من «التمام في تفسير أشعار هذيل» لابن جني (ت ٣٩٢هـ)
شعر أبي صخر (٢)
لا تكون " حياتي " بدلا من " ما نزل الركبان " لاختلاف مقداريهما وفساد المعنى مع البدل، وذلك أن حياته إنما مدتها عمر إنسان وذلك معلوم القدر، وما نزل الركبان يطول جدا مدته، وكذلك مدة خوض الكواكب الظلام، فأن قلت: فإذا كان الثاني أقل من الأول جاز إبداله منه كنت " ضربت زيداً رأسه "، وإنما يقبح إبدال الأكثر من الأقل ك " ضربت رأس زيداٍ زيداً " لسلب الإنسان والعود إلى الاستبهام قبل: لعمري أن إبدال الأقل من الأكثر سائغ، إلا أنه في هذا الموضع فاسد وذلك إنه يقول إنه لا يزال يروى قصائده فيه أبداً، فإذا عاد فقال بل مُدَّة حياتي، فقدر حياته بالإضافة إلى امتدادا الدهر لا يعتد أصلاً تراجع عمّا تمدّح به وأوجب الحق بشرطه إِياه على نفسه، فإذا كان كذلك كان " حياتي " منصوبا على الظرف بفعل محذوف دل الكلام عليه، فكأنه قال فيما بعد: أمدحه حياتي فأن مت روى الرواة مَدْحي فسار بعدنا أبداً في الشرق والغرب، وأما " ثنائي " فمنصوب لأنه مفعول ليس ثنى ثان، قال كثير " من البسيط ":
أمسى تراث أبن ليلى وهو مقتسمفي أقربيه بلا مَنٍّ ولا ثمنِ
ورثتهم فتسلَّوا عنك إذ ورثواوما وَرَثْتك غير الهم والحزنِ
وقالت " من الطويل ":
مضى وورثناه دريس مفاضةوأبيض مصقولا طوالاً محامله
وأما " مِني " فكان أبو علي ﵀ يقول: إن لامه ياء وكان يشتقه من " منيت الشيء " إذا قدرته من قوله:
حتى تلاقي ما تمني لك الماني
أي: يقدر لك المقدر، وكان يجمعهما بأن يقول انها إنما سميت " منى " لأن الناس يقيمون بها فيقدرون أمورهم وأحوالهم فيها، وهذا صحيح مستقيم.
وفيها:
إذا عشت لي حتى أموتَ فلا أسَلْخلافك في عيش وما حُمَّ واجبُ
لك في " أسل " وجهان، أحدهما: إنه أراد الرفع فلا أسل خلافك
فاسكن لكثرة الحركات كقوله " من السريع ":
فاليوم اشربْ غير مستحقبإِثماً من الله ولا واغل
والآخر: أن يكون أراد الدعاء، أي: فلا سألت، فجزم لذلك، ودخول " في " هنا حمل على المعنى؛ لأن معنى: " سألتك في كذا " رغبت إليك فيه، فلما دخله هذا المعنى جاز فيه " في "، كقول الله سبحانه: " الرفثُ إلى نسائِكم "، وقد تقدم ذكره.
وفيها:
حَدَث مُزْنَةٌ من حضرموت مرتَّةٌضَجوعٌ لها منه مُربٌ وحالبُ
قال: " حضرموت " لغتهم، فيه عندي قولان، أحدهما: أنه لما كان علماً ومركباً دخله تغيير الفتحة إلى الضمة كأشياء تجوز في الإعلام مختصة بها كت " موهَب " و " تهلَل " و " حيوَة " و " معدى كرب " و " مكوزة "، وغير ذلك، والآخر: أن يكون لما رأى أن الاسمين قد ركبا معا وجربا مجرى الشبه ثم الشبه بينهما فضم الميم ليصير " حضرموت " على وزن " عَضْرَفُوط "، فإذا فعلت هذا ذهبت في ترك صرفه إلى التعريف والتأنيث للبلدة، وذلك إنه وإن كان في الأصل مركبا فقد صار فيما بعد إلى وزن الواحد، وباب ما لا ينصرف أغلب أسباب منعه الصرف إنما هو
شبه اللفظ كت " أحمد " و " يعفر " و " تنضُب " علما، وفي القول الأول منعْتَ الصرف للتعريف والتركيب كت " بعلبك " وبابه.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
عفا سَرّفٌ من جُمْلَ فالمرتمى قَفْرُفَشِعْبٌ فأدبار الثنيّات فالغَمْرُ
فخيفُ مِني أقوى خلاف قطينهفمكة وحْشاً من جميلة فالحِجْر
الشعراء تغير وتحرف الأعلام لإقامة الأوزان من ذلك قولها " من الطويل ":
اقلب طرفي في الفوارس لا أرىحزاقا، وعيني كالجارة من القطر
قالوا: أرادت حازوقا فقالت: حزاقا، وقال " من الطويل ":
أبوك عطاء ألأمُ الناس كلهمفقبح من فحل، وقبحت من نجل
يريد: عطية، وقال " من الوافر ":
وسائلة بثعلبة بن سيروقد علِقتْ بثعلبة العلوق
يريد: ابن سيار، وقال " من الكامل ":
ودعا بمحكمة أمين سكهامن نسيج داود ابي سلاّمِ
يريد " أبي سليمان "، وكذلك قوله عندي " من الطويل ":
وكل صموت نثلة تبعيةونسج سُليم كُلَّ قضاء ذائل
على تحقير الترخيم كزهير من أزهر، وسويد من أسود، دون أن يكون عندك من تحريف الضرورة. قيل يمنع من تحقير سليمان إنما هو تحقير سلمان، وإذا كان تحقيرا لم يجز تحقيره كما لا يحقر نحوه: كُليب وجُعيفر، فإذا كان كذلك كان تحريفا لا ترخيما، فكذلك قوله في البيت الثاني " جميلة " وفي الأول " جُمْل " هو من التحريف الذي تقدم ذكره، ولو كان مكانه " جميلة، لكان أسهل لانه كان يكون تحقيرا بعد تكبير كقول القطامي " من البسيط ".
أمست عُلية يرتاح الفؤاد لهاوللرواسم فيما دونها عمل
مع قوله " من البسيط ".
المحة من سنا برق رأى بصريأم وجه عالية اختالت به الكلل
ف " 'ثليّة " ينبغي أن يكون ترخيم " عالية ".
وفيها:
وَبَلَّ الندى من آخر الليل جبهاإذا استوسنت وأستثقل الهدف الهِدْرُ
قال: " الهدر " الثقيل، وكذلك الهدف، ينبغي أن يكون الهدف من قولهم: " هنا هدف الرمية "، كأنه لثقله وقلة تصرفه منصوب للمصائب
والنوائب، وليس معه من الحركة والتصرف ما يتقي به نوازل ما يكرهه، وكذلك الهدر من الشيء المهدر أي: المطرح أي ساقط، وأما " استوسنت " ف " استفعلت " في معنى الثلاثي أي: وَسنت تونس، وكذلك " استثقل " وقد تقدم ذكر مجيء " استفعل " في معنى " فَعَل ".
وفيها:
بأسفنط كَرْم ناطفٍ زَرَجونهيعقب سرّى جادت به مُزُن قُمْرُ
قال: أراد بعقب سحاب سرى، قال: واسفنط رومي اسم الخمر، أما " سرّى " فعلى إقامة الصفة مقام الموصوف، ومثله قوله:
مالك عندي غير سهم وحَجَروغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفى كان من أرمى البشر
أي: بكفى " رجل " كان من أرمى البشر، وأغلظ من هذا قول الآخر:
والله ما زيد بنامَ صاحبهولا مخالط الليان جانبه
أي: " بإنسان نام صاحبه "، فحذف الموصوف وباشر بحرف الجر نفس الفعل، وليس " نام صاحبه " بعلم ك " تأبط شرا " و " ذرّى حبا " و " جلا الصبح " ولو ذلك يدل على ذاك قوله معه: " ولا مخالط الليان جانبه " فمعناه، إذن: " ما زيد بنائم صاحبه ولا مخالط الليان جانبه "، وما فائدة ذلك؟ قيل: معناه ألا أنه لا يصاحب إلا النجباء الأذكياء مثله دون دون الثقال البلداء وهذه عادة للشعراء، قال " من البسيط ":
وقد أصاحب فتيانا شرابهمخضر المزاد ولحم فيه تنشيم
وقال في نحوه " من البسيط ":
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنيشاو مثلٌّ شلول شلشلٌ شول
وأنشد أبو زيد " من الرجز ": وصاحب نبهته لينهضا إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلان وما تأرضايمسح بالكفين وجها أبيضا
وهو كثير، وقد يجوز أن يكون صاحبه قلبه أي هو يقظان الفؤاد، والقول الأول أظهر، وأما " أسفنط " فأجتمع الناس على أنه رومي إلا ابن الأعرابي فإنه قال هو عربي وأخذه من " سَفطَت نفسي " أي: طابت، وهو أسفط نفسا من فلان، وذلك لطيب الخمر، فإن كان كذلك فقد ثبت به مثال لم يأت به صاحب الكتاب، ألا ترى أنه لم يذكر في الأمثلة " إفْعنْل "، وينبغي أن يكون العمل على ما أطبقت الجماعة عليه.
وفيها:
فَقَلَّ به ما عرّسوا ثم أنهجتلمنزلة أخرى بهم طُرُقٌ غُبْرُ
ليست " ما " هذه " ك " ما " في قوله: " قلما زرتني " و " قلما لقيت زيداً "؛ لأن " ما " من " قلما زرتني " حذف لوقوع الفعل بعده كما أصلحت " ما " حرف الجر وهيّأته لوقوع الفعل بعده في قول الله سبحانه: " رُبَّما يَوَدُّ الذينَ كفروا لو كانوا " وقوله:
ربما أوفيت في عَلَمتَرْفَعَنْ ثوبي شَمالاتُ
وكما أصلحت الظرف للجملة من غير إضافة في قوله " من الكامل ":
أعلاقةً أمَّ الوُلَيِّدِ بعدماأفنان رأسك كالثغام المُخْلسِ
وليس كذلك " ما " من قوله: " فَقَلَّ به ما عرسوا " إنما هذه ما المصدرية
في قولك: " عجبت مما صنعت " أي: من صنيعك، و " مما قمت " أي: قيامك وهي مرفوعة ب " قَلَّ " يدل على ذلك فصله بينها وبين " قَلَّ " بالظرف، وهذا الفصل إن وجد بين المضاف والمضاف إليه وبين حرف الجر وما جره في قوله " من الطويل "
ف لو كنتُ في خلقاء من رأس شاهقوليس إلى منها النزول سبيل
ونحو ذلك، فأنا لم نجده معترضاً بين الجزأين المركبين في نحو معدي كرب وقاليقلا ومارسرجس، ولا فيما أصلح فيه الجزء الثاني الجزء الأول لمباشرة " ما "، لولا الثاني لم يباشره نحو: ربما قام، وقلما زارنا، وبعدما أفنان رأسك كالثغام، وإذا كان هذا مفقودا غير موجود لم يجز أن يحمل بيت أبي صخر عليه، فأما الفعل المصلح للفعل بعدهما في قولك: " قَلّما زرناك "، فإنه عندنا لا فاعل له وذلك أن " ما " المضمومة إليه كفّته عن اقتضائه الفاعل وأصارته إلى حكم آخر، وقد تقصى هذا في عدة أماكن من كلام أبي علي وكلامي فتركت الإطالة بذكره.
وفيها:
سمون بنا يَحْتَبْنَ كُلَّ تنوفةتَضِلّ بها عن بيضهن القطا الكُدْرُ
لا يجوز أن تكون " تنوفة " من النوف ولا من " أناف على كذا " أي: علاه؛ لأنها لو كانت منه لوجب تصحيحها لموافقة الزيادة في أولها زيادة الفعل وللزم أن تقول: تَنْوَفَة ك " تَدْوَرَة "، وتصحيحها أيضا في التكسير فتقول تناوِف كمعونة ومعاوِن، فهي إذن من لفظ " ت ن ف "، ولا اعرف لهذا الأصل استعمالاً في غير هذا الموضع.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
عفت ذاتُ عرْق عُصلُها فرئامُهافدهناؤها وَحْشٌ وأجلى سوامُها
فيها:
كأنّ على أنيابها من رُضابهاسبيئاً نفي الصفراء عنها أيامُها
قال: سبيئاً عسلاً، والصفراء: النحل، والأيام: الدخان، حدثنا أبو علي يرفعه إلى بعض أصحابنا قال: يقال " آمَ العسّال الوَقْبَةَ يؤمها أياما "، وذلك إذا دخن عليها ليخرج النحل فيشتار العسل، والأيام على ما ترى مصدر وعينه في الأصل واو، وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن في نوادر أبي عمرو الشيباني، قال: الأيام العُودُ الذي فيه النار يُدَخَّنُ به على النار، وذكر السكري هنا إنه الدخان نفسه، والذي يجمع بين هذه الأقاويل إنه في الأصل مصدر فسمي به مرة الدخان ومرة العود الذي يدخن به، ولو كسرته على " أفْعِلة " كانت عينه آومة وعلى " فُعلان " لقلت: أومان وعلى " فُعْل ": أُوم.
بماذيّةٍ جادت لها زَرَجونةٌمعتَّقَةٌ صهباء صافٍ مدامُها
قال: ماذية عسل أبيض، ينبغي أن تكون ماذية " فاعولة " من مذى يمذي، إذا سال، وذلك لرقة العسل، وكأنها شُبّهت بالمذي لرقتها وبياضها، وكذلك عندي ما جاء في شعر هُديل من الماذية يراد به المرآة وذلك لبياضها وما عليها من ماء الصقال، فكأن ماء يسيل عليها، يدلك على ذلك قولهم لها: الماوية، فهي منسوبة إلى الماء لما ذكرنا.
بعقب سرَى في مُزنة رَجَبيَّةٍبقاع حنيّ يومَ أجلى غمامُها
أي: يعقب سحاب سرى، فحذف الموصوف وقد تقدم شرحه قبل، وحنيّ: " فعيل " من حنوت، وليس يحسن أن تجعل " حنيّ " جمع حنيّة تعني القوس، وذلك إنهم إنما يصفون القسيّ بأن منابتها الأشعاف وأعالي الجبال والقاع منخفض، فأما كان " حنيّ " مكاناً مخصوصا، وأما كان نبتاً متحنياً لعلوه وكثافته.
وفيها: فطهر منهم بطن مكة ماجدٌ أبيٌّ شراة الضيم حين يُسامها قال: الشراة الحد، ينبغي أن يكون لامها ياء حملا على الأكثر ولا يمنع أيضا فيه الواو.
ومن رأيه ذي الفَضْلِ واليمن والتقىأغر سماوي إليه ذِمامُها
قال: سماوي سحاب نشأ من ناحية السماوة.
يشج بها عرض الفلاة تعسفاوأما إذا يخفى من أرض علامُها
" من " في قوله: " ومن رأيه " متعلقة ب " يشج " أي إنما سار وأرتحل برأيه، ومن أجل فضله ويمنه، وأما " عَلامها " بفتح العين فينبغي أن يُحمل على إنه أراد عملها فأشبع الفتحة فنشأت بعدها ألف كقولهم في " أمين ": آمين، وفي " بين ": بينا، وفي قولهم: جيء به من حيث وليسا أي: وليس، وفي قوله " بمنتزاح " وهو يريد " منتزج ": مُفتعَل، من النزح وقد قالوا في جمع " عَلَم ": عِلام، كجبل وجبال، فيجوز أن يكون " علامها " وأما تفسيره قوله: " أغر سماويّ " بأنه سحاب نشأ من قبل السماوة: فساقط، وذلك إنه قد فارق صفة السحاب وانتهى إلى المدح لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بم أمية بن أسيد ألا تراه قال: " أغر سماويّ إليه زمامها " وهذا أمر يخص المدح، ولا معنى للسحاب هنا، ولكن يجوز أن يريد ب " سماويّ " إنه ينسبه إلى السماء ومعالي الأمور كقول الله تعالى: (ما هذا بَشَراً إنْ هذا إِلاُّ مَلَكْ كريم).
وفيها: شَمِتَّ بقتلي مالك وهجوتها عليك خزايا قوم لوط وذامُها قد قالوا في جمع " أذية ": أذايا، فيجوز أن يكون " خزايا " جمع " خزية " فقد كسروا " فَعْلَة " على " فعائِل " ككنّة وكنائن.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل "
لليلى بذات البين دار عرفتهاوأخرى بذات الجيش آياتُها سَطْرُ
هكذا رواه " البَين " بالفتح، ورويناه عن أحمد بن يحيى وغيره " البين " بكسر الباء، قال: " سفر " كتابٌ غفل، أي: دَرَست فصارت أعلامها إغفالا، ينبغي أن يكون السفر من قولهم: سفرت البيت، أي: كنسته، فكأنه كنست الكتابة من الشطرين فصار غفلا بعد أن كان بها معلما.
وقال أبو صخر أيضاً " من الطويل ":
بأهلي من أمي على نأبه شكلاومن لا أرى في العالمين له مثلا
فأقسم بالله الذي اهتزّ عرشهعلى فوق سبع لا اعلّمه بُطلا
بأن لليلى في الفؤاد عَلاقةٍعلى اليأس يوماً ما سقى الشَرَبُ النخلا
أخلص " فوق " اسماً، إلا تراه أدخل " على " عليها، فعلى هذا يجوز أن تقول " فوقُك رأسك " كقولك: " أعلاك رأسك "، و " أعلاك " مرفوع بالابتداء، وقوله: " على فوق سبع " يدفع إنشاد أبي علي بيت الكتاب " من الطويل ":
له ما رأت عين البصير وفوقهسماءُ الإله فوقَ سبع سمائيا
وكان يقول أن السابعة هي العرش وهي التي أراد بقوله: " سماء الإله " وقوله: " لا اعلمه بُطْلا " منقول من " علم " المتعدية إلى فعول واحد بمعنى " عرف " كقول الله سبحانه: " ولقد علمتم الذينَ اعتَدَوْا منكم في السَّبْتِ " أي: عرفتم، ألا تراه عدّاه إلى مفعولين أحدهما الهاء
والآخر " بطلا " ولو كانت منقولة من المتعدية إلى مفعولين لوجب أن تَخَطّى إلى الثالث لأن تلك منى تعدت إلى أثنين لم يكن بد من الثالث إجماعا، وإنما الخلاف هل يجوز الاقتصار على المفعول الأول دون الثاني والثالث أوْ لا؟ وقوله: " على اليأس يوما "، فاليوم هنا لا يراد به ما يشفع الليلة من بياض النهار خاصة، وإنما الغرض فيه هنا الدهر عموما أيامه ولياليه كقول الآخر " من مجزوء الرمل ":
حبّذا العرصات يوماًفي ليالٍ مقمرات
وقد تقدم ذكر نظير.
وفيها:
ترى الشيب بالأصال يمشون نحوهيحيّونه كَهْلاً، ومَنْ لم يكن كهلا
" مَنْ " هنا نكرة لأنها معطوفة على " كهلاً " وما بعد " مَنْ " صفة لها وموضعه من الإعراب نصب، فأما " كهلا " فإن شئت جعلته حالا أي: كهولاً وغير كهول، فوضعت الواحد في موضع الجميع كقوله سبحانه: " ثم يخرجكم طِفْلاً ". وقد تقدم ذكره، وأنْ شئت جعلته تمييزاً كأنه أراد. حييونه من كهول وغير كهول، ولا يجوز أن يكون " كهلاً " حالاً منه لفساد معناه.
وفيها:
أتى أُمَّه قد واعَدَ الغزو فتيةًكِراماً نثاهم لا لئاماً ولا عُزّلا
لام " النثا " واو لقولهم: نثا الخير ينثوه نثواً.
وفيها:
بضربٍ يُطاطي البيضَ من فوق رُؤْوسِهمإذا أكرهت فيهم سمعت لها قَصْلا
قال: " قصْلاً " أي قطعاً، هو عندي على حذف المضاف أي صوت قصل، لأن القصل نفسه لا يدركه السمع وكسَّر رأساً على " رؤس " كقوله " من الطويل ":
فيوماً إلى أهلي ويوماً إليكمويوماً أمر الخيل رؤس أجبال
وقد تقدم ذكر ما كسر من " فَعْل " على " فُعْل " نحو: سَقْف وسُقْف وحَشْر وحُشْر وكَثَ وكُثَ ووَرْد ووُرْد، ونظير قوله: " سمعت لها قصلاً " قول جرير " من الوافر ":
سمعت حمامةً طِربت بنجدفما هجتَ العشيَة يا حماما
أي: سمعت صوت حمامة، وعليه قول الله تعالى: " هل يسمعونكم إذ تدعون " أي: هل يسمعون دعاءكم، وينبغي أنْ يُنْشَدَ بضرب يُطاطي، بترك الهمزبين الطاءين، ألا تراه قد أبدل الثانية البتَة ضرورة فالأحسن أن يخفف الهمزة الأولى ليتشابه اللفظان، ولو حقق الأولى، وقد أبدل الثاني لكان في اللفظ من التنافر ما تراه، والشعر أحوج الكلام إلى تشابه أحواله وتناصر ألفاظه، ولذلك عندي ما قدّموا الأرداف والتأسيس، أمام مدّات الوصل ليتشاكلن.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من الوافر ":
بياض الرأس ما لم تأت أمراًيكون سواه أتوحل حلال
قال: أراد " حِلٍّ " فخفف هذا التخفيف أكثر ما يكون في القول في المقيدة نحو قوله:
ها إنّ ذا غضب مطر
وقوله " من الرمل ":
ما أقلت قدماي إنهمنعم الساعون في الأملا المبر
وقوله " من الرمل ":
أصحوت اليوم أن شاقتك هرومن الحب جنون مستعر
وقلما يجيء في حشو البيت إلا أنه قد جاء، فمنه قوله أنشدناه أبو علي وقرأته أيضا عليه:
بكيّ بعينك واكفَ القَطْرِأين الجواري العالي الذكر
يريد: الجواري، وأنشدنا أبو علي لعمران بن حطان " من البسيط ":
قد كنت عندك حولاً لا تروعنيفيه روائع من أنس ولا جان
هكذا انشدناه معتقدا فيه التخفيف مع ما تراه من الإطلاق، وقد يجوز فيه عندي وجه آخر وهو أن يكون أبدل النون الثانية لاجتماع المثلين كقولهم: " أمليت الكتاب " في معنى أمللت من قوله سبحانه: " وليُمْلِلِ الذي عليه الحقُ "، وكما حكى أحمد بن يحيى من قولهم: " لا وربيك لا أفعل "، يريد: وربك وعلى هذا تأول أبو علي قوله:
وآليت لا أملاه حتى يُفارقا
قال: أراد: لا أمَلّه، فأبدل الثاني، ومنه قول الشاعر " من الخفيف ":
أنّ سلمى هي المنى لو تواتيحَبَّذا هي من خُلَّةٍ لو تخالي
أراد: تخالُّ، فإذا أمكن ذلك كان حَمْل بيت عمران على هذا الضرب من البدل أخلق من حمله على الحذف؛ لأن البدل على كل حال أحسن من الحذف، ومما حذف في الوصل قوله " من الكامل ":
أزهير أنْ يشب القذالُ فإننيرب هيضل لجب لففت بهيضل
فاذا جاز الحذف في الحرف على قلته فيه فهو في الاسم لكثرته فيه أولى، ووجه ذلك عندي إنه أجرى الوصل في الشعر مجرى الوقف على القافية فخفف، ونظير هذا عندي قوله:
يا ليتها قد خرجت من فمهحتى يعود الملك في أسطمه
أجرى الوصل مجرى الوقف فثقَّل مع الإطلاق نحو: الأضْخِمّا والعَيْهَلَ وكذلك قول الآخر، أنشده أبو زيد:
مَحْضٌ نجاري طيّبٌ عُنْصُرِّي
إلا أن هذا ومن فمه أغلظ من الأضخما والعَيْهَلّ وبعدما اخصبّا، وذلك انهما مضافان ولا سيما إلى مضمر، والوقف دونه لا يجوز، فإذا ساغت نية الوقف فيما هذه حاله كانت نيته فيما يمكن الوقف عليه أمثل.
وفيها:
وما مُتَرجِّزُ الآذيّ جَونٌله حُبُكٌ يطم على الجبال
الأذى " فاعول " من الأذى، كما أن الآريّ " فاعول من أرى يأري، إذا انقبض واحتبس، وكما أن الماذيّ " فاعول " من مذى يمذي. وأما " ضاويّ " فيحتمل أمرين فيما رواه أبو علي، أحدهما: أن يكون " فاعولاً " من الضوى، والآخر: أن يكون " فاعليّاً " منه حذفت لامه على قولهم في ناجيةٍ: " ناجيّ "، وأما العارية ف " فَعَلِيّة " من قولهم: تعوروا العواريّ بينهم أي تداولوها ومن قوله:
مسح الأكف تعاوروا المنديلا
وأما الجاديّ ف " فاعول " من الجيّة وهي طريقة الدم، سمي بذلك لحمرته، كذا أرى أنا فيه، ولم أعلم أحدا من أصحابنا ذكره، وينبغي أن تكون لام " الجديّة " واوا، فقد دللت على صحة هذا فيما مضى، وأما " الباري " فأعجمي.
وفيها:
كفاني كُلَ أبيض خالديّطويل الباع مُضْطلع الحمال
ينبغي أن يكون أراد الحمالة فحذف الهاء كما حذفها مالك بن جبار من قوله " من البسيط ":
إِنّا بنو عمكم لا أن نباعلكمولا نصالحكم إلا على ناحِ
قالوا: أراد ناحية، وقد تقدم ذكر نحو هذا.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من الطويل ":
وركبان أنضاء يَبُلُّ رحالهمضريب عثانين من الثلج بارد
القوافي مجرورة، قال: ويروي: " من الليل ". ظاهر الأمر في " بارد " أن يكون صفة ل " عثانين "، وأن كان جمعا متناهيا، ألا ترى أنه قد شابه الواحد بأن جُمع فقيل:
هن يعلُكْن حدائداتها
قرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى وأنشدنا أبو علي:
قد جرت الطير أيامنيناقالت وكنت رجلا فطينا:
هذا لعمر الله إسرائينا
وحكى أبو الحسن: " صواحبات يوسف " و " مواليات العرب "، فلما جُمعَ جَمْعَ الواحد جاز أن يوصف بلفظ الواحد، ووجه آخر: وهو أن يكون صفة " ضريب " إلا أنه ألحقه ياءي الإضافة توكيدا لمعنى الصفة كقول العجاج:
غُضْفٌ طواها الأمس كلاّبيّ
وقد تقدم القول عليه، وكذلك أراد " بارديّ " فلما وقف خفف وذكر البرد مع الثلج توكيدا.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من البسيط ":
جهم المحيا عبوس باسل شرسوَرْد قُصاقِصَة، رئبالة شكم
قال: الرئبال من الأسد كالقارح من الخيل التي تمت أسنانه، قال: هذا عن أبي حفص عمر بن بُكير، قال: وشكم غضوب، ينبغي أن يكون من " الشكيمة " وهي شدة الخلق ومنه شكمته إذا كافأته فكأنه يقابل أعداءه مكافئا لهم، فإن قلت فإن الشكْمَ هو المكافأة مرسلة لا يخص خيرا من شر فكيف أخلصتها هنا للشر؟ قيل: لا ينكر أن يكون الشيء في الأصل سائغا غير مقصور ثم يراد في بعض الأحوال المبالغة فيقتصر على أحد ما يقع عليه كقولنا للكعبة: بيت الله، ولعلم حلال الشريعة وحرامها: الفقه، وللثمين من تجارة: الجوهلا، ونحو ذلك، فكما اختص هذا للخير كذلك اختص " شكم " للشر، والمعنى الجامع هما إرادة المبالغة لا سيما وقد تقدم في أول البيت ما جذب إلى ذاك وحدا على قصره على ما يضاهيه.
وفيها:
شيبت بموهبة من رأس مرقبةجرداء مهيبة في حالق شمم
قال: موهبة غدير، هذا عندي مما شَذّ في تصريفه لأن العرب لا تكاد تبني " مَفْعَلاً " بفتح العين مما فاؤه واو إنما هو " مَفْعِل " بكسرها نحو: الموضع والموقع والموجِدة والمورِدة، إلا أنه قد جاء من هذا ما قدمت ذكره منه قولهم: مَوْضَع بفتح الضاد، قد حكيت كذلك عن الفراء وقالوا: مَوْجَل ومَوْحَل وموقَعَة الطائر، وقالوا: أكل الرطب مَوْرَدَةٌ والبطنة مَوْسَنَة، وقالوا: مَوْظَب ومَوْثَب، ولم يذهب فيه إلى لفظ " م ر ق "، قال: وأما مَوْألَة فمن اخذها من ذاك فهي من هذا الباب، ومن أخذها من " مَألْتَ " فهي " فوْعَلَة "، ومثل قوله مَهْيَبَة في تصحيح عينها قولهم: " هذا طعام مَطْيَبَة للنفس " و " كثرة الشرب مَبْوَلة " و " الفكاهة مَقْوَدَة إلى الأذى "، وقالوا في " المَثُوبة ": المَثْوَبَة، وفي " المشُورة ": المَشْوَرَة، وقالوا في العلم: مَرْيَم ومَدْيَن ومكْوَزَة، وكأنَّ الغدير سمى مَوْهَبَة؛
لأنه كأنه عطية وهبة من الله، وذلك لإفراط سرورهم به وانسهم بوروده. قبله:
كأنّ معتقةً في الدن مغلقةصهباء مصعقة من رانيء رَدم
قال: يقال رانت به الخمر، وهذا كان يوجب فيه عندي " رائن " كباع فهو بائع، وإنما رواه رانيء بالهمز، ولو كان قبله لوجب فيه رانٍ كشاك من شائك، ولاث من لائث، والذي أراه فيه إنه " فاعِلُن " من لفظ " اليُرَنّأ " وهو الحِنّاء، فاراد هنا اللون وصبغه، فإن قلت: فقد قال صهباء، والصهبة بعيدة من الحمرة؟ قيل: لا ينكر ذلك، وذلك إن الصهباء قد صارت اسما للخمر حتى تُطلق عليها على اختلاف ألوانها وكالمدام هو اسم لها وأن لم يطل دوامها لما استمر فيها.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة:
فُسُمْيٌ فأعناءُ الوجيع فسابسإلى عنق المصياغ من ذلك
لا أعرف في الكلام تركيب " س م ي " إنما هو " س م و " فقد يمكن أن يكون بُني من " سموت " اسما على " فُعُل " فكان تقديره " سُمُو "، فلما تطرفت وأنضم ما قبلها قلبت ياء فصارت " سُمٍ " ثم أنه اسكن العين كقولك في ضُرِبَ: ضُرْبَ، فأقر الياء بحالها وإن زالت الكسرة لفظاً لتقديره إياها معنى كقول الآخر قرأته على أبي صالح عن اليزيدي يرفعه إلى الأصمعي:
قالت أراه دالفاً قد دُنى له
أراد: دُنِىَ فهي " فُعِل " من دنوت، فعلى هذا يتوجه كون السُمى من سموت، وأما " الاعناء " فواحدها " عناً " وهو الناحية ولامه واو، وقد
تقدم القول عليه.
وفيها:
جَلَوا من تهامي أرضنا وتبدلوابمكة باب اليون والريط بالعصب
قرأت على الحسين بن علي عن أبي عبد الله محمد بن العباس عن محمد بن حبيب لكثير " من الطويل ":
جرى دون باب اليون والعصب دونهرياح اسقت بالتقاو اشمت
وهو بمصر، والقول فيه إن كان عربيا كان غريبا، وذلك إنه ثالث يوم ويوح مما فاؤه ياءٌ وعينه واو، وهذا هو الظاهر، وقد يجوز أن يكون بنى " فُعْلاً " من " يَيَنَ " وهو اسم موضع على قول أبي الحسن في " فُعْل " من البيع: يُوع.
وقال:
والجن لم تنهض بما حملتنيأبداً ولا المصباب في الشَّرْم
" المصباب ": السفينة، و " الشرم " ما لم يدرك غوره من البحر. القول في " الشرم " إنه سمى بذلك لأنه من: شرمت الشيء أي: شققته، وذلك أنه الموضع المنشق الغائر من البحر، وقيل له شرم كما قيل له بحر والبحيرة: المشقوقة الأذن من النوق، ولذلك قيل له البَضيع لأنه " فَعيل " من بضعت أي: شققت.
وفيها:
أن أرى الذي قد ظن أن ستريوضَحَ النهار وعالي النجم
أنتصب " وَضَحَ النهار "، وليس يحسن أن تجعله بدلا من الهاء المحذوفة من ستراه من قبل أنه حذفها للإيجاز والبدل يشابه التوكيد بما فيه من التكثير والتوكيد للإسهاب والإسهاب ضد الإيجاز.
وفيها:
ومطوَس سَهْل مدامِعُهلا شاحب عارٍ ولا جَهْمِ
قال: " مطوس " حسن، قد تمكن معنى الحسن في هذا اللفظ حتى قال رؤية: " طاووسا "، وهذا كقولهم: مررت بحية ذراع طولها، وبكتاب طين خاتمه، ومررت بقاع عرفج كله، هذا ومنه قول الآخر:
كأنّ لها منه بيوتاً حصينةمسوماً أعاليها وساجاً كسورها
فرفع ب " وساج " و " مسوح " لما كان معنى مسوح: سود، ومعنى وساج: خضر.
وقال لسعيد بن عبد الملك " من الوافر ":
أصاب أبو سعيد حين سمّىسعيدا حين سمّاه سعيدا
لم يفسره أبو سعيد السكري، والقول عليه أنه كأنه قد أصاب والد سعيد حين اجمع تسميته في أن سماه سعيداً فاستعمل " حين " الثانية في موضع " أنْ " وقد كثر استعمال ظروف الزمان عن " أن " وذلك لمقاربة المصدر
لظرف الزمان من ذلك قولك: " أحسنت إليك إذ أطعتني " معناه: إن أطعتني أي: من أجل أن أطعتني، وأسأت إليك إذ عصيتني، أي: من أجل أن عصيتني، ألا ترى أن الثاني مُسبب عن الأول ومن حكم السبب أن يتقدم ما كان مسببا عنه، ومنه قول الله سبحانه: " ولن ينفَعكُم اليوم إذ ظلمتم أنَكُمْ في العذابِ مشترِكون "، أي: لن ينفعكم من أجل أن ظلمتم اشتراككم في العذاب، وله نظائر، وفي هذه الآية ما هو اكثر من هذا ولأبي علي فيها قول وراجعته فيها فخرج ما قد اثبت.
ثم ما خرج من شعر أبي صخر
النص من طبعة مطبعة العاني ببغداد (١٣٨١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع