تجاوز إلى المحتوى

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)

حرف القاف

ومن التي أولها:

أيَدري الرَّبْعُ أيَّ دَمٍ أراقَا

قوله:

وَقدْ أخَذَ التَّمامَ البَدْرُ فيهموأعْطانِي منَ السَّقَمِ المِحاقَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

قال ابن جني: أي كمل في حسنه فأسقمني.

وقال الشيخ: قوله) وقد أخذ التمام البدر فيهم (يحتمل وجهن: أحدهما أن يكون الذي عنى جماعة كل واحد منها كأنه بدر تمام، والآخر: أن يكون عنى واحداً بعينه.

أباحَ الوَحْشَ يا وَحْشُ الأعادِيفَلِمْ تَتَعَرَّضينَ له الرّفاقَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: كان ربما أنشده) أباحك أيها الوحش الأعادي (والمعنيان واحد وقوله) فلم تتعرضين له الرفاقا (أي لم تتعرضين الرفاق التي تقصده يعني نفسه وأصحابه ومن يجري مجراه.

وقال الشيخ أبو العلاء: الرفاق في هذا البيت يحتمل أن يكون مصدر رافقت ويجوز أن يكون جمع رفقة، والمصدر أولى به من الجمع، وإذا جعل جمع رفقة فالمعنى لم تتعرض الرفاق التي تصحبه وهي له كالملك.

ومن التي أولها:

لِعَيْنَيْكَ ما يَلْقَى الفُؤادُ وما لَقِيوللبَين ما لم يَبْقَ مِنّي وما بَقِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

قال الشيخ: قوله) ما يلقى الفؤاد (في موضع رفع بالابتداء والتقدير ما يلقى الفؤاد من أجل عينيك.

ومن التي أولها: تَذكَّرْتُ ما بين العُذّيْبِ وَبارِقِ

وجَائِزَةُ دَعْوى المَحَبَّةِ والهَوَىوإن كانَ لا يُخْفَى كَلامُ المُنافِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

وقال ابن جني: جائزة مرفوعة لأنها خبر دعوى المحبة، كأنه قال: دعوى المحبة جائزة، ثم عطف الجملة بالواو على ما قبلها، وهو تعريض بمشيخة بني كلاب إذ طرحوا أنفسهم على سيف الدولة لما قصدهم.

أتاهُمُ بها حَشْوَ العَجاجَةِ والقناسَنابِكُها تَحْشو بُطَونَ الحَمالِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

قال ابن جني: الهاء في بها للخيل وإن لم يجر ذكر، الجيش دل على الخيل، وقوله) حشو العجاجة والقنا (أي أتاهم الخيل والعجاجة متكاثفة، والقنا متضاغط كأنها قد حشيت حشواً، فسنابك الخيل بطون الجفون بالعجاجة، ونصب حشو العجاجة على الحال كأنه قال محشوة.

أتَى الظُّعْنَ حتى ما تَطيرُ رَشاشَةُمِنَ الخيل إلاَّ في نُحورِ العَوَاتِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

قال ابن جني: الظعن جمع ظعينة، وهي المرأة ما دامت في هودجها، أي لحقوا بنسائهم فكانوا إذا طعنوا تنضح الدم في نحور النساء، وإذا لحقوا بالعواتق فهو أعظم من لحاقهم بغيرهن.

ومن التي أولها: أَتُرَاها لِكَثْرَةِ العُشَّاقِ قوله: أنْتِ مِنَّا فَتَنْتِ نَفْسَكِ عُوفيتِ من ضَنىً واشِتياقِ

قال الشيخ: قوله) أنت له (أي أنت عاشقة نفسك ساويت في محبتك إلا أنك معافاة من ضنى المحبين وشوقهم إليك) وفتنت نفسك (أي أحللت بها فتنة، وأصل الفتن قلب الشيء عما هو عليه.

إنَّ لَحْظاً أدَمْتِهِ وأدَمْناكان عَمْداً لنا وحَتْفَ اتَّفاق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال ابن جني: أي كان النظر عن تعمد لنا، فاتفق لنا فيه الحتف من غير قصد.

لَوْعَدَا عَنْكَ غَير هَجْرِكِ بُعْدُلأرَارَ الرَّسيمُ مُخَّ المَناقِي
وَلَسِرْنَا وَلَوْ وَصَلْنَا عَلَيْهامِثْلَ أنْفاسِنا على الأرْماقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال ابن فورجة: أما البيت الأول فهو كقوله:

أبْعَدَ نَأي المَليحَةِ البخَلُفي البخل ما لا تُكَلَّفُ الإبلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

أي إنما البعد بيننا هجرك ولو كان بعداً حقيقياً لأعملنا الإبل حتى نصل إليك والبيتان معاً من قول العباس بن الأحنف:

لو كُنتِ عاتبةُ لسكَّنَ رَوعَتيأمَلي رِضاكِ وزرتُ غيرَ مُراقِبِ
لكنْ مَلَلْتِ فلم تَكُنْ لي حِيلةُصَدُ المَلُولِ خِلافُ صَدَّ العَاتِبِ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «لو كنت عاتبة لسكن لوعتي»

وقوله في البيت الثاني:) وصلنا عليها أنفاسنا على الأرماق (يعني نحافاً قد أذهب الضنى ثقلنا حتى نحن في الخفة كأنفاسنا وهو كقوله أيضاً:

براني السُّري بَريَ المُدى فرَددْنَنِيأخفَّ على المركوب من نفسي جِرمِي

والرمق بقية الحياة أي لم يبق منها إلا القليل يريد أن إبلنا أيضاً نحاف لا أثقال لها وهذا كقول القائل: أنْضَاءُ شَوْقٍ على أنْضَاءِ أسْفارِ

كاثّرَتُ نائِلَ الأميرِ من المالِ بِمَا نَوَّلْتَ من الإيْرَاق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال الشيخ: الإيراق هاهنا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من قولهم أورق الصائد إذا لم يصد شيئاً، وأورق طالب الحاجة إذا لم يصل إليها، وأصل ذلك أن الصائد إذا خاب جمع ورق شجر في مخلاته، فيكون المعنى أن هذه المذكورة كاثرت نائل الأمير بضده لأنه جواد وهي بخيلة وعطاؤه نعم وعطاؤها لا يوصل إليه، والآخر: أن يكون من قولهم أرق الرجل وأرقه غيره إذا أسهره فيكون المعنى أن إيراقها للناس أي منعها إياهم من النوم كثير يكاثر به نائل الأمير وكلا الوجهين حسن.

فوْق شَقَّاءَ لِلأشَقّ مَجَالُبَينَ أرْساغِها وَبَيْنَ الصَّفاقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال الشيخ: الأشقّ فرس متباعد ما بين القوائم، وهم يحمدون ذلك في الخيل وروى أصحاب الأخبار أن جيشاً من العرب غزا فهزم، فجاء شيخ من الفل فاجتمع إليه جواري الحي يسألنه عن أخبار آبائهن، فقال: أخبرنني عن آبائكن أخبركن عنهم. فقالت إحداهن: كان أبي على شقاء مقاء، طويلة الأنقاء، تمطق أنثياها بالعرق، تمطق الشيخ بالمرق. فقال: سلم أبوك وقالت أخرى: كان أبي على قصير ظهرها، رحيب صدرها، هاديها شطرها، فقال: نجا أبوك. وقالت الأخرى: كان أبي على ضئيلة اللوح، يكفيها لبن لقوح. فقال: قتل أبوك. فلما قدم الفل كان الأمر على ما ذكر الشيخ. وقد أسرف أبو الطيب في هذا البيت، لأنه جعل الأشق في الخيل له ما بين أرساغ هذه الفرس وبين صفاتها، والصفاق جلد تحت الجلد الأعلى، أو لحم دقيق، وإنما جاء به للقافية.

كُلُ ذِمْرِ في المَوْتِ حُسْناًكُبدُورٍ تَمامُها في المُحاقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال ابن جني: الذمر الشجاع، وجمعه أذمار. والمحاق والمحاق جميعا نقصان القمر في الثلاث الأواخر من الشهر، وقوله) تمامها في المحاق (. كلام متناقض الظاهر لأن المحاق غاية النقصان فهو ضد الكمال ولكنه سوغ له ذلك قوله) يزيد في الموت حسناً (أي هو من قوم أحسن أحوالهم عندهم أن يقتلوا في طلب المجد والشرف كما قال أبو تمام.

يَسْتَعْذُبونَ مَنَايَاهمْ كأّنُهمُلا ييأسُونَ مِنَ الدُّنْيا إذَا قُتِلُوا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

فقوله يستعذبون مناياهم مثل قوله يزيد في الموت، فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها، فجاز له هذا اللفظ على سبيل الاستظراف له، والعجب منه، فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعا وتصرفا، ألا ترى قول الشاعر:

إذا شابَ الغُرابُ أَتيتُ أَهليوصارَ القَارُ كاللَبنِ الحَليبِ

فعلق ما يجوز وقوعه بما لم يشاهد على حال من الأحوال.

وقال الشيخ أبو العلاء: ادعى أن هؤلاء القوم يحسنون في الموت فكأنهم بدور تمامها في ليالي المحاق، والمعنى يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا في الوقت الذي يحذر فيه الموت أحسن ما يكونون في أيام الحياة، لأن وجوههم تحسن وتشرق إذا اصفرت وجوه الشجعان، والآخر: أنهم إذا لقوا الموت في الحرب حسن ذكرهم بين الناس، وحمدوهم على الصبر ولقاء الحمام.

قال ابن فورجة: يريد أن البدر وإن كان تمامه في كونه مستديراً مجتمع النور فهو سائر إلى المحاق وآخر أمره إليه يصير، فما أراد بالتمام تمام البدر الذي يقال فيه تمه وتمامه بفتح التاء وكسرها. بل أراد تمام الأمر المفتوح بالتاء تقول تمام أمرها وآخر أحوالها إلى المحاق.

جاعِلٍ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْلم يكُنُ دُونَها مِنَ العَارِ وَاقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال الشيخ: هذا معنى لطيف، والغرض فيه إن هذا الذمر لا يلبس درعاً، لأن العرب تفضل الذي يشهد الحرب حاسراً على الذي يشهدها دارعاً، قال الشاعر:

فلم أرَ يَوماً كانَ أكثَر سالِباًومُسْتَلَباً سِرْباَله لا يُناكِرُ
وأكَثر مِنّا ناشِئاً يَطلبُ العُلييُجالدُ قِرناً دارِعاً وهو حاسُرٍ

ويقال إن كثيراً لما أنشد عبد الملك قوله فيه:

علي ابن أبي العاصي دِلاصُ حَصِينةُأجادَ المُسَدَّي سَرْدَها وأَذَالَها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليليّ إنْ أمُّ الحكيم تحمَّلتْ»

قال له عبد الملك: ما قال الأعشى أحسن مما قلت. يعني قوله:

وإذا تَجِيءُ كَتِيبَةُ ملمُوَمةُشَهباءُ يَغشَى الدَارِعُونَ نَكالَها
كُنتَ المُقدَّمَ غيرَ لابسَ جُنَّةٍبالسَّيْفِ تَضْربُ مُعْلماً أْبطَالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

والذي أراد أبو الطيب أن هذا الفارس قد جعل منيته مثل الدرع يتقي بها ليسَ قًوْلي في شَمْسِ فِعْلِكَ كالشَّمْ - سِ وِلكنْ في الشَّمسِ كالإشرْاقِ قال الشيخ: جعل لفعل الممدوح شمساً، وفضل نورها على نور ما يقول، أي أن شمس فعلك لا يحسنها قولي وهي تحسنه، كما أن الإشراق يحسن الشمس.

وقال ابن فورجة: جعل لفعله شمساً استعارة لإضاءة أفعاله، ثم قال: ليس قولي نظير فعلك، ولكنه لما كان دليلاً عليه وإذاعة له تٍسييراً إياه في البلاد صار كمنزلة الإشراق للشمس، إذ كانت لولاه لما كانت ذات عموم وشمول، و) في (هاهنا موضوعة موضع) إلى (يقول ليس قولي بالقياس إلى شمس فعلك كالشمس هذا أبين، وإن شئت كانت في موضع نفسها يريد الوعائية، ومثل قولك ليس فضلي إلا كالقطرة في البحر، ومثل هذا سواء قوله:

وَذَاكَ النَّشْرُ عِرْضُكَ كانَ مِسْكاًوَذَاكَ الشَّعْرُ فِهْري والمَدَاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

يعني أن شعري إذاعة لمجدك وتسيير له كما أن الفهر يسحق المسك فينشر ريحه.

وقال الأحسائي: يقول لست أشبه فعلك بالشمس لأنه أشرف من الشمس، لأن الشمس تحرق ولا تبرد، ولا تصنع الشيء وضده، وأنت تفعل الأشياء وأضدادها ففعلك أشرف من الشمس، ولكنني أشبه فعلك في الانتشار والإشراق والإضاءة بإشراق الشمس.

ومن التي أولها: هُوَ البيْنُ حتى ما تَأنَّى الحَزائِقُ قوله:

شَدَوا بابنِ إسَحاق الحُسينِ فصَافَحَتْذَفارِيَها كِيرانُها والنَّمارقُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

قال الشيخ ﵀: شدوا أي رفعوا أصواتهم بمدحه، والذفاري جمع ذفري وهو الناتئ خلف أذن البعير، وهي من الفرس معقد العذار، والمراد أن هؤلاء الركبان شدوا بابن إسحاق الحسين، فلما سمعت للإبل ثنت رؤوسها إلى الركب، لتسمع ثناءهم عليه، فقدمت ذفاريها من الكيران والنمارق التي القوم وفي هذا البيت أصناف من الدعاوى التي تستحسن وقد بدأ الحكمي بوصف الناقة إلا أنه لم يستكمل هذه الصفة قوله:

وكأنَّها مُصْغٍ لُتسْمِعَهُبعضَ الحديثِ بأُذْنِهِ وَقْرُ

ومن التي أولها: أرَقُ على أرَقٍ وَمِثْليَ يَأْرَقُ وقوله:

وَعَذَلتُ أهلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُفعَجْبتُ كيفَ يُموتُ مَنْ لا يعشَقُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

قال ابن فورجة: وقد كثر كلام الناس في هذا البيت وادعي عليه قلب الكلام واحتجوا باحتجاجات، وزعموا أنه أراد كيف لا يموت من يعشق، وليس الأمر عندي على ما زعموا ولو قال ذلك أو أرده لكان معنى رذلا متداولاً خلقاً والذي أراده أبو الطيب معنى حسن صحيح اللفظ والمعنى، أحسن مما ذهبوا إليه، وإنما يقول عجبت كيف يكون الموت من غير هذا هو أعظم الأدواء، والخطب الذي هو أشد الخطوب لأنه لاستعظامه العشق يتعجب كيف يكون موت من غيره.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.