من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
قطعة من أشعار الاتعاظ
قال الشاعر:
عليك من امرك ما تستطيعوما ليس يغنيك عنه فذر
وللصّمت أجمل في حينهمن القول في خطل أو هذر
وكم غائب كان يخشى الرّدىفعاد وأودى الذي في الحضر
وبينا الفتى يعجب النّاظرين مال إلى عطفه فانقعر
وبعض الحوادث إن يبقهفإنّ الفنا شأنه والكبر
وكم من أخي نجدة ماهرتعلّقه الدّهر حتى عثر
وكم من أخي عثرة مقترتأتّى له الدّهر حتى انجبر
وقال علقمة بن عبدة:
وكلّ قوم وإن عزّوا وإن كثرواعريفهم بأثافي الشّرّ مرجوم
والحمد لا يشترى إلا له ثمنممّا يضنّ به الأقوام معلوم
والجهل منقصة شين لصاحبهوالحلم آونة في النّاس معدوم
وكلّ حصن وإن طالت سلامتهعلى دعائمه لا بدّ مهدوم
ومن تعرّض للغربان يزجرهاعلى سلامته لا بدّ مشؤوم
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمهأنّى توجّه والمحروم محروم
وقال عديّ بن زيد العباديّ، وهو أحد من قد حمل على شعره الحمل الكثير، ولأهل الحيرة بشعره عناية، وقال أبو زيد النحويّ: «لو تمنّيت أن أقول الشّعر ما قلت إلا شعر عديّ بن زيد»:
كفى زاجرا للمرء أيّام عمرهتروح له بالواعظات وتغتدي
فنفسك فاحفظها من الغيّ والرّدىمتى تغوها تغو الذي بك يقتدي
فإن كانت النّعماء عندك لامرئفمثلا بها فاجز المطالب أو زد
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينهفإنّ القرين بالمقارن مقتدي
ستدرك من ذي الجهل حقّك كلهبحلمك في رفق ولمّا تشدّد
وظلم ذوي القربى أشدّ عداوةعلى المرء من وقع الحسام المهنّد
وفي كثرة الأيدي عن الظّلم زاجرإذا خطرت أيدي الرّجال بمشهد
قال المهلب بن أبي صفرة: «عجبت لمن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه».
وقال عبد الله بن جعفر لرجل يوصيه: «عليك بصحبة من إن صحبته زانك، وإن تركته شانك؛ إن سألته أعطاك، وإن تركته ابتداك؛ إن رأى منك سيّئة سدّها، وإن رأى حسنة عدّها؛ وإن وعدك لم يجرضك وإن ألجئت إليه لم يرفضك».
وسأل يزيد بن المهلّب رجل من أصحابه حاجة وذكر له خلّة، فقال: أوجّه بها إليك. ثمّ حمل إليه خمسين ألف درهم، ثم كتب إليه: «قد وجّهت إليك بخمسين ألف درهم، لم أذكرها تمنّنا، ولم أدع ذكرها تجبّرا، ولم أقطع بها لك رجاء، ولم أرد بها منك جزاء».
وقيل ليزيد: ما أحسن ما مدحت به؟ قال: قول زياد الأعجم:
فتى زاده السّلطان في الحمد رغبةإذا غيّر السلطان كلّ خليل
شبيه بقول الآخر:
فتى زاده عزّ المهابة ذلّةوكلّ عزيز عنده متواضع
وقال الآخر، وهو يدخل في باب الشكر:
شوقي إليك يا أبا العبّاسطيّر ما أبليتني نعاسي
إنّي لمعروفك غير ناسوالشّكر قدما في خيار النّاس
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع