تجاوز إلى المحتوى

من «أنس المسجون وراحة المحزون» لصفي الدين الحلبي (ت بعد ٦٢٥هـ)

الفصل التاسع في ذمّ الدنيا والزهادة فيها وتقلّب أحوالها بأهاليها وما قيل من تنبيه ووعظ

قيل لأعرابيّ: صف الدّنيا. فقال: جمّة المصائب، سريعة النوائب، كثيرة العجائب.

وذكر المدائنيّ قال: كتب مطرّف إلى عمر بن عبد العزيز ﵁: أمّا بعد، فإنّ الدّنيا دار عقوبة، لها يجمع من لا عقل له، وبها يغترّ من لا علم له، فكن فيها كالمداوي جرحه، واصبر على شدّة [الدّواء]،

لما تخاف من عاقبة الداء.

وقيل للحسن البصريّ: كيف ترى الدّنيا؟ قال: شغلني توقّع بلائها عن الفرح برخائها.

وقال رجل لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وهو يخطب: صف الدّنيا. فقال: ما أصف من دار أوّلها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب. من صحّ منها أمن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن.

أبو الفرج السّاويّ:

هي الدّنيا تقول بملء فيهاحذار حذار من بطشي وفتكي
للشاعر الببغاء، من قصيدة «هي الدنيا تقول بملء فيها»
فلا يغرركم حسن ابتساميفقولي مضحك والفعل مبكي
للشاعر أبو الفرج الساوي، اقرأ القصيدة

وقيل: كتب [الإسكندر] ملك الشّرق والغرب لأرسطاطاليس: اكتب لي بعظة موجزة تنفع وتردع. فكتب إليه: إذا استولت عليك السّلامة فجدّد ذكر العطب، وإذا أهنأتك العافية فحدّث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأنّ بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعل لها في الدّنيا نصيبا.

ابن الرّومي:

لما تؤذن الدّنيا به من صروفهايكون بكاء الطّفل ساعة يولد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»
وإلاّ فما يبكيه منها وإنّهالأفسح ممّا كان فيه وأرغد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»

لغيره:

أرى طالب الدّنيا وإن طال عمرهونال من الدّنيا سرورا وأنعما
كبان بنى بيتا له فأتمّهفلما استوى ما قد بناه تهدّما

وقيل: باع عبد الله بن العباس أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا. فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرا عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسّم المال، وتصدّق به.

وقيل: دخل عمرو بن عبيد على المنصور، وكان إذا دخل أرسل إلى المهديّ ليسمع كلامه. فتكلّم عنده إلى أن خرج إلى ذكر الشّعر، فقال له المنصور: أنشدني أبياتا حسانا. فقال:

يا أيّهذا الذي قد غرّه الأملودون ما تأمل التّنغيص والأجل
أما ترى إنّما الدّنيا وزينتهاكمنزل الحيّ دارا نمت فارتحلوا
حتوفها رصد وعيشها نكدوصفوها كدر وملكها دول
تظلّ تقرع بالرّوعات ساكنهافما يسوغ لهم لين ولا جدل
كأنّها للمنايا والرّدى رصدتظلّ فيها بنات الدّهر تنتضل
يديره ما أدارته دوائرهامنها المصيب ومنها المخطئ الزّلل
والمرؤ يسعى وما يسعى لوارثهوالقبر وارث ما يسعى به الرّجل

قال: فرأيت وجهه قد تغيّر، وقال: هكذا الدّنيا. ومرض المنصور ثم برئ، وإذا هاتف يهتف جوف الليل:

أتطمع أن تبقى وتترك سالماوهيهات ما للمرء في ذاك مطمع
ألم تر عادا كيف أضحت ديارهاومن بعد عاد كيف دمّر تبّع

وقيل: لبس سليمان بن عبد الملك في يوم جمعة من ولايته لباسا تشهّر به، وتعطّر، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة فلم يزل يتعمّم بواحدة بعد أخرى حتى رضي بواحدة منها، وأرخى سدولها، وأخذ بيده مخصرة، وعلا منبره ناظرا في عطفيه، وجمع حشمه، وخطب خطبته التي أرادها، فأعجبته نفسه، وقال: أنا الملك الوهّاب الكريم المجاب.

فتمثّلت له جارية من جواريه، وكان يتحظّاها، فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين؟ قال: أراه منى النّفس، وقرّة العين لولا ما قال الشّاعر. قال:

وما قال؟ قالت: قال:

أنت نعم البقاء لو كنت تبقىغير أن لا بقاء للإنسان
ليس أنّا يريبنا فيك عيبعلم الله غير أنّك فان

فدمعت عيناه، وخرج إلى النّاس، فلمّا عاد دعا بالجارية، فقال: ألا ما قلت لأمير المؤمنين؟ فقالت: ما رأيت أمير المؤمنين، ولا دخلت عليه.

فأكبر ذلك، ودعا بقيّة جواريه فصدّقنها في قولها. فراع ذلك سليمان، ولم يمكث بعدها قليلا حتى مات.

وقال هشام لأبي حازم: عظني. قال: آمرك بكلمتين ولك الجنّة. فكان متّكئا فاستوى جالسا، قال: احتمال ما تكره فيما يحبّ الله، واجتناب ما تحبّ فيما يكره الله.

وقيل: دخل أبو حازم الأعرج على سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنّكم عمّرتم دنياكم، وأخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون النّقلة من العمران إلى الخراب. قال: فأخبرني كيف القدوم؟ قال: أمّا المحسن فالغائب أتى أهله مسرورا، وأمّا المسيء فالعبد الآبق يأتي مولاه محزونا. قال: فأيّ الأعمال أفرض؟ قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال: فأيّ القول أعدل؟ قال: كلمة حقّ عند من تخاف وترجو. قال: فأيّ النّاس أعقل؟. قال: من عمل بطاعة الله.

قال: فأيّ النّاس أجهل؟ قال من باع آخرته بدنيا غيره. قال عظني وأوجز.

قال: يا أمير المؤمنين، احذر ربّك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث

أمرك. فبكى سليمان بكاء شديدا، فلما خرج أبو حازم، أنفذ له بمال، فردّه، وقال للرسول: قل له: ما لا أرضاه لك كيف أرضاه لنفسي!؟

ابن الجوزي الواعظ:

دار سوء أعطشت أحبابهاوبحار الرّيّ فيها قد طمت
أرضعت أبناءها حتّى إذاما حلا الإرضاع منها فطمت
قبلت خاطبها حتّى إذاعقد العقد عليها لطمت

وقيل: سعي إلى المتوكّل بأبي الحسن عليّ بن محمّد أنّ في منزله سلاحا وكتبا وغيرها من أهل قم وغيرهم من شيعته والقائلين بإمامته، وأنّه قد عزم بالخروج والوثوب بالدّولة في دار الملك. فوجّه المتوكل إليه ليلا بعدّة من الأتراك وغيرهم ممّن هجم عليه في منزله على غفلة، فوجد في بيت مغلق عليه وحده، وعليه مدرعة صوف من الشّعر، ولا بساط في البيت إلا الرّمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصّوف، وهو متوجّه إلى ربّه يتلو آيات الله تعالى في الوعد والوعيد فأخذ كهيئة ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكّل في جوف الليل، والمتوكّل يشرب، وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جانبه، ولم يكن وجد في منزله شيء ممّا قيل عنه، ولا حالة يتعلّق بها عليه. فناوله المتوكّل الكأس

الذي كان في يده. فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قطّ فاعفني. فأعفاه، ثم قال: أنشدني شعرا. فقال: إنّي لقليل الرّواية للأشعار. فقال: لا بدّ. فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهمغلب الرّجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من أماكنهموأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبرواأين الأسرّة والتّيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعّمةمن دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهمتلك الوجوه عليها الدّود تقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوافأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

قال: فأشفق من حضر على عليّ بن محمد، وظنّوا أنّ بادرة ستبدر إليه من المتوكّل، فو الله لقد بكى المتوكّل بكاء طويلا حتى بلّ لحيته بدموعه، وبكى من حضره، وأمر برفع الشّراب، وقال: يا أبا الحسن، لقد ليّنت منّا قلوبا قاسية، وذكّرتنا ما أنساناه النّعم، فأقسم بالله عليك، أعليك دين؟ فقال: نعم، أربعة آلاف درهم. فأمر بدفعها إليه، وأمر بردّه إلى منزله من ساعته مكرما.

عديّ بن زيد العبادي:

أيّها الشّامت المعيّر بالدهر أأنت المبرّأ الموفور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
أم لديك العهد الوثيق من الأيّام أم أنت جاهل مغرور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
من رأيت المنون أخلدن أم منذا عليه [من] أن يضام خفير
أين كسرى الملوك أنوشروان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
وأخو الحصن إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وخلّله كلسا فللطّير في ذراه وكور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
وتذكّر ربّ الخورنق إذ أشرف يوما وللهدى تفكير
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
سرّه ماله وكثرة ما يملك والبحر معرض والسّدير
فارعوى قلبه [وقال] وما غبطة حيّ إلى الممات يصير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ثمّ بعد الحياة والملك والإممة وارتهم هناك القبور
ثم ساروا كأنّهم ورق جفّ مفألوت به الصّبا والدّبور

وقيل: بينما عيسى بن موسى يساير أبا مسلم صاحب الدّولة في

مقدمه على المنصور، إذ أنشد عيسى:

لينهك ما أفنى القرون التي مضتوما حلّ في أكناف عاد وجرهم
ومن كان أنأى منك عزّا ورفعةوأنهد بالجيش اللهام العرمرم

قال له أبو مسلم: على ما أعطيتني عهدا لله يا أبا موسى؟ فقال: أعتق ما يملك إن كان أرادك بما قال، وإنّما هو خاطر جرى على لساني. فقال:

ذكر شرّ يعظهم.

يا أيّها النّاس إنّ الدّهر ذو دوليحلو قليلا ويأتي بالمرارات
لا تسرفوا إن رزقتم فيه مقدرةواخشوا تقلّب أيّام وساعات

وقيل: دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضته التي مات فيها، فقال: ألا توصي يا أمير المؤمنين؟ قال: فيما أوصي، فو الله أنّى لي من مال. قال: فهذه مئة ألف دينار فمر فيها بما

أحببت. قال: أو تقبل مني؟ قال: نعم. قال: فردّها على من أخذتها منه ظلما. فبكى مسلمة، ثم قال: يرحمك الله، لقد ألنت منّا قلوبا قاسية، وأبقيت لنا في الصّالحين ذكرا

ألم تر أنّ الدّهر يهدم ما بنىويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى»
فمن سرّه ألا يرى ما يسوءهفلا يتّخذ شيئا يخاف له فقدا
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى»

وقيل: إنّ المنصور كان جالسا بمدينته التي بناها، إذ جاء سهم فوقع بين يديه، فذعر منه ذعرا شديدا ثم أخذه فجعل يقلّبه وإذا مكتوب بين الرّيشتين:

أتطمع في الحياة إلى التناديوتحسب أنّ مالك من معاد
ستسأل عن ذنوبك والخطاياوتسأل بعد ذاك عن العباد

ثم قرأ عند الثانية:

أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنتولم تخف سوء ما يأتي به القدر
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «تاه الأعيرج واستعلى به الخطر»
وساعدتك الليالي فاغتررت بهاوعند صفو الليالي يحدث الكدر

ثم في الثالثة:

هي المقادير تجري في أعنّتهافاصبر فليس لها صبر على حال
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
يوما تريك خسيس الحال ترفعهإلى السّماء ويوما تخفض العالي

وإذا على جانب السّهم مكتوب: همذانيّ رجل متهم مظلوم في حبسك.

فبعث من فوره بعدّة من خواصّه، ففتشوا الحبس، والمطبق فوجدوا شيخا في بيت من الحبس فيه سراج تسرج، وعلى بابه بارية مسبلة، وهو موثق بالحديد متوجّة نحو القبلة يردّد هذه الآية وَسَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ فسئل عن بلده، فقال: همذان. فحمل إلى بين يدي المنصور، فسأله عن حاله، فذكر أنّه رجل من أبناء مدينة همذان وأرباب نعمها، وأنّ عاملك دخل بلدنا ولي ضيعة تساوي ألف ألف درهم، فأراد أخذها فامتنعت، فكبّلني بالحديد، وحملني إلى هنا، وكتب أنّي عاص. فقال له المنصور منذكم؟ قال: منذ أربع سنين. فأمر بفكّ قيوده عنه، والإحسان إليه، وأنزله أحسن منزل، وردّه إليه، وقال: يا شيخ، قد رددنا إليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا، وأمّا مدينتك فقد ولّيناك عليها، وأمّا الوالي فقد حكّمناك فيه، وجعلنا أمره إليك. فجزاه الشّيخ خيرا، ودعا له بالبقاء، وقال: أمّا الضّيعة فقد قبلتها، وأمّا الولاية فلا أصلح لها، وأمّا الوالي فقد عفوت عنه. فأمر له المنصور بمال جزيل، واستحلّه وأعاده إلى بلده بعدما صرف الوالي وعاقبه على فعله.

وقيل: نزل النّعمان بن المنذر تحت شجرة مؤنقة ليلهو هناك

فتمايلت، وتحرّكت أغصانها، فقال له عديّ: أيّها الملك، أبيت اللّعن، أتدري ما تقول هذه الشّجرة؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول:

ربّ شرّاب أناخوا حولنايمزجون الخمر بالماء الزّلال
والأباريق عليها فدموعتاق الخيل تردي بالجلال
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ثمّ أضحوا عصف الدّهر بهموكذاك الدّهر حال بعد حال
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «ثم أَضحوا عصف الدهر بهم»

قال: فبكى النّعمان وتنغّص عليه يومه.

وقيل: لما حجّ الرّشيد، بينما هو سائر وهو على هودجه إذ وقعت عينه على بهلول مع المشاة، فاستدعى به، وقال: يا بهلول، تشهّى وتمنّى.

فقال: على من؟ قال: عليّ. قال: تغفر لي؟ قال: لا قدرة لي على ذلك، ولا هو في وسعي، ولا في طوقي. قال: فهب لي العافية. قال: ولا قدرة لي على ذلك. قال بهلول: ما في الآخرة شيء أفضل من المغفرة، ولا في الدّنيا شيء أفضل من العافية، ولا أجلّ، وإذا لم تقدر عليهما فأيّ شيء أتمنّى؟ قال:

تمنّ أن أعطيك وأقطعك. قال: كلانا في خرابة واحدة. وتركه وانصرف.

وقال جبرائيل لآدم: قل اللهمّ هب لي العافية كي تهنّئني بالمعيشة، واختم لي بالمغفرة حتّى لا تضرّني الذّنوب.

وقيل: صار المغيرة بن شعبة وهو والي الكوفة إلى دير هند بنت النّعمان بن المنذر وهي عمياء مترهّبة، فاستأذن عليها، فقيل: أمير هذه

المدرة بالباب. قالت: فقولوا: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ قال:

لا. قالت: أفمن أولاد المنذر بن ماء السّماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ قال: أنا المغيرة بن شعبة الثّقفيّ. قالت: فما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا. قالت: لو كنت جئتني لكمال أو جمال لأطلبتك ولكنّك أردت أن تتشّرف بي في محافل العرب، وتقول: نكحت بنت النّعمان، وإلا فأيّ خير في اجتماع أعور وعمياء؟ فبعث إليها: كيف كان أمركم؟ قالت: سأختصر الجواب، أمسينا مساء وليس في الأرض عربيّ إلا وهو يرغب إلينا فيرهبنا، وأصبحنا وليس في الأرض عربيّ إلاّ ونحن نرهبه ونرغب إليه.

لا يغرّنك عشاء ساكنقد يوافي بالمنيّات السّحر

وقال عليّ بن الهيثم: رأيت من تقلّب الزّمان، وتصاريف الدّهر ما لم أر مثله ولا أعجب منه: رأيت ثقل الفضل بن الرّبيع على ألف بعير، ثم رأيت جميع ما يملك في زنبيل، ونحن مستترون، وفيه أدوية له، ورأيت الحسن بن سهل وكلّ ما يملك في زنبيل، ثم رأيت ثقله على ألف بعير.

هذا الزّمان على ما فيه من كدريحكي انقلاب لياليه بأهليه
غدير ماء تراءى في أسافلهأشخاص قوم قيام في أعاليه
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «بعد الصباح الذي ودعتكم فيه»

وقال عبد الملك بن عمر اللّيثيّ: رأيت من تقلّب أحوال الدّنيا ما لم أر أعجب منه: دخلت على عبد الملك بن مروان بالكوفة وهو جالس في بهو على سرير، وبين يديه رأس مصعب بن الزّبير، فلما رأيته قلت متعجّبا:

لا إله إلا الله، رأيت من الزّمان عجبا، تذكّرت به عجيبا. فقال: وما ذاك؟ قلت: رأيت عبيد الله بن زياد في هذا البهو جالسا على هذا السّرير وبين يديه رأس الحسين بن عليّ صلوات الله عليهما، ثم دخلت بعد ذلك على المختار وهو جالس في هذا البهو على هذا السّرير، وبين يديه رأس عبيد الله بن زياد، ثم دخلت على مصعب في هذا البهو على هذا السّرير، وبين يديه رأس المختار، وقد دخلت عليك يا أمير المؤمنين، في هذا البهو على هذا السّرير، وبين يديك رأس مصعب بن الزّبير.

فقال: لا إله إلا الله، لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون. وقام مبادرا، ونزل عن السّرير، وخرج من البهو، وأمر بهدمه لوقته.

لبعضهم:

ما جاءت الدّنيا إلى أحدتركته ملتفتا إلى أحد
إن عرّست في السّبت مقبلةفطلاقها في ليلة الأحد

تمّ الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه على يدي أقلّ عباد الله، وأحوجهم إلى رحمة الله تعالى، الرّاجي رحمة ربّه ومغفرته أويس بن خليل بن علي بن محمد بن إبراهيم بن حسن بن صالح المحمدي الأويراتي عامله الله بألطافه الخفيّة، وبلّغه في الدّارين غاية الأمنيّة، وغفر له ولوالديه ولإخوانه ولأحبابه ولمشايخه وجميع المسلمين بمنّه وسعة رحمته، وذلك بتاريخ نهار الخميس المبارك سادس عشرين شهر ربيع الأول الأنور عام سنة تسع وثمانين وثمان مئة، والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرّيته وسلّم تسليما كثيرا، وأسألك اللهمّ بجاههم عندك عجائب لطفك في أمورنا، وأن تنجينا ببركتهم من كلّ ظالم وسوء ومحنة، وممّا نخافه ونحذره برحمتك يا أرحم الرّاحمين إنّك على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، يا فتّاح يا رزّاق يا ودود.

النص من طبعة دار صادر (١٩٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنس المسجون وراحة المحزون»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.