكُما لا تذكرا زمناً مضىبصنعاءَ لا بلْ جنِّباني نداكُما
وأنشدتني مريم الأسدية:
أعينيَّ من كحلِ الطَّبيبِ تداويافلا كحلَ بعدَ اليومِ يشفي قذاكُما
أعينيَّ كفَّا الدَّمعَ لا تُشمتا بناعدوّاً ولا يُحزنْ صديقاً بكاكُما
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع