تجاوز إلى المحتوى

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)

حرف العين

ومن التي أولها:

غَيري بأكْثَر هَذَا القَوْلِ يَنْخَدِعُ

ومَا الحَياةُ وَنَفْسي بَعْدَ ما عَلِمَتْأنَّ الحّياةَ كَما لا تَشْتَهِي طَبَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال ابن جني: الطبع الدنس، ونفسي في موضع رفع عطفاً على الحياة، ومعناه مع الحياة كما تقول ما أنت وزيداً أي ما زيد وأنشد سيبويه:

يا زِبْرِقانُ أخابَنِي خَلَفٍما أنت وَيْبَ أبيكَ والفَخْرُ

أي إذا كانت الحياة هكذا فما تصنع نفسي بالحياة.

للَّسَّبْي ما نَكَحُوا والقَتْلِ ما وَلَدُواوالنَّهْبِ ما جَمَعوا والنَّارِ مَا زَرَعُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال ابن جني: عطف في هذا البيت على عاملين مختلفين، وذلك أنه عطف) القتل (على) السبي (وهو مجرور باللام، وعطف) ما (الثانية على) ما (الأولى، فقد عطف إذن على اللام وعلى الابتداء، ومن رفع ما نكحوا باللام في السبي فلا عطف في قوله على عاملين، لأن الذي جر السبي هو الذي رفع) ما (على هذا القول.

وقال ابن فورجة: أوقع) ما (على من يعقل في قوله) ما نكحوا وما ولدوا (على تأويلات ثلاثة أحدها: أن يكون غرضه أنهم أغنام غير ذوي عقول كالبهائم فاستعمل لهم) ما (لأنها لما لا يعقل. والثاني: أن يكون على لغة من يقول: سبحان ما سبح الرعد بحمده يريد من سبح حكاها أبو زيد عن أهل الحجاز والثالث: أن يكون أوقع ما على المصدر فكأنه قال للسبي نكاحهم وللقتل ولادتهم. وقيل في قول الله تعالى:) والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها (، وقوله تعالى:) وما خلق الذكر والأنثى (، أن) ما (مقامة مقام المصدر كأنه يقول والسماء وبنائها والأرض وطحوها ونفس وتسويتها، وكذلك أقسم لخلق الذكر والأنثى وقيل أيضاً إن) ما (مقامة مقام من على لغة أهل الحجاز، حكى ذلك أبو إسحاق الزجاج، وقوله) للقتل ما ولدوا (قد يتعرض عليه فيقال: إنما يقتل الرجال ومن بلغ الحلم فأما من ولدوا فيعني بهم الصغار منهم وهم بالسبي أولى، فالجواب أن الرجال أيضاً ومن أتت السن عليه ليس خلوا أن يكونوا مولودين فلما تقدم في اللفظة الأولى السبي لم يجد بداً أن يقول ذلك، وقد استعمل من في موضع ما في قوله:

إنْ كانَ لا يَسْعَى لَجُودٍ ماجِدُإلاَّ كَذَا فالغَيْثُ أبْخلَ مَنْ سَعَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

وهذا محمول على التأويل، لأنه أراد أبخل الساعين، وجعل الغيث ماجداً سعى بجود والعرب إذا وصفت الشيء بصفة غيره استعارت له ألفاظه، وأجرته مجراه في العبارة، كقوله تعالى) والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (. وأنشد القاضي الجرجاني بيتاً زعم أنه سمعه من ثقة وهو:

متى نَوَّهْتَ في الهَيجاء باسِميأتَاكَ السَّيفُ أوَّلَ مَنْ يَجيِبُ
مُخْلىً له المَرْجُ مَنْصُوباً بِصَارِخَةٍلَهُ المَنَابِرُ مَشْهُوداً بها الجُمَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال ابني جني: نصب) مخلى ومنصوباً (على الحال من سيف الدولة) ومشهوداً بها الجمع (نصب على الحال من صارخة، وهي مدينة أو قلعة ببلد الروم، وكان الوجه أن يقول: شهوده ومنصوبة إلا أن التذكير جائز أيضاً على قولك نصب المنابر وشهد الجُمَع ومن أبيات الكتاب:

بَعيدُ الغَزَاةِ فما ابن يَزالُ مُضْطَمِراً طُرَّتاه طَلِيحَا

ولم يقل مضطمرة وهو كثير.

قال ابن فورجة: الإعراب ما ذكره لا ريب فيه، والمعنى أن هذين الموضعين أعني المرج وصارخة متوغلتان في بلاد الروم، وأنهما إذا أخليتا لسيف الدولة ونصبت المنابر بهما وشهدت الجمع فلم يبق في النكاية في الكفر نهاية. ومثل هذا المغزى قول النسيج أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان يصف خيل رجل مدحه:

بَناتِ الخَيلِ تَعْرِفُها دَلُوكُوصَارِخةُ وآلُسُ والّلَّقانُ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «معان من أحبتنا معان»

ليس يريد أن أماتها برابع من هذه البلاد التي ذكرت لأن خيل الروم غير مختارة وإنما يعني أنه طالما أوغل بها هذه المواضع، وأوغل أبوه بأماتها فيها فهي تعرفها. والغرض بعد الإيغال في بلاد العدو.

فِيها الكُماةُ التي مَفْطُومُها رَجلُعلى الجيادِ التي حَوْلَّيها جَذَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال الشيخ ﵀: كان بعض من رد على أبي الطيب قد أدعى أنه قال) فيها الكماة (الذي مفطومها رجل على الجياد الذي (فاستعمل) الذي (في موضعين، وذلك مكذوب لا محالة، ولو صحت الرواية لكان له وجه، وهو أن يجعل الذي مبتدأ ويضمر بعده هو فيكون التقدير فيها الكماة الذي مفطومها رجل، ومثل ما حكاه الخليل عن العرب من قولهم: ما أنا الذي قائل لك شيئاً. أي بالذي هو قائل لك، وقالوا: الذي يذهب عليه سنة من وقت النتاج حولي وكثير استعمال ذلك حتى قالوا حولي الحصى يعنون صغاره، كذلك زعم بعض الناس ويجوز أن يكون الذي قالوا: أقلب حولي الحصى إنما أرادوا شبه الحصى إلى ما حول الإنسان لا إلى حول السنة.

يَذْرِي اللُّقانُ غُباراً في مَناخِرِهاوفي حَناجِرها من آلِسٍ جُرَعُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: أي لا تستقر فتشرب وتطمئن، إنما هي تختلس الماء اختلاساً لما هي فيه من مواصلة السير والمجاولة، ويجوز أن تكون شربت قليلاً لعلمها بما يعقب شربها من السير والركض، وهكذا تفعل كرام الخيل وبذلك فسر بيت طفيل الغنوي:

أنَخْنَا فَسُمْنَاها النِّطَافَ فَشارِبُقليلاً وآبٍ صَدَّ عَنْ كُل مَشْرَبِ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

قال الشيخ أبو العلاء: حكي عن علي بن عيسى الربعي، وكان يذكر أنه قرأ ديوان أبي الطيب عليه في شيراز، وأن عضد الدولة أمره بذلك، أنه كان يروي) آلس (بضم اللام، فأما رواية الشاميين فبالكسر، ومعنى البيت أنه يصف الخيل بالسرعة فقد وردت الماء بآلس، وسارت حتى جاءت اللقان فأذرى الغبار في مناخرها ومعها بقية من ورد آلس وهو في حناجرها وهذه مبالغة عظيمة في الصفة بالسرعة، لا يجوز أن يكون مثلها، ونحو منه قول الأول:

خَلطنَ بِبَاقِي ما تَحلُّه غدوةًوقد رُحْن عنه ما ببطنِ الأُّميلح
وإنَّ القَطا الكُدريَّ يطلح دونّهوإن كُنَّ قد وافينَه غيرَ طُلَّح
كأنَّما تَتَلَّقاهُمْ لِتَسْلُكَهُمْفالطَّعنُ يَفْتَح في الأجْوَافِ ما تَسَعُ

قال ابن جني: أي كأن خليه تتلقى الروم فتدخل فيهم، فالطعن يفتح أجوافهم ما يسع الخيل يصف سعة الطعن وعظمه.

دُونَ السِّهامِ ودونَ الفَرِّ طافِحَةًعلى نفوسِهمِ المُقَوَّرَةُ المُزُعُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال إن هذه الخيل أشرقت على نفوسهم، وطفحت عليها فقد صارت أقرب إلى نفوسهم من السهام ومن أن يفروا، يصف سرعة الخيل وأنها قد ركبتهم وتغشتهم.

وقال الشيخ ﵀: طافحة يجوز فيها الرفع والنصب فإذا نصبت فهي حال من الجياد التي تقدم ذكرها، وإذا حمل على هذا الوجه) فالمقورة (بدل من الضمير الذي في) طافحة (ويحتمل أن تكون) طافحة (حالاً من المقورة كما يقال في الدار قائماً أخوك. وهذا الوجه أحسن من الوجه المتقدم وترفع) المقورة (على أنها في تقدير المبتدأ كأنه قال دون الهام ودون الفر المقورة طافحة على نفوسهم وإذا رفعت) طافحة (جاز أن تكون) المقورة (في تقدير المبتدأ ويكون قوله) دون السهام ودون الفر (كالظرف الملغي إذا تقدم فقيل في الدار قائم أخوك، ومن: قال قائم أخوك وهو يجعل قائماً مبتدأ وأخوك قد سد مسد الخبر وهو فاعل جاز أن يرفع) المقورة (بأنها فاعلة طافحة وقد سدت مسد الخبر، وطافحة مبتدأ أن يجعل الكلام تاماً عند قوله طافحة على نفوسهم أي ذاهبة طفحت على النفوس ثم يجعل المقورة المزع بدلاً منها.

أجَلُّ مِنْ وَلدَ الفُقَّاسِ مُنكَتِفُإذْ فاتَهُنَّ وأمْضَى مِنه مُنْصِرَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال الشيخ أبو العلاء: الفقاس لقب لرجل من الروم بعض ولده المعروف بنقور، وقد صار إليك ملك الروم وهو الذي قتلته أم بسيل وقسطنطين وكانت قد تزوجته وأبناها صغيران، فخشيت أم يخرجها عن المملكة، فدست عليه وهو نائم ليلاً قوماً منهم ابن شمسقيق الذي ذكره أبو الطيب فقتلوه، وكان والد نقفور دمستقا وهو وهو والد قسطنطين الذي أسره سيف الدولة في وقعة الأحيدب، وفي أيامه كانت الوقعة التي قيلت فيها هذه القصيدة، وبعض الناس يخير أن الفقاس كان من آل جفنة الذين دخلوا الروم في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وفي هذا البيت تسلية للممدوح عن انفلات الدمستق وهو ولد الفقاس يقول أجل منه قد أسر فكتف وأمضى منه قد قتل فهو منصرع.

وَما نَجا مِنْ شِفار البيضِ مُنْفَلِتُنَجا وَمِنْهُنَّ في أحْشائِهِ فَزَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال الشيخ: ما في أول البيت نافية والمعنى لم ينج، ونجا الثانية في الموضع نعت لمنفلت، يقول: ما نجا من السيوف منفلت في أحشائه منهن فزع ووجه آخر: وهو لأن يكون قد تم الكلام عند قوله) منفلت (فأخبر أنه لم ينفلت منهم أحد ثم استأنف الكلام محتجاً لعدم المنفلت فقال) نجا ومنهن في أحشائه فزع (وفي نجا ضمير على المنفلت وهذا كما يقول الرجل ما نجوت من شر فلان، أي لم يكمل نجاؤك منه ثم يقول نجوت وأنت مرعوب منه فلم يكمل نجاؤك.

كَمْ مِن حُشَاشَةِ بِطْريقٍ تضَمَّنهاللْباتِرَاتِ أمِينُ ما لَهُ وَرَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال الشيخ: الحشاشة بقية النفس وأصلها مأخوذ من حش الشيء إذا يبس، ومنه قولهم لما يبس من الكلأ حشيش، فإذا احتش الرجل لدابته حشيشاً، وبقي منه شيء قليل قيل له حشاشة، كما يقال لما فضل من الطعام فضاله، ولما أعذر من الشيء المأخوذ عذاره، فأريد أن الحشاشة بقية نفس قد أخذ معظمها) وأمين (هاهنا يعني القيد الذي يجعل في الأسير أي أنه إذا أودعه الإنسان فهو مأمون على الوديعة، لأن المقيد به لا يقدر على الهرب.

وَجَدْتَّموهم نِياماً في دِمائِكُمُكأنَّ قَتْلاكُمُ إيَّاهُمُ فَجَعُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال الشيخ ﵀: يذكر من يدعي علماً بغزوات سيف الدولة بن حمدان أن أصحابه في هذه الغزاة وهي التي كانت تسمى غزاة المصيبة، مروا في هزيمتهم بمقتلة من الروم، فظنوا أن أولئك القتلى لا تجاوزهم من العدو، فنزلوا في ذلك الموضع ليستريحوا، فجاءت خيل الروم ووجدتهم على تلك الحال، فنالوا منهم المراد من قتل وأسر، ومعنى البيت أنكم وجدتم هؤلاء القوم نياماً بين قتلاكم، كأنهم الذين فجعوا بهم وذلك من شأن الحزين ومن قتل له قتيل أن يكب عليه، ويحمله الجزع على أن يتلطخ بدمه كما أن المخزون يتمرغ على القبر ويقلبه لشدة الجزع.

وروى الأحسائي عن علي بن عيسى الربعي أن أبا الطيب قال غبرت في تلك الليلة فرأيت جماعة من المسلمين قد ناموا بين قتلى الروم، من شدة الحال التي أصابتهم، ورأيت قوماً منهم يحركون القتلى فمن وجدوا فيه رمقاً أماتوه فلذلك قال هذا.

إن السِّلاح جَميعُ النَّاسِ تَحْمِلُهُولَيْسَ كُلُّ ذّواتِ المِخْلَبِ السَّبُعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال الشيخ: قد حكى سيبويه عن العرب ليس الطيب إلا المسك برفع الطيب والمسك وهذا يشبع قوله) وليس كل ذوات المخلب السبع (إذا أخذنا يقول من ذهب إلى أن ليس بمعنى ما في قولهم: ليس الطيب إلا المسك وللنحويين كلام في الضمير بعد ليس إذا كانت في مثل هذا الموضع ومثل بيت أبي الطيب قول هشام أخي ذي الرمة:

هي الشِّفاءُ لِداَئي إنْ ظَفِرْتُ بهاوليسَ منها شفاءُ الدواء مَبْذول

وإن شئت أضمرت في ليس وهو رأي أكثر الناس والإضمار في كان وأخواتها كثير موجود قال حميد الأرقط:

فأصْبَحُوا والنَّوَى عالي مُعَرَّسِهِمْوَلَيْسَ كَلَّ النَّوَى تُلْقِي المَساكِين

ومن التي أولها: حُشَاشَةَ نَفْسٍ وَدَّعَتْ يَومَ وَدَّعُوا

أشارُوا بتَسْلِيمٍ فَجُدْنا بأنْفُسٍتَسِيلُ من الآماقِ والسَّمُ أدْمُعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قال ابن جني: السم يريد الاسم يقال اسم وسم وسيم وسمي مثل هذه حكاها أبو علي عن أحمد عن ابن الأعرابي وأنشد أبو علي عن أبي زيد:

فَدعْ عَنْكَ ذِكْرَ اللَّهْوِ واقصد بِمدْحَةٍلَخيرِ يمانٍ كُلَها حيث ما انتَمى
لأوضَحِها وجهاً وأكرمها أباًوأسمحها كَفّاً وأعْلَنِها سُما

وقد حكي اسم بضم الهمزة وليست قوية في سماع ولا قياس، والمعنى أي كأن أرواحنا جرت من أعيننا في صورة الدموع، فسميت دموعاً وهي في الحقيقة أنفس.

وقال الشيخ: هذا المعنى يتردد في شعره كثيراً، وتدعى الشعراء أن الدمع هو نفس الإنسان وقد استعمل ذلك أبو الطيب في قوله:

أرْوَاحُنا انُهَمَلَتْ وَعِشْنا بعدهامِنْ بعْدِ ما قَطَرتْ على الأقدامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
وَإنَّ الذَّي حابَى جَديلَةَ طَيٍبه اللهُ يُعْطِي مَنْ يَشاءُ ويَمْنَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قال ابن فورجه: قال ابن جني: أي حاباها به من الحباء وهي العطية كأنه يريد وإن الذي حبا جديلة طي به الله. أي أعطاها إياه فبنى الفعل للاثنين كما تفعل بقولك: سافر وعافاك الله. ثم فسر باقي البيت فقال أي هذا الممدوح يعطي من يشاء ويمنع، وهذا الذي ذكره أبو الفتح تمحل وتوصل يتأتيان بتكلف. والذي أراده أبو الطيب أن) حابي (ضميره للممدوح وهو) الذي (وهو الفعل الذي لا يصح إلا بين أثنين، وجديلة طي كرام أسخياء، ومن حاباهم عالي المنزلة في السخاء، وخص جديلة طي لأن الممدوح منهم، يقول هو أسخاهم والله تعالى به يعطى من يشاء ويمنع لأنه أمير قد فوض إليه أمر الخلق فنفعهم وضرهم من جهته.

فَتىً ألْفُ جُزْءٍ رأيُهُ في زَمانِهِأقَلُّ جُزَيءٍ بَعْضُهُ الرأيُ أجْمَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قال ابن جني: ترتيب الكلام: فتى رأيه في زمانه ألف جزء، وأقل جزء من هذه الأجزاء بعضه أي بعض الأقل الرأي الذي في أيدي الناس كله، فألف جزء مرفوع لأنه خبرُ عن البعض وأجمع توكيد للرأي. والهاء من بعضه عائد على أقل من الجملة التي هي خبر عنه.

خَبَتُ نارُ حَرْبٍ لم تَهِجْها بَنانُهُوأسْمَرُ عُرْيانُ من القِشْرِ أصْلَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قال الشيخ: مصدر خبت الخبو وقالوا خبوت النار وقال الشاعر:

وتُوقَدُ باليَفاعِ الليلَ نَاريتَشبُّ إذا يُحسُّ لها جنوبُ

كأنه أبدل من الواو الآخرة تاء لقولهم وتكأة، ولا يمتنع أن يكون خبت اللهيب أصلاً في كلامهم، ويكون مأخوذاً من الخبت، وهو المطمئن من الأرض مع سهولة ومنه قالوا: أخبت الرجل، إذا تأله وتخشع، كأنه ذل حتى لصق بالخبت من الأرض، وقد قالوا خبت بمعنى أخبت، وقوله) خبت نار حرب (الأحسن أن يكون على معنى الدعاء كما يقال: لا كانت حرب لم يهجها فلان، والأسمر العريان من القشر القلم، وجعله أصلح لأنه لا نبات عليه.

ذُبابُ حُسامٍ مِنْهُ أنجَى ضرِيَبَةًوأعْصىَ لَوْلاهُ وَذَا مِنْهُ أطْوَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قال ابن جني: يفضل القلم على السيف لأنه قد ينجى من حد السيف ولا ينجى من ضربة هذا القلم، والسيف يعصي صاحبه، القلم يطيعه ومثل قوله) وأعصى لمولاه (قول طرفة:

أخِي ثِقَةٍ لا يَنْثَني عن ضرَيبةٍإذا قِيلَ مَهْلاً قالَ حاجِزُه قَدي
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»
وليسَ كبَحْر يشْتَقُّ قَعْرَهُإلى حيثُ يفْنَى الَماءَ حُوتُ وَضُفْدَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قال الشيخ: يقول ليس هذا الممدوح كبحر الماء يمكن استقصاؤه، ويشتقه إلى منتهاه الحوت والضفدع، في الضفدع لغتان ضفدع وهي اللغة المعروفة وقد حكى ضفدع بفتح الدال. وحوت مرفوع يشتق.

وقال ابن فورجه: أخبرني بعض من كان لقي أبا الطيب أنه سمعه يقول الذي قلت) إلى حيث يفنى الماء (وأردت به حيث يكون في فناء الماء، كأن أصله فنيت الرجل أفنيه أي كنت في فنائه فيفنى فاعله حوت وضفدع، فإن كانت هذه اللفظة مسموعة فتوشك أن تكون الحكاية صحيحة.

ومن التي أولها: مُلِثَّ القَطْرِ أعْطِشْها رُبُوعَا قوله:

تُرَفِّعُ تَوْبَها الأرْدَافُ عَنهافيَبْقى مِنْ وشاحَيْها شَسُوعا

قال ابن جني: الشسوع البعد ومثل هذا المعنى صفة رجل لامرأة فقال: لا يصيب ثوبها منها إلا مشاشي منكبيها، ورانفتي إليتها، وحلمتي ثدييها.

وقال الشيخ: (فيبقى من وشاحيها شسوعاً (يعني الثوب وهذا المعنى مجانس لقول الآخر:

أبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقمْصهامَسَّ البُطون وأنْ تَمسَّ ظُهورَا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»
إذَا مِاسَتْ رأيْتَ لها ارْتِجاجاًلَهُ لَوْلا سَوَاعِدُها نَزُوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

قال ابن جني: الهاء في قوله له عائد على الثوب، يقول: لإفراط ارتجاج ثدييها يكاد ينزع عنها ثوبها، ونصب نزوعاً لأنه وصف لارتجاج كأنه قال رأيت لها ارتجاجاً نزوعاً لثوبها عنها لولا أن سواعدها تمنع ذلك.

ومن التي أولها: أرَكائِبَ الأحْبابِ إنَّ الأدْمُعا

وَمَتى يُؤدَي شَرْحَ حالِكَ ناطِقُحَفِظَ القَليلَ النَّزْرَ مَّما ضَيَّعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

قال ابن جني: أي هو قليل بالإضافة إلى ما ضيع، ويسأل عن هذا فيقال: إن المحفوظ ليس المضيع فكيف جعله منه؟ فالجواب: أنه حفظ القليل من جنس ما ضيع إلا ترى أن الجميع أحوال له فكل واحدة مثل أختها في كونهما حالين له، ويجوز أن يكون معناه حفظ القليل النذر بدلاً مما ضيع، كقوله تعالى) لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (أي بدلاً منكم.

ومن التي أولها:

الحُزْنُ يُقْلِقُ والتَجمُّلُ يَرْدَعُوالدَّمْعُ بيَنهُما عَصِيُّ طَيِّعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

قال ابن جني: أي يعصي التجمل ويطيع القلق، والعصي: العاصي.

المَجْدُ أخْسَرُ والمكارِمُ صَفْقَةًمِنْ أنْ يَعيشَ بها الكَرِيمُ الأروَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

قال ابن جني: معناه المجد والمكارم أخسر صفقة، وإن حملت الإعراب على هذا اختل لأنك تفصل بين أخسر وصفقة وهي منصوبة بالمكارم التي هي عطف على المجد، وهذا غير جائز لأن صفقة تحل من أخسر محل الصلة من الموصول، ألا ترى أنه يجوز) زيد أحسن وعمرو وجهاً (ولك أن تصرفه إلى وجه غير هذا فتجعل المكارم عطفاً على الضمير الذي في أخسر فإذا عطفته على الضمير لم يكن أجنبياً منه، فلا يعد فصلاً بينه وبين صفقة، فيصير نحو قولك) مررت برجل أكل وعمرو خبزاً (فيعطف عمراً على الضمير في أكل وينصب خبزاً يأكل.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.