تؤمِّلُ بالأشعارِ أنْ تَتَموّلا
الشاعر: ابن نباتة السعدي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن نباتة السعدي، من العصر العباسي، وتقع في 51 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تؤمِّلُ بالأشعارِ أنْ تَتَموّلا ... وما العيشُ إلاّ أن تكونَ مؤَمَّلا
ألا رُبَّ هَمٍّ يحطِمُ القلبَ ثِقلُه ... عَقَدْتُ له بُردَيَّ حتى تَحلّلا
ومَلْكٍ عَبوسٍ لا يُرامُ خِطابُه ... طلعتُ عليهِ طلعةً فتَهَلّلا
وقولٍ بحباتِ القلوبِ حبستُه ... وإنْ طافَ آفاقَ البلادِ وجَوّلا
وعشرينَ قضيتُ الصِّبا بمرورها ... كأنّي بها قضيتُ حولاً مؤجَّلا
فإنْ لم يكن ما فاتَ منها بِراجِعٍ ... فليتَ الذي يحدو الركائبَ أمْهَلا
دعِ الجهلَ في لُومِ الأصادِقِ إنّني ... رأيتُ جمالَ المرءِ أنْ يتَجمّلا
لَئِنْ أنا لمْ أُعطِ الصبابةَ حكمَها ... لقد كانَ قَلبي للصّبابَةِ مَنْزِلا
رأيتُ اللّيالي لا يُبَلِّغْنَ مُنيةً ... ولا يَرتَجعْنَ الشيءَ إلا تَغَفُّلا
وبَصرني هذا الزّمانُ بأهلِهِ ... فما أقطَعُ الأيّامَ فيهم تأمُّلا
لقلَّ غَناءُ القولِ إنّكَ حالِمٌ ... إذا أنتَ لم تَعدِلْ بقلبكَ مَعْدِلا
بني الأُزْدِ ظَنّاً بالزّمانِ فإنّه ... يُقَطِّعُ من أسْبابِهِ ما تَوَصّلا
ورُدّوا وجوهَ السّائلينَ بمائِها ... تُرَدُّ إليكم أوجُهُ الشُكْرِ سَلسَلا
أجوداً بأحسابٍ وبُخْلاً بثَروَةٍ ... فكيفَ ألومُ الدّهْرَ أنْ يَتَبَذّلا
فأقْسَمتُ لا تنفكُّ منّي قَصيدةٌ ... يَسُلُّ بها السّاري على الليلِ مُنْصُلا
إلى ملكٍ من تَغلِبَ ابنةِ وائِلٍ ... يَرى شُهْدةَ المالِ المجمّعِ حَنْظَلا
أغَرَّ إلى كفيهِ يَنتَسِبُ النّدى ... وصرفُ الرّدى لو نافسَ الدّهْرَ فُضِّلا
فِداؤُكَ سيفَ الملكِ كلُّ مُملَّكٍ ... إذا قيلَ كثرْ من حسودِكَ قَلّلا
يسائِلُ منه في المكارِمِ باقِلاً ... وفي البُخْلِ حتى يَنسُبَ البخلُ دَغْفَلا
فإنّكَ ما ازدادَ الزمانُ تصعُّباً ... على الناسِ إلا ازددتَ فيه تَسَهُّلا
بني الحربِ حَشّوها دُروعاً حَصينةً ... وجُرْداً وأبطالاً وبيضاً وذُبَّلا
وصبراً جَميلاً للرماحِ إذا غَدَتْ ... ترومُ لها بينَ الجوانِحِ موئِلا
خُذوا الموتَ لا يأخذكُمُ الموتُ عَنوةً ... ألا إنّما وَقعُ الحديدِ تَصَلْصُلا
ولا تحقِروا أعداءَكُم في كتائِبٍ ... تُسيّرُا الأوتادُ سيراً مُعَجَّلا
فما السيفُ لولا نيلُهُ وضِرابُهُ ... وما الليثُ لولا أنّهُ رامَ مَقْتَلا
ولا تَقْبَلوا عن أرضِ يونانَ هُدنَةً ... فإنّ قَرارَ الدِّينِ لنْ يتَزَلْزَلا
ألا إنّما صُلْحُ الرجالِ خُصومةٌ ... إذا أبَتِ الأحقادُ أنْ تتَزَيَّلا
فكمْ من ظَلامٍ قد نصرتَ بمثلهِ ... إليْهِم من الجوِّ العَناجيجِ والمَلا
ويومٍ عليهمْ لا يُنادى وليدُه ... ركبتَ بهِ الفتحَ الأغرَّ المُحَجَّلا
ومَلومَةٍ ظنّ الدِّمُسْتُقُ أنه ... يريكَ بها الموتَ الزّؤامَ ممثّلا
فكان كمَنْ أهدى إلى النارِ أُكلَها ... وكنْتَ كمَنْ راضَ الشّموسَ وذَلّلا
تَركتَهُم للقتلِ والخَوفِ عُرْضَةً ... فما يطعمونَ النومَ إلاّ كَلاولا
يَوَدُّ الشّديدُ الرابطُ الجأشِ منهمُ ... من الخوفِ لو كان الصريعَ المُجَدَّلا
إذا ماتَ منهم بالدِّماءِ مُرَملٌ ... أماتَ عليها بالدّموعِ مُرَمَّلا
يَسدونَ أفواهَ الشِّعابِ عليهِمُ ... وأيُّ صَفاةٍ منكَ تمنعُ معوَلا
تَرحلتَ عن شطِ الخليجِ بجَحْفَلٍ ... وخلّفتَ فيه من حِذارِكَ جَحْفَلا
فليتَ قبوراً بالمدينةِ بُشِّرَتْ ... بيومٍ تركتَ الكفرَ فيه مُكَبَّلا
وقومٍ أناخَ الغدرُ فيهم قعودَه ... سَريتَ لهم ليلاً من الشّرِّ ألْيَلا
وضربةِ سيفٍ قد أثرتَ نجيعَها ... كأنّ بها في صفحةِ الماءِ جَنْدَلا
وقبٍ يبارينَ الرياحَ بمركزٍ ... رميتَ بها عن قوسِ هَمِّكَ مَعقِلا
تَمرُّ كأنّ البرقَ شَقَّ غُبارَها ... وقد تَركتْ في أملسِ الصَخْرِ قَسطَلا
سبقتَ إلى غاياتِ كلِّ فضيلةٍ ... وخَلّيْتَ مَنْ يرجو لحاقكَ مُبْسَلا
إذا الخيلُ طاشتْ بالفوارسِ وقَّرتْ ... على اسمك َ حتى يمنحَ الحِلْمَ يَذْبُلا
خلائِقُ تُدْني الحرَّ منكَ تكرّماً ... وتَمنعُهُ بالجاهِ أنْ يتَمَوّلا
أرى شعراءَ الناسِ فيَّ ثلاثةً ... حسوداً ومدّاحاً ونُكساً مُجَهَّلا
أخذتُ بأطرافِ الكلامِ عليهمُ ... فما يُحسِنونَ القولَ إلاّ تنحُّلا
فمَن لي بسَيفِ الدولةِ اليومَ ناصراً ... فيمنعُ من ذا القولِ أن يتَبَذّلا
فربَّ شَرودٍ قد بعثتُ فلم نَجِدْ ... على أحدٍ إلاّ عليهِ مُعَوَّلا
أعني على هذا الزّمانِ وأهلِهِ ... وإن كنتُ فيهِ حازمَ الرّأيِ حُوَّلا
وهبْ لي جسيماً من مكارمِكَ التي ... تمثلنَ لي في عدةِ الرملِ أجْبُلا
ففي كلِّ يومٍ يُحدثُ الدّهرُ صامتاً ... وما كلُّ يومٍ يُحدثُ الدّهرُ مقْوَلا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- بحبات: حبت: الأَزهري فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ بحت: وحِبْتَوْنُ اسْمُ جبل بناحية الموصل. (لسان العرب)
- براجع: رجع: رَجَع يَرْجِع رَجْعاً ورُجُوعاً ورُجْعَى ورُجْعاناً ومَرْجِعاً ومَرْجِعةً: انْصَرَفَ. وَفِي التَّنْزِيلِ: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى، أَي الرُّجوعَ والمَرجِعَ، مَصْدَرٌ عَلَى فُعْلى؛ وَفِيهِ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِع … (لسان العرب)
- بردي: برد: البَرْدُ: ضدُّ الْحَرِّ. والبُرودة: نَقِيضُ الْحَرَارَةِ؛ بَرَدَ الشيءُ يبرُدُ بُرودة وَمَاءٌ بَرْدٌ وَبَارِدٌ وبَرُودٌ وبِرادٌ، وَقَدْ بَرَدَه يَبرُدُه بَرْداً وبَرَّدَه: جَعَلَهُ بَارِدًا. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَ … (لسان العرب)
- بمرورها: مرر: مَرَّ عَلَيْهِ وَبِهِ يَمُرُّ مَرًّا أَي اجْتَازَ. ومَرَّ يَمُرُّ مَرًّا ومُروراً: ذهَبَ، وَاسْتَمَرَّ مِثْلُهُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: مرَّ يَمُرُّ مَرًّا ومُروراً جَاءَ وَذَهَبَ، ومرَّ بِهِ ومَرَّه: جَازَ عَلَيْهِ؛ … (لسان العرب)
- تؤمل: تمل: التُّمَيْلَة: دُويبَّة بِالْحِجَازِ عَلَى قَدْرِ الهِرَّة، وَالْجَمْعُ تِمْلانٌ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الْجَمْعُ التُّمَيْلات. ابْنُ الأَعرابي: هُوَ التُّفَّة والتُّمَيلَة لعَناق الأَرض، وَيُقَالُ لذَكرها الفُنْجُل. و … (لسان العرب)