من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(١٢) المبحث الثاني عشر: في تقديم المسند إليه
(١) منها تعجيل المسرَّة، نحو: العفو عنك صدر به الأمر.
(٢) ومنها تعجيل المساءة، نحو: القصاص حكم به القاضي.
(٣) ومنها التشويق إلى المتأخر إذا كان المتقدِّم مشعرًا بغرابةٍ، كقول أبي العلاء المعرِّي:
والذي حارتِ البريةُ فيهحيوان مستحدَث من جماد
(٤) ومنها التلذذ، نحو: ليلى وصلت، وسلمى هجرت.
(٥) ومنها التبرك، نحو: اسم الله اهتديت به.
(٦) ومنها النص على عموم السلب، أو النص على سلب العموم.
ونحو: «كل ذلك لم يكن»؛ أي لم يقع هذا ولا ذاك.
ونحو: كل تلميذ لم يقصر في واجبه. ويُسمى شمول النفي.
واعلم: أن «عموم السلب» يكون النفي فيه لكل فرد.
وتوضيح ذلك أنك إذا بدأت بلفظة «كل» كنت قد سلطت الكلية على النفي، وأعملتها فيه، وذلك يقضي ألا يشذ عنه شيء.
و«سلب العموم» يكون بتقديم أداة النفي على أداة العموم، نحو: لم يكن كل ذلك، لم يقع المجموع، فيحتمل ثبوت البعض، ويحتمل نفي كل فرد؛ لأن النفي يوجه إلى الشمول خاصة، دون أصل الفعل، ويُسمى «نفي الشمول».
واعلم أن «سلب العموم» يكون النفي فيه للمجموع غالبًا، كقول المتنبي:
ما كلُّ رأي الفتى يدعو إلى رَشدِ
(٧) ومنها إفادة التخصيص قطعًا إذا كان المسند إليه مسبوقًا بنفي، والمسند فعلًا، نحو: «ما أنا قلت هذا بل غيري»؛ أي: لم أقله، وهو مقول لغيري؛ ولذا لا يصح أن يقال: ما أنا قلت هذا ولا غيري؛ لأن مفهوم «ما أنا قلت» أنه مقول للغير ومنطوق «ولا غيري» كونه غير مقول للغير «فيحصل التناقض سلبًا وإيجابًا». وإذا لم يسبق المسند إليه نفي كان تقديمه محتملًا لتخصيص الحكم به، أو تقويته إذا كان المسند فعلًا، نحو: «أنت لا تبخل» ونحو: «هو يهب الألوف» فإنَّ فيه الإسناد مرتين؛ إسناد الفعل إلى ضمير المخاطب في المثال الأول، وإسناد الجملة إلى ضمير الغائب في المثال الثاني.
(٨) ومنها كون المتقدِّم محط الإنكار والغرابة، كقوله:
أبعْدَ المشيبِ المُنْقضي في الذَّوائبتحاول وصلَ الغانيات الكواعبِ
(٩) ومنها سلوك سبيل الرقي، نحو: هذا الكلام صحيح فصيح بليغ، فإذا قلت: «فصيح بليغ» لا يحتاج إلى ذكر صحيح، وإذا قلت: «بليغ» لا يحتاج إلى ذكر فصيح.
(١٠) ومنها مراعاة الترتيب الوجودي، نحو: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ .
تمرين
(١) قال الله تعالى: لِلهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ .
(٢) وقال تعالى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا .
(٣) وقال أبو فراس:
إلى الله أشكو أننا بمنازلتحَكَّمُ في آسادهن كلاب
(٤) وقال ابن نُباتة يُخاطب الحسن بن المهلبي:
ولي همَّة لا تطلب المال للغنىولكنها منك المودة تطلب
(٥) وقال أبو نواس:
إني انتجعت العباس ممتدحًاوسيلتي جودُه وأشعارِ
عن خبرة جئت لا مخاطرةوبالدلالات يهتدي الساري
(٦) وقال الأبيوردي:
ومن نكد الأيام أن يبلغ المنىأخو اللؤم فيها والكريم يَخِيب
(٧) وقال أبو الطيب المتنبي يهجو كافورًا:
من أيةِ الطرقِ مثلك الكرمأين المحاجم يا كافور والجَلَمُ؟
(٨) وقال المعري:
أعندي وقد مارستُ كلَّ خَفِيَّةٍيصدَّقُ واشٍ أو يُخَيَّب سائلُ؟
(٩) وقال أيضًا:
إلى الله أشكو أنني كل ليلةإذا نمت لم أعدمْ خواطر أوهامِ
فإن كان شرًّا فهو لا شك واقعوإن كان خيرًا فهو أضغاث أحلامِ
(١٠) وقال أيضًا:
وكالنار الحياة فمن رمادأواخرها وأولها دخان
(١١) وقال بعض الشعراء في الحث على المعروف:
يد المعروف غُنْمٌ حيث كانتتحملها شكور أو كفور
ففي شكر الشكور لها جزاءوعند الله ما جحد الكفور
(١٢) وقال الآخر:
أنلهو وأيامنا تذهبونلعب والدهر لا يلعب؟!
(١٣) وقال محمد بن وهيب يمدح الخليفة المعتصم (وكنيته أبو إسحق):
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهاشمس الضحى وأبو إسحق والقمر
(١٤) وقال آخر:
ثلاثة يُجهل مقدارهاالأمن والصحة والقوت
فلا تثق بالمال من غيرهالو أنه دُرٌّ وياقوت
(١٥) وقال آخر يهجو بخيلًا:
أأنت تجود إن الجود طبعوما لك منه يا هذا نصيب؟
(١٦) وقال آخر يستنكر أن يشرب الخمر حين دُعي لشربها:
أبعد ستين قد ناهزتها حججًاأحكم الرَّاح في عقلي وجسماني؟
(١٧) وقال الآخر:
غافل أنت والليالي حُبالىبصنوف الردى تروح وتغدو
(١٨) وقال ابن المعتز:
ومن عجب الأيام بغي معاشرغضاب على سبقي إذا أنا جاريت
يغيظهم فضلي عليهم ونقصهمكأني قسمت الحظوظ فحابيت
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع