تجاوز إلى المحتوى

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)

حرف اللام (٢)

ما مَضوا لم يُقاتِلُوك ولِكنَّ القَتالَ الذي كفَاكَ القتالا قال ابن فورجة:) ما (هنا نفي،) ولم يقاتلوك (حال، يريد لم يمضوا غير مقاتلين لك، يريد ما انهزموا من غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن لم يقاتلوا فانهزموا وقوله) ولكن القتال الذي كفاك القتالا (، معناه أن ما عرف من صبرك على القتال، وطول ثباتك هو الذي أياس العدو من انهزامك، وزهدهم في مصابرتك ويبين معنى هذا المصراع قوله فيما يليه:

والَّثباتُ الِذي أجَادُوا قَديماًعَلَّمَ الَّثابِتينَ ذَا الإجْفالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
أبَصرَوا الطَّعنَ في القُلوبِ دِراكاًقَبل أنْ يُبْصِرُوا الرّماحَ خَيالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: لما شاهدوه من أحوال المقتولين عرفوا الأمر قبل وقوعه بهم.

وقال الشيخ: يقول اعتبر المتأخرون منهم بالمتقدمين، فكأنهم أبصروا الطعن دِراكا بقلوبهم وبينهم وبين من يطلبهم مسافة بعيدة ففروا قبل أن ينظروا إلى خيال الرماح.

وقال ابن فورجة: أخر قوله) خيالاً (عن موضعه لعلم المخاطب وتقدير البيت: أبصروا الطعن في القلوب دراكا خيالاً قبل أن يبصروا الرماح يريد بالخيال ما يراه الانسان في منامه، أو يتخايل له في خاطره من ذكر ما مضى يقول: لشدة خوفهم منك، وتصورهم ما صنعت بهم في قديم الحروب، رأوا الطعن دراكا في قلوبهم رؤية الخيال، قبل أن يروه حقيقة، وما تقدم هذا البيت يدل على هذا وهو قوله:

تركُوا في مَصَارعٍ عَرَفُوهايَنْدُبُونَ الأعْمامَ والأخْوَالا
تَحْملِ الرّيحُ بينهم شَعَرَ الهْامِوَتُذْرِي عليهم الأوْصالا
تُنْذِرُ الجِسْمَ أنْ يُقيمَ لَدَيهاوَتُريِهِ لِكُلِ عُضْوٍ مِضالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

فهذا يدل على ما قلناه.

أقْسَموا لا رأَوْكَ إلاَّ بقَلْبٍطاَلَما غَرتِ العُيُونُ الرّجالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أيُّ عَيْنٍ تأمَّلْتكَ فَلاقَتْكَوَطرْفٍ رَنا إلَيْكَ فَاّلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ ﵀: أي حلفوا أنهم لا رأوك إلا بقلوبهم، وقد علموا الآن الغلبة لك فهم لا يثبتون فينظرون إليك بعيونهم، لأن العين طالما غرت الناظر فيتوهم ما لاح له شيئاً غيره.

وقال ابن جني: قد تكرر هذا المعنى في شعره كقوله:

كأنَّ شُعاعَ عينِ الشَّمْس فيهفَفي أبصَارِنا عَنْهُ انكسارُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقال ابن فورجة: قوله) لا رأوك إلا بقلب (يقول حلفوا ليحضرن عقولهم وليعلن أذهانهم وأفكارهم فيك وفي قتالك، إذ كان ما يرونه بعيونهم قد لفهم عنك كثيراً، وأوهمهم أنهم يقاومونك، فلما جربوا خابوا، ورؤية القلب هو العلم، ثم أتى بمعنى يجوز أن يكون شرحاً لهذا المعنى الذي قدمه ويجوز أن يكون معنى آخر مستأنفا، فقال: أي عين تأملتك فلاقتك، يريد أن العيون إذا نظرت إليك تحيرت فلم تعقل ما ترى كقوله:

فإذا رَأيُتكَ حارَ دُونَكَ ناظرِيوإذا مَدَحتكَ حارَ فيكَ لِساني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

وقوله: وَطَرْفٍ رَنا إلَيكَ فَالاَ آل بمعنى رجع يريد أن العيون إذا نظرت نحوك تحيرت وبهتت، فلم تؤل أي لم ترجع، وبقيت شاخصة إليك كما قال أيضا:

تَمضِي الكَواكُب والأبصار شاخصةمِنْها إلى المَلِكِ الميمُونِ طِائرةُ

وفي هذا المكان سؤال آخر وهو أن يقال كيف قال:

أقْسَمُوا لا رأَوْكَ إلاَّ بقَلْبٍطاَلَما غَرَّتْ العُيُونُ الرّجالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهو قد قال قبله:

والعِيانُ الجَلِيُّ يُحْدِثُ للظَّنَّزَوَالا وللمُرادِ انتِقالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وإذا ما خلا الجَبانُ بأرضِطَلَبِ الطَّعْنَ وَحدهُ والنَّزَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

ثم أتى بهذا البيت فناقض ما قدم، لأنه زعم أن العيان يزيل الظن، ويأتي بالقين، ثم قال فيما يليه) أقسموا لا رأوك إلا بقلب (ورؤية القلب هي من الظن، وذم العيان، فقال) طالما غرت العيون الرجالا (فالجواب عن هذا أن علم القلب وإن كان أجل من البصر، فإن العلم لا يحصل إلا بعد النظر بالعين في الغالب، وإذا ظن الروم أنهم يقاومون سيف الدولة ثم علموا عظم شأنه وشدة بأسه، وقصورهم عنه، حصل لهم العلم بأنهم لا يقاومونه بعد العيان والتجربة، وإذا رأوه بالعين دون القلب، رأوا عسكراً مثل عسكرهم شكلاً ومنظراً، أو دونه عدداً وكثرة، فأوهمهم ذلك أنهم يقاومونه، فلم يكن هذا تناقصاً وكان كل معنى مستقلاً بنفسه منفرداً عن صاحبه.

ما لَمِنْ يَنْصِيبُ الحَبائِلَ في الأرْضِوَمَرْجاهُ أنْ يَصيدَ الهِلالا

قال ابن جني: هذا مثل ضربه أي سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف بالدربة الحرام من الحلال.

وقال ابن فورجة: يعني أن سيف الدولة غاز للروم، فما يقتل إلا كافراً فكأن سيوفه تعرفالحلال من الحرام.

ومن التي أولها:

ما لَنا كُلُّنا جَوٍ يا رَسُوُلُأنا أهْوى وَقَلبُكَ المَتْبُولُ

قال ابن جني: معنى البيت أنه اتهم رسوله بمشاركته إياه في حبيبه.

وقال الشيخ ﵀: الأجود أن يرفع) كلنا (على الابتداء ويكون) جو (خبره وكان بعض الناس يخفض كلنا، ويجعله توكيداً للضمير في) لنا (وهذا رديْ لأنه يوجب نصب) جو (على الحال، فيقال ما لنا كلنا جويا وإن لم يفعل ذلك فهو ضرورة.

أفْسَدَتْ بينَناَ الأماناتِ عَيْناهاوخَانَتْ قُلُوبُهنَّ العُقُولُ

قال الشيخ ﵀: زعم أنه أرسل رسولاً ينوبه فلما نظر إلى عينها تغير عن حال الأمانة،) والهاء (في قلوبهن يحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون راجعة إلى الأمانات، ويكون قد استعار للأمانات قلوباً، وإنما يعني قلوب المؤتمنين والآخر: أن تكون الهاء والنون راجعتين إلى العقول كما يقدم الضمير الذي في المفعول، يقال: لبس ثوبه فلان والمعنى متقارب، والعقول في هذا القول فاعله، وكذلك في القول الأول إلا أن الضمير هاهنا للعقول.

وقال ابن فورجة: الهاء والنون ضمير قبل الذكر، والتاء في) خانت (للعقول يريد خانت العقول قلولها، لأنهم إذا نظروا عينها غلبهم هواها على الأمانة ولم تكمل العقول التصوير القبيح بصورة القبيح وأوهمت أنه جميل ومثل هذا قوله:

ومَا هِيّ إلاَّ نَظرةُ بعدَ نَظرةٍإذا نَزَلتْ في قَلْبهِ رَحلَ العَقْلُ

وإنما يعني أني بعثت رسولاً عشقها، فخانني فيما يؤدي من الرسالة.

تَشْتَكي ما اشْتَكْيتُ مِنْ طَرَبِ الشَّوْقِإليَها والشَّوقُ حَيثُ النُّحُولُ

قال ابن جني: ما أحسن ما كنى عن تكذيبها، ولم يصرح به أي أنا مشتاق فنحولي يدل على ذلك، وهي غير ناحلة فليست مشتاقة.

وقال الشيخ أبو العلاء ﵀: تشتكي يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون خطاباً للرسول الذي ناداه في أول القصيدة أي تشتكي ما اشتكيت وأنت كاذب، لأنك لست ناحلاً، وإنما الشوق حيث النحول، ومثل هذه القصيدة التي ذكرناها أبو الطيب جرى لأبي ذؤيب الهذلي مع خالد بن زهير فقال أبو ذؤيب:

مَا حُمّلَ البُخْتِيُّ يَوْمَ غِيارهعَلَيه الوُسُوقُ برُّها وشَعِيرهاُ
بأَثْقَل مَّما كُنْتُ حَملَّتُ خَالدِاوَبَعضُ أمانَاتِ الرّجالِ غَرُرُهاَ

وكان أبو ذؤيب قد أفسد هذه المرأة على سواه، فقال له خالد بن زهير أبياتاً منها:

فَلاَ تَجْزَعَنْ مِن خُطَّةٍ أنْتَ سرِتْهافأوَّلُ رَاضي خُطةٍ مَنْ يَسيرها

وكان خالد إذا عاد إلى أبي ذؤيب يشم عطفه، ويمس ثوبه لينظر أعلق به منها طيب، وخالد الذي يقول:

يا قوم مَالي وأَبا ذُؤيبِكُنتُ إذا أتيتُه عن غَيبِ
يَشمُّ عِطْفِي ويمَسُّ ثَوْبيكأنّما أربتُه بريبِ

وقال أبو ذؤيب:

تُريدينَ كيمَا تَجْمعِيني وخَالِداًوهل يُجمعُ السَّفَيانِ ويحَكِ في غِمدِ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «وما حمل البختي عام غياره»
فآليتُ لا أنْفَكُّ أحْذُو قَصِيدَةًتَكُونُ وإيَّاها بها مَثلاً بَعدي

والوجه الثاني: أن يكون قوله) يشتكي (إخباراً عن المرأة، والأول أشبه.

صَحِبتْني على الفَلاةِ فَتاةُعادَةُ اللَّونِ عِنْدها التَّبدْيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

قال ابن جني: يعني الشمس: وجعلها فتاة لأن الزمان لا يؤثر فيها، كما يقال للدهر الأزلم الجذع، أي هو طري قوي لا يستحيل عن ذلك.

قال الشيخ ﵀: ويجوز أن يجعلها فتاة، لأنها تطلع كل يوم فكأنها شيء محدث وقوله) عادة اللون عندها التبديل (أي تغييره.

نحنُ أدْرى وقد سألْنا بنَجْدٍأَطَويلُ طَرِيُقنا أمْ يَطُولُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: أي هو طويل في الحقيقة أم يطوله الشوق إلى المقصود.

وقال الشيخ ﵀: معناه أنه يدري ولكنه يقوله على سبيل التبالة ألا تراه يقول بعده:

وَكثِيرُ مِنَ السُّؤَالِ اشِتياقُوَكثيرُ من رَدّهِ تَعْلِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

فهذه طريقة للشعراء مألوفة، يظهرون التجاهل بالشيء، وإن كانوا يعرفونه كقول أبي تمام:

وَمَكارِماً عُتُقَ النِجّارِ تَلَيدةًإنْ كانَ هَضْبُ عَمايتَيْنِ تَليدَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»

ألا تراه أدخل في الكلام شكا لأن أحداً لا يجهل أن هضب عمايتين تليد غير معروف الأول، ومن خاض كلام العرب ونظر إلى تصرفها ومذاهبها وإشارتها، أجاز ما يمنع غيره، ومنع ما يجيزه، أولا ترى إلى قول بشر:

أُسائِلُ صَاحِبي ولَقَدْ لأرَانيبَصِيراً بالظَّعائنِ حَيْثُ صَارُوا

وقال ابن فورجة: قول ابن جني أن الشوق يطول الطريق محال لأن الشوق يقصر طول الطريق، ألا ترى إلى قول القائل:

أرى الطَريقَ قَريباً حينَ أسلكُهإلى الحَبيبِ بَعيداً حينَ أَنصَرفُ
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

وقول الآخر: مَنْ عَاَلج الشَّوْقَ لمَ يستبِعد الدَّارَا وإنما يريد بقوله) يطول (أنه يعرض له من يصده، أو حالة تلفته وتعوقه من رغبة الملوك فيه وفي مدحه ومقامه عنجهم، أو سوى ذلك من علة أو ما أشبهه، ويريد بهذا القول تشوقه إلى سرعة الوصول وإشفافه أن يطول طريقة عارض بصده، واستثنى الأخبار، ثم أخبر أنه إنما يسأل هذا السؤال لشدة الشوق، وهو عالم بقدر طول الطريق وآمده، ولا حاجة به إلى سؤال أحد. ومثله.

وأسْتَخْبِرُ الأخبارَ مِن نَحْوِ أْرضِهاواسْألُ عنها الرَّكْبَ عَهْدُهُمُ عَهْدي
لا أقَمنا على مَكانٍ وإنْ طاب ولا يُمكنُ المَكانَ الرَّحيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

قال ابن جني: لم يقم كقول الله تعالى) فلا صَدّقَ ولا صلى (يريد لم يصدق ولم يصل، وقال الشاعر: وَأيُّ أمْرٍ سيئٍ لأَفَعَلهْ أي لم يفعله، وقوله: ولا يمكن المكان الرحيل، أي لو أمكنه الرحيل لرحل معنا إلى سيف الدولة شوقاً إليه.

وقال الشيخ ﵀:) ولا أقمنا (في معنى لم تقم، ومنه قول الشاعر:

وأيَّةُ لَيلةٍ لا كُنْتُ فيهاكجَاري النَّجمِ يُحرقُ ما يُلاَقي

أي لم يكن فيها، ويجوز أن يكون قوله:) لا أقمنا (على معنى القسم، كأنه قال والله لا أقمنا، والمكان لا يمكنه أن يرحل معنا، وقد أبان هذا المعنى فيما بعده فقال:

كُلَّما رَحَّبَتْ بنا الرَّوْضُ قُلْناحَلَبُ قَصْدُنا وأنْتِ السَّبِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

وكأنهم يعتذرون إلى الأماكن والروض إذا رحب بهم، لأنه مسرور بنزولهم وهم لا يقدرون على الإقامة، وهو لا يمكنه الرحيل.

وقال ابن فورجة: لو أنعم الشيخ أبو الفتح النظر لعلم أن هذه ليست تلك التي عناها، وإنما هي التي تكون جواب القسم، كقولك: والله لا أقمت، ووالله لا ضربت، وقد يحذف القسم والكلام يقتضيه ويدل عليه، ألا ترى إلى قول الرسول ﷺ فيمن فعل كذا وكذا: لا تمس النار الا تحلة القسم يريد قول الله تعالى:) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (ألا ترى أنه لا قسم ظاهر في هذه الآية. ولكن تأكيد الإيجاب دال على القسم ونائب منابه) ولا (في بيت أبي الطيب لها وجه آخر غير ما ذكرنا وهو أن يكون) لا (التي في الدعاء المنفي كقولك: لا يفضض الله فاك وكقوله:) فلا هَجَمْتَ بها إلاَّ على ظَفَر (فمحتمل أن يريد: والله لا أقمنا على مكان هذه صفته، وقوله) لا يمكن المكان الرحيل (له معنى لطيف قدسها عنه ابن جني وهو أنه يريد: لا نقيم على مكان أبداً حتى نلقاه، أي لا أقمنا على مكان إلا ويمكن المكان الرحيل معنا وهذا ما لايكون، فكذلك نحن لا نقيم كقول القائل:

إذَا زَالَ عَنكم أسودُ العَينِ كُنتمكِراماً وأنتم ما أقامَ ألائِمُ

و) أسود العين (جبل لا يزول فكذلك المخاطبون لا يكونون كراماً.

لو تَحرَّفْتَ عَن طرِيق الأعاديرَبَطَ السَّدرُ خَيلَهُم والنَّخِيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

قال الشيخ ﵀: يقول: لو ملت عن طريق الأعداء لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل، وكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيول الأعداء، كما تقول: ساءني أمر كذا، أي وقع السوء فيه، وهذا وجه، وفيه معنى آخر، وهو أن يكون يصف الممدوح بالسعادة، فلو تحرف عن طريق من معاديه لكان السدر والنخيل يربط خيولهم أن تتفسح في البلاد، وهذا نحو قول الآخر:

تَرَكُوا جارَهُمُ يأُكُلهُضَبُعُ الوَادي وَيَرْميهِ الشَّجَرْ

وقال ابن فورجة: هذا البيت يشبه قوله:

فكُلَّما حَلَمتْ عَذْرَاءُ عِندهُمفإنَّما حَلَمتْ بالسَّبي والجَمَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وذاك أن الروم ليس في ديارهم سدر ولا نخيل، كما ليس في ديارهم الجمال، فقوله) ربط السدر خيلهم والنخيل (يريد لولا دفاعك عن عضد الدولة ومعز الدولة لسارت الروم إليها وأوغلوا في ديارهما، حتى ربطوا خيلهم في السدر والنخيل، يريد بذلك الغض ممن بالعراق، ورفع شأن سيف الدولة، وقد صرح بذلك فقال بعده:

ما الّذِي عِنْدَهُ تُدَارُ المَناياكالَّذي عِنْدَهُ تُدارُ الشَّمُولُ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قال حبي علام تهجر طرفي»

وقوله) ربط السدر (إنما يريد ربطت إلى السدر، والروم ربطوها، ولكن لما كان السدر والنخيل يمسك خيله، جعل الفعل لها توسعاً في الكلام.

ومن التي أولها:

مُحِبّي قِيامي ما لِذَالِكُمُ النَّصْلِبَرّياً مِن الجْرحَى سَليماً مِن القَتْلِ

قال ابن جني: نصب) بريا (على الحال من النصل، ومعناه يا من يحب مقامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بنصل أعدائي وأقتلهم به.

قال الشيخ ﵀:) محبي (نصب على النداء أي يا محبي، ويعني بقيامه نهوضه والتماس ما يريد، يقال: قام الملك في أمر كذا، ومن ذلك: كان كذا من قبل أن يقوم النبي ﷺ، أي من قبل أن تظهر الدعوة إلى الإسلام.

وقال الشاعر:

نبغَ ابن كُوزٍ في سِوَانا فإنّهغَذَا النَّاسُ مُذْ قَامَ النَبُّي الجوارِيَا

وقال الآخر:

إذا ماتَ مِنّا سَيّدُ قامَ سيّدُقؤُولُ لما قال الكِرامُ فَعُولُ
للشاعر إبراهيم المنذر، اقرأ القصيدة

ويعني بالنصل سيفه كأنه يسألهم ماله) برياً من الجرحى سليماً من القتل (يقول لمحبي قيامه: ما لكم لا تجتمعون إلي وتنصروني، فأخرج وأقتل ويختضب سيفي.

أمِطْ عَنكَ تَشْبِيهِي بما وكأنَّهُفَما أحَدُ فَوْقي ولا أحَدُ مِثْلي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «محبي قيامي ما لذلكم النصل»

قال ابن فورجة: قد أكثر الكلام في هذا البيت، وقوله: تشبيهي بما، وقالوا ليس) ما (من حروف التشبيه، ولم يؤت في الجواب بطائل، فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول: تفسيره كأن قائلاً قال ما يشبه؟ فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كأنه الأرقم، ونحو ذلك فقال هو معرضا عن هذا القول) أمط عنك تشبيهي بما وكأنه (، فجاء بحرف التشبيه، وهو كأن، وبلفظ) ما (التي كانت سؤالاً، وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال هذا مما سئل عنه أبو الطيب فذكر أن) ما (تأتي لتحقيق التشبيه، تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، وإلا كالأسد، كما قال الشاعر:

ومَا هنْدُ إلاّ مُهْرَةُ عَرَبّيةُسَليلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَهاَ بَغلُ

وقال لبيد:

ومَا المَرْءُ إلاّ كالشِهابِ وضوئهِيحَوُرُ رَماداً بعد إذْ هو سَاطِعُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»

ثم قال: وأقول: إن التشبيه بما محال، وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه، وإذا قال) وما المرء إلاّ كالشهاب (فإنما المفيد للتشبيه الكاف، وإنما) ما (للنفي نفت أن يكون المرء إلا كالشهاب، وإذا قال) وما هند إلا مهرة عربية (فإن) ما (دخلت على ابتداء وخبر، وكان الأصل هند مهرة عربية، وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب الشبه، وإن كان اللفظ مبانياً للفظ، ثم نفى أن يكون إلا كذلك، فليس بمنكر أن ينسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر، وباب الشعراء أوسع من أن يضيق عن مثله، والذي عندي ما أقوله، وهو فائدتي من الشيخ أبي العلاء، سقاه الله وحياه، وليس هو مما استنبطته، وهو أن يكون يعني) ما (التي تصحب كأن إذا قلت: كأنما زيد الأسد، ألا ترى أنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولاً كثيرة من كتب النحو، وقد صارت في نعت قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها وما عندي أن أبا الطيب أراد غيرها والله أعلم بالغيب.

وقال الأحسائي:) ما (تكون نكرة بمعنى شيء، وتكون معرفة بمعنى الذي، فيقول أمط عنك تشبيهي بشيء من الأشياء ولا بكأنه شيء.

ومن التي أولها:

أحْيا وأيْسَرُ ما قاسَيْتُ ما قَتَلاوالبينُ جارَ على ضَعْفِي ومَا عَدَلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ أبو العلاء ﵀ أحيا (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الشاعر أخبر عن نفسه فقال أحيا أي أعيش، وأيسر ما قاسيت ما قتل.

والآخر: أن يكون) أحيا (في معنى أفعل الذي يراد به التفضيل، أي أشد ما يكون في إحياء الإنسان وأيسر ما قاسيت شيء قاتل، وكان الكلام على التقديم والتأخير، كأنه قال: ما قتل أي الشيء الذي يقتل أحيا وأيسر ما ألقاه وإذا حمل على هذا الوجه فقد حذف المضاف إليه في قوله أحيا، لأنه أراد أحيا ما لاقيت وإنما يستعمل ذلك في الشعر ولو قلت في الكلام المنثور أكرم وأفضل الناس زيد، تريد أكرم الناس زيد وأفضلهم لقبح ذلك، وفيه شبه من قول الفرزدق:

يا مَنْ رأَى عَارِضاً أرقتُ لهبينَ ذراعيْ وجَبْهةِ الأسَدِ

أراد بين ذراعي الأسد وجبهته.

قَيْلُ بمَنْبِجَ مَثْواهُ ونَائِلُهُفي الأُفْقِ يَسألُ عمنَّ غَيرهُ سألا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

قال الشيخ ﵀: منبج إن كان اسماً عربياً فهو مأخوذ من قولهم نبج إذا رفع صوته، ويوم النباج يوم من أيام العرب، ويقال إن النباج مواضع مرتفعة والقيل ملك دون الملك الأعظم، وقوله) يسأل عمن غيره سألا (كأنه يسأل عنه ليغنيه أو ليعاتبه إذا لم يسأل هذا الممدوح.

ومن التي أولها:

قِفا تَرَيا وَدْقِي فَهاتا المَخايِلُولا تَخْشَيا خُلْفاً لما أنا قائِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

قال الشيخ ﵀ الودق (هاهنا المطر، وقيل هو خروج القطر من الغيم بكثرة، وعن ابن عباس ﵄ أن الودق مثل الدخان يخرج مع القطر من الغيم، والمخايل جمع مخيلة وهي السحابة التي يخال فيها المطر، والمعنى قفا تريا ما أفعل فقد رأيتما دلائله.

وآخَرُ قُطْنُ مِن يَدَيْهِ الجنادلُ قال الشيخ: أي لا أحفل به ولا يقدر لي على مضرة، فكأن الجنادل إذا رماني بها قطن من لينها، فأقول فاسد.

شاَقتْكَ ظُعْنُ الحَيّ يومَ تَحَملّوُافَتَكَّنسوا قُطْناً تصِرُّ خِيامُها

فيقال أراد يكنسوا قطناً، أي جعلوا ثياباً من قطن لهم مثل الكنس جمع كناس وهو حيث تكون الظبية والبقرة الوحشية، وقيل القطن جمع قطين وهم أهل الدار، وقيل القطن جمع قطان وهو جانب الهودج.

ومن التي أولها:

عَزِيُز أسىً مَنْ داؤُهُ الحَدَقُ النُّجلُعَياءُ بِهِ المُحِبُّونَ مِنْ قَبْلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

قال الشيخ ﵀:) عزيز (خبر مقدم إذا جعلت) من (معرفة، فإن جعلتها نكرة جاز أن يكون) عزيز (المبتدأ، وذهب بعض النحويين إلى أن المبتدأ والخبر إذا كانا نكرتين فالمبتدأ هو الأول لا غير، وقد يكون المبتدأ والخبر نكرتين وأحدهما أخص من الآخر كقولك:) ذهب خاتم في إصبعك (فخاتم هاهنا أخص من ذهب، وهو بأن مبتدأ أولى من ذهب،) وعياء (أي معيي لا يعرف دواؤه، ويجوز أن يكون) عياء (بدلاً من) الحدق النجل (ولا يمتنع أن يكون على إضمار هو) والأسى (من قولك أسوت الجرح إذا أصلحته وداويته ويقال أسى الجرح أسواً وأسى.

قال الأعشى:

عِنْدهُ البِرُّ والتُّقَى وأساالصَّدع وحَمْلُ لُمضْلِعِ الأَثْقالِ

وأشبه الوجوه عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً بإضافة عزيز إلى أسى وتنوين أسى، ويجوز تنوينهما.

كَفى ثُعَلاً فَخْراً بأنَّكَ منْهُمُودَهَراً لأنْ أصْبحتَ مِنْ أهْلهِ أهْلُ

قال ابن جني: ورواه) دهر (بالرفع، أي وهو أهل لأن أصبحت من أهله أهل للفخر، فارتفع) أهل (لأنه وصف لدهر، وارتفع دهر بفعل مضمر دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا.

وقال الشيخ أبو العلاء ﵀ ورواه) دهراً (بالنصب، قوله) بأنك منهم (الباء زائدة، وقوله: أنك منهم وكفى دهراً فخراً أنه أهل لأنك من أهله، وكان رفع) أهلاً (في آخر البيت على تقدير) ودهراً (هو لأن أمسيت من أهله أهل.

وقال ابن فورجة ورواه) دهراً (بالنصب: هكذا رويت بنصب دهر، وهو معطوف على قوله) ثعلا (أي وكفى دهراً، ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف كأنه قال: وكفى دهراً لأن أمسيت من أهله أهل فخراً، وهو كقوله أيضا:

ليتَ لي مثل جَدّ ذا الدَّهْرِ في الأدْهُرِ أوْ رِزْقهِ مِنَ الأرْزَاق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»
أنتَ فيه وكانَ كُلُّ زَمانٍيَشْتَهي بَعْضَ ذَا عَلى الخَلاَّقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

ومن التي أولها:

صِلَةُ الهَجْرِ لي وَهَجْرُ الوِصَالِنَكَسانِي في السُّقْمِ نُكْسَ الهِلالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال الشيخ ﵀: يقول مواصلة الهجر وهجر المواصلة نكساني في السقم نكس الهلال. أي كنت صحيح الجسم كامل الخلق، فنكسني هذان الشيئان نكس الهلال، وذلك أني زدت كما يزيد في أول الشهر، ثم نقصت كما ينقص إلى أن لحقه السرار، وقد شببت الشعراء بالقمر وزيادته ونقصه وينشد لبعضهم:

ومَهْمَا يكُنْ رَيْبُ الزَّمانِ فإنَّنيأرَى قَمَرَ اللَّيلِ المُعذَبَ كالفَتَى
يكُونُ هِلاَلاً ثم يَزدَادُ نُورُهُوبهَجَتُه حَتَّى إذَا تمَّ واسْتَوَى
تَقَاربَ يَخْبُو ضَوْؤهُ وبَهاؤُهُوينقصُ حتَّى يَسْتَسِرَّ فلا يُرَى
كذلِكَ زَيْدُ المَرْء ثمَّ انْتِقَاصُهُعَوْدَتُهُ في عُمرِهِ بعدَمَا مَضى
بُطُلُولٍ كأَّنُهنَّ نُجَومُفي عِراصٍ كأَّنُهنَّ ليالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال ابن جني:) الأطلال (ما شخص من آثار الدار، أي تلوح الطلول من العراص كما تلوح النجوم في الليالي.

قال الشيخ ﵀: شبه الطلول بالنجوم، لأنها عنده مستحسنة لأجل من كان يحلها ممن يحب، والعراص وهي جمع عرصة وهي الموضع من الدار، وجعل العراص كالليالي لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار، فلما فارقوها ذهب نورها، فكأن كل عرصة منها ليلة في الإظلام.

والجِرَاحاتُ عِنْدَهُ نَغَمَاتُسَبَقتْ قَبْلَ سَيْبِهِ بِسُؤَالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

قال الشيخ: زعم أن الجراحات عند الممدوح نغمات تسبق من السؤال سيبه أي يشق عليه أن لا يكون سبق إلى المعروف قبل أن يطلب منه.

ومن التي أولها:

أبْعَدُ نَأْي المَلِيحَةِ البَخَلُفي البُعْدِ ما لا تُكَلَّفُ الإبلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال الشيخ ﵀: يقول: أبعدنا في المليحة بخلها إذا بخلت وهي الدانية، فكأنها بعيدة الدار، وقد بين ذلك بقوله:) في البعد ما لا تكلف الإبل (أي أن البعد قد يكون بالهجر كما يكون بالفراق.

مَلُولَةُ ما يَدُومُ لَيْسَ لَهامِنْ مَلَلٍ دَائمٍ بها مَلَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال ابن جني: يقال رجل ملول وامرأة، أدخلت الهاء للمبالغة، و) يدوم (في موضع نصب أي تمل كل شيء يدوم إلا مللها، فإنها لا تمله فتتركه، وإن كان أيضا دائماً.

أنتَ نَقيضُ اسمهِ إذا اخْتَلَفتْقَوَاضِبُ الهِنْدِ والقَنا الذُبلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»
أنتَ لَعَمرِي البَدْرُ المُنيرُولكِنَّكَ في حَوْمَةِ الوَغَى زُحَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قال ابن جني: أي اسمك بدر وأنت في هذا الوقت زحل، لأنك حينئذ تهلك أعدائك وبدر هو القمر، والقمر سعد، وزحل نحس، فلذلك نقيض اسمه.

وقال الشيخ ﵀: البدر من شأنه أن يصف بالنور، ويهتدي به الناس في الأسفار. فزعم أن هذا الرجل في الحرب يصير نقيض اسمه، لأنه يقتل الناس ويثير الغبار بالخيل فيظلم عليهم الأرض، ويكون فعله في الحرب فعل البدر في الظلم، ثم ذكر في البيت الثاني أنه البدر المنير، ولكنه زحل في موقف الحرب، لأن زحل يزعم المنجمون أنه في صورة الأسود، وهو بطيء السير فكأن هذا الرجل هو كالبدر المنير في الحرب زحل. لأنه لا يسير سيرا سريعا، إذ كان القمر يوصف بسرعة السير وهو كوكب نحس يكثر الهلكة، وبعض الناس يذهب إلى أن زحل ملك الموت.

ومن التي أولها: بقائي شاءَ لَيْسَ ارْتحِالا قوله:

فَما حاوَلْتُ في أرْضِ مُقاماولا أزْمَعْتُ عَنْ أرْضٍ زَوَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال ابن جني: يقول إذا كان ظهره كالوطن لي، فأنا وإنْ جئت البلاد كالقاطن في داره، ولأني أقطع الأماكن فلست مقيما في الحقيقة.

وقال ابن فورجة: كأن أبا الطيب أراد بهذا البيت الإلغاز، وإنما يريد أني إذا جعلت أرضي فتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرض ولا ارتحلت عن أرض وقد تقدمه قوله:

الفِتُ تَرَحُّلِي وجعلْتُ أرْضِيقُتُودِي والغُذَيْرِيّ الجُلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

لأنه إذا كانت أرضه القتود، فهو لا يزول عن أرضه أبدا، وإذا كان يترحل أبدا فهو لا يريد مقاما في أرض، ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز، وذاك أنه يريد إذا كان مسافرا أبدا لا يقيم في بلد ولا مكان، فكيف يكون مزمعا زوالا عن أرض، إنما كان إزماعه حين ارتحل منها، وهو معنى لطيف فافهمه.

سِنانٌ في قَناةِ بَني مَعَدّبَنِي أسَدٍ إذا دَعَوُا النّزَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال ابن جني: بني أسد منصوب لأنه منادى مضاف، ومعناه أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء يا بني أسد، ليقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان مركب في قناتهم، لأنهم إذا دعوهم أرهبوا الأعداء، وأغنوا عنهم ومنعوا منهم، ويجوز أن يكون) بني أسد (بدلا من) قناة بني معد (كأنه قال: سنان في بني أسد الذين هم قناة في بني معد، يريد بضربهم إياهم، وهذا أقوى من القول الأول.

وقال الشيخ ﵀، يقول بدر سنان في قناة بني معد نسبة إلى معد بن عدنان، وقوله بني أسد يجوز أن يكون بدلا من بني معد، وهو بدل تبعيض؛ لأن بني أسد يرجعون في النسب إلى معد، وهذا كما يقول فلان من بني العباس بن علي بن عبد الله، ويجوز أن يكون نصب بني أسد بإضمار فعل كأنك قلت أعني أو أريد أو نحو ذلك.

يَكُونُ أحَقُّ إثْناءٍ عَليهِعَلى الدّنْيا وأهْلٍيها محُالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال الشيخ: يقول كل ما يوصف به المكارم والأفعال الجميلة يكون حقا وإذا وصف به أهل الدنيا كان محالا، فإذا قيل هو كريم فالقائل صادق محق، وإن قيل إن غيره كريم فالقائل كاذب محيل، وكذلك إن أثنى عليه بالشجاعة والحلم وغيرهما مما يحمد.

جَوَابُ مُسائٍلي ألَهُ نَطِيرٌوَلا لَكَ في سؤالِكَ لا، ألا، لا

قال الشيخ ﵀: يقول للسائل عن الممدوح أله نظير؟ لا، أي لا نظير له ويقول للسائل: ولا لك نظير أيضا جلها في ظنك أن له نظيرا، وقد كرر أبو الطيب) لا (في قوله هكذا هكذا وإلا فلا لا، والكلام قد تم عند قوله) في سؤالك (فجاء) بلا (ثانية توكيدا ثم لم يرض بذلك حتى قال: ألا سائل لا، فإن كان أراد هذا الغرض فليس بالحسن، وأسهل منه أن يصرف إلى معنى آخر وذلك أنهم يقولون ما بفلان من الإضلال وتلإلال، فيجعلون الإلال كالإتباع وتابع الشيء في معناه أو قريبا منه، فكأنه على هذا الوجه قال ولا لك في سؤالك، فتم الكلام أي لا ضلال، فأما أن يكون أراد لا يضل أيها السائل ضلالا، أو يكون نفى الضلال عن الناس أن يظنوا بمن مدح هذا الظن.

يفارِقُ سَهْمُكَ الرَّجُلَ المُلاقِيفِراقَ القَوْسِ ما لاقَى الرّجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال الشيخ: يقول إذا لقي سهمك رجلا نفذ فيه سريعا لفراقه القوس، أي أنه لا يثبت في الرجل، ولكنه يعبر الرجال شيئا فشيئا ما لقي رجلا.

ومن التي أولها:

في الخّدّ أنْ عَزَمَ الخَليِطُ رَحيلامَطرٌ يَزيدُ بهِ الخُدُودُ بهِ الخُدُودُ مُحُولا

قال الشيخ: يقول إذا عزم الخليط رحيلا بكة المحب بكاء مثل المطر، إلا أنه لا ينبت العشب كغيره من الأمطار، والخدود يزيد محلها به، وقال بعض الشعراء ويقال إنه ليموت بن المزرع:

لَو يَنبتُ العُشبُ مِنْ دُموعٍلكانَ في خَدَّيَ الرًّبيعُ
يا قمراً غابَ عَن عَيانِيالله قُلْ لي متى الرُجوع
كمْ زَفَراتٍ وكمْ دمُوعٍيا عَينُ هّذا هو الفَطِيعُ
أعْدَى الزَّمانَ سَخَاؤهُ فَسَخا بِهِولقدْ يكُونُ بهِ الزَّمانُ بَخيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

قال ابن جني: أي تعلم الزمان من سخائه فأخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذي أفاد منه لبخل على أهل الدنيا، فلم يظهره واستبقاه لنفسه، وفي هذا شيء يسأل عنه فيقال أنه في حال عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا في موجود، فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم؟ فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ما يكون فيه من السخاء إذا وجد، فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد وجوده، ولولا ما تخيله فيه لبقي أبدا بخيلا به والشيء إذا تحقق كونه لا محالة أجري عليه في حال عدمه كثير من الأوصاف التي يستحقها بعد وجوده، ألا ترى إلى قوله تعالى) إني أراني أعصر خمرا (.

وقال ابن فورجة: قد جود الشيخ أبو الفتح ﵀ فيما أتى به، غير أنه قد يمكن تفسيره على وجه أقرب من هذا يخرجه من هذا التبعيد، وهو أن يقال: مراده فسخا به علي، يريد اتصاله به وانضمامه إلى جنبته، يقول قد كان الزمان بذلك بخيلا علي فأعداه سخاء الممدوح فسخا به فوصلني إليه وهذا معنى واضح.

وتَظَنهُ مما يُزمجِرُ نَفْسهُعنها لشِدَّةِ غَيْظِهِ مَشْغُولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

قال ابن جني: أي تظنه نفسه مشغولا عنها وقال الشيخ ﵀: الأجود أن يرفع نفسه لأنها فاعلة تظن أي الأسد تظنه نفسه مشغولا عنها باتصال الزمجرة لم تجر عادتها أن تتعدى إلى مفعول.

قال ابن فورجه:) نفسه (رفع على تأويلين أحدهما: أن تكون فاعلة يزمجر: والثاني: أن تكون فاعلة تظنه، يريد تظنه نفسه مشغولا عنها ما يزمجر، وهذا هو الجيد، وعليه المعول، والأول يكون المراد وتظنه أنت مشغولا عن نفسه بشدة غيظه مما تزمجر نفسه، على أنا قرأناه يزمجر بالياء، وإذا كانت نفسه فاعلة يزمجر روي بالتاء ولم نروه.

سَمِعَ ابنُ عَمَّتِهِ به وبحالهِفَنَجا يُهرْوِلُ مِنْكَ أمْسِ مهولا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ أبو العلاء ﵀: إنما قال الشاعر ابن عمته لأن سمع قول أبي زبيد في صفة الأسد.

أفرَّ عنه بني العَمَاتِ جُرأتُهفكُلّها خَاشِعٌ من ذَاكَ مُكَتنعُ

وليس لابن العمة هاهنا فضل على ابن الخالة.

وقال الاحسائي: قال ابن عمته ليدل على أنه أسد وأمه لبؤة، لأن السباع يلقح بعضها بعضا إلا اللبوة لا تلقح إلا من الأسد، والأسد الذكر يلقح الإناث من غير جنسه، فإذا كان الأسد ابن عمته صح أنه ابن عمه لما ذكرناه، ويجوز أن يكون ابن عمه وأمه من غير الأسد مثل الضبع والببر والنمر والدب وغير ذلك فهذه كلها يلقحها الأسد.

ومن التي أولها: أرَى حُلَلاً مُطَوَّاةً حِساناً قوله:

لَقَدْ ظَلَّتْ أوَاخِرُها الأَعالِيمَعَ الأُولى بِجِسْمِكَ في قِتالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى حللا مطواة حسانا»

قال ابن جني: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه وهذا كقوله أيضا: وتَحْسُدُ الخَيْلُ مِنْها أيَّها رَكبا وقال ابن فورجه: قوله) أواخرها الأعالي (مما يجب أن يوضح غرضه فيه، وذاك أنه يريد أن ثيابه الأعالي هي أواخرها، يلبس إذا أوائلها يلي جسده وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكرة آخر العمل، وآخر العمل أول الفكرة، وإن تأولها متأول بأنها الأعالي، لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى وهكذا يلبس اللابس أبهاها وأرفعها مظاهرا كان جيدا.

وقال الشيخ أبو عبد الله النمري في كتاب الحماسة

لَئِن كان يُهْدَى بَرْد أنيابها العُلَىلأفْقَرَ مِنّي إنَني إنَني لَفقرُ

إنه خص الأنياب العُلىَ لأنّها هي التي يظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت، وهذا كقول الآخر:

إذا ضحِكَتْ شَبَهتُ أنيابَها العُلىَخَنافِسَ سُوداً في صُراةِ قَليبِ

وقال رجل يعرف بأبي مسلم الولادي إنه إنما قال العلى، لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد به كله، فمعنى أنيابها العلى أنيابها كلها، وقال غيرهما من مسرى هذا البيت: إنه قال العلى لأنه أراد الرفع من شأنها، كقولك زيد العلى مضافا وغلام عمرو العلى.

ومن التي أولها: لَكِ يا مَنازِلُ في القُلُوبِ مَنازِلُ

يَعْلَمْنَ ذاكِ ومَا عَلِمْتِ وإنماأوْلاكما يُبكَى عَلَيْهِ العاقِلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ ﵀: يعلمن ذاك أي منازلك التي في الفؤاد يعلمن بحالك وحالهن فهن أواهل بذكرك وأنت مقفرة من ذكر أهلك، ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد وأولاكما بأن يبكي عليه العاقل، يعني المنازل التي في الفؤاد.

وقال ابن فورجة: قوله ذاك يريد هذا الأمر الذي حكاه، يعني إقفارك أيتها المنازل وخلوك من الأحباب وأنت لا تعلمين ذاك، لأنك لا عقل لك، والهاء في " عليه " تحتمل معنيين كلاهما حسن، فأحدهما: يعود إلى ذاك يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ذكرت العاقل منكما وهو الفؤاد.

والثاني: أن تعود الهاء إلى أولى يريد أولاكما يبكي على نفسه، وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى إلا أن فيه زيادة قوله أيضا:

لو كُنتَ تنطِقُ قلتَ مُعْتَذِراًبِي غَيْرُنا بكَ أيُّها الرَّجُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
أبكاكَ أنَّكَ بعْضُ من شَغَفُوالمْ أبْكِ أنّي يَعْضُ مَنْ قَتَلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
تخُلوا الدّيارُ من الظّباءَ وعِنْدَهُمنْ كُل تابِعَةٍ خَيالٌ خاذِلُ

قال الشيخ ﵀: الهاء في) عنده (عائدة على الذي، والذي وصلته مراد بها الشاعر يقول تخلو الديار من الظباء، وعندي من كل ظبية تابعة من ظفر خيال خاذل من قولهم: ظبية خاذلة، إذا تخلفت عن صواحبها لأجل ولدها.

دُون التَّعانُقِ ناحِلينِ كَشَكْلَتيْنَصْبٍ أدَقَّهُما وَضَمَّ الشَّاكل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ: نصب) ناحلين (على الحال من النون والألف في قوله) بنا (لأنه يعني نفسه، والتي ذكرها في النسيب) وضم (هاهنا لا يريد به الضم الذي هو شكل وإنما أراد ضم شكله بالنصب إلى مثلها، يريد أنه والمذكور قد دنا أحدهما من الآخر إلا أنهما دون التعانق لم يصلا إليه

الطيبُ أنْتُ أنْتَ إذَا أصابَكَ طِيبُهُوالمَاءَ أنْتَ إذا اغْتَسَلْتَ الغاسِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

قال ابن جني: نصب) الماء (لأنه معناه وأنت إذا اغتسلت الغاسل الماء إلا أن انتصابه الآن ليس على الغاسل، لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول ألا ترى أنه لا يجوز زيدا أنت الضارب، ولكنه منصوب بفعل مضمر يدل عليه الغاسل فكأنه قال وتغسل الماء إذا اغتسلت.

وقال الشيخ ﵀: الطيب مبتدأ وأنت مبتدأ والغاسل خبر أنت وهو على تقدير الهاء كأنه قال والماء أنت الغاسلة إذا اغتسلت.

ومن التي أولها: لا تحْسَبُوا رَبْعكُم ولا طَلَلَهْ قوله:

أُحِبُّهُ والهَوَى وأَدْؤُرَهُوكُلُّ حُبّ صبَابَةٌ وَوَلَهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقال ابن جني: يجوز أن يكون الهوى في موضع نصب، أي أحب هواه أيضا فيكون قريبا من قوله:

وإني لأَعْشَقُ مِنْ عِشْقِكُمْنُحُولي وُكلَّ امْرِئ ناحِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ويجوز أن يكون الهوى مجرورا، لأنه أقسم به، فكأنه قال والهوى إني لأحبه، كما قال البحتري:

أمَا وهَوَاكِ حلفَةَ ذي اجتِهَادِ

أنا ابنُ مَنْ بَعْضُهُ يَفُوقُ أبا الباحِثِ والنَّجْلُ بْعضُ مَن نَجَلَه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال ابن فورجة: بمثل هذا فليتغلب الخصوم عند الجدال. فلقد احتج لقصور أبويه فما قصر، يقول أنا بعض والدي، لأني منه وجدت، وأنا فوقك أيها الباحث عن أبوتي فضلا وكرما وبأسا، فإذا والدي فوق أبيك كثيرا لأنه قد فضله بعضه، وقد استوعب المعنى بقوله) أنا أبن من بعضه يفوق أبا الباحث (وباقي البيت فضل وتبيين، وزاد هذه الحجة قوة على خصمه بقوله بعده:

وإنَّما يَذْكُرُ الجُدُود لَهُمْمَنْ نَفَرُوهُ وأنْفَذُوا حِيَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

يقول أنا لا أفاخركم إلا بنفسي، وإنما يفتقر إلى المفاخرة بالآباء من لا فخر في نفسه.

أأخْفَتِ العَينُ عِنْدَهُ خَبَراًأمْ بَلَغَ الكَيْذَبَانُ ما أمَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال ابن جني: يعني بالعين الرقيب قال الشاعر:

قَالُوا تَوقَّ دِيارَ الحَيّ إنَّ لهمعَيناً عليك إذا ما نمتَ لم تنمِ
فقلتُ إنَّ دَمي أقصى مُرادِهموما غَلتْ نَظرةُ منها بسَفكِ دَمي

وأنثها لأنه شبه الرقيب بالعين، ويجوز أن يكون أراد العين نفسها فيكون معناه هل يتبين في وجهي ما رابه.

وقال الشيخ ﵀: هذا الاستفهام الذي يقلب الكلام حتى يجعله كالنفي فكأن الشاعر قال: ما لي لا أمدح الحسين، ولم تخف العين عنده خبرا، ولم يبلغ الكيذبان ما أمله لديه، أي أني إذا نظرت إلى الممدوح علمت أنه راض عني، فتبينت عيني ما هو عليه، ويجوز أن تكون العين عين الممدوح وكلا المعنيين قد جاء في الشعر قال الشاعر:

تُبينُ لي عَيْنَاكِ ما القَلْبُ كاِتمٌولا جَنَّ بالبَغْضاءِ والنَّظرِ الشَّزْرِ

والكيذبان في معنى الكذاب يقال بفتح الذال وضمها.

فأَكبَرُوا فِعْلَهُ وأصْغَرَهُأكبَرُ مِنْ فِعْلِه الَّذِي فَعَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

قال ابن جني: أي استكبروا فعله وأصغره هو، فتم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال: أكبر من فعله الإنسان الذي فعله، إنما هو أكبر من فعله، ويقال أكبر الشيء إذا استكبرته.

وقال الشيخ: النصف الأول يحتمل وجهين، الأول: أن يكون في أصغر ضمير عائد إلى الممدوح، فيكون الكلام قد تم ويكون تكبر خبر مبتدأ مقدم، كأنه لما تم الكلام في النصف الأول الذي فعله أكبر من فعله.

والوجه الآخر: أن يكون " أكبر " فاعلا، وتقديره احتقر الفعل رجل أكبر من فعله ويكون قوله: " الذي فعله " نعتا لفعله.

ومن التي أولها: كَدعْوَاكِ كلُّ يَدَّعي صِحَّةَ العَقْلِ قوله:

قَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغَيْثَ خَلَّفَتْوتطلُبُ ما قَدْ في اليدِ بالرّجْلِ

قال ابن فورجة: هؤلاء بنو كلاب أظهروا العصان بعد الطاعة فقصدهم دلير بن لشكروز فأجفلوا من بين يديه عائدين إلى البدو فقال أبو الطيب:

أرَادَتْ كِلابُ أنْ تَقُومَ بَدَوْلَةٍلمنْ تَرَكَتْ رَعْي الشُّوَيْهاتِ والإبْلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أبَى رَبُّها أنْ يترُكَ الوَحْشَ وَحْدَهاوأنْ يُرمِنَ الذَّبَّ الخَبيثَ من الأكُلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

يقول كانت طاعة السلطان غيثا فتركته وعصته ومضت تطلب مواقع الغيث في البدو، وطلبها له سائرة إليه طلب بالرجل وقوله: ما كان في اليد، أي ما كان حاصلا، كقولك: هذا الشيء في يدي أي حاصل عندي

فَلا عَدِمَتْ أرْضُ العِرَاقَينِ فِتْنَةًدَعَتْكَ إليها كاشِفَ الخَوْفِ والمَحْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

قال الشيخ ﵀: العراقان يراد بهما الكوفة والبصرة، وهما مصران وقالوا للجزيرة والموصل الموصلان، وهو من جنس قولهم العمران وكاشف الخوف والمحل يحتمل أن يكون منصوبا على النداء أو الحال.

ومن التي أولها: لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهِديها ولاَ مَالُ قوله:

غَيْثٌ بُبَيَنُ للنُّظَّارِ مَوْقِعَهُإنَّ الغُيُوثَ بما تأتيهِ جُهَّالُ

قال ابن جني: أي الغيث يمطر المكان الطيب والسبخ جميعا، فهو كالجهل منه، وفاتك يعطي من هو أهل العطاء، وهذا ضد قوله في معاتبة سيف الدولة:

وَشَرُّما قَنَصَتْهُ راحَتِي قَنَصٌشُهْبُ البزَاةِ سَوَاءٌ فيه والرَّخَمُ
أنالَهُ الشرَّفَ الأعْلى تَقَدُّمُهُفَما الذي بِتَوّقي ما أتى نَالُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

قال ابن جني: يقول أفضى به تقدمه وجرأته إلى نيل الشرف، فما الذي نال أعداؤه لما توقوا ما أتاه، وأشفقوا على أنفسهم منه، أي فقد غنم بما فعل وخابوا لما خالفوه.

ومن التي أولها: أثْلِثْ فَإنّا أيُّها الطَّلَلُ نَبكِي وَتْرْزِمُ تَحْتَنا الإبلُ قال الاحسائي: أي كن لنا ثالثا يقال: ثلث القوم أثلثهم إذا صرت لهم الثا، وخمستهم أخمسهم، وسدستهم أسدسهم إلى العشرة، تكسر الثالث في المستقبل، إلا في ثلاثة مواضع فإنه يفتح، وهي أربعهم وأسبعهم وأتسعهم وثلثت القوم أثلثهم إذا أخذت ثلث أموالهم، بضم ثالثة في المستقبل من الثلاثة إلى العشرة، فإن أخذت نصف أموالهم قلت نصفتهم أنصفهم، وكذلك الخدمة ومن الإنصاف نصفهم وأنصفتهم أنصفهم.

تمشي عَلَى أيْدي مَوَهِبِهِهِيَ أوْ بَقَيَّتُها أو البَدَلُ

قال ابن جني: أي تلي مواهبه أمر خيله وإبله، فلان على يدي عدل، أي قد ملك أمره عليه، وصار أحق به منه، وقوله) هي (يعني الخيل والإبل وما تبقى منها بعدما وهبه لقوم آخرين، أو البدل منها عينا وورقا أو غير ذلك.

وقال الشيخ ﵀: يقول الذي تأخذه الوفود من خيله وإبله على ثلاثة أصناف، فإما أن تكون موفورة، فهي تسلم إليهم، وإما أن تكون قد بقيت منها بقية منهم المحكمون فيها، أو قد وهبها كلها واستبدل غيرها منهم يأخذون البدل.

فإذا الخميسُ أَبى السُّجُودَ لَهُسَجَدَتْ لَهُ فيهِ القَنَا الُّبُلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: أي إذا عصاه جيش خفض الأسنة لطعنه وقوله) فيه (أي سجدت قنا أبي شجاع في جيش مخالفه.

ومن التي أولها:

ما أجْدَرَ الأيّامَ واللياليبأنْ تَقُولَ ما لَهُ ومَالِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

لا أنْ يكُونَ هكذا مَقالِي قال ابن فورجة: يقول الأيام تتظلم مني: وأنا لا أتظلم منها، والهاء في) ماله (يكون لأبي الطيب، والياء في) مالي (للأيام، ثم قال لا أن أقول أنا ما لها ومالي، لأني أبالي بها ولا أتظلم منها ألا تراه يقول:

وكيفَ لا وإنّما إدْلالِيبفارسِ المجْروُحِ والشَمالِ

وهما كانا لعضد الدولة، يقول: فإذا كنت مدلا بعضد الدولة ثم أتظلم من الزمان ولم يقدر على هضمي وقوله) مالي (قول المتظلم، ألا ترى إلى سحيم يقول:

ألاَ نَادِ في آثارِهنَ الغَوانِياسُقِينَ سِماماً ما لَهُنً ومالِيا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

وإلى قول الآخر يقول:

يا قوم مالي وأبا ذُؤيبِكنتُ إذا أتيتُه عن غَيبِ
يَشُمُّ عِطْفِي وَيَمسُّ ثَوْبِيكأنّما أرَبتُه بريبِ

والبحتري يقول:

مَالِي وللأيَامِ صَرّفَ صَرفُهاحَالِي وأكثرَ في البلادِ تَقَلُّبي

وقد ترك من اللفظ شيئا يدل عليه الكلام، وذاك أنه يريد أن يكون هكذا مقالي لها، لأنك لا تقول ما أجدر زيدا أن يمر عمرو حتى يقول به، فتكون الجملة الثانية عائدة إلى الجملة الأولى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.