من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الحادي والخمسون: ذكر ما قاله أمية ونظراؤه في تعظيم الله جل شأنه
وقال أمية بن أبي الصلت:
ألا كل شيءٍ هالك غيرَ ربّناولله ميراث الَّذي كانَ فانيا
وإن يكُ شيئاً خالداً ومُعمراًتأمل تجدْ من فوقه الله باقيا
له ما رأت عين البصير وفوقهسماء الإله فوق ست ثمانيا
إلى أن يفوت المرء رحمة ربّهولو كانَ تحت الأرض سبعين واديا
وقال أيضاً:
ويوم موعدهم أن يخرجوا زمراًيوم التغابُن إذْ لا ينفع الحذرُ
وحوسبوا بالذي لم يحصه أحدٌمنهم وفي مثل ذاك اليومِ مُعتبرُ
فمنهم فرحٌ راضٍ بمبعثهوآخرون عَصوا مأواهمُ سَقَرُ
يقول خزَّانها ما كانَ غيكمألم يكن جاءكم من ربّكم نُذُرُ
قالوا بلَى فأطعنا سادةً بَطرواوغرّنا طول هذا العيش والعمرُ
فذاك محبسهم لا يبرحون بهطول المقام وإن ضجّوا وإن صبروا
قالَ امكثوا في عذاب النَّار ما لكمُإلاَّ السَّلاسل والأغلال والسُّقُرُ
وآخرون علَى الأعرافِ قد طمعوابجنَّةٍ حفّها الرُّمَّان والخضُرُ
يُسقَون فيها بكأسٍ لذّة أُنف... صفراء لا...فيها ولا سكرُ
مزاجها سلسبيلٌ ماؤها غدقٌعذب المذاقةِ لا ملحٌ ولا كدرُ
كائن خلت فيهم من أمَّةٍ ظلمتقد كانَ جاءهم من قبلهم نُذرُ
فأهلكوا بعذاب خصّ دابرهمفما استطاعوا له صرفاً ولا انتصروا
فصدِّقوا بلقاءِ الله ربّكمولا يصُدنكم عن ذكرِهِ البَطَرُ
وقال أيضاً:
لك الحمد والنعماء والفضل ربّنافلا شيءَ أعلَى منك جَدّاً ولا مجدُ
مليك علَى عرش السَّماء مهيمنٌلعزّته تعنو الوجوه وتسجدُ
ولا بشرٌ يسمو إليه بطرفِهِودون حجاب النّور خلق مؤيَّدُ
ملائكة أقدامهم تحت أرضِهِوأعناقهم فوقَ السَّموات صعدُ
فمن حاملٍ إحدَى قوائم عرشهبأيد ولولا ذاكَ كلوا وبلدوا
قيام علَى الأقدام عانين تحتهفرائصهم من شدَّة الخوف تُرعدُ
فهم عند ربّ ينظرونَ لأمرِهِيُصيخون بالأسماع للوحيِ رُكَّدُ
أميناه روح القدس جبريل منهماوميكال ذي الرّوح القويُّ المُسدّدُ
ملائكة لا يفترون عبادةًكروبيّةٌ منهم ركوعٌ وسُجْدُ
فساجدهم لا يرفع الدَّهر رأسهيُعظّمُ ربّاً فوقه ويُمجِّدُ
وراكعهم يحنو له الظهر خاشعاًيردِّدُ آلاء الإله ويحمدُ
ومنهمْ ملفٌّ في جناحيه رأسهيكادُ لذكرَى ربّه يتفصَّدُ
وحُرَّاسُ أبواب السَّموات دونَهُقيامٌ لديه بالمقاليد رُصَّدُ
ودون كثيف الملك في غامض الهَوَىملائكةٌ تنحطُّ فيه وتصعدُ
وبين طباق الأرض تحتَ بطونهاملائكة بالأمرِ فيها تردّدُ
فسبحان من لا يقدر الخلق قَدْرَهُومن هو فوق العرش فرد مُوحدُ
وأنى يكون الخلق كالخالق الَّذييدومُ ويبقَى والخليقةُ تنفذُ
وليس لمخلوقٍ علَى الخلقِ جِذّهُومن ذا علَى مرِّ الحوادثِ يخلدُ
فيفنَى ولا يبقى سوى القاهر الَّذييُميتُ ويُحيي دائماً ليسَ يهمدُ
تسبحهُ الطَّيرُ الكوامنُ في الخفَىوإذْ هي في جوّ السَّماء تُصَعَّدُ
ألا أيُّها القلب المقيم علَى الهَوَىإلى أي هذا الدَّهر منك التصدُّدُ
ألا إنَّما الدُّنيا بلاغٌ وبلغةٌوبينا الفَتَى فيها مهيبٌ مُسودُ
إذا انقلبت عنه وزالَ نعيمهاوأصبحَ من تربِ القبورِ يوسَّدُ
وفارق روحاً كانَ بينَ حياتِهِوجاورَ موتى ماله مُتبدَّدُ
فأيّ فتًى قبلي رأيتم مخلداًلهُ في قديمِ الدَّهرِ ما يتزودُ
ولن تسلم الدُّنيا وإن ضنَّ أهلهابصحبتها والدَّهر قد يتجدّدُ
ألست ترَى فيما مضَى لك عبرةفَمَهْ لا تكن يا قلبُ أعمَى تلددُ
فقد جاءَ ما لا ريبَ فيه من الهدىوليس يرد الحقّ إلاَّ مفندُ
فكن خائفاً للموت والبعث بعدهولا تكُ فيمن غرَّه اليوم أوْ غدُ
فإنَّك في دنيا غرور لأهلهاوفيها عدوٌّ كاشحُ الصَّدرِ يوقِدُ
من الحقد نيران العداوة بيننالأن قال ربي للملائكة اسجدوا
لآدم لما كمل اللهُ حقّهفخرّوا له طوعاً سجوداً وكددُوا
وقال عدوّ الله للكبر والشقالطين علَى نارِ السّموم فسوَّدوا
فأخرجه العصيان من خير منزلٍفذاك الَّذي في سالف الدَّهر يحقدُ
علينا ولا نالوا خبالاً وحيلةًلنوردها ناراً عليها سيوردُ
جحيماً تلظى لا يقترّ ساعةًولا الحرّ منها آخر الدَّهر يبردُ
فما لك في الشَّيطان والنَّار أسوةإذا ما صليتَ النَّارَ بل أنتَ أبعدُ
هو القائد الدَّاعي إلى النَّارِ لابثاًليوردنا منها ويَتوردُ
فما لك في عذرٍ وطاعةِ فاسقوما لك في نار صليتَ بها يدُ
وقال أيضاً:
الحمدُ لله الَّذي لم يتَّخذولداً وقدَّر خلقهُ تقديرا
وأعوذُ باللهِ العليّ مكانهذي العرش لم أعلم سواه مجيرا
من حرِّ نار لا يفترّ عنهموهناً أُعدت للظّلوم مصيرا
فيها السَّلاسل والعذابُ لمن طغَىيدعون منها حَسرةً وثبورا
لا يسمعنَّ حسيسها يا ربّنايوماً نغيطٌ شهقةً وزفيرا
قد تأمرون القسط في أعمالهملا يظلمون لذي الحساب نقيرا
فاغفر لي اللّهم ذنبي كلّهأما أبيتُك يومَ ذاك فقيرا
وقال أيضاً:
لكَ الحمدُ والمنّ ربّ العباد وأنت المليك وأنتَ الحكمْ
أمرت بالإنسان من نُطفةٍتُخلق في البطنِ بعدَ الرّحمْ
وإنِّي أدينُ لكم إنكمسيصدقكم ربُّكم ما زعمْ
ولستم بأحسن صنعاً ولاأشدَّ قوى صُلُبٍ من أَدَمْ
مصانع لقمان قد نالهالها ثلب طامحاتُ المجمْ
إذا ما دخلت محاريبهمرأيتَ نصاراهم كالنّعمْ
خلا وقد كانَ أربابهاعتاق الوجوه حسان اللّحَمْ
ملوكاً علَى أنَّهم سُوقةٌولا يدهم كظباء السَّلمْ
فَغيّر ذلك ريبُ المَنونوالمرء ليسَ له مال يحتكمْ
وقال زهير بن أبي سُلمى:
واعلم ما في اليوم والأمس قبلَهُولكنَّني عن علم ما في غدٍ عم
فلا تكتمنَّ الله ما في نفوسكمليخفَى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخرليومِ الحساب أوْ يعجل فينقم
وقال عدي بن زيد:
أينَ كسرَى خير الملوك وأبو ساسان أمْ أينَ قبله سابورُ
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرُّوم لم يبقَ منهم مذكورُ
وأخو الخُضْر إذْ بناهُ وإذْدجلة تجبى إليه والخابورُ
لم يهبْهُ ريبُ المنونِ فبادَالملك عنه فبابُهُ مهجورُ
ثمَّ أضحَوْا كأنَّهم ورقٌ جفَّفألوتْ به الصَّبا والدَّبورُ
وقال لبيد بن ربيعة:
ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا الله باطلُوكلُّ نعيم لا محالة زائلُ
وكلُّ أُناسٍ سوف يدخل بينهمدويهيةٌ تَصفرُّ منها الأناملُ
إذا المرءُ أسرَى ليلةً خال أنَّهقضى عملاً والمرءُ ما عاشَ عاملُ
فقولا له إنْ كانَ يعقل أمرَهُألمَّا يَعظْك الدَّهرُ أمُّك هابلُ
حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق قال: حدَّثنا عمرو بن مرزوق قال: أخبرنا شعبة بن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: إن أصدق بيت قاله الشاعر:
ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا الله باطلُ
وقال ابن أبي عيينة:
ما راح يوم علَى حيّ ولا ابتكراإلاَّ رأَى عبرة فيه إنْ اعتبرا
ولا أتتْ ساعة في الدَّهر فانصرفتْحتَّى تؤثّرَ في قومٍ لها أثرا
إنَّ اللَّيالي والأيَّام إن سُئلتْعن عيبِ أنفسها لم تكتم الخبرا
وقال آخر:
أيا عجباً كيفَ يُعصَى الإلهُأم كيفَ يَجحده الجاحدُ
ولله في كلِّ تحريكةٍوفي كلِّ تسكينةٍ شاهدُ
وفي كلِّ حالٍ لهُ آيةٌتدلّ علَى أنَّه واحدُ
وقال أبو العتاهية:
سبحان ذي الملكوت أيَّةُ ليلةٍمُخضتْ صبيحتُهُ بيوم الموقفِ
لو أنَّ عيناً وهّمتها نفسهايوم الحساب مُمثلاً لم يَطرفِ
وإن هذا لمن أحسن كلام قيل في باب التخويف بلاغة في الوعظ وسلامة في اللفظ. وقد قال أبو نواس في باب الأطماع فقارب في هذا المعنى في الجودة وإنْ كان في الحقيقة ضدّه وهو قوله:
ساءَكَ الدَّهرُ بشيءٍوبما سرَّكَ أكثرْ
يا كثير الذَّنب عفوُالله من ذنبك أكبرْ
ولقد أحسن الذي يقول:
لعمرك ما يدري الفَتَى كيفَ يتَّقينوائب هذا الدَّهر أمْ كيفَ يحذَرُ
فمن كانَ ذا عذر لديكَ وحجَّةٍفعذري إقراري بأن ليس أعذَرُ
ومن أحسن ما أعرف في هذا المعنى قول محمود الوراق:
إذا كانَ شكرِي نعمة الله نعمةعليَّ له في مثلها يجب الشُّكرُ
وكيفَ بلوغ الشّكر إلاَّ بفضلهِوإنْ طالت الأيَّام واتَّصل العمرُ
فأمَّا ما ذكرناه في هذا الباب من الأشعار الإسلامية فلا حاجة بنا إلى الاحتجاج به، ولا إلى الاعتذار منه. وأمَّا ما حكيناه من الأشعار الجاهلية ففيها لعمري عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن تذكَّر وتدبَّر.
ولأميَّة بن أبي الصلت خاصة ليس لغيره من الشعراء عامة، وإن في تبيّنه الله عزّ وجلّ ما نبّهه عليه وتعريفه إيَّاه ما عرفه من عظمته، ودلَّه عليه من قدرته، ثمَّ في خذلانه له عن الانقياد إلى طاعته، والرجوع إلى شريعته، لدليلاً بيناً على أنَّه ليس لمخلوق مع الخالق أمر ولا اختيار، جلَّ الله عمَّا يقول الملحدون إن في شعر أمية طعناً على الدين من قِبل أنَّه مواطن لبعض ما في القرآن، وموافق لكثير ممَّا في شريعة الإسلام. قالوا: فهذا يدلّ على أن القرآن منه أجدر. ومن معانيه استخرج الله عز وجل تعالى عن قولهم علواً كبيراً. ولو ساعدهم التوفيق على فهم ما اعتقدوه، بل لو صَدَفهم الحياء عن قبح ما انتحلوه، ولاستحيَوا عن ذكر ما ذكر أمية بن أبي الصلت، وإن كان جاهلياً فقد أدرك الإسلام، ومدح النبي - صلى الله عليه - وذلك موجود في شعره، ومفهوم عند أهل الخبرة به. وكيف يتوهم لبيب أوْ يستخبر لبيب أن يهجر عليه عقله أو يحمل نفسه بدعوى ما يتهيأ تكذيبه فيه بأهون السعي من مخالفته، أم كيف يظن بالنبي - صلى الله عليه - أنَّه يأخذ المعاني من أمية وأمية يشهدُ بتصديقه، ويقرُّ بكتابه، ويعزل نفسه عن التأخر بالدخول في ملته، وذلك موجود فيما ذكرناه من شعره وما لم نذكره.
وسنذكر بعض ما مدح به أمية النبي - صلى الله عليه - في بابه إن شاء الله ولا قوَّة إلاَّ بالله.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع