من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)
حديث يوم ذي طُلوح (٥)
قال: حاجب وحبيب ابنا حميضة بن بحير بن عامر بن مالك، وهما اللذان أمرا ذا الأهدام بهجاء
شبّة. وقال الفرزدق فيما كان بينه وبين قيس، حين قُتل قتيبة فهجاه جندل بن راعي الإبل، وذو
الأهدام الجعفري، فهجاهما الفرزدق، وهجا جريراً معهما أيضاً فقال:
محَتش الدّيارَ فأذهَبَتْ عَرَصاتهِامحوَ الصحيفَةِ بالبلىَ والمُورِ
قال: العرصة وسط الدار، ومثله ساحتها وباحتها كله بمعنى واحد. قال: والمور التراب الذي تأتي به
الريح الشديد الهبوب. قال أبو عبد الله: أول القصيدة: وروائم ولداً.
رِيحان يختلفان في طَرد الحَصاطَرداً لهُ بِعَشيّة وبُكورِ
ورَوائِم وَلداً ولم يُنتِجْنَهُقد بِتنَ تحتَ وئيّة لِقُدورِ
قوله روائم، يعني عواطف قد تحنين ولداً، يعني الرماد. يقول تحنّت الأثافي عليه، وهن روائم. قال:
وذلك أنه شبهها بالنوق التي ترأمن أولادهن. وقوله لم يُنتجنه، يعني لم يلدنه، يقول: الأثافي لم تلد
ولداً. قال: والوئية القدر العظيمة الحافظة لما فيها. قال: وذلك يقال للمرأة المصلحة الحافظة لبيتها،
إنها امرأة وئية إذا كانت مصلحة.
وكأنّ حيثُ أصابَ مِنهُنّ الصّلَىكَلفٌ بِهنّ وراشِحٌ مِنْ قيرِ
قال أبو عبد الله: ويروى وراسخاً بالخاء معجمة والسين غير معجمة. وراشح وراشحاً وكلف وكلفاً
بالرفع والنصب. الصلى مفتوح الأول مقصور، فإن كسرته مددته. وقوله كلفاً بهن سواداً، وتغير لون
يضرب إلى السواد. يقال قير وقار لغتان، والقار أفصح اللغتين وهما جائزتان.
وكأنّ فَرخَ حمَامَةٍ رَئمَتْ بِهِباقِي الرّمادِ بِهِنّ بعدَ عُصورِ
يقول: كأن فرخ حمامة رئمت به الحمامة. وقوله باقي الرماد بهن، يريد الأثافي. وقوله بعد عصور،
يريد بعد دهور أتت عليه، يريد على هذا الرماد الذي أوقده النازلون ثم تركوه.
مثلُ الحَمامِ وَقَعنَ حولَ حمَامَةٍما إنْ يُبينُ رَمادُها لِبَصيرِ
قال أبو عبد الله: مثل الفراخ وقعن. ويروى لأياً يُبين.
يا لَيتَ شعري إنْ عظامي أصبحتْفي الأرضِ رَهنَ حَفيرَة وصُخورِ
هل تجعلَنّ بَنو تَميم مِنهُمُرَجُلاً يقومُ لهم بِمثلِ ثُغوري
قال: والثغور جمع ثغر، وهو الفرج الذي يخاف منه العدو أن يأتيهم منه. والعورة التي لا يؤمن أن
يأتي منها الذي يخافون. يقول فمن يقوم لتميم بعدي يدفع عنها مقامي.
إنيّ ضَمنتُ لمن أتاني ما جَنىوأبيِ وكانَ وكُنتُ غيرَ غَدورِ
وبِآل سَعد يا ابنَ ألام مَنْ مشىسَعدِ السُعودِ غَلبتُ كُلّ فَخورِ
يعني سعد بن زيد بن تميم.
لو كنتَ تعلمُ ما بِرَملِ مُقَيّدٍوقُرَى عُمانَ إلى ذواتِ حُجورِ
رمل مقيد اسم معروف. وحجور اسم بلد ببلادهم. ويقال حي من
اليمن، أعني حجوراً.
لَعلِمتَ أنّ قبائِلاً وقَبائِلاًمِنْ آلِ سَعدٍ لم تَدِنْ لأميرِ
قال: الدين الطاعة، وقوله لم تدن، يقول لم تُطع أميراً لعزة نفوسهم ومنعتهم.
أدّتْ بِهم نُجبٌ حَواصِنُ حملُهالأب وأمكَ كانَ غير نَزورِ
ويروى وافت بهم. وقوله حواصن هن العفائف من النساء، الواحدة حاصن. ويقال امرأة حصان
مفتوحة الحاء. وقوله وأمك أقسم بأمه باليمين. وقوله لأب يريد كان الأب غير نزور، يريد تميماً.
يقول: كان كثير الولد ولم يكن بنزور. والنزور القليل الولد. يقول: كان تميم كثير الولد ولم يكن
نزوراً. والنجب من النساء اللاتي تلدن كراماً. يقال قد أنجب الفحل، وذلك إذا ولد كريماً.
لوْ كانَ بالَ بِعامِرٍ ما أصبحوابِشَمامَ تَفضُلُهُمْ عِظامُ جَزورِ
يقول لو كان تميم بال بعامر، يقول ولد عامراً، ما أصبحت تفضلهم عظام جزور يأكلونها، لفضل
عظامها، ولم ينموا لقلتهم. ويروى تُشبعُهم عظام.
وإذا الربابُ تَرَبّبَتْ أحلافُهاعَظُمت مخُاطرتي وعزّ نصيري
قوله ترببت أحلافها، يعني اجتمعت كالربابة. قال والربابة خرقة تُجمع فيها السهام، إذا اجتمعت
فضُمت فهي ربابة، ثم نُقل فصار لجماعة الناس فقال: لقد اجتمعت، يعني هم كالسهام المجتمعة،
والأصل في السهام.
إنّا وإخوتَنا إذا ما ضَمّنابالأخشَبَينْ مَنازِلُ التَجميرِ
قال: الأخشبان جبلان بمكة عظيمان معروفان بالضخم.
عَرفَ القبائِلُ أننا أربابهُاوأحَقُها بِمَناسِك التَكبيرِ
ويروى أربابهم وأحقهم بمشاعر.
جعلَ الخِلافَةَ والنُبوة ربُّنافينا وحُرمَة بيتِهِ المَعمورِ
قوله فينا، يعني في خندف. وجعل الإله فيها شرف النبوة والخلافة.
ما مثلُهُنّ يُعدُّهُ في قَومِهِأحدٌ سوايَ بمُنجِد ومُغيرِ
هُنّ المَكارِمُ كُلُهنّ معَ الحَصاغير لقليلِ لنا ولا المَكثورِ
يقول: هذه المكارم كلها لنا مع الحصى، يريد مع كثرة العدد.
وأبي الذي رَدّ المَنيةَ قَبرهُوالسيفُ فوقَ أخادِع المَصبورِ
قوله المصبور، هو المقتول صبرا.
عُرضَتْ لهُ مائةٌ فأطلقَ حَبْلُهُأعناقَها بِكَثيرة جُرجورِ
وإذا أخندِفُ بالمَنازِل مِنْ مِنىًطارَ القبائلُ ثم كلّ مَطيرِ
يقول: إذا دعوت يال خندف. بالمنازل يريد في المنازل، لأن حروف الصفات يدخل بعضها على
بعض، فجاء بالباء، وإنما أراد في، وهذا جائز كثير في القرآن والشعر. قال الله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ
فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. يقول: فإذا دعوت بخندف طار القبائل كل مطير، يقول أجابوني مختلفين بجمعهم.
فَرقاً وإنّ رِقابهُمْ مملوكَةٌلمُسَلّطٍ مَلكِ اليدين كبيرِ
مِنّا النبيُّ محُمدٌ يجلىَ بِهِعنّا العَمَى بمُصَدّق مَأمورِ
خيرِ الذينَ وراءهُ وأمامهُبالمَكرُماتِ مُبشرِ ونذيرِ
إنّ النبوةَ والخلافةَ والهُدَىفينا وأولَ مَنْ دَعا بِطَهورِ
وإذا بَنو أسد رَمَتْ أيديهِمُدوني ورَجّعَ قَرمُهُمْ بِهَديرِ
خَشَعَ الفِحالَةُ تحتَةُ ورأتْ لهُفضلا على مُتفَضّلينَ كَثيرِ
نَجحَتْ كِلابُ الجنّ لمّا أجحَرَتْفَرَقاً لدى مُتَبَهْنسٍ مَضبورِ
قوله متبهنس يريد متبختر، يقال تبختر الرجل في مشيته وتبهنس، وذلك إذا مشى يتبختر في مشيته.
قال: والبهنسة مشية الأسد. قال: ومشية الأسد تبهنس لا يحسن غيرها. وقوله مضبور، يقول هو
موثّق الخلق مجتمعه. قال الأصمعي: وهو من قولهم، اجعل الكتب إضبارة، يريد اجمع بعضها إلى
بعض.
لمّا رأينَ ضلابَةً في رأسِهِأقعَينْ ثم صَأينَ بعدَ هَريرِ
صَأين مثل صعين. والمُقعي المنتصب على استه كما يُقعي الكلب. يقول فعلوا ذلك فرقاً وفزعاً.
والجَعفَريّةُ غير فارِحَةٍ لهاأمُّ لها بِغُلامِها المَسرور
قال: المعنى لا تفرح أم جارية منهم تلد غلاماً. والمسرور يريد المقطوع سرره، يقال سر وسرر.
والسرر الذي يُقطع، والسرة الباقية. نسبهم إلى أن أبناءهم يأتون أمهاتهم.
ويِفرُّ حينَ يَشِبُّ عنها إنْ دَعتْويُريدُ حينَ يموصُ للتِطهيرِ
يقول ابن الجعفرية يفر من أمه حين يشب، إن دعته إلى أن يفجر بها، ويريد إلى احتلم. وقوله حين
يموص، يريد إلى اغتسل وألقى الأذى عنه. وقوله للتطهير، يعنى للغُسل من الجنابة.
سترى مَنِ المُتقَدّمونَ إذا التَقَتْرُكبانُ مُنْخَرقِ الفِجاج قَعيرِ
قوله الفجاج، هى أفواه الطرق، الواحد فج. وقعير يعني بعيداً، له قعر وبُعد وغور بعيد.
أمُلوكُ خِندفَ أم تُيوسُ حَبَلّقيَمذينَ بينَ أكارِع ونُحورِ
قال: الحبلق من الرجال القصير. يقال: التيس نشط، إذا مذى ملأ ما بين يديه ونحره.
يا قَيسُ إنكُمُ وجدتُمْ حَوضَكُمْغالَ القِرَى بمُهَدّم مَفْجورِ
قوله غال القرى، يريد قليل القرى، لا يوجد عنده. قال أحمد بن عبيد: غال القرى، فعل أي ذهب
بما يُقرى فيه. ومن روى غالي فخطأ، لم يدر ما قال. ويشهد على أنه غال على وزن قال، البيت
الذي بعده.
ذَهبَتْ غَوائلُهُ بِما أفرَغْتُمُبِرشاء ضَيّقَةِ الفُروغ قَصير
قوله ذهبت غوائله، هي شقوق في الأرض تغتال ماءه، فيُذهب به في شقوقها. وقوله برشاء ضيقة
الفروغ، هي الدلو، يريد دلوا ضيقة الفروغ. والفروغ ما بين كل عرقوتين، مشدود بها أطراف
العراقي.
إنّ الحِجازَ إذا هَبَطتُمْ دونَهُكُنتمُ غَنيمتَهُ لكُلّ مُغيرِ
ولقد عَجِبتُ إلى هَوازِنَ أصبحَتْمِنّي تَلوذُ بِبَظر أمّ جريرِ
يريد من هوازن، لأن حروف الصفات يدخل بعضها على بعض.
بِئسَ المُدافِعُ عنهُمُ عِلّوذُهاوابنُ المَراغَةِ كانَ شرّ أجيرِ
ويروى لأذوا بها وابن المراغة. ويروى علودها بالدال غير معجمة. ويقال للبظر إذا غلظ وضخم
علود، وعرود، وعرد.
يا ابنَ الخَليّة إنّ حَربي مُرّةفيها مَذاقَةُ حَنظَلٍ وصُبورِ
لو أنّ أمكَ حيثُ أخرجَت أستهاوالحَيضُ بالكعبين كالتّمغير
الرواية بالعقبين. وقوله كالتمغير، شبه دم حيضها على عقبيها بالمغرة. يقول: لا تتنظف من
حيضها، فهو يجري على عقبيها.
أو عادَ أيرُكَ حيثُ كانت أخرَجَتْلحيَيْكَ مِنْ غُرْمولهِا بِزَحيرِ
قال: الغرمول للرجال والدواب، وهو غلاف الذكر. قال بشر بن أبي خازم في تصداق ذلك:
وخنذيذٍ ترى الغُرمولَ مِنهُكَطَيّ الزّقّ عَلّقَهُ التّجارُ
أو كانَ مثلَ هِجاء أمّكَ نَيكُهامثلَين عندَ فَواضِح التعييرِ
قد كانَ في هجر ونَخْلِ محُلّمٍتمرٌ لمُلتَمِس الطعام فَقيرِ
يقول: قد كان في أكلكم تمر هجر، ومحلم، شغل عن هجائي. ومحلم نهر بالبحرين.
وإذا هُمُ جمعوا لهُ مِنْ بُرّهمغَلَثوا لهُ في ثَوبِهِ بشَعيرِ
مِنْ كُلّ أجدَعَ خارجٍ غُرضوفُهُبين الحَواجِبِ والسّبالِ قَصيرِ
الغرضوف الحاجز بين السبال والحواجب. ثم عيرهم بالقصر أيضاً.
وأبوكَ حينَ دَعا بآخِر صوتهِيدعُو إلى الغَمراتِ غيرَ وَقورِ
قوله بآخر صوته، يعني عند انقطاع صوته عند الموت.
وبَنو الهُجيم كأنما شَدَخوا بهِهَدمَ المغَارَة مِن ضِباعِ حَفيرِ
قوله وبنو الهجيم، وذلك أن بني الهجيم كانوا ضربوا الراعي في رأسه. قال: فانتقضت به الضربة
فمات منها. وقوله هدم المغارة، قال: المغارة هي موضع الضبع التي تكون فيه. وحفير موضع تكثر
فيه الضباع.
فرَجعتَ حينَ رَجعتَ ألأمَ ثائِرخَزيانَ لا بِدَم ولا بأسيرِ
لو كنتَ مثلَ أخي القصافِ وسيفهيومَ الشّباكِ لَكُنتَ غير فَرورِ
ضربَ ابنَ عَبلَةَ ضربَة مَذكورَةًأبكى بها وشفى غَليلَ صُدورِ
وبَنى بِها حَسباً وراحَ عَشِيّةًبثيابِ لا دَنِسٍ ولا مَوتورِ
قال أبو عثمان: أخبرنا أبو عبيدة أنه كان من حديث أخي القصاف - قال واسم أخي القصاف وكيع
بن مسعود بن أبي سود بن مالك بن حنظلة - أنّ إياس بن عبلة أخا بني جشم بن عدي بن الحارث
بن تيم الله بن ثعلبة، قتل في مقتل عثمان بن عفان ﵁ مسعود ابن القصاف بن عبد
قيس بن حرملة بن مالك بن أبي سود بن مالك ابن حنظلة. قال: وأبو سود جد بني طهية. قال: وهذا
قول اليربوعي. قال: أسرت بنو تيم الله وكيع بن القصاف، فحبسوه عندهم، فظن بنو حنظلة أنهما قد
قتلا كلاهما، فقال الأحوص، وهو زيد بن عمرو ابن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع،
يرثيهما ويتوعد بني تيم الله:
لتَبْكِ النساء المُرضِعاتُ بِسُحرَةوكَيعاً ومَسعوداً قتيلَ الحَناتمِ
كِلا أخوَينا كانَ فَرعاً دَعامَةولا يُلبِثُ العَرشَ انقِضاضُ الدَعائِم
فلا تَرجُ تَيمُ الله أنْ يجعلوهمادِياتٍ ولا أن يهزما في الهزائمِ
يقول ليس لهما مترك، لابد أن يطلب بهما. هزم له حقه أي وهبه له. قال: فلما أتى هذا الشعر بني
تيم، عرفوا أن بني حنظلة سيطلبونهم بدم مسعود، فخلّعوا سبيل وكيع. قال فلبث بنو القصاف بذلك
ما شاء الله أن يلبثوا. ثم إن فتية منهم خرجوا من الكوفة في عير لهم، حتى إذا ذنوا من الشباك، لقوا
قوماً فسألوهم: من على الماء؟ فقالوا لهم: بنو حارثة بن لام وناس من بني تيم الله بن ثعلبة. قال: فعقل بنو القصاف
رواحلهم، وخلّفوا بعضّم فيها، ومضى بعض حتى انتهى إلى ابن عبلة، فقالوا له:
رحمك الله، إن ناقة لنا ضلّت قُبيل، وهي في إبلك فاردُدها علينا. قال: فقال لغلام له انطلق مع القوم،
فادفع إليهم ناقتهم. فانطلق غلام ابن عبلة معهم، فسأل راعيّه عن ناقة القوم، فقال: ما رأيتها. وهذه
الإبل فانظر. قال: فنظر الغلام فلم ير شيئا، فرجع إلى مولاه، ورجع بنو القصاف، فقال لهم ابن
عبلة: ما صنعتم؟ قالوا غيّب راعيك ناقتنا، فقم معنا إليه. فقام معهم ابن عبلة، حتى إذا نحوه عن
الماء، شد عليه رجل من بني القصاف، ثم نادى يا ثأرات مسعود! فقتله وخضب عمامته بدمه. قال:
فغضب بنو حارثة بن لام وقالوا: قتلوا جارنا، ولا تزال العرب تسبنا به إن فاتونا. قال: وطلبوا بني
القصاف، وهم نفير وعلى الماء جماعة من بني حارثة بن لام، قال: فترك بنو القصاف رواحلهم
ومضوا مخضوبة بالدم، حتى أتوا بها بني طهية، فسألوهم عن ركابهم فقالوا: تركناها في أيدي بني
حارثة. فقال الأسلع بن القصاف في ذلك:
فِدىً لامرئ لاقى ابنَ عبلةَ ناقتيوراكِبُها والناسُ باقٍ وذاهبُ
عدا ثُمّ أعداهُ على الهَولِ فتيةٌكِرامٌ وأسيافٌ رِقاقٌ قَواضِبُ
ولم يحَفلوا ما أحدثَ الدهرُ بعدهاوما كشفَ الناسَ الأمورُ الشواعِبُ
ولم نَروَ حتى بَلّ أسيافَنا دَمٌيُداوَى بهِ قَرح القُلوبِ الجَوالِبُ
فما الناسُ أردوهُ ولكنْ أقادَهُيدُ الله والمستنصرُ اللهَ غالِب
شفى سَقماً إنْ كانتِ النفسُ تَشتفيقتيلٌ مصابٌ بالشّباكِ وطالِبُ
شفى الدّاء وابيضّتْ وجوهٌ كأنماجَلى النفسَ عنها وهيَ سُودٌ كوائِبُ
لعمري لقد ردّتْ عَشيّةُ مثقَبغليلاً فساغتْ في الحُلوقِ المشارِبُ
فأبَلغْ بني لامٍ إذا ما لقيتهموما شاهدٌ يُدعى كمن هو غائبُ
فهل أنتمُ إلا أخونا فتحدَبواعلينا إذا نابتْ علينا النوائبُ
ولو أننا كنّا على مثلها لكملابتْ إلى أربابهنّ الرّكائِبُ
لما بَرِحَتْ حتى أنيخَتْ إليكمُجميعاً وحتى حُلّ عنها الحقائبُ
فإن رِحالَ القومِ وسطَ بُيوتِكُمْوللجار معروفٌ منَ الحقّ واجِبُ
فلما أتى بني حارثة هذا الشعر سرهم، وقالوا: مالنا على ركابكم من سبيل، قوم أدركوا بثأرهم، ولهم
جوار، والذي بيننا وبينهم حسن. فردوا على بني القصافر كابهم، وطاح ابن عبلة - يعني ذهب دمه
باطلا - ولم يُدرك بثأر.
رجع إلى شعر الفرزدق
ما بِتّ ليلَكَ يا ابنَ واهِصَة الخُصَىرَهناً لمُحمِضَةِ الوطابِ خُبورِ
لمحمضة، كذا رواه سعدان، وهو غلط، وإنما هو لمخمطة الوطاب. يقال قد أخمط الوطب إذا أخذ
طعم الحموضة. وأنشد لابن أحمر:
وما كنتُ أخشى أن تكونَ مَنيتيضرَيبَ جِلاذِ الشّولِ خمطاً وصافيا
يقال أحمض الوطب. وقوله محمضة الوطاب، قال: الوطاب جمع وطب، وهو الذي يكون فيه اللبن.
يقول قد أخذت الوطاب الطعم من الحموضة. وقوله خبور، هي الكرام من الإبل التي خبرها محمود،
وهي الغزار، يريد الكثيرة اللبن، واحدها خبر.
يا بَني حمُيضَةَ إنما أنزاكُمافي الغَي نَزوةَ شِقوَةٍ وفُجور
ويروى للحين نزوة. ابنا حميضة، يعني حاجباً ونافعاً.
العاوِيانِ إليّ حينَ تَضرّمَتْناري وقد ملأ البلادَ زَئيري
قوله العاويان جعلهما الفاعلين، أي هما أنزياهما، والعاويان ليسا بابني حميضة، فيجب لعاويين
النصب. وابنا حميضة من بني عامر ابن مالك مُلاعب الأسنة. والعاويان جندل بن عبيد بن حصين
الراعي، وذو الأهدام، وهو نافع بن سوادة بن مالك بن عامر بن مالك بن جعفر. وابن حميضة حبيب
وحاجب ابنا حميضة بن بحير بن عامر ابن مالك بن جعفر.
حينَ اعتزمتُ ولم يكن في موطنيسَقَطٌ ولُفّعَ مَفرقي بقَتيرِ
قوله لُفّع يقول لُحف، يقال من ذلك تلفّع الرجل، وذلك إذا لحف رأسه بردائه. قال: والقتير الشيب.
قال: واللفاع الملحفة، وقوله لُفّع مأخوذ منه.
وجَريتُ حينَ جَ رَيتُ جريَ محافظمَرحِ العِنان منَ المائينَ ضَبورِ
قوله من المائين، يعني مائة غلوة يريد البعد. قال والضبور يريد الوثوب، يقال من ذلك ما أحسن
ضبر الفرس، وذلك إذا كان جيّد الوثوب.
ولقدْ حَلفتُ على يمينٍ بَرّةبالراقصاتِ إلى منيً وثَبيرِ
قال: الراقصات الإبل التي يسار عليها إلى البيت الحرام. وثبير جبل.
فلتُقرَعَنّ عَصاكُما فاستَسمعالمُجرّبِ الوَقَعاتِ غيرِ عَثورِ
قَبحَ الإلهُ عَصاكُما إذ أنتمارِدفان فوقَ أصَكّ كاليَعفورِ
قوله أصك هو الفرس الذي إذا مشى اصطكّت ركبتاه، وهو عيب في الخيل وذلك من ضعف
ركبتيه. قال: واليعفور الظبي تعلوه حمرة. قال الأصمعي: وذلك للزومه الرمل الأحمر فيحمر لونه
لذلك، وفي عنقه قصر.
لولا ارتدافُكُما الخَصيّ عَشيةيا بْنَي حمُيضَة جِئتُما في العيرِ
قوله جئتما في العير، يقول قُتلتما فجئتما على بعير، ولكن نجّاكما ارتدافُكما فرساً خصيا. والمعنى
فيه أنه عيّر بني جعفر بما لقوا من الضباب. يقول: يوم عرجة قُتل منهم سبعة وعشرون رجلا،
قتلتهم الضباب، فجاءت نساء بني جعفر فحملن قتلاهم على البعير. يقول: ونجّى ابني حميضة أنهما
ارتدفا الخصي، ولولا ذلك لقتلا.
لَتَعرّفتْ عِرساكما جَسديكُماعِدلَينِ فوقَ رِحالَةٍ وبَعيرِ
راخاكُما ولقد دَنتْ نفساكُمامنهمْ نِقالُ مُقرّب محضيرِ
يقول يحسن نقل قوائمه. وقوله راخاكما، يعني باعدكما منهم يريد من الضباب. وقوله نقال مقرب
محضير، يعني فرساً له تقريب في عدوه. قال: وإذا قرّب الفرس في عدوه كان أبقى لعدوه، ولا يفعل
ذلك من الخيل إلا الجواد النجيب منها. ومحضير شديد العدو وشديد الإحضار.
نَجّاكُما حلبٌ لهُ وقَفِيّةٌدونَ العِيال لهُ بكُلّ سَحورِ
قوله نجاكما حلب له، يعني لبناً حليباً للفرس يُسقاه لكرمه، يؤثر به ويخص دون العيال بالأسحار،
قال والقفية شيء يؤثر به الشيخ والصبي من الطعام والشراب، وجعله، هاهنا، للفرس يحيّي به
الفرس، كما يحيي به الشيخ والصبي.
وبَنو الخَطيمِ مجُرّدو أسيافهِمضرباً بِلاحِقَةِ البُطون ذُكورِ
قَتلوا شُيوخَكُمُ الجَحاجِحَ بعدمانَكحوا بَناتِكُمُ بغَيرِ مُهور
قال: وذلك أن الضباب قتلوا من بني جعفر رجالاً وسبوا النساء. قال: وهي وقعة مشهورة بطخفة
والريان في العرب. قال أبو عبيدة: وفي يوم طخفة يقول الحارث بن رومي بن شريك - كان يسمى
الحارث بن بدر بن جُعثمة بن الهون بن عسير بن ذكوان بن السيد بن مالك بن سعد بن ضبة - وهو
يُحضض بني كلاب على الضباب، وذلك بما صنعوا ببني جعفر، ويعيرهم بذلك:
بَلّغْ كِلاباً عَمرَها ووحيدَهاوحَيّ أبي بَكر وحِلفَ أبي بكر
عمرو والوحيد وأبو بكر من بني كلاب. ويقال عمرو هو ابن الوحيد.
وحَيّ النُفاثاتِ الذينَ غَناؤهُمْقليلٌ وعاشوا في المَذلّةِ والفَقر
بما لمْتُهم في جعفر إذ أصابهُمحوادثُ أيامٍ كَراغِيَةِ البَكرِ
فلم يمنعوهُم من رجالٍ تُريدُهمبأسيافِهم وبالرُدَينيّةِ السُمرِ
أقرّوا على ما ساء عيناً فأصبحواأحاديثَ ما بين العراقِ إلى مصرِ
بَني عامرٍ لا تأخذوا من سرَاتِكُمدِياتٍ ولا تُغضُنّ عَيناً على وترِ
ولا تتركوا أثآركم ونساؤكمأيامى تُنادي كلما طلعَ الفجرُ
قوله نساؤكم أيامى، يعني بلا أزواج. قال: ومثل من أمثال العرب إذا دعوا على رجل قالوا: "ما له
أمَ وعامَ". يريدون بقي بلا امرأة. وقولهم عام يريدون بقي بلا لبن، أي لا تبقى له ماشية ولا ناقة.
تركتُم لأفراسِ الضبابِ نساءكُموما قَتلوا منكم بطخْفَةَ كالجُزرِ
وهُنّ بهم يَعدونَ ما بينَ محدثإلى عسعسَ يتركْنَكُم سَوءةَ الدهرِ
فلله عينا مَن رأي مثلَ رُفقَةأتيتُمْ بِها ليست بِعيرٍ ولا تجرِ
بِطِخفَةَ مِن قَتلاكُمُ أخواتهُاحَواسرُ بيضٌ مِن عَوانٍ ومِن بِكرِ
قال: لأنهم قُتلوا جميعاً في يوم واحد كالقوم المجتمعين. وقوله أخواتها، يعني أخوات الرفقة القتلى.
حَواسرُ مما قد رأت فعُيونهُاتَفيضُ بماء لا قليلٍ ولا نَزرِ
وأفلَتَ مِنهُنّ الحُمَيرِّ بعدماقَتلنَ إباساً ثم عُدنَ إلى عَمرِو
ويروى على عمرو. قال الأصمعي: كل هؤلاء جعفريون.
ولم يَنجُ منهنّ الهُريمُ وقد رأىبَنو خَلَفٍ منهن قاصمَةَ الظهرِ
في رواية عثمان بن سعدان الهذيم بالذال.
رجع إلى شعر الفرزدق:
وإذا اختَللنَ فأحمِضوا أحراحَهاكَمَراً بناتِ حميضةَ بنِ بَحيرِ
يريد من الخلة، وذلك لأن الراعية إذا أكلت الخلة، مالت إلى أكل الحمض، وهو ما ملُح من النبت،
فترعى فيه حتى تشتهي الخُلة، فترجع إليها.
قال: وبحير بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب.
الوالِداتُ وما لهُنّ بُعولَةٌوالقاتلاتُ لهن كل صغيرِ
والمُدلجِاتُ إذا النجومُ تغوّرتْوالتابعاتُ دُعاءَ كل صفيرِ
يريد يصفر بهن للريبة.
وإذا المُنى جمحتْ بهن إلى الهوىمنهن حينَ نَشرنَ كل ضميرِ
مالتْ بهن ضَوارِبٌ أفواهُهايخلِجنَ بين فياشِلٍ وأيورِ
والجعفريّةُ حينَ يحتلمُ ابنُهالأبيهِ في الخلواتِ شرُ عشيرِ
حتى تُفارقَ زوجها من جعفرٍفيهم كريمةُ عودِها المَعصورِ
إنّ المخازيَ لم تدعْ من جعفرٍحيّاً وقد وردتْ على المقبورِ
هل تعرفونَ إذا ذكرتم قُرزُلاًأيامَ ندّ بفارسٍ مذعورِ
إذ لا يودُ بهِ طُفيلٌ أنهبالجوّ فوقَ مدرّبٍ ممطورِ
يقول: لا يتمنى طفيل أنه على صقر قد دُرب للصيد عن فرسه، أي إن فرسه أسرع منه.
إذ هامةُ ابن خويلد مقصومَةٌوجَعارِ قد ذهبت بأيرِ بَحيرِ
جاءت بهِ أصُلاً إلى أولادِهاتمشي بهِ معها لهم بعشيرِ
قوله تعشير، يريد صوت الضباع، كما يعشّر الحمار، وذلك إذا صاح عشراً. وقوله بعشير بقسم منه.
وقوله فارس قُرزل يعني طفيل بن مالك بن جعفر. قال: وذلك أنه فر من بني يربوع في يوم ذي
نجب على فرسه قرزل. قال: وله يقول أوس بن حجر:
والله لولا قُرزُل إذ نجالكانَ مثوى خدّكَ الأخرَ ما
نَجّاكَ جيّاشٌ هَزيمٌ كماأحميتَ وسطَ الوَبرِ المِيسما
قال أبو عبيدة: الأخرم منقطع الكتف في العاتق، يريد لضربت به عنقك، فوقعت على الأخرم. قال:
وقال الأصمعي: بل هو الأخرم من الأرضين، وهو الأرض الغليظة. وقوله جيّاش، هو الشديد
الجري السريع، كأنه مشتق من القدر إذا جاشت بالغلي. يقول: فهذا الفرس يجيش بجريه، كما تجيش
القدر بغليانها. والهزيم كذلك أيضاً. يقول: يجيش ويهزم، يعني يصوّت صوتاً كغلي المرجل. وقوله
كما أحميت وسط الوبر الميسما، يعني به السرعة. يقول: هذا الفرس يلتهب في عدوه كما يلتهب
الميسم، وهي الحديدة تُحمى بالنار حتى تصير كالجمرة، ثم توضع على جلد البعير علامة، والميسم
بالسين
والشين. قال: والأصمعي يقول: معناه أنه سريع الجري، فسرعة هذا الفرس، كسرعة ممر
هذا الميسم في جلد البعير ووبره. وهو قول أبي عبيدة أيضاً. وقال أوس لطفيل بن مالك في يوم
السوبان:
لَعَمرُكَ ما آسى طُفيلُ بنُ مالكٍبَني عامر إذ ثابتِ الخيلُ تدّعي
وودّعَ إخوانَ الصفاء بِقُرزُلٍيمرُ كمريخِ الوليد المُقَزّعِ
قوله كمريخ الوليد، قال: هو قضيب يجعل الصبي في أعلاه تمرة وطينة تُثقله، ثم يرمي به بغير
ريش، وهو شبيه بالمعراض، لأنه ليس فيه ريش، وكذلك المعراض. وقوله ابن خويلد هو يزيد بن
الصعق - قال: والصعق هو خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب - أسره أنيف بن الحارث بن
حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، بعد ضربة أصابته على رأسه في الحرب، ثم أسر بعد
ذلك. وله يقول أوس بن غلفاء الهجيمي في يوم ذي نجب:
فأجرِ يزيدُ مذموماً وأنزِعْعلى عَلبٍ بأنفكَ كالخِطامِ
وإنّكَ من هجاء بني تميمكمُزدادِ الغرامِ إلى الغرامِ
همُ مَنّوا عليكَ فلم تُثبهُمْفتيلاً غير شَتم أو خصامِ
وهم ضربوكَ ذاتَ الرأسِ حتىبدت أمُ الفِراخ منَ العِظامِ
قال: وبحير الذي ذكر، هو بحير بن عبد الله بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن
صعصعة. قال أحمد بن عبيد: حميضة ابن بحير بن عامر بن مالك لا شك فيه، وليس بالقشيري.
أمْ يومَ بادَ بنو هِلالٍ إذْ همُبالخيلِ مُكتنفونَ حولَ وُعورِ
قال أبو عبيدة: وذلك لأن بني نهشل قتلوا من بني عامر ثمانين كهلا، وذلك يوم الحبل من الدهناء.
باتوا بِمُرتَكُم الكَثيبِ كأنهمُبالقومِ يقتسمونَ لحمَ جَزورِ
والعامريَّ على القِرى حينَ القِرىوالطعنِ بالأسلاتَ غيرُ صبورِ
أبُنَيّ بَروَعَ يا ابنَ ألأم من مشَىما أنتَ حينَ نَبحتني بِعَقورِ
قوله أبني بروع، قال أبو عبد الله: يريد بقوله بروع الناقة التي ذكرها الراعي في قوله: يشلي
العفاس وبروعا.
وإذا اليمامةُ أتمرتْ حِيطانهُاوقعدتَ يا بنَ خَضافِ فوقَ سريرِ
قوله يا بن خضاف، يعني مهاجر بن عبد الله الكلابي، وكان على اليمامة، وذلك في خلافة هشام
والوليد، وكان واليها.
لَوّيتَ بي شِدقَيكَ تحسبُ أننيأعيا بلَومِكَ يابنَ عبدِ كَثيرِ
ويروى حنكيك. قال: يعني كثير بن الصلت الكندي. ويقال إنه كان سبب المهاجر بن عبد الله إلى
بني أمية حين خلطه بهم.
فأجابه جرير فقال:
سَقياً لنَهى حمامةٍ وحَفيرِبسجالِ مُرتجَزِ الربابَ مَطيرِ
سَقياً لتلكَ مَنازِلاً هَيجَننيوكأنّ باقيهُنّ وحيَ زَبورِ
كم قد رأيتُ وليسَ شيءٌ باقياًمن زائرٍ طَرفِ الهوى ومَزورِ
وجدَ الفرزدقُ في مساعي دارِمٍقِصراً إذا افتخروا وطُولَ أيورِ
لا تفخَرَنّ وفي أديمِ مجاشِعٍحَلَمٌ فليسَ سيورُهُ بسُيورِ
أبُنيّ شِعرَةَ لم نجد لمُجاشِعحلماً يُوازِنُ ريشةَ العُصفورَ
إنا لَنعلَمُ ما غدا لمُجاشِعوفدٌ وما ملكوا وثاقَ أسيرِ
ماذا رجوتَ منَ العُلالَةِ بعدمانُقضَتْ حِبالُكَ واستمرّ مريري
إن الفرزدقَ حين يدخلُ مسجدارِجسٌ فليسَ طَهورُهُ بطهور
إنّ الفرزدقَ لا يبالي محرماودمَ الهَدِيّ بأذرُعٍ ونُحورِ
أمسى الفرزدقُ في جَلاجِلِ كُرّجِبعدَ الأخيطلِ زوجةً لجريرِ
رَهطُ الفرزدقِ منْ نصارى تغلبٍأو يدّعي كذباً دَعاوَةَ زورِ
حُجُّوا الصليبَ وقَرِبّوا قُربانكموخذوا نصيبكم منَ الخنزيرِ
إني سأخبرُ عن بلاء مجاشعمَنْ كانَ بالنّخَباتِ غيرَ خبيرِ
أخزى بني وقبانَ عُقرُ فتاتهمواغترّ جارُهمُ بحبلِ غُرورِ
لو كانَ يعلمُ ما استجارَ مجاشعاًأستاهَ مماحَةٍ هوارِمَ خُورِ
قالَ الزبيرُ وأسلمتهُ مجاشعٌلا خيرَ في دَنسِ الثيابِ غَدورِ
يا شَبّ قد ذكرت قُريشٌ غدركمبينَ لمُحَصّب مِنْ مِنىً وثَبيرِ
وغدا الفرزدقُ حينَ فارقَ منقَراًفي غيرِ عافيةٍ وغيرِ سُرورِ
غمزَ ابنُ مُرّةَ يا فرزدقُ كَينَهاغمزَ الطبيبِ نَغانِغَ المَعذورِ
النغانغ واحدتها نُغنغة، وهو لحم أصول الآذان من داخل الحلق، فيصيبها وجع فتغمز. والعُذرة قرحة
تكون في الحلق.
خَزيَ الفرزدقُ بعدَ وقعةِ سَبعةكالحُصنِ مِنْ وَلدِ الأشدّ ذُكورِ
تُرضي الغُرابَ وقد عقرتُم نابَهُبنتُ الحُتاتِ بمحبَسٍ وسريرِ
ويروى بنت القرين قال: والقرين عبد الله بن حكيم المجاشعي. قال والغراب، يعني رجلا، وقد مر
حديثه فيما مر من الكتاب.
قالت فَدَتكَ مجاشعٌ فاستَنشَقتمن مَنخريه عُصارَةَ القَفّورِ
قوله القفور يريد الكافور.
أمّتْ هُنيدةُ خِزيةً لمجاشِعإذ أولمت لهمُ بِشرّ جَزورِ
ودَعتْ غَمامةُ بالوَقيطِ مجاشعاًفوجدتَ يا وقبانُ غيرَ غَيورِ
كذبَ الفرزدقُ لن يجاريَ عامراًيومَ الرهان بِمُقرف مَبهورِ
فانهَ الفرزدقَ أن يعيبَ فوارِساًحملوا أباهُ على أزَبّ نَفورِ
ولقد جهلتَ بِشتمِ قيسٍ بعدماذهبوا بريشِ جناحكَ المكسورِ
قيسٌ وجَدُ أبيكَ في أكيارِهقُوّادُ كُلّ كَتيبةٍ جمهورِ
وجد على الخبر لا على القسم:
لن تُدرِكوا غطفانَ لو أجريتُمُيا بنَ القُيونِ ولا بني منصورِ
يريد غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان. قال: ومنصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس بن عيلان
بن مضر.
فَخَروا عليكَ بكلّ سامِ مُعلِمفافخرْ بصاحِبِ كلبتين وكيرِ
قوله بكل سام، يريد بكل رجل يسمو إلى المعالي ويعلو في طلب الأمور. وقال المعلم، الذي إذا قاتل
أعلم نفسه بعلامة ليُعرف مكانه وبلاؤه.
كم أنجبوا بخليفةٍ وخليفةٍوأميرِ صائِفَتَين وابنِ أميرِ
ويروى وأمير طائفتين. يعني أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك. قال أبو عبد الله: يقال لها ولاّدة،
وهي أم الوليد بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة. وأم الوليد بن يزيد بن عبد
الملك، أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل. يقول: أفخر أنا بهؤلاء، وتفخر أنت
بالكلبتين والكير.
ولدَ الحَواصنُ في قريشٍ منهمُيا رُبّ مكرُمَةٍ ولدنَ وخيرِ
فضلوا بيومِ مكارِمٍ معلومَةٍيومِ أغرّ محجّلٍ مشهورِ
قيسٌ تبيتُ على الثغورِ جيادُهموتبيتُ عندَ صَواحِبِ الماخورِ
هل تذكرونَ بلاءكُمْ يومَ الصفاأو تذكُرونَ فَوارسَ المأمورِ
يوم الصفا يريد يوم شعب جبلة. قال: ويوم المأمور، هو يوم لبني الحارث بن كعب على بني دارم،
أصابوا فيه أمامة وزينب. وفي هذا اليوم يقول جرير:
أزيدَ بنَ عبدِ اللهِ هلاّ منعتُمُأماَمَةَ يومَ الحارِثيّ وزينبا
ووَدّتْ نساء الدارِميّينَ لو نزىعُتيبةُ أو عاينّ في الخيلِ قَعنبا
أو دُختنُوسَ غَداةَ جُزّ قُرونهُاودَعتْ بِدعوةِ ذِلّةٍ وثُبورِ
قال: كانت دختنوس بنت لقيط، حين بلغها مهلك أبيها يوم الشعب، جزت قرونها على أبيها، وذلك
قول زوجها عمرو بن عمرو بن عدس، وكانت دخنتوس يومئذ مملكة، لم يكن دخل بها زوجها بعد -
ويقال إن أباها قال هذا الشعر -.
يا ليتَ شعري عنكِ دُختَنُوسُإذا أتاها الخبرُ المُرموسُ
أتحلِقُ القُرونَ أم تمَيسُلا بل تميسُ إنها عَروسُ
وقوله لا بل تميس، يقول: لا بل تتبختر، يقال مرّت المرأة تميس ومر الرجل يميس يتبختر.
إنّ الضباعَ تَباشرت بخُصاكُمُيومَ الصفا وأما عِزِ التسريرِ
التسرير اسم واد معروف قريب من شعب جبلة.
حانَ القُيونُ وقدّموا يومَ الصفاوِرداً فغُوّرَ أسوأ التغويرِ
وسَما لقيطٌ يومَ ذاكَ لِعامرٍفاستنزلَوهُ بلَهذَمٍ مطرورِ
قوله بلهذم هو السنان الحاد. والمطرور المجلو المحدد أيضاً.
وبِرَحرَحانَ غَداةَ كُبّلَ معبدٌنكحوا بناتِكُمُ بغيرِ مُهورِ
قال: وقد مر حديث رحرحان فيما أمليناه من الكتاب.
فيما يسوء مجاشِعاً زبدَ أستِهاحتّى المماتِ تَرَوّحي وبُكورِي
قال أبو عثمان: حدثنا أبو عبيدة قال: قال أعين بن لبطة وجهم بن حسان: كان جناب بن شريك بن
همام بن صعصعة بن ناجية بن عقال، قد نكح بنت بسطام بن قيس بن أبي بن ضمرة بن ضمرة بن
جابر بن قطن بن نهشل. قال: فقيس والمجشر ابنا أبي، وطارق ابن مالك بن قيس بن أبي. قال:
فنزل جناب بن شريك مع بني قطن بن نهشل بلصاف، ووقع بينه وبينهم كلام، ففاخره حكيم وربعي،
ابنا المجشر بن أبي بن ضمرة بن جابر، فأمهل حتى إذا وردت إبله، وكانت ثمانين، وقعدت
المجالس، وتجمع الناس، وشربت الإبل أمر عبداً له خُراسانياً كان راعيها، فجعل يحبسها عليه، فلما
اجتمعت الإبل، حمل عليها بالسيف فعقرها. قال أبو مُطرف زبّان: فأرادت بنو نهشل أن تعقر كما
عقر. فقال لهم الناس: أتعاقرون آل صعصعة! والله لئن عقرتم مائة، ليعقرن جناب مائة، وليعقرن
الفرزدق مائة بالبصرة، ومائة بالكوفة، ومائة بالمدينة، ومائة بالموسم، ومائة بالشام، فلتكفن بعد ما
تُغلبون وتُحربون، فلا تفعلوا، وإنكم أن تكفوا ولم تُرزأوا، أمثل من أن تكفوا وقد أحربتم. قال: فكفوا
عما أرادوا أن يفعلوا من المعاقرة، وعلموا أن رُشدهم في الكف. قال، فقال أعين: فبينا جناب يشد
على إبله بالسيف، إذ وقعت رجل ناقة منها في أطناب بيت فتاة من بني نهشل، فتهكته. فقالت: لعلك
تظن أن عقرك يُذهب لؤمك؟ فقال: لا أشتم ابنة العم، ولكن دونك فكلي من هذا اللحم. وبلغ الخبر
الفرزدق وهو بالبصرة، فقال الفرزدق:
بني نهشل أبقوا عليكم ولم تَرواسَوابِقَ حامٍ للِذّمارِ مُشهّرِ
ويروى أبقوا عليها. ويروى مواقف حام للذمار مشمر.
كريم تشكّى قومهُ مُسرِعاتِهِوأعداؤهُ مُصغُونَ للمُتَسوّرِ
ألانَ إذا هرّتْ معدّ عُلالَتيونابي دموعٍ للمُدلّينَ مُصحِرِ
بني نهشل لا تحملوني عليكمُعلى دَبرٍ أندابُهُ لم تقشرِ
وإنّا وإياكم جرينا فأيناتقلّدَ حبلَ المُبطيءِ المتأخرِ
ولو كانَ حَرّي بنُ ضمرةَ فيكُمُلقالَ لكم لستم على المُتخيرِ
عَشيّةَ خَلىّ عن رَقاشِ وجَلّحَتْبهِ سَوحَقٌ كالطائِر المًتمطرِ
يُفدّي عُلالاتِ العِبايَةِ إذ دنالهُ فرسُ المِدعاسِ غير المُغمرِ
وأيقنَ أنّ الخيلَ إنْ تلتبِسْ بهِيَقظ عانِياً أو جيفةً بين أنسُرِ
قوله فلو كان حري بن ضمرة فيكم، عنى حين أخذ قيس بن حسان ابن عمرو بن مؤثد - وكان
مجاورا في أخواله بني مجاشع، وأم قيس ابن حسان ماوية بنت حوي بن سفيان بن مجاشع، وأمها
حنة بنت نهشل بن دارم - قلوص عمرو بن عمران الأسدي، وكان جاراً لحري ابن ضمرة. فأخذ
ثلاثين لقحة لقيس، فنادى قيس: يا ثكل أمتاه! فطلبها له الأقرع، وهو فارس المدعاس - قال
والمدعاس اسم فرسه - فاستنصر حري بني نهشل، فقالت لهم بنو مجاشع: أنتم أخوال قيس بن
حسان، كما نحن أخواله، فخذلت بنو نهشل حريا. قال: فردها الأقرع. فقال في ذلك حري:
كنتم بني نهشل قوماً لكم حسبُفنالكم أقرعٌ ضُلُ بنُ سُفيانا
قال أبو عبد الله: أقرعا نصب. الأول قول أحمد بن عبيد. وغيره أقرعاً ضل بن سفيانا.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع