تجاوز إلى المحتوى

من «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)

فصل في تخييل بغير تعليل

وهذا نوع آخر من التخييل، وهو يرجع إلى ما مضى من تناسي التّشبيه وصرف النفس عن توهّمه، إلا أنّ ما مضى معلّل، وهذا غير معلّل.

بيان ذلك أنهم يستعيرون الصّفة المحسوسة من صفات الأشخاص للأوصاف المعقولة، ثم تراهم كأنهم قد

وجدوا تلك الصفة بعينها، وأدركوها بأعينهم على حقيقتها، وكأنّ حديث الاستعارة والقياس لم يجر منهم على بال، ولم يروه ولا طيف خيال.

ومثاله استعارتهم «العلوّ» لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان، ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علوا من طريق المكان. ألا ترى إلى قول أبي تمام:

ويصعد حتّى يظنّ الجهولبأنّ له حاجة في السماء

فلولا قصده أن ينسي الشبيه ويرفعه بجهده، ويصمّم على إنكاره وجحده، فيجعله صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية، لما كان لهذا الكلام وجه.

ومن أبلغ ما يكون في هذا المعنى قول ابن الرومي:

أعلم الناس بالنجوم بنو نوبخت علما لم يأتهم بالحساب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعلم الناس بالنجوم بنو نوبخت »
بل بأن شاهدوا السّماء سموّابترقّ في المكرمات الصّعاب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعلم الناس بالنجوم بنو نوبخت »
مبلغ لم يكن ليبلغه الطالب إلّا بتلكم الأسباب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعلم الناس بالنجوم بنو نوبخت »

وأعاده في موضع آخر، فزاد الدعوى قوّة، ومرّ فيها مرور من يقول صدقا ويذكر حقّا:

يا آل نوبخت لا عدمتكمولا تبدّلت بعدكم بدلا
إن صحّ علم النجوم، كان لكمحقّا، إذا ما سواكم انتحلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قل لأبي سهل الذي ترك »
كم عالم فيكم وليس بأنقاس، ولكن بأن رقي فعلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قل لأبي سهل الذي ترك »
أعلاكم في السماء مجدكمفلستم تجهلون ما جهلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قل لأبي سهل الذي ترك »
شافهتم البدر بالسّؤال عن الأمر إلى أن بلغتم زحلا

وهكذا الحكم إذا استعاروا اسم الشيء بعينه من نحو شمس أو بدر أو بحر أو أسد، فإنهم يبلغون به هذا الحدّ، ويصوغون الكلام صياغات تقضي بأن لا تشبيه هناك ولا استعارة، مثاله قوله:

قامت تظلّلني من الشمسنفس أعزّ عليّ من نفسي
قامت تظلّلني ومن عجبشمس تظلّلني من الشّمس

فلولا أنه أنسى نفسه أن هاهنا استعارة ومجازا من القول، وعمل على دعوى شمس على الحقيقة، لما كان لهذا التعجّب معنى، فليس ببدع ولا منكر أن يظلّل إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهجا بشخصه.

وهكذا قول البحتري:

طلعت لهم وقت الشّروق فعاينواسنا الشّمس من أفق ووجهك من أفق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما والذي أعطاك فضلا وبسطة»
وما عاينوا شمسين قبلهما التقىضياؤهما وفقا، من الغرب والشّرق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما والذي أعطاك فضلا وبسطة»

معلوم أن القصد أن يخرج السامعين إلى التعجّب لرؤية ما لم يروه قط، ولم تجر العادة به. ولم يتمّ للتعجّب معناه الذي عناه، ولا تظهر صورته على وصفها الخاصّ، حتى يجترئ على الدّعوى جرأة من لا يتوقف ولا يخشى إنكار منكر، ولا يحفل بتكذيب الظاهر له، ويسوم النفس، شاءت أم أبت، تصوّر شمس ثانية طلعت من

حيث تغرب الشمس، فالتقتا وفقا، وصار غرب تلك القديمة لهذه المتجددة شرقا.

ومدار هذا النوع في الغالب على التعجّب، وهو والي أمره، وصانع سحره، وصاحب سرّه، وتراه أبدا وقد أفضى بك إلى خلابة لم تكن عندك، وبرز لك في صورة ما حسبتها تظهر لك، ألا ترى أن صورة قوله: «شمس تظللني من الشمس»، غير صورة قوله: «وما عاينوا شمسين»، وإن اتّفق الشعران في أنهما يتعجّبان من وجود الشيء على خلاف ما يعقل ويعرف.

وهكذا قول المتنبي:

كبّرت حول ديارهم لمّا بدتمنها الشّموس وليس فيها المشرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

له صورة غير صورة الأوّلين وكذا قوله:

ولم أر قبلي من مشى البدر نحوهولا رجلا قامت تعانقه الأسد

يعرض صورة غير تلك الصّور كلها، والاشتراك بينها عامّيّ لا يدخل في السّرقة، إذ لا اتّفاق بأكثر من أن أثبت الشيء في جميع ذلك على خلاف ما يعرفه الناس. فأمّا إذا جئت إلى خصوص ما يخرج به عن المتعارف، فلا اتفاق ولا تناسب، لأن مكان الأعجوبة مرّة أن تظلل شمس من الشمس، وأخرى أن يرى للشمس مثل لا يطلع من الغرب عند طلوعها من الشرق، وثالثة أن ترى الشموس طالعة من ديارهم.

وعلى هذا الحد قوله: «ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه»، العجب من أن يمشي البدر إلى آدميّ، وتعانق الأسد رجلا.

واعلم أن في هذا النوع مذهبا هو كأنه عكس مذهب التعجب ونقيضه، وهو لطيف جدّا. وذلك أن ينظر إلى خاصيّة ومعنى دقيق يكون في المشبّه به، ثم يثبّت تلك الخاصيّة وذلك المعنى للمشبّه، ويتوصّل بذلك إلى إيهام أن التشبيه قد خرج

من البين، وزال عن الوهم والعين أحسن توصّل وألطفه، ويقام منه شبه الحجّة على أن لا تشبيه ولا مجاز، ومثال قوله:

لا تعجبوا من بلى غلالتهقد زرّ أزراره على القمر
للشاعر علي الغراب الصفاقسي، اقرأ القصيدة

قد عمد، كما ترى، إلى شيء هو خاصية في طبيعة القمر، وأمر غريب من تأثيره، ثم جعل يرى أن قوما أنكروا بلى الكتّان بسرعة، وأنه قد أخذ ينهاهم عن التعجّب من ذلك ويقول: «أما ترونه قد زرّ أزراره على القمر، والقمر من شأنه أن يسرع بلى الكتان»، وغرضه بهذا كله أن يعلم أن لا شكّ ولا مرية في أن المعاملة مع القمر نفسه، وأن الحديث عنه بعينه، وليس في البين شيء غيره، وأن التشبيه قد نسي وأنسي، وصار كما يقول الشيخ أبو عليّ

فيما يتعلق به الظرف: «إنّه شريعة منسوخة».

وهذا موضع في غاية اللّطف، لا يبين إلا إذا كان المتصفّح للكلام حسّاسا، يعرف وحي طبع الشعر، وخفيّ حركته التي هي كالخلس، وكمسرى النّفس في النّفس.

وإن أردت أن تظهر لك صحّة عزيمتهم في هذا النحو على إخفاء التشبيه ومحو صورته من الوهم، فأبرز صفة التّشبيه، واكشف عن وجهه، وقل: «لا تعجبوا من بلى غلالته، فقد زرّ أزراره على من حسنه حسن القمر»، ثم انظر هل ترى إلّا كلاما فاترا ومعنى نازلا، واخبر نفسك هل تجد ما كنت تجده من الأريحيّة؟ وانظر في أعين السامعين هل ترى ما كنت تراه من ترجمة عن المسرّة، ودلالة على الإعجاب؟ ومن أين ذلك وأنّى وأنت بإظهار التشبيه تبطل على نفسك ما له وضع البيت من الاحتجاج على وجوب البلى في الغلالة، والمنع من العجب فيه بتقرير الدّلالة؟

وقد قال آخر في هذا المعنى بعينه، إلّا أن لفظه لا ينبئ عن القوة التي لهذا البيت في دعوى القمر، وهو قوله:

ترى الثّياب من الكتّان يلمحهانور من البدر أحيانا فيبليها
للشاعر وجيه الدولة الحمداني، اقرأ القصيدة
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها،والبدر في كل وقت طالع فيها

ومما ينظر إلى قوله: «قد زرّ أزراره على القمر»، في أنه بلغ بدعواه في المجاز حقيقة، مبلغ الاحتجاج به كما يحتجّ بالحقيقة، قول العبّاس بن الأحنف:

هي الشّمس مسكنها في السماءفعزّ الفؤاد عزاء جميلا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «لعمري لقد جلبت نظرتي»
فلن تستطيع إليها الصّعودولن تستطيع إليك النزولا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «لعمري لقد جلبت نظرتي»

صورة هذا الكلام ونصبته والقالب الذي فيه أفرغ، يقتضي أن التشبيه لم يجر في خلده، وأنه معه كما يقال: «لست منه وليس منّي»، وأن الأمر في ذلك قد بلغ مبلغا لا حاجة معه إلى إقامة دليل وتصحيح دعوى، بل هو في الصّحّة والصدق بحيث تصحّح به دعوى ثابتة. ألا تراه كأنه يقول للنفس: «ما وجه الطمع في الوصول وقد علمت أن حديثك مع الشمس، ومسكن الشمس السماء؟» أفلا تراه قد جعل كونها الشّمس حجّة له على نفسه، يصرفها بها عن أن ترجو الوصول إليها، ويلجئها إلى العزاء، وردّها في ذلك إلى ما لا تشكّ فيه، وهو مستقرّ ثابت، كما تقول: «أو ما علمت ذلك؟» و «أليس قد علمت؟»، ويبيّن لك هذا التفسير والتقرير فضل بيان بأن تقابل هذا البيت بقول الآخر:

فقلت لأصحابي: هي الشمس ضوؤهاقريب، ولكن في تناولها بعد

وتتأمّل أمر التشبيه فيه، فإنك تجده على خلاف ما وصفت لك. وذلك أنه في قوله: «فقلت لأصحابي هي الشمس»، غير قاصد أن يجعل كونها الشمس حجّة على ما ذكر بعد، من قرب شخصها ومثالها في العين، مع بعد منالها بل قال: «هي الشمس»، وهكذا قولا مرسلا يومئ فيه بل يفصح بالتشبيه، ولم يرد أن يقول: «لا تعجبوا أن تقرب وتبعد بعد أن علمتم أنها الشمس»، حتى كأنه يقول: «ما وجه شكّكم في ذلك؟»، ولم يشكّ عاقل في أن الشمس كذلك، كما أراد العباس أن يقول: كيف الطمع في الوصول إليها مع علمك بأنها الشمس، وأن الشمس مسكنها السماء. فبيت ابن أبي عيينة في أن لم ينصرف عن التشبيه جملة، ولم يبرز في

صورة الجاحد له والمتبرّئ منه، كبيت بشار الذي صرّح فيه بالتشبيه، وهو:

أو كبدر السّماء، غير قريبحين يوفي، والضوء فيه اقتراب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «طرقتنا بالزابيين الرباب»

وكبيت المتنبي:

كأنّها الشمس يعيي كفّ قابضهشعاعها ويراه الطّرف مقتربا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

فإن قلت: فهذا من قولك يؤدّي إلى أن يكون الغرض من ذكر الشمس، بيان حال المرأة في القرب من وجه، والبعد

من وجه آخر، دون المبالغة في وصفها بالحسن وإشراق الوجه. وهو خلاف المعتاد، لأن الذي يسبق إلى القلوب، أن يقصد من نحو قولنا: «هي كالشمس أو هي شمس»، الجمال والحسن والبهاء.

فالجواب: إنّ الأمر وإن كان على ما قلت، فإنه في نحو هذه الأحوال التي قصد فيها إلى بيان أمر غير الحسن، يصير كالشيء الذي يعقل من طريق العرف، وعلى سبيل التّبع، فأما أن يكون الغرض الذي له وضع الكلام، فلا.

وإذا تأمّلت قوله: «فقلت لأصحابي هي الشمس ضوؤها قريب»، وقول بشار:

«أو كبدر السماء»، وقول المتنبي: «كأنها الشّمس»، علمت أنهم جعلوا جلّ غرضهم أن يصيبوا لها شبها في كونها قريبة بعيدة. فأما حديث الحسن، فدخل في القصد على الحدّ الذي مضى في قوله، وهو للعباس أيضا:

نعمة كالشّمس لمّا طلعتبثّت الإشراق في كلّ بلد

فكما أن هذا لم يضع كلامه لجعل النعم كالشمس في الضّياء والإشراق، ولكن عمّت كما تعمّ الشمس بإشراقها كذلك لم يضع هؤلاء أبياتهم على أن يجعلوا المرأة كالشمس والبدر في الحسن ونور الوجه، بل أمّوا نحو المعنى الآخر، ثم حصل هذا لهم من غير أن احتاجوا فيه إلى تجشّم. وإذا كان الأمر كذلك، فلم يقل إن

النعمة إنما عمّت لأنها شمس، ولكن أراك لعمومها وشمولها قياسا، وتحرّى أن يكون ذلك القياس من شيء شريف له بالنعمة شبه من جهة أوصافه الخاصّة، فاختار الشمس. وكذلك لم يرد ابن أبي عيينة أن يقول إنها إنما دنت ونأت لأنها شمس، أو لأنها الشمس، بل قاس أمرها في ذلك كما عرّفتك.

وأمّا العبّاس فإنه قال: إنها إنما كانت بحيث لا تنال، ووجب اليأس من الوصول إليها، لأجل أنها الشمس، فاعرفه فرقا واضحا.

ومما هو على طريقة بيت العبّاس في الاحتجاج، وإن خالفه فيما أذكره لك، قول الصابئ في بعض الوزراء يهنّئه بالتخلّص من الاستتار:

صحّ أنّ الوزير بدر منيرإذ توارى كما توارى البدور
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
غاب، لا غاب، ثمّ عاد كما كان على الأفق طالعا يستنير
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
لا تسلني عن الوزير فقد بيّنت بالوصف أنه سابور
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
لا خلا منه صدر دست، إذا ماقرّ فيه تقرّ منه الصدور
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

فهو كما نراه يحتجّ أن لا مجاز في البين، وأنّ ذكر البدر وتسمية الممدوح به حقيقة، واحتجاجه صريح لقوله: «صح» أنه كذلك. وأما احتجاج العبّاس وصاحبه في قوله: «قد زرّ أزراره على القمر»، فعلى طريق الفحوى. فهذا وجه الموافقة، وأما وجه المخالفة، فهو أنّهما ادّعيا الشّمس والقمر بأنفسهما، وادّعى الصابئ بدرا، لا البدر على الإطلاق.

ومن ادّعاه الشمس على الإطلاق قول بشّار:

بعثت بذكرها شعريوقدّمت الهوى شركا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «بعثت بذكرها شعري»
فلمّا شاقها قوليوشبّ الحبّ فاحتنكا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «بعثت بذكرها شعري»
أتتني الشمس زائرةولم تك تبرح الفلكا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «بعثت بذكرها شعري»
وجدت العيش في سعدىوكان العيش قد هلكا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «بعثت بذكرها شعري»

فقوله: «ولم تك تبرح الفلكا»، يريك أنه ادّعى الشمس نفسها.

وقال أشجع يرثي الرشيد، فبدأ بالتعريف، ثم نكّر فخلط إحدى الطريقتين بالأخرى، وذلك قوله:

غربت بالمشرق الشمس فقل للعين تدمع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
ما رأينا قطّ شمساغربت من حيث تطلع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

فقوله: «غربت بالمشرق الشمس» على حدّ قول بشار: «أتتني الشمس زائرة»، في أنه خيّل إليك شمس السماء. وقوله بعد: «ما رأينا قطّ شمسا»، يفتّر أمر هذا التخييل، ويميل بك إلى أن تكون الشمس في قوله: «غربت بالمشرق الشمس»، غير شمس السماء، أعني غير مدّعى أنها هي، وذلك مما يضطرب عليه المعنى ويقلق، لأنه إذا لم يدّع

الشمس نفسها، لم يجب أن تكون جهة خراسان مشرقا لها، وإذا لم يجب ذلك، لم يحصل ما أراده من الغرابة في غروبها من حيث تطلع. وأظنّ الوجه فيه أن يتأوّل تنكيره للشمس في الثاني على قولهم: «خرجنا في شمس حارّة»، يريدون في يوم كان للشمس فيه حرارة وفضل توقّد، فيصير كأنه قال:

«ما عهدنا يوما غربت فيه الشمس من حيث تطلع، وهوت في جانب المشرق».

وكثيرا ما يتفق في كلام الناس ما يوهم ضربا من التنكير في الشمس كقولهم:

«شمس صيفية»، وكقوله: والله لا طلعت شمس ولا غربت ولا فرق بين هذا وبين قول المتنبي:

لم ير قرن الشّمس في شرقهفشكّت الأنفس في غربه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

ويجيء التنكير في القمر والهلال على هذا الحدّ، فمنه قول بشّار:

أملي لا تأت في قمربحديث واتّق الدّرعا
وتوقّ الطيب ليلتناإنّه واش إذا سطعا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي لا تأت في قمر»

فهذا بمعنى: لا تأت في وقت قد طلع فيه القمر. وهذا قول عمر بن أبي ربيعة:

وغاب قمير كنت أرجو غيوبهوروّح رعيان ونوّم سمّر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»

ظاهره يوهم أنه كقولك: «جاءني رجل»، وليس كذلك في الحقيقة، لأن الاسم لا يكون نكرة حتى يعمّ شيئين وأكثر، وليس هنا شيئان يعمّهما اسم القمر.

وهكذا قول أبي العتاهية:

تسرّ إذا نظرت إلى هلالونقصك إذ نظرت إلى الهلال
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أتدري أي ذل في السؤال»

ليس المنكّر غير المعرّف، على أنّ للهلال في هذا التنكير فضل تمكّن ليس للقمر، ألا تراه قد جمع في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ [البقرة:

]، ولم يجمع القمر على هذا الحدّ.

ومن لطيف هذا التنكير قول البحتري:

وبدرين أنضيناهما بعد ثالثأكلناه بالإيجاف حتى تمحّقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لأوشك شعب الحي أن يتفرقا»

ومما أتى مستكرها نابيا يتظلم منه المعنى وينكره، قول أبي تمام:

قريب النّدى نائي المحلّ كأنّههلال قريب النّور ناء منازله

سبب الاستكراه، وأنّ المعنى ينبو عنه: أنه يوهم بظاهره أنّ هاهنا أهلّة ليس لها هذا الحكم، أعني أنه ينأى مكانه ويدنو نوره. وذلك محال فالذي يستقيم عليه الكلام أن يؤتى به معرّفا على حدّه في بيت البحتري:

كالبدر أفرط في العلوّ وضوؤهللعصبة السّارين جدّ قريب

فإن قلت: أقطع وأستأنف فأقول: «كأن هلال» وأسكت، ثم أبتدئ وآخذ في

الحديث عن شأن الهلال بقولي: «قريب النور ناء منازله» أمكنك، ولكنك تعلم ما يشكوه إليه المعنى من نبوّ اللفظ به وسوء ملاءمة العبارة. واستقصاء هذا الموضع يقطع عن الغرض، وحقه أنه يفرد له فصل.

وأعود إلى حديث المجاز وإخفائه، ودعوى الحقيقة وحمل النفس على تخيّلها.

فممّا يدخل في هذا الفنّ ويجب أن يوازن بينه وبين ما مضى، قول سعيد بن حميد:

وعد البدر بالزيارة ليلافإذا ما وفى قضيت نذوري
للشاعر سعيد التستري النصراني، اقرأ القصيدة
قلت: يا سيّدي، ولم تؤثر الليل على بهجة النهار المنير
قال لي: لا أحبّ تغيير رسميهكذا الرّسم في طلوع البدور
للشاعر سعيد التستري النصراني، اقرأ القصيدة

قالوا: وله في ضدّه:

قلت زوري، فأرسلتأنا آتيك سحره
للشاعر سعيد التستري النصراني، اقرأ القصيدة
قلت: فالليل كان أخفى وأدنى مسرّه
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
فأجابت بحجّةزادت القلب حسره
للشاعر سعيد التستري النصراني، اقرأ القصيدة
أنا شمس، وإنماتطلع الشّمس بكره
للشاعر سعيد التستري النصراني، اقرأ القصيدة

وينبغي أن تعلم أنّ هذه القطعة ضدّ الأولى، من حيث اختار النهار وقتا للزيارة في تلك، والليل في هذه، فأمّا من حيث يختلف جوهر الشعر ويتّفق، وخصوصا من حيث ننظر الآن، فمثل وشبيه، وليس بضدّ ولا نقيض.

ثم اعلم أنّا إن وازنّا بين هاتين القطعتين وبين ما تقدّم من بيت العباس: هي الشمس مسكنها في السماء وما هو في صورته، وجدنا هما أمرا بين أمرين: بين ادّعاء البدر والشمس أنفسهما، وبين إثبات بدر ثان وشمس ثانية، ورأينا الشاعر قد شاب في ذلك الإنكار بالاعتراف، وصادفت صورة المجاز تعرض عنك مرّة، وتعرض لك أخرى. فقوله: «البدر» بالتعريف مع قوله: «لا أحبّ تغيير رسمي»، وتركه أن يقول: «رسم مثلي»، يخيّل إليك البدر نفسه. وقوله: «في طلوع البدور» بالجمع دون أن يفرد فيقول: «هكذا

الرسم في طلوع البدور» يلتفت بك إلى بدر ثان، ويعطيك الاعتراف بالمجاز على وجه. وهكذا القول في القطعة الثانية لأنّ قوله: «أنا شمس» بالتنكير، اعتراف بشمس ثانية أو كالاعتراف.

ومما يدلّ دلالة واضحة على دعوى الحقيقة، ولا يستقيم إلا عليها قول المتنبي:

واستقبلت قمر السماء بوجههافأرتني القمرين في وقت معا
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «يا بدر تم بالجمال تبرقعا»

أراد: فأرتني الشمس والقمر، ثم غلّب اسم القمر كقول الفرزدق:

أخذنا بآفاق السّماء عليكملنا قمراها والنّجوم الطوالع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا أنت يا ابن الكلب ألقتك نهشل»

لولا أنه يخيّل الشمس نفسها، لم يكن لتغليب اسم القمر والتعريف بالألف واللام معنى. وكذلك لولا ضبطه نفسه حتى لا يجري المجاز والتشبيه في وهمه، لكان قوله: «في وقت معا»، لغوا من القول، فليس بعجيب أن يتراءى لك

وجه غادة حسناء في وقت طلوع القمر وتوسّطه السماء، هذا أظهر من أن يخفى.

وأمّا تشبيه أبي الفتح لهذا البيت بقول القائل:

وإذا الغزالة في السماء ترفّعتوبدا النهار لوقته يترجّل
أبدت لوجه الشمس وجها مثلهتلقى السماء بمثل ما تستقبل

فتشبيه على الجملة، ومن حيث أصل المعنى وصورته في المعقول، فأما الصّورة الخاصّة التي تحدث له بالصنعة، فلم يعرض لها.

ومما له طبقة عالية في هذا القبيل وشكل يدلّ على شدّة الشكيمة وعلوّ المأخذ، قول الفرزدق:

أبي أحمد الغيثين صعصعة الذيمتى تخلف الجوزاء والدّلو يمطر
أجار بنات الوائدين ومن يجرعلى الموت يعلم أنه غير مخفر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وهم بين بيت الأكثرين مجاشع»

أفلا تراه كيف ادّعى لأبيه اسم الغيث ادّعاء من سلّم له ذلك، ومن لا يخطر بباله أنه مجاز فيه، ومتناول له من طريق التشبيه، وحتى كأنّ الأمر في هذه الشهرة بحيث يقال: «أيّ الغيثين أجود؟» فيقال: «صعصعة»، أو يقال: «الغيثان»، فيعلم أنّ أحدهما صعصعة، وحتى بلغ تمكّن ذلك في العرف إلى أن يتوقّف السامع عند إطلاق الاسم، فإذا قيل: «أتاك الغيث!»، لم يعلم أيراد صعصعة أم المطر.

وإن أردت أن تعرف مقدار ما له من القوّة في هذا التخييل، وأن مصدره مصدر الشيء المتعارف الذي لا حاجة به إلى مقدّمة يبنى عليها نحو أن تبدأ فتقول: «أبي نظير الغيث وثان له، وغيث ثان»، ثم تقول: «وهو خير الغيثين» لأنه لا يخلف إذا أخلفت الأنواء، فانظر إلى موقع الاسم، فإنك تراه واقعا موقعا لا سبيل لك فيه إلى حلّ عقد التثنية،

وتفريق المذكورين بالاسم. وذلك أن «أفعل» لا تصحّ إضافته إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر، فلا يقال: «جاءني أفضل زيد وعمرو»، ولا:

«إنّ أعلم بكر وخالد عندي»، بل ليس إلا أن تضيف إلى اسم مثنّى أو مجموع في نفسه، نحو: «أفضل الرّجلين»، و «أفضل الرجال». وذلك أنّ أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه أبدا، فحقّه أن يضاف إلى اسم يحويه وغيره. وإذا كان الأمر كذلك، علمت أنه اللّفظ بالتشبيه، والخروج عن صريح جعل اللّفظ للحقيقة متعذر عليك، إذ لا يمكنك أن تقول: «أبي أحمد الغيث والثاني له والشبيه به»، ولا شيئا من هذا النحو، لأنك تقع بذلك في إضافة «أفعل» إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر.

وإذ قد عرفت هذا، فانظر إلى قول الآخر:

قد أقحط الناس في زمانهمحتى إذا جئت جئت بالدّرر
غيثان في ساعة لنا اتّفقا،فمرحبا بالأمير والمطر

فإنك تراه لا يبلغ هذه المنزلة، وذلك أنه كلام من يثبته الآن غيثا ولا يدّعي فيه

عرفا جاريا، وأمرا مشهورا متعارفا، يعلم كل واحد منه ما يعلمه، وليس بمتعذّر أن تقول: «غيث وثان للغيث اتفقا»، أو تقول: «الأمير ثاني الغيث والغيث اتّفقا».

فقد حصل من هذا الباب: أن الاسم المستعار كلما كان قدمه أثبت في مكانه، وكان موضعه من الكلام أضنّ به، وأشدّ محاماة عليه، وأمنع لك من أن تتركه وترجع إلى الظاهر وتصرّح بالتشبيه، فأمر التخييل فيه أقوى، ودعوى المتكلم له أظهر وأتمّ.

واعلم أن نحو قول البحتري:

غيثان إن جدب تتابع أقبلاوهما ربيع مؤمّل وخريفه
للشاعر البحتري، من قصيدة «شَرْخُ الشّبابِ أخو الصّبَا، وأليفُهُ»

لا يكون مما نحن بصدده في شيء، لأنّ كلّ واحد من الغيثين في هذا البيت مجاز، لأنه أراد أن يشبّه كل واحد من الممدوحين بالغيث، والذي نحن بصدده، هو أن يضمّ المجاز إلى الحقيقة في عقد التثنية، ولكن إن ضممت إليه قوله:

فلم أر ضرغامين أصدق منكماعراكا، إذا الهيّابة النكس كذّبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»

كان لك ذلك، لأن أحد الضرغامين حقيقة والآخر مجاز.

فإن قلت: فهاهنا شيء يردّك إلى ما أبيته من بقاء حكم التشبيه في جعله أباه الغيث، وذلك أن تقدير الحقيقة في المجاز إنما يتصوّر في نحو بيت البحتري:

فلم أر ضرغامين من حيث عمد إلى واحد من الأسود، ثم جعل الممدوح أسدا على الحقيقة قد قارنه وضامّه. ولا سبيل للفرزدق إلى ذلك، لأن الذي يقرنه إلى أبيه هو الغيث على الإطلاق، وإذا كان الغيث على الإطلاق، لم يبق شيء يستحقّ هذا الاسم إلا ويدخل تحته. وإذا كان كذلك، حصل منه أن لا يكون أبو الفرزدق غيثا على الحقيقة.

فالجواب أن مذهب ذلك ليس على ما تتوهّمه، ولكن على أصل هو التشبيه، وهو أن يقصد إلى المعنى الذي من أجله يشبّه الفرع بالأصل كالشجاعة في الأسد، والمضاء في السيف، وينحّي سائر الأوصاف جانبا. وذلك المعنى في الغيث هو النّفع العامّ، وإذا قدّر هذا التقدير، صار جنس الغيث كأنه عين واحدة وشيء واحد. وإذا

عاد بك الأمر إلى أن تتصوّره تصوّر العين الواحدة دون الجنس، كان ضمّ أبي الفرزدق إليه بمنزلة ضمّك إلى الشمس رجلا أو امرأة تريد أن تبالغ في وصفهما بأوصاف الشمس، وتنزيلهما منزلتها، كما تجده في نحو قوله:

فليت طالعة الشّمسين غائبةوليت غائبة الشّمسين لم تغب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أسرار البلاغة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.