من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الرابع والأربعون: مَنْ غُلب صبرهُ ظهرَ سرُّهُ
ذكروا أنَّ سكينة بنت الحسين ركبت في جواريها فمرَّت بعروة بن أُذينة الليثي وهو يغنِّي فقالت لجواريها: من الشَّيخ؟ قالوا: عروة فعدلت نحوه ثمَّ قالت: يا أبا التَّمام أنت تزعم أنَّك لم تعشق قطّ وأنت تقول:
قالتْ وأبثثْتُها وجدِي فبحتُ بهِقدْ كنتَ عندِي تحتَ السِّترِ فاستترِ
ألستَ تبصرُ مَنْ حولِي فقلتُ لهاغطَّى هواكِ وما ألقَى علَى بصرِي
كلُّ مَن ترى حولي مِن جواريَّ أحرارٌ إن كان خرج هذا الكلام من قلبٍ سليمٍ قطُّ.
وقال آخر:
وإنْ أُخفِي حبَّ الحاجبيِّ فطالَماوإنْ أُبدهِ يوماً فقدْ غُلبَ الصَّبرُ
أقولُ وعينِي تستهلُّ بمائِهاأمَا ليَ في هذا وأمثالهِ أجرُ
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
وعيَّرَها الواشونَ أنِّي أُحبُّهاوتلكَ شكاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُها
فإنْ أعتذرْ منها فإنِّي مكذَّبٌوإنْ تعتذرْ يُرددْ عليها اعتذارُها
وقال الضحاك بن عقيل:
يقولونَ مجنونٌ بسمراءَ مولعٌألا حبَّذا جنٌّ بها وولوعُ
وما زلتُ أُخفِي حبَّ سمراءَ منهمُوتعلمُ نفسِي أنَّه سيشيعُ
ولا خيرَ في حبٍّ يكونُ كأنَّهُشغافٌ أجنَّتهُ حشاً وضلوعُ
وقال الحسين بن وهب:
قدْ كتمتُ الهوَى بمبلغِ جُهديفبدَا منهُ غيرُ ما كنتُ أُبدي
فخلعتُ العذارَ فليعلمِ النَّاسُبأنِّي إيَّاكِ أُصفِي بودِّي
وأنشدني أحمد بن يحيى:
ولي كبدٌ مقروحةٌ مَنْ يبيعُنيبها كبداً ليستْ بذاتِ قروحِ
أباها عليَّ النَّاسُ لا يشترُونَهاومَنْ يشترِي ذا علَّةٍ بصحيحِ
وقال معاذ ليلَى:
وما زلتُ أعلُو حبَّ ليلَى فلمْ يزلْبيَ النَّقضُ والإبرامُ حتَّى علانِيا
وأشهدُ عندَ اللهِ أنِّي أُحبُّهافهذا لها عندِي فما عندَها لِيا
قضَى اللهُ بالمعروفِ منها لغيرِناوبالشَّوقِ منها والتَّصابِي قضَى لِيا
فلوْ كنتُ أعمَى أخبطُ الأرضَ بالعصَاأصمَّ فنادتْني أحببتُ المُناديا
خليليَّ إلاَّ تبكِيا ليَ أستعنْخليلاً إذا أنفدتُ دمعِي بكَى لِيا
وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي لامرأة من خثعم:
وإنْ تسألُونيَ مَنْ أُحبُّ فإنَّنيأُحبُّ وبيتَ اللهِ كعبَ بنَ طارقِ
أُحبُّ الفتَى الجعدَ السَّلوليَّ والعصامنَ النَّبعِ هيَّاها لضربِ المفارقِ
وقال أبو العتاهية:
قالَ لي أحمدٌ ولمْ يدرِ ما بِيأتحبُّ الغداةَ عُتبةَ حقَّا
فتنفَّستُ ثمَّ قلتُ نعمْ حُبّاً جرَى في العظامِ عرقاً فعِرقا
وقال آخر:
وقالَ نساءٌ لسنَ لي بنواصحٍليعلمنَ ما أُخفي ويعلمنَ ما أُبدِي
أأحببتَ ليلَى جهدَ حبِّكَ كلِّهِلعمرُ أبي ليلَى وزدتُ علَى الجهدِ
علَى ذاكَ ما يمحُو ليَ الذَّنبُ عندَهاوتمحُو دواعِي حبِّها ذنبَها عندِي
ولبعض أهل هذا العصر:
أرَى كلَّ مرتابٍ يخافُ خيالهُكأنَّ عيونَ العالمينَ تراقبهْ
يكادُ لفرطِ الخوفِ يُبدِي ضميرهُلكلِّ امرئٍ تُخشَى عليهِ عواقبهْ
عليَّ بوادٍ مَنْ يخافُ اغتيابُهُتُبتُّ لديها في الأنامِ مناقبهْ
فإيَّاكُما يا صاحبيَّ ومشهداًتُنسِّيكما ما سرَّ منهُ عواقبهْ
وإيَّاكُما والذَّنبَ ترتكِبانهِوإنْ كانَ في الأحيانِ يعذرُ راكبهْ
فما كلُّ معذورٍ حقيقاً بعذرهِولا كلُّ معذولٍ تعيبُ معايبهْ
وقال الحطيئة:
أكلُّ النَّاسِ يكتمُ حبَّ هندٍوما يخفى بذلكَ مِنْ خفيِّ
وما لكَ غيرَ نظَّارٍ إليهاكما نظرَ الفقيرُ إلى الغنيِّ
وقال الأحوص:
لقد سلا كلُّ صبٍّ أوْ قضَى وطراًوما سلوتُ وما قضَّيتُ أوطارِي
أضمرتُ ذاكَ زماناً ثمَّ بحتُ بهِفزادَني سقماً بَوحي وإضماري
أخفيتُ في العرفِ هذا النُّكرَ ذلكمُفصرَّحَ الوجدُ عنْ عُرفِي وإنكارِي
وهذا لعمري من حسن الكلام ونفيسه ألا ترى إلى إخباره عن اجتهاده في كتم ما في قلبه حتَّى صرَّح الوجد به من غير قصد له ولا اختيار منه وهذه هي الحال التامة من جهتين إحداهما أن يكون المحبُّ مؤثراً الإسرار على الإعلان والأخرى أن يكون الوجد تملَّكه ملكاً يزول معه الكتمان فيكون ضابطاً لنفسه مؤثراً لكتمان سرِّ ما دام التَّمييز معه إلى أن يغلبه من الوجد ما لا يستطيع أن يدفعه.
ولقد أحسن البحتري غاية الإحسان حيث يقول:
نصرتُ لها الشَّوقَ اللَّجوجَ بأدمعٍتلاحقنَ في أعقابِ وصلٍ تصرَّما
وتيَّمنِي أنَّ الجوَى غيرُ مُقصرٍوأنَّ الحمَى وصفٌ لمنْ حلَّ بالحمَى
أُؤلِّفُ نفساً قدْ أُعيدتْ علَى الهوَىشعاعاً وقلباً في الغواني مقسَّما
لقدْ أخذَ الرُّكبانُ أمسِ وغادرُواحديثَينِ منَّا ظاهراً ومكتَّما
وما كانَ بادِي الحبِّ منَّا ومنكمُليخفَى ولا سرُّ التَّلاقي ليُعلما
أفلا ترى إلى حسن قسمته لما خفي وما ظهر من سرِّه فأعلمك أنَّ ما به من غلبات الوجد أخرجها الشَّوق عن يده فظهرت لمن بحضرته وأنَّ ما استودعه من السَّرائر الَّتي كانت بينه وبين إلفه لم يكن ليطَّلع عليها غيره وهذا هو الَّذي أطريناه ومدحنا من فعله في الباب الماضي من وجوب ظهور الحال وحدها واستخفاء ما بعدها والعلَّة في ذلك أنَّ مكتوم الحبّ يظهره الدَّمع ومكنون ما جرى من المحبِّين لا يظهره غير النُّطق والنَّاس قادرون على حبس ألسنتهم وعاجزون عن حبس دمعهم سيَّما إذا ملكهم اشتياق أو جدَّ بهم فراقٌ.
ولقد أحسن الَّذي يقول:
يا حسرَتا قدْ فُقدَ العمرُوليسَ لي عنْ مالِكِي صبرُ
وكمْ أُدارِي النَّاسَ عنْ قصَّتيوليسَ لي عنْ مالِكِي سرُّ
يا ربِّ قدْ عذَّبتني بالهوَىطفلاً وكهلاً فلكَ الشُّكرُ
وقال جرير:
وما زالَ عنِّي قائدُ الشَّوقِ والهوَىوذكركِ حتَّى كادَ يبدُو ويُفصحُ
أصونُ الهوَى مِنْ خشيةٍ أنْ تعرَّهاعيونٌ وأعداءٌ منَ القومِ كشَّحِ
فما برحَ الوجدُ الَّذي قدْ تلبَّستْبهِ النَّفسُ حتَّى كادَ لي الشَّوقُ يذبحُ
وقال العرجي:
إذا رمتُ كتماناً لوجدكِ حرَّشتْعليكِ العدَى عينٌ بسرِّكِ تنطقُ
لها شاهدٌ مِنْ دمعِها كلَّما وفَىجرَى شاهدٌ مِنْ دمعِها يترقرقُ
وقال يزيد بن الطثرية:
جرَى واكفُ العينينِ بالدِّيمةِ السَّكبِوراجعَني مِنْ ذكرِ ما قدْ مضَى حبِّي
وأبدَى الهوَى ما كنتُ أُخفي منَ العدَىوجنَّ لتذكارِ الصِّبى مرَّةً قلبِي
متى يُرسلِ المُشفِي إنِ النَّاسُ محَّلواعيوناً لأكنافِ المدينةِ فالهضبِ
أمتْ كمداً أوْ أضنَ حتَّى يُغيثنيمغيثٌ بسيبٍ مِنْ نداهنَّ أوْ قربِ
حنَا الحائمُ الصَّادي إليها وخُلِّيتْقلوبٌ فما يقدرونَ منها علَى شربِ
جعلنَ الهوَى داءً علينا وما لناإليهنَّ إذا أورَدْننا الدَّاءَ مِنْ ذنبِ
وقال آخر:
ولمَّا رأَى ألاَّ سبيلَ وأنَّههوَ البينُ مقصوراً عليهِ الأضالعُ
تهتَّكَ عنْ أسرارِ قلبٍ وأسجمتْمدامعُ عينٍ بينَها السِّرُّ ضائعُ
وقال العباس بن الأحنف:
أمسَى بكاكَ علَى هواكَ دليلافازجرْ دموعكَ عنْ أن تفيض همولا
دار الجليس عن الدموع فإن بدتْفانظر إلى أفقِ السماء طويلا
وقال آخر:
بين الجوانح منك قلبٌ خافقُولسان دمعك عن ضميركَ ناطقُ
إجهرْ بحبِّكَ طالَما أسررْتَهُوإذا استترَ الحبُّ ماتَ العاشقُ
وقال آخر:
لولا تحدُّرُ دمعي حينَ تذكرُ ليلمْ يعلمِ النَّاسُ مِنْ سرِّي بمكتومِ
فما احتِيالي بعينٍ غيرِ راقيةٍتبكِي بدمعينِ مذروفٍ ومسجومِ
نمَّتْ عليَّ فأبدتْ ما استترتُ بهِوقدْ يكونُ سَتيراً غيرَ مذمومِ
وقال أبو حفص الشطرنجي:
وقالتْ بحتَ بالأسرارِ عنِّيوما هذا بفعلِ أخي الكريمةْ
فقلتُ لها فدتكِ النَّفسُ نمَّتْبما لاقيتُ مُقلتيَ المشومةْ
فألقتْ نفسَها ضحكاً وقالتْقدِ ارتفعَ الحديثُ عنِ النَّميمةْ
ولقد أحسن ابن قنبر حيث يقول:
خُذيني بما يجنِي لِسانِي واصفَحِيلنا عنْ جناياتِ الدُّموعِ البواردِ
فقدْ شهرتْني مرَّةً بعدَ مرَّةٍفأبدتْ برغمي خافياتِ سرائرِي
ولوْ أنَّ عَيني طاوعتْني لاختَفَىعليَّ الهوَى أُخرى اللَّيالي الغوابرِ
ولكنَّها تُبدِي إذا ما ذكرتكمْبفيضِ مآقيها خَبايا الضمائرِ
وقال أحمد بن أبي قين:
ولمَّا أبتْ عينايَ أنْ تستُرا الهوَىوأنْ تقِفا فيضُ الدُّموعِ السَّواكبِ
تثاءبتُ كَيْلا ينكرَ الدَّمعُ منكرٌولكنْ قليلٌ ما بقاءُ التَّثاؤبِ
أعرَّضْتُماني للنَّدِي ونمتُماعليَّ لبئسَ الصَّاحبانِ لصاحبِ
وقال النابغة:
طوَى كشحاً خليلكَ والجناحَالبينٍ منكَ يومَ غدَا وراحَا
فيا لكِ حاجةً في صدرِ صبٍّرأَى الأظعانَ باكرةً فباحَا
وقال البحتري:
يا أخا الأزدِ ما حفظتَ الإخاءَلمحبٍّ وما ذكرتَ الوفاءَ
عذلاً يتركُ الحنينَ أنيناًفي هوًى يتركُ الدُّموعَ دماءَ
كيفَ أغدُو منَ الصَّبابةِ خلْواًبعدَما راحتِ الدِّيارُ خلاءَ
حجبوها حتَّى بدتْ لفراقٍكانَ داءً لعاشقٍ ودواءَ
أضحكَ البينُ يومَ ذاكَ وأبكَىكلَّ ذِي صبوةٍ وسرَّ وساءَ
فجعلنا الوداعَ فيهِ سلاماًوجعلنا الفراقَ فيهِ لقاءَ
ووشتْ بي إلى الوشاةِ دموعُ العينِ حتَّى حسبتُها أعداءَ
قد كثَّر النَّاس في شكاية الدَّمع وخبَّروا بأنَّه من أشدّ الأشياء دلالة على السُّرور بما امتنع بضروب من الصَّنائع إمَّا لفرط جفاف في الدِّماغ يحتمل ما ورد عليه من البخارات فلا ينحدر عنه حتَّى يكثر كثرةً غالبةً وربَّما امتنع لشدَّة الكمد حسب ما ذكرناه بديَّا وللهوى دلالات تتبيَّن في الزَّفرات واللَّون والنَّظر والإرشادات لا تكاد تفتقد وجدها ومفتقدها أيضاً يراها وإن لم يعرف لها شبيهاً عند تلاقي المتحابَّين.
أنشدنا أحمد بن أبي طاهر:
تكلَّمُ عمَّا في الصُّدورِ عيونُناوتفقهُ عنَّا أعينٌ وحواجبُ
فمنْ قالَ إنَّ الحبَّ يخفَى لذِي الهوَىإذا ما رأَى أحبابهُ فهوَ كاذبُ
ولبعض أهل هذا العصر:
لا خيرَ في عاشقٍ يُخفي صبابتهُبالقولِ والشَّوقِ مِنْ زفراتهِ بادِي
يُخفي هواهُ وما يخفَى علَى أحدٍحتَّى علَى العيسِ والرُّكبانِ والحادِي
وقال مسلم بن الوليد:
أمَّا الجميعُ فزايلوكَ لنيَّةٍفمتَى تراهمْ راجعينَ قفُولا
تاللهِ ما علمَ السُّرورُ ولا الكرَىأنَّ الفراقَ منَ اللِّقاءِ أُدِيلا
فإذا زجرتُ القلبَ عادَ وجيبُهُوإذا حبستُ الدَّمعَ فاضَ هُمولا
وإذا رجعتُ إلى الهوَى بعثَ الهوَىنفَساً يكونُ علَى الضَّميرِ دليلا
ولبعض أهل هذا العصر:
هُبونِي أخفيتُ الَّذي بي منَ الهوَىألمْ يكُ عنْ ما بي ضميرٌ مُترجِما
وما زلتُ أستحيي منَ النَّاسِ أن أُرَىظلوماً لإلفِي أوْ أُرَى متظلِّما
وباللهِ ما حلتُ الغداةَ عنِ الَّذيعهدتَ ولكنْ كنتُ إذْ ذاكَ مُنعما
وقدْ ذابَ قلبِي اليومَ شوقاً وصبوةًإليكَ وما ترْثِي لقلبِي منهُما
فلا تتعجَّبْ إنْ تظلَّمتُ مُحوَجاًفقدْ حانَ للمظلومِ أنْ يتظلَّما
وقال آخر:
لو كنتُ أُظهرُ ما أُكاتمكمْ بهِهلْ كنتُ إلاَّ مُخبراً بودادِي
أفليسَ في نظَري تأمُّلُ بائنٍيُنبيكَ عمَّا في ضميرِ فؤادِي
فهذه الجهات كلّها تنمُّ الهوَى على أهله وتدلُّ مشاهدتها على موضعه وربَّما كان إفراط التَّحفُّظ دالاً على هوى التَّحفُّظ لأنَّ التَّصنُّع الشَّديد يخرج عند العادة فيوقع التّهمة بمن استعمله لقد سمعت فتًى من أهل الأدب يقول لآخر من أهل الهوى وقد أفرط في احتشامه وحاذر أن يطَّلع على شيءٍ من حاله قد والله بلغ منِّي ما أراه بك على أنَّه ما يظهر لي من حالك إلاَّ كتمانك لأمرك.
ولبعض أهل هذا العصر في نحو ذلك:
أريتَنِي النَّجمَ يجري بالنَّهارِ فلافرقاً أرَى بينَ إصباحِي وإمسائِي
أخفيتُ حبَّكَ حتَّى قدْ ضُنيتُ بهِفصارَ يُظهرُ ما أُخفيهِ إخفائِي
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع