من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السادس والخمسون: ذكر النوح علَى من مات من الأبناء والقرابات
ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلّم، لما قتل النَّضْر بن الحارث بن كَلْدة جاءت أخته فعلقت بزمام راحلته صلى الله عليه وأنشأت تقول:
يا راكباً إن الأثيلَ مظنَّةٌمن صُبْحِ خامسةٍ وأنتَ مُوفَّقُ
بلِّغ به مَيْتاً بأن تحيةًما إن تزال به النجائب تخْفقُ
منّي إليه وعَبْرةٍ مسفوحةًجادتْ لمائحها وأُخرى تخْنُقُ
هل يسمعَنَّ النَّضِرُ إنْ ناديتهُإن كان يسمعُ ميتٌ لا ينطقُ
ظلّت سيوفُ بني أبيه تَنوشُهُلله أرحامٌ هناك تَشقّقُ
النضرُ أقربُ ما أخذت قرابةًوأحقُّهم إنْ كان عتْقٌ يُعْتقُ
ما كان ضَرَّك لو منَنْت ورُبّمامنَّ الفَتَى وهو المغيظَ المُحنقُ
فيقال أن النبي صلى الله عليه قال: لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته، وليس هذا مستنكر من أخلاقه. وذكروا أن أبا بكر الصديق رحمه الله صلى الصبح يوماً فلما انفتل قام متمم بن نويرة في مؤخر الناس، وكان رجلاً أعورَ ذميماً فاتّكى علَى سيَّةِ قوسه ثمَّ قال:
نِعمَ القتيلُ إذا الرياحُ تناوحتخلف البيوت قُتلْتَ يا ابنَ الأزورِ
أدعوتهُ بالله ثمَّ غرَرْتهُلو هو دعاكَ بربه لم يُغررِ
وأومأ إلى أبي بكر فقال أبو بكر: والله ما دعوته، ولا غدرت به. ثمَّ بكى مُتمّم وانخرط على سيَّةِ قوسه حتَّى دمعت عينه العوراء. ثمَّ أتمَّ شعره فقال:
لا يُمسكَ العوراءَ تحت ثيابهحُلوٌ شمائله عفيف المئزر
ولنعمَ حشوَ الدرع كنت وحاسراًولنعم مأوى الطارق المتنوّر
فقال له عمر: لوددت أنك رثيتَ أخي بمثل هذا. فقال يا أبا حفص: لو لم أعلم أن أخي صار حيث ما صار أخوك ما رثيته: يعني أن أخا عمر مات شهيداً فقال عمر: ما عزَّاني أحدٌ عن أخي بمثل تعزيته. وذكروا أنّ مُتمّم بن نويرة كان لا يمرُّ بقبر، ولا يُذكر الموت بحضرته إلاَّ قال: يا مالك ثمَّ فاضت عبرته ففي ذلك يقول:
وقالوا أتبكي كل قبر رأيتهلقبر ثوى بين اللِّوى فالدكادكِ
فقلت لهم إن الأسى يبعث البُكاذروني فهذا كلُّه قبرُ مالك
وقال دُريد بن الصمّة يرثي أخاه:
أمرتهُمُ أمري بمُنْعرج اللِّوىولم يسْتبينوا النُّصحَ إلاَّ ضُحى الغدِ
فلما عصوني كنتُ منهم وقد أرىغوايتهم وأنَّني غيرُ مُهْتدِ
فما أنا إلاَّ من غزيّة إن غَوتْغويتُ وإن ترشُدْ غزيّةَ أرشُدِ
وقلتُ لهم طنّوا بألفي مُقاتلسرابهمُ في الفارسيِّ المُسَرَّدِ
دعاني أخي والخيلُ بيني وبينهُفلما دعاني لم يجدْني بقُعْددِ
فجئت إليه والرماح تنوشهُكوقع الصّياصي في النسيج المُمدَّدِ
وكنتُ كذاتِ البَوِّ ريعتْ فأقبلتإلى قطع من جلد سَقْب مُقدّدِ
فطاعنتُ عنه الخيلَ حتَّى تنهنهتْوحتَّى علاني حالك اللون أسودِ
فنادوا وقالوا أردت الخيلَ فارساًفقلتُ أعبدَ الله ذلكم الرَّدي
فإن يكُ عبد الله خلَّى مكانهُفما كان وقّافاً ولا طائشَ اليدِ
قليل التشكّي للمصيبات حافظٌمن اليومِ أعقابَ الأحاديثِ في غدِ
وقالت الخنساء في أخيها:
وقد كنتُ أستعفي الإله إذا اشتكىمن الأجر لي فيه وإنْ عَظُم الأجْرُ
وأجزعُ أن تنأى به بين أهلهفكيف ببينٍ صار معتاده الحشرُ
وقالت أيضاً:
يا صخر بنت فهاجني تذكاريشأنيك عاش بذلةٍ وصغار
كنا نعدُّ لك المدائح كلهافاليوم صرت تناح في الأشعار
وقال أيضاً:
ألا يا صخرُ إن أبكيتَ عَيْنيفقد أضحكتني دهْراً طويلا
بكيتُك في نساءٍ مُعْولاتٍوكنتُ أحقَّ من أبدى العويلا
دفعتُ بك الجليلَ وأنت حيٌّفمن ذا يدفعُ الخطبَ الجليلا
إذا قَبُحَ البُكاءُ علَى قتيلٍرأيتُ بكاءك الحَسنَ الجميلا
ولما مات عاصم بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه أخوه عبد الله فرثاه فقال:
فإنْ تكُ أحزان وفائض عَبْرةٍأثرْنَ دماً من داخل الجوف منقعا
تجرّعتما في عاصمٍ واحتسبْتُهالأعظمَ منها ما احتسى وتجرَّعا
فليتَ المنايا كُنَّ صادفْنَ غيرهُفعشنا جميعاً أوْ ذهبْنَ بنا معا
وقال ربيع الأسدي يرثي أخاه:
كأني وصيفيُّ شقيقيَ لم نَقُلْلموقد نار آخرَ اللَّيل أوْقدِ
فلو أنَّها إحدى يديَّ رُزِئتهاولكنْ يدي بانتْ علَى إثرها يدي
وقال آخر في أخ له قُتل:
زعموا قُتلتَ وعندهُمْ عُذْرُكذبوا وقبرك ما لهُ عُذرُ
والله لو بِك لم أدَعْ أحداًإلاَّ قتلتَ لفاتني الوترُ
قال العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، وكان من رواة أخبار الجاهلية والإسلام ومات له بنون فرثاهم مراتٍ كثيرة منها:
أضْحتْ بخدي الدموع رسومُأسفاً عليك وفي الفؤادِ كُلومُ
والصبرُ يُحمدُ في المصائبِ كُلِّهاإلاَّ عليك فإنَّه مَذمومُ
ما واحدٌ في ستةٍ أسكنتُهمحُفَراً تُقسَّمُ بينهم ورجومُ
لولا معالمُ رسمهن لما اهتدىلحميمه بين القُبور حميمُ
وقال أيضاً:
أما يزجُر الدَّهرُ عنِّي المنونايُبَقّي البنات ويُفني البنونا
وكنتُ أبا ستة كالبدورقدَ فقأوا أعين الحاسدينا
فمروا علَى حادثات الزمانِ كمرّ الدراهم بالناقدينا
وما زال ذلك دأب الزمانِ حتَّى أماتهمُ أجمعينا
وحتَّى بكى لي حُسَّادهُمْوقد أقرحوا بالدموع الجفونا
وحسبُك من حادث بامرئترى حاسديه له راحمينا
فمن كان يُسليه مرُّ السنينفحزني تجدّده لي السنونا
وقال محمد بن حسّان الضَّبِّيّ:
هيئْ لأحمدَ في الثرى بيتُوخلا لهُ من أهلهِ بيتُ
وكأن مولده ويوم وفاتهصوتٌ دعا فأجابه صوتُ
ومات ابن لأرطاة بن سُهيَّة من غطفان، فأقام على قبره حولاً يأتيه كلَّ غداة فيقول: يا عمرو إنْ أقمتُ حتَّى أصبح هل أنت غادٍ معي. وينصرف، فلما كان عند رأس الحول انصرف عن قبره وأنشأ يقول:
وقفتُ علَى قبر ابن ليلَى ولم يكُنْوقوفي عليه غير مبكًى ومجزع
هل أنت ابن ليلَى إن نظرتُك ليلةًمن القوم أو غادٍ غداة غدٍ معي
وذكروا أن خالد بن الوليد قتل رجلاً من بني عُذرة يقال له فطن بن شريع، فأقبلت أمه فقالت:
ألا تلك المسرَّةُ لا تدومُولا يبقى علَى الدَّهر النعيمُ
ولا يبقى علَى الحدثانِ عَقْرٌبشاهقةٍ لها أمُّ رؤومُ
وقالت أيضاً:
يا جامعاً جامعَ الأحشاء والكبدِيا ليتَ أمَّكَ لم تولد ولم تَلدِ
ثمَّ انكبت عليه وشهقت وماتت.
وقالت امرأة ترثي ابنها:
لا يبعد الله فتياناً رزئتهمبانوا لوقتِ مناياهم وقد بعدوا
أمست قبورُهمُ شتَّى وتجمعُهمْحوض المنايا ولم يجْمعهم بلدُ
ميتٌ بمصرَ وميت بالعراقوميتٌ بالحجاز منايا بينهم بدَدُ
دُعوا من المجد أحياناً إلى أجلٍحتَّى إذا أكملتْ أطمارُهمْ وردوا
كانت لهم هممٌ فرّقْنَ بينهمإذا القعاديد عن أمثالهم قعدوا
بذل الجميل وتفريج الجليلوإعطاءَ الجزيل إذا لم يُعْطه أحدُ
وقال آخر:
لقد شمتَ الأعداء بي وتنكّرتْعيونٌ أراها بعدَ هُلك أبي عمرو
تجرّى عليَّ الدَّهر لمّا فقدتهُولو كان حيّاً لاجترأتُ علَى الدَّهرِ
أسكّان بطنِ الأرض لو يُقبلُ الفدافدينا وأعطينا بكم ساكنَ الظّهرِ
وقاسمني دهري بنيَّ بحُكمهفلما ترقّى شطرُهُ مالَ في شطري
فأضحوا ديوناً للمنايا ومن يكُنْعليه لها دينٌ قضاه إلى العُسرِ
كأنهمُ لم يعرف الدَّهر غيرهمفثكلٌ علَى ثكلٍ وقبرٌ جدا قبرِ
وكنتُ به أُكنى فأصبحتُ كلَّماكنيتُ به فاضَتْ دموعي علَى نحري
ألا ليتَ أمي لم تلدني وليتنيسبقتُكَ إذْ كنا إلى غاية نجري
وقال بعض الشعراء يرثي ابناً له مفقوداً:
فلو صارفونا النَّاس قبلي بينهمأُتيحَ له موتٌ فأضْمَرهُ قبرُ
إذن لصبرتُ النَّفس ثمَّ احتسبتهُوفي الصبر لله المثوبة والأجْرُ
ولكنْ طوَتْ عنّي المقادير علمهفما لي به منذ انثنى شخصه خبرُ
أموتٌ فيُسلى أم حياةٌ فترتجىأبرُّ أتى من دون مثواه أوْ بحرُ
فرحمتك اللهم قد بلغ الأسىنهاية مجهودي فقد غلب الصبرُ
وقال الفضل بن العباس الكاتب:
نفسي فداءُ فقيد خفَّف المؤناطول الحياة وعند الطَّعن إذْ طَعَنا
فما حمينا له زاداً يزوّدهُولا كفلنا له نعشاً ولا كفنا
مضى علَى وجهه لا عن مُراغمةٍتشجيه منا وإلاَّ استدعت له الإحنا
قد كنتَ تذكرُ أن الأمرَ مُقتربٌفي سفرةٍ لم تزلْ منها تُحذرُنا
فليت شعري أمقتولاً ثويتَ بهاأوْ في عراض الرَّدَى أمسيت مُرْتهنا
يقربنّكَ لأم الأرض أكِلةلم يبق فيه لنا روحاً ولا بدنا
أودى الزَّمان بعباسٍ وخلَّفنيمن بعده كمداً حيرانَ مُرتهنا
كأنني والهٌ اغتيل واحدُهافليس تألفُ من ثُكل به وطنا
فإن تضمّنهُ ربي إليه فماأُحصي السوالف من نعماه والمننا
وفي نحو ذلك وهو من نفس الكلام:
ليتَ شعري ضلَّةًأيُّ شيءٍ قتلكْ
أعدوُّ لم تخفه أم رصيدٌ ختلكْ
طاف يبغي نجوةًمن هلاكٍ فهلكْ
كل شيءٍ قاتلحين تلقى أجلك
والمنايا رَصَدٌللفَتَى حيثُ سلكْ
أيُّ شيءٍ حسنٍفي فتًى لم يكُ لكْ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع