من «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)
فصل «في الاتّفاق في الأخذ والسّرقة والاستمداد والاستعانة»
اعلم أنّ الشاعرين إذا اتفقا، لم يخل ذلك من أن يكون في الغرض على الجملة والعموم، أو في وجه الدلالة على ذلك الغرض.
والاشتراك في الغرض على العموم: أن يقصد كلّ واحد منهما وصف ممدوحه بالشجاعة والسخاء، أو حسن الوجه والبهاء، أو وصف فرسه بالسرعة، أو ما جرى هذا المجرى.
وأمّا وجه الدّلالة على الغرض، فهو أن يذكر ما يستدلّ به على إثباته له الشجاعة والسخاء مثلا. وذلك ينقسم أقساما:
منها التشبيه بما يوجد هذا الوصف فيه على الوجه البليغ والغاية البعيدة، كالتشبيه بالأسد، وبالبحر في البأس
والجود، والبدر والشّمس في الحسن والبهاء والإنارة والإشراق.
ومنها ذكر هيئات تدلّ على الصّفة من حيث كانت لا تكون إلا فيمن له الصّفة، كوصف الرّجل في حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وقلّة الفكر، كقوله:
كأنّ دنانيرا على قسماتهموإن كان قد شفّ الوجوه لقاء
وكذلك الجواد يوصف بالتّهلّل عند ورود العفاة، والارتياح لرؤية المجتدين، والبخيل بالعبوس والقطوب وقلّة البشر، مع سعة ذات اليد ومساعدة الدهر.
فأما الاتفاق في عموم الغرض، فما لا يكون الاشتراك فيه داخلا في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة، لا ترى من به حسّ يدّعي ذلك، ويأبى الحكم بأنه لا يدخل في باب الأخذ، وإنما يقع الغلط من بعض من لا يحسن التحصيل، ولا ينعم التأمّل، فيما يؤدّي إلى ذلك، حتى يدّعى عليه في المحاجّة أنه بما قاله قد دخل في حكم من يجعل أحد الشاعرين عيالا على الآخر في تصوّر معنى الشجاعة، وأنّها مما يمدح به، وأن الجهل مما يذمّ به، فأمّا أن يقوله صريحا، ويرتكبه قصدا، فلا.
وأمّا الاتفاق في وجه الدّلالة على الغرض، فيجب أن ينظر، فإن كان مما اشترك الناس في معرفته، وكان مستقرّا في العقول والعادات، فإنّ حكم ذلك، وإن كان خصوصا في المعنى، حكم العموم الذي تقدّم ذكره.
من ذلك التشبيه بالأسد في الشجاعة، وبالبحر في السخاء، وبالبدر في النور والبهاء، وبالصبح في الظهور والجلاء ونفي الالتباس عنه والخفاء. وكذلك قياس الواحد في خصلة من الخصال على المذكور بذلك والمشهور به والمشار إليه، سواء كان ذلك ممن حضرك في زمانك، أو كان ممن سبق في الأزمنة الماضية والقرون الخالية، لأن هذا مما لا يختص بمعرفته قوم دون قوم، ولا يحتاج في العلم به إلى رويّة واستنباط وتدبّر وتأمّل، وإنما هو في حكم الغرائز المركوزة في النفوس، والقضايا التي وضع العلم بها في القلوب.
وإن كان مما ينتهي إليه المتكلّم بنظر وتدبّر، ويناله بطلب واجتهاد، ولم يكن كالأوّل في حضوره إياه، وكونه في حكم ما يقابله الذي لا معاناة عليه فيه، ولا حاجة به إلى المحاولة والمزاولة والقياس والمباحثة والاستنباط والاستثارة، بل كان من دونه
حجاب يحتاج إلى خرقه بالنظر، وعليه كمّ يفتقر إلى شقّه بالتفكير، وكان درّا في قعر بحر لا بدّ له من تكلّف الغوص عليه، وممتنعا في شاهق لا يناله إلّا بتجشّم الصعود إليه وكامنا كالنار في الزّند، لا يظهر حتى تقتدحه، ومشابكا لغيره كعروق الذهب التي لا تبدي صفحتها بالهوينا، بل تنال بالحفر عنها وتعريق الجبين في طلب التمكن منها.
نعم، إذا كان هذا شأنه، وهاهنا مكانه، وبهذا الشرط يكون إمكانه، فهو الذي يجوز أن يدّعى فيه الاختصاص والسّبق والتقدّم والأوّلية، وأن يجعل فيه سلف وخلف، ومفيد ومستفيد، وأن يقضى بين القائلين فيه بالتفاضل والتباين، وأنّ أحدهما فيه أكمل من الآخر، وأنّ الثاني زاد على الأوّل أو نقص عنه، وترقّى إلى غاية أبعد من غايته، أو انحطّ إلى منزلة هي دون منزلته.
واعلم أن ذلك الأوّل الذي هو المشترك العاميّ، والظاهر الجليّ، والذي قلت إنّ التفاضل لا يدخله، والتفاوت لا يصحّ فيه، إنما يكون كذلك ما كان صريحا ظاهرا لم تلحقه صنعة، وساذجا لم يعمل فيه نقش فأمّا إذا ركّب عليه معنى، ووصل به لطيفة، ودخل إليه من باب الكناية والتعريض، والرّمز والتلويح، فقد صار بما غيّر من طريقته، واستؤنف من صورته، واستجدّ له من المعرض، وكسي من دلّ التعرض، داخلا في قبيل الخاصّ الذي يتملّك بالفكرة والتعمّل، ويتوصّل إليه بالتدبّر والتأمّل. وذلك كقولهم، وهم يريدون التشبيه: «سلبن الظّباء العيون»، كقول بعض العرب:
سلبن ظباء ذي نفر طلاهاونجل الأعين البقر الصّوارا
وكقوله:
إنّ السحاب لتستحيي إذا نظرتإلى نداك، فقاسته بما فيها
وكقوله:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارناإلّا بوجه ليس فيه حياء
وكقوله:
واهتزّ في ورق النّدى فتحيّرتحركات غصن البانة المتأوّد
وكقوله:
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابةأقابل بدر الأفق حين أقابله
إلى مسرف في الجود، لو أنّ حاتمالديه، لأمسى حاتم وهو عاذله
فهذا كله في أصله ومغزاه وحقيقة معناه تشبيه، ولكن كنى لك عنه، وخودعت فيه، وأتيت به من طريق الخلابة في مسلك السحر ومذهب التّخييل، فصار لذلك غريب الشكل، بديع الفن، منيع الجانب، لا يدين لكل أحد، وأبيّ العطف لا يدين به إلّا للمرويّ المجتهد. وإذا حقّقت النظر، فالخصوص الذي تراه، والحالة التي تراها، تنفي الاشتراك وتأباه، إنما هما من أجل أنهم جعلوا التشبيه مدلولا عليه بأمر آخر ليس هو من قبيل الظاهر المعروف، بل هو في حدّ لحن القول والتعمية اللّذين يتعمّد فيهما إلى إخفاء المقصود حتى يصير المعلوم اضطرارا، يعرف امتحانا واختيارا، كقوله:
مررت بباب هند فكلّمتنيفلا والله ما نطقت بحرف
فكما يوهمك بإتقان اللفظ أنه أراد الكلام، وأن الميم موصولة باللام، كذلك المشبّه إذا قال: «سرقن الظباء العيون»، فقد أوهم أن ثمّ سرقة وأنّ العيون منقولة إليها من الظباء، وإن كنت تعلم إذا نظرت أنّه يريد أن يقول: إن عيونها كعيون الظباء في الحسن والهيئة وفترة النظر. وكذلك يوهمك بقوله: «إن السحاب لتستحيي»، أن السحاب حيّ يعرف ويعقل، وأنه يقيس فيضه بفيض كفّ الممدوح فيخزى ويخجل.
فالاحتفال والصّنعة في التصويرات التي تروق السامعين وتروعهم، والتخييلات التي تهزّ الممدوحين وتحرّكهم، وتفعل فعلا شبيها بما يقع في نفس النّاظر إلى التصاوير التي يشكّلها الحذّاق بالتّخطيط والنقش، أو بالنّحت والنقر. فكما أن تلك تعجب وتخلب، وتروق وتؤنق، وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها،
ويغشاها ضرب من الفتنة لا ينكر مكانه، ولا يخفى شأنه.
فقد عرفت قضيّة الأصنام وما عليه أصحابها من الافتتان بها والإعظام لها.
كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور، ويشكّله من البدع، ويوقعه في النفوس من المعاني التي يتوهّم بها الجماد الصامت في صورة الحيّ الناطق، والموات الأخرس في قضية الفصيح المعرب والمبيّن المميّز، والمعدوم المفقود في حكم الموجود المشاهد، كما قدّمت القول عليه في باب التمثيل، حتى يكسب الدنيّ رفعة، والغامض القدر نباهة. وعلى العكس يغضّ من شرف الشريف، ويطأ من قدر ذي العزّة المنيف، ويظلم الفضل ويتهضّمه، ويخدش وجه الجمال ويتخوّنه، ويعطي الشبهة سلطان الحجّة، ويردّ الحجّة إلى صيغة الشبهة، ويصنع من المادة الخسيسة بدعا تغلو في القيمة وتعلو، ويفعل من قلب الجواهر وتبديل الطبائع ما ترى به الكيمياء وقد صحّت، ودعوى الإكسير وقد وضحت، إلّا أنها روحانية تتلبّس بالأوهام والأفهام، دون الأجسام والأجرام، ولذلك قال:
يري حكمة ما فيه وهو فكاهةويقضي بما يقضي به وهو ظالم
وقال:
عليم بإبدال الحروف وقامعلكلّ خطيب يقمع الحقّ باطله
وقال ابن سكّرة فأحسن:
والشعر نار بلا دخانوللقوافي رقى لطيفه
لو هجي المسك، وهو أهللكل مدح، لصار جيفه
كم من ثقيل المحلّ سامهوت به أحرف خفيفه
وقد عرفت ما كان من أمر القبيلة الّذين كانوا يعيّرون بأنف الناقة، حتى قال الحطيئة:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم،ومن يسوّي بأنف النّاقة الذّنبا
فنفى العار، وصحّح الافتخار، وجعل ما كان نقصا وشينا، فضلا وزينا، وما كان لقبا ونبزا يسوء السمع، شرفا وعزّا يرفع الطرف، وما ذاك إلا بحسن الانتزاع، ولطف القريحة الصّناع، والذّهن الناقد في دقائق الإحسان
والإبداع، كما كساهم الجمال من حي كانوا عروا منه، وأثبتهم في نصاب الفضل من حيث نفوا عنه، فلربّ
أنف سليم قد وضع الشعر عليه حدّه فجدعه، واسم رفيع قلب معناه حتى حطّ به صاحبه ووضعه، كما قال:
يا حاجب الوزراء! إنّك عندهمسعد، ولكن أنت سعد الذابح
ومن العجيب في ذلك قول القائل في كثير بن أحمد:
لو علم الله فيه خيراما قال: «لا خير في كثير»
فانظر من أي مدخل دخل عليه، وكيف بالهوينا هدى البلاء إليه؟ وكثير هذا هو الذي يقول فيه الصاحب: ومثل كثير في الزّمان قليل فقد صار الاسم الواحد وسيلة إلى الهدم والبناء، والمدح والهجاء، وذريعة إلى التزيين والتهجين.
ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب قول ابن المعتزّ في ذمّ القمر، واجتراؤه بقدرة البيان على تقبيحه، وهو الأصل والمثل، وعليه الاعتماد والمعوّل في تحسين كل حسن، وتزيين كلّ مزيّن، وأوّل ما يقع في النفوس إذا أريد المبالغة في الوصف بالجمال، والبلوغ فيه غاية الكمال، فيقال: «وجه كأنه القمر»، و «كأنه فلقة قمر»، ذلك لثقته بأنّ هذا القول إذا شاء سحر، وقلب الصور، وأنه لا يهاب أن يخرق الإجماع، ويسحر العقول ويقتسر الطباع، وهو:
يا سارق الأنوار من شمس الضّحىيا مثكلي طيب الكرى ومنغّصي
أمّا ضياء الشمس فيك فناقصوأرى حرارة نارها لم تنقص
لم يظفر التشبيه منك بطائل،متسلّخ بهقا كلون الأبرص
وقد علم أن ليس في الدنيا مثلة أخزى وأشنع، ونكال أبلغ وأفظع، ومنظر أحق بأن يملأ النفوس إنكارا، ويزعج القلوب استفظاعا له واستنكارا، ويغري الألسنة بالاستعاذة من سوء القضاء، ودرك الشقاء، من أن يصلب المقتول ويشبّح في الجذع، ثم قد ترى مرثية أبي الحسن الأنباري لابن بقيّة حين صلب، وما صنع فيها من السّحر، حتى قلب جملة ما يستنكر من أحوال المصلوب إلى خلافها، وتأوّل
فيها تأويلات أراك فيها وبها ما تقضي منه العجب:
علوّ في الحياة وفي المماتبحقّ أنت إحدى المعجزات
كأنّ الناس حولك حين قامواوفود نداك أيّام الصّلات
كأنك قائم فيهم خطيباوكلّهم قيام للصّلاة
مددت يديك نحوهم احتفاءكمدّهما إليهم بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أنيضمّ علاك من بعد الممات
أصاروا الجوّ قبرك واستنابواعن الأكفان ثوب السّافيات
لعظمك في النفوس تبيت ترعىبحرّاس وحفّاظ ثقات
وتشعل عندك النيران ليلاكذلك كنت أيام الحياة
ركبت مطيّة، من قبل زيدعلاها في السّنين الماضيات
وتلك فضيلة فيها تأستباعد عنك تعيير العداة
أسأت إلى الحوادث فاستثارت،فأنت قتيل ثأر النائبات
ولو أنّي قدرت على قياميبفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافي،ونحت بها خلال النائحات
ولكنّي أصبّر عنك نفسيمخافة أن أعدّ من الجناة
وما لك تربة فأقول تسقى،لأنّك نصب هطل الهاطلات
عليك تحيّة الرّحمن تترىبرحمات غواد رائحات
ومما هو من هذا الباب، إلّا أنه مع ذلك احتجاج عقلي صحيح، قول المتنبي:
وما التأنيث لاسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال
فحقّ هذا أن يكون عنوان هذا الجنس، وفي صدر صحيفته، وطرازا لديباجته، لأنه دفع لنقص، وإبطال له، من حيث يشهد العقل للحجّة التي نطق بها بالصّحة.
وذلك أن الصّفات الشريفة شريفة بأنفسها، وليس شرفها من حيث الموصوف.
وكيف؟ والأوصاف سبب التفاضل بين الموصوفات، فكان الموصوف شريفا أو غير شريف من حيث الصفة، ولم تكن الصفة شريفة أو خسيسة من حيث الموصوف.
وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يعترض على الصفات الشريفة بشيء إن كان نقصا، فهو في خارج منها، وفيما لا يرجع إليها أنفسها ولا حقيقتها. وذلك الخارج هاهنا هو كون الشخص على صورة دون صورة. وإذا كان كذلك، كان الأمر: مقدار ضرر التأنيث إذا وجد في الخلقة على الأوصاف الشريفة، مقداره إذا وجد في الاسم الموضوع للشيء الشريف، لأنه في أن لا تأثير له من طريق العقل في تلك الأوصاف في الحالين على صورة واحدة، لأن الفضائل التي بها فضّل الرجل على المرأة، لم تكن فضائل لأنها قارنت صورة التذكير وخلقته، ولا أوجبت ما أوجبت من التعظيم لاقترانها بهذه الخلقة دون تلك، بل إنما أوجبته لأنفسها ومن حيث هي، كما أنّ الشيء لم يكن شريفا أو غير شريف من حيث أنّث اسمه أو ذكّر، بل يثبت الشرف وغير الشرف للمسمّيات من حيث أنفسها وأوصافها، لا من حيث أسماؤها، لاستحالة أن يتعدّى من لفظ، هو صوت مسموع، نقص أو فضل إلى ما جعل علامة له، فاعرفه.
واعلم أن هذا هو الصحيح في تفسير هذا البيت، والطريقة المستقيمة في الموازنة بين تأنيث الخلقة وتأنيث الاسم، لا أن يقال إنّ المعنى أن المرأة إذا كانت في كمال الرجل من حيث العقل والفضل وسائر الخلال الممدوحة، كانت من حيث المعنى رجلا، وإن عدّت في الظاهر امرأة، لأجل أنه يفسد من وجهين:
أحدهما أنه قال: «ولا التذكير فخر للهلال»، ومعلوم أنه لا يريد أن يقول: إن الهلال وإن ذكّر في لفظه فهو مؤنّث في المعنى، لفساد ذلك.
ولأجل أنه إن كان يريد أن يضرب تأنيث اسم الشمس مثلا لتأنيث المرأة، على معنى أنها في المعنى رجل، وأن يثبت لها تذكيرا، فأيّ معنى لأن يعود فينحي على التذكير، ويغضّ منه ويقول: «ليس هو بفخر للهلال» هذا بيّن
التناقض.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع