تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(١) المبحث الأول: في إجمال مواضع الوصل

الأول: إذا اتحدت الجملتان في الخبرية والإنشائية لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط، ولم يكن هناك سبب يقتضي الفصل بينهما، وكانت بينهما مناسبة تامة في المعنى.

وصل جملة «ولا تشركوا» بجملة «واعبدوا» لاتحادهما في الإنشاء، ولأن المطلوب بهما مما يجب على الإنسان أن يؤديه لخالقه، ويختصه به.

ومن هذا النوع قول المرحوم شوقي بك:

عالجوا الحكمة واستشفوا بهاوانشُدوا ما حلَّ منها في السِّيَرْ
للشاعر أحمد شوقي، من قصيدة «ناشئ في الورد من أيامه»

فقد وصل بين ثلاث جمل، تتناسب في أنها مما يتعلق بأمر «الحكمة» وبواجب «الشباب» في طلبها والانتفاع بها.

ونحو: «اذهب إلى فلان، وتقول له كذا» فتكون الجملة الثانية من هذا المثال خبرية لفظًا، ولكنها إنشائية معنًى «أي: وقُلْ له»، فالاختلاف في اللفظ لا في المعنى المعول عليه؛ ولهذا «وجب الوصل».

وعطف الجملة الثانية على الأولى لوجود الجامع بينهما، ولم يكن هناك سبب يقتضي الفصل بينهما، وكل من الجملتين لا موضع له من الإعراب.

الثاني: دفع توهُّم غير المراد؛ وذلك إذا اختلفت الجملتان في الخبرية والإنشائية، وكان الفصل يُوهِم خلاف المقصود كما تقول مجيبًا لشخص بالنفي: «لا، شفاه الله» لمن يسألك: هل برئ عليٌّ من المرض؟ «فترك الواو يُوهم السامع الدعاء عليه، وهو خلاف المقصود؛ لأن الغرض الدعاء له». ولهذا «وجب أيضًا الوصل».

وعطف «الجملة الثانية» الدعائية الإنشائية على «الجملة الأولى» الخبرية المصدَّرة بلفظ «لا» لدفع الإيهام، وكلٌّ من الجملتين لا محل له من الإعراب.

الثالث: إذا كان «للجملة الأولى» محل من الإعراب، وقُصِدَ تشريك «الجملة الثانية» لها في الإعراب حيث لا مانع، نحو: «عليٌّ يقول ويفعل».

تمرين

(١) قال عز وجل: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا .

(٢) وقال سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا .

(٣) وقال سبحانه: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ .

(٤) وقال عليه الصلاة والسلام: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.»

(٥) قال أبو العتاهية:

تأتي المكاره حين تأتي جملةوأرى السرور يجيء في الفلتات
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة

(٦) وقال المتنبي:

وكل امرئ يولي الجميل محبَّبوكل مكان يُنبِت العزَّ طيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

(٧) وقال المعري:

اضربْ وليدَك وادْلُلْهُ على رَشَدٍولا تقل هو طفل غير محتَلِمِ
فرُبَّ شقٍّ برأسٍ جَرَّ منفعةًقِسْ على نَفْعِ شقِّ الرأسِ في القلمِ

(٨) وقال:

يصون الكريمُ العِرضَ بالمال جاهدًاوذو اللؤم للأموال بالعِرض صائن
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أدين برب واحد وتجنب»

(٩) وقال مسلم بن الوليد:

يجود بالنفس إن ضنَّ الجواد بهاوالجود بالنفس أقصى غاية الجود

(١٠) وقال أبو نواس:

نسيبك من ناسبتَ بالود قلبهوجارك من صافيتَ لا من تُصاقِب
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراني وقومي فرقتنا مذاهب»

(١١) وقال الغزي:

إنما هذه الحياة متاعوالسفيه الغبي من يصطفيها
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة
ما مضى فات والمؤمَّل غيبولك الساعة التي أنت فيها
للشاعر طانيوس عبده، اقرأ القصيدة

تمرين آخر

بيِّن أسباب الفصل في الأمثلة الآتية:

(١) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ .

(٢) وقال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا .

(٣) وقال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ .

(٤) وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ .

(٥) وقال سبحانه: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا .

(٦) وقال عز وجل: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ .

(٧) قال أبو العتاهية:

الصمت أجمل بالفتىمن منطق في غير حينه
لا خير في حشو الكلام إذا اهتديت إلى عيونه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «لا خير في حشو الكلام»
كل امرئ في نفسهأعلى وأشرف من قرينه
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «المرء نحو من خدينه»

(٨) وقال أبو تمام:

ليس الكريم الذي يُعطي عطيتهعن الثناء وإن أغلى به الثمنا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ليس الكريم الذي يعطي عطيته»
إن الكريم الذي يُعطي عَطِيَّتهلغير شيء سوى استحسانه الحَسَنا
لا يستثيب ببذل العُرف مَحْمَدةولا يَمُنُّ إذا ما قلَّد المننا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ليس الكريم الذي يعطي عطيته»

(٩) وقال المتنبي:

لولا المشقة ساد الناس كلهمالجود يُفقر والإقدام قَتَّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

(١٠) وقال الشريف الرَّضِيُّ:

لا تأمننَّ عدوًّا لانَ جانبُهخشونةُ الصِّل عُقْبَى ذلك اللين
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لواعج الشوق تخطيهم وتصميني»

(١١) وقال المعري:

لا يُعجبنَّك إقبالٌ يريك سَنًاإن الخمود لعمري غاية الضرم
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تحس الحياة على الأحياء مشتمل»

(١٢) وقال الخفاجي:

الناس شتَّى وإن عمَّتهم صورٌهي التناسب بين الماء والآل

(١٣) وقال أبو فراس:

لا تطلبن دنوَّ دارٍ من خليل أو مُعَاشِرْ
أبقى لأسباب المودَّةأن تزور ولا تجاور

(١٤) وقال الحُطَيْئة:

من يفعل الخير لا يعدم جَوازِيَهُلا يذهب العُرف بين اللهِ والناسِ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

(١٥) وقال أعرابي قَتل أخوه ابنًا له:

أقول للنفس تَأْساءً وتعزيةًإحدى يديَّ أصابتني ولم تُرِدِ
كلاهما خلف من فقد صاحبههذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
للشاعر ابن الفضل القطان، اقرأ القصيدة

(١٦) وقال الغزي:

من أغفل الشِّعر لم تعرف مناقبهلا يُجتنى ثمر من غير أغصان

(١٧) وقال ابن شرف:

لا تسألِ الناسَ والأيامَ عن خبرهما يَبُثَّانِكَ الأخبارَ تفصيلا
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
(١٨) ولكل حُسْنٍ آفة موجودةإن السراج على سناه يُدَخَّن
(١٩) بالعلم والمال يبني الناس ملكهملم يُبْنَ مُلْكٌ على جهل وإقلال
للشاعر أحمد شوقي، من قصيدة «قف بالممالك وانظر دولة المال»

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الوصل والفصل

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.