من «المنصف للسارق والمسروق منه» لابن وكيع التنيسي (ت ٣٩٣هـ)
المنصف للسارق والمسروق منه (٥)
وهذا يدخل في نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي، وأبو تمام أولى بما قال.
وقال المتنبي:
غَمامٌ علينا مُمطِرٌ لَيْسَ يُقْشعُوَلا البرقُ فيه خُلَّباً حين يَلْمَعُ
أخذه من قول المعتصم:
فليستْ جهاماً للعفاةِ سحابهوليستْ بُروق الجودِ فيها تَحْلِبُ
وقد قال البحتري قبلهما:
رأيتك إِنْ مَنَّيتَ منَّيْتَ موعداًجَهاماً وإِنْ أبرقْتَ أبرقْتَ خُلَّبا
وهذا من المعكوس الذي ابتدئ هجاءً وعكس فصار ثناءً.
وقال المتنبي:
إِذا عرضَتُ حاج إِليه فَنفْسُهُإِلى نَفْسِهِ فيها شَفيعُ مُشَفَّعُ
وهذا كثير من قول الحطيئة:
وَذاكَ امرؤ إِنْ تأتِهِ في نفسهِإلى مالِهِ لا تأتهِ بِشَفِيعِ
قال أبو العتاهية:
وما ابتغى عنده شافعاًسِواه إلى نفسِه يَشْفَعُ
وقال أبو العتاهية:
فيا جُود موسى ناج مُوسى بحاجِتيفمالي سِوَى مُوسى إِليه شَفِيعُ
وقال آخر:
فيا جودَ معن ناد معناً بِحاجتيفمالي سوى مَعْن سِواكَ رَسولُ
وقال ابن الرومي:
أبا الصَّقرّ من يَشْفع إِليك بشافعٍفما لي سوى شِعْري وجود شافِعُ
وقال ابن الحاجب:
جُوده شافعٌ لطالب جدواهإِذا غره وجودك شَفيعُ
وقال المتنبي:
خَبَتْ نارُ حربٍ لم تَهجْها بنانهوأسمرُ عُريانٌ من القشر أصْلعُ
نحيفُ الشَّوى يعدو على أُمَّ رأسهويَحفى فيقوى عَدُوهُ حين يَقْطَعُ
أما قوله:) يعدو على أم رأسه (فمن قول القائل:
وَمنتكس يَعدو على أمّ رأسهيَخافُ ويرجى نَفعه حَيثُ تَمما
وأما قوله:) ويحفى فيقوى عدوه حين يقطع (فمن قول كلاب بن حمزة:
فإِنْ تخوّفت من حفاه فخُذْسَيفك فأضربْ قفا مُقلّدِهِ
فإِنَّه إِنْ قطعْتَ أجْوَدَهعادَ نشيطاً بِقَطْع أجْوَدِهِ
وقال المتنبي:
ذبابُ حُسامٍ مِنْهُ أنجى ضريبةًوأعْصَى لمولاهُ وذا مِنْهُ أطْوَعُ
شبهه بالسيف وفضله بالطاعة لمن ملكه. وقد قال البحتري:
ما السيف عصيان نصل رونقهأمضى على الحادثات مِن قلمه
وليس في شعر البحتري أكثر من تشبيه القلم بالسيف وأبو الطيب قد ذكر من عصيان السيف أحياناً وطاعة القلم للكاتب به ما فيه زيادة يستحق بها الشعر.
وقال المتنبي:
بِكفّ جَوادٍ لو حَكَتْها سَحَابةٌلما فَاتها في الشرق والغَرْب مَوضِعُ
أخذه من ابن الرومي حيث يقول:
خِرقٌ يعمّ ولا يخصُّ بِفَضلِهِلكنَّهُ كالغيْث في الأطباقِ
فجعل الغيث يعمّ ويخصّ وجعله يعم الغيث في أطباقه وكذلك قال أبو الطيب: إن سحابة لو حلت كفه لكانت عامة غير مختصة وهذا يدخل في باب المساواة والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
فَصيحٌ متى ينطقُ تَجِدْ كُلّ لفظةٍصول البراعات التي تَتفَرّعُ
ففي كل لفظة محذوف يزيد على كل لفظة حسنة أو عذبة أو ما أشبه ذلك ولو قال كل لفظه وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام:
كلُّ جُزْءٍ منْ مَحاسِنِهفيه أجزاءٌ من الفِتنِ
وقد أخذ ذلك من أبي تمام أخذاً مما هو أبين من هذا في قوله:
كلُّ سقامٍ تراه في أحدِفَذاكَ فرع والأصلُ في بَدني
وهذا من استخراج كلام من كلام أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
ولَيس كبحر الماء يَشتقّ قَعْرهُإلى حيثُ يفنى الماءَ حوتٌ وضَفدعُ
في هذا البيت حشوٌ غثّ وهو قوله) بحر الماء (ولا معنى له وهو من جنس قول أبي العيال:
ذكرتُ أخي فَعاودنيصُداع الرأسِ والوصب
إلا أن يكون للبيتين بحر يعبر عنه بهذا الاسم فيفيد كلامه وما في اشتقاق الحوت والضفدع ماءه حتى يفنى الماء ضرر على أحد ولا نقص على البحر وهذا مدح لا فائدة فيه فأما قول ابن الرومي:
هُو البحر إلا أنَّ في جَنباتهرُغاء المَطايا لا تفتق العَلاجِمُ
فقد صيره بحراً على صفة يعدمها البحر لأن المطايا لا تحط على البحار فدل على كرم من حط إليه المطايا إذ كان مرجواً لخير مقصوداً. وقال أشجع:
لو كان للركبان في كل وجههإليك إيصال تتبعه الركب
وقال الآخر:
يَزدحمُ الناسَ على بَابِهوالمنهلُ العذب كَثيرُ الزحام
فليس في فائدة هذا الكلام فائدة ذكر الحوت والضفدع.
وقال المتنبي:
أبْحرٌ يَضرّ المعْتفين وَطَعْمُهزعاقُ كبحرٍ لا يَضُرُّ وَيَنْفعُ؟
فإن كان ضرر المعتفين في البحر هو الغرق والصائب بالأموال فبازاء هذا نيل الرغائب من نفس المتاجر ومثمن الجواهر وقطع المسافات المتباعدات في أقل مدة وإن كان ضرره أن طعمه زعاق فلا يضرك ذلك إلا من قصده صادياً وقد قصر لفظه عن إيضاح معناه لأن الأجود كاد أن يقول:
أبحر يزيد الواردين زعاقهصدا مثل بحر سلسل الورد ينفع
ولعل معترضاً أن يعترض هذا الكلام فيقول: البحر لا يكون سلسل الورد فإن البحر لا يقع إلا على الملح، قلنا له إنما شبه رجلاً ببحر فذكر أخلاقه بالعذوبة وأعرب ببحر يخالف صفة ما وقع عليه هذا الاسم وقد يسمى العذب باسم الملح وقد قال ابن الجهم:
ولست ببحرٍ أنْتَ أعْذَبَ مَورداًوأقربُ للرّاجي نداك وأسْهَلُ
ففضله على البحر بعذوبة مورده وقرب راجيه من مراده وأوضح مراده ورجح على أبي الطيب فصار أحق بما قال.
وقال المتنبي:
أَلاَ أيُّها القَيلُ المُقِيمُ بمنْبجٍوهمّتهُ فوق السماكين تُوضعُ
هذا مأخوذ من قول العطوي:
إِنْ كُنت أصبحتُ لابساً سملاًفَهِمتي فَوْقَ كَاهِلُ الفَلك
وقال القاضي التنوخي:
وأنفس مسكنها ما بينناوهَمّها بين السَّماكِ والسُّهى
وكل الأبيات تدخل في باب المساواة وبيت العطوي دونهما وليس لبس السمل مما يدل على اتضاع الهمة، وقد خبر أبو الطيب عن الممدوح بإقامة جسمه بمكان وخبر عن همته بسير فوق السماكين فطابق وزاد بالمطابقة فأستحق ما أخذ وهو يساوي التنوخي في معناه ولكن وافقه في ذكر الأنفس والهمم ولم يتفق له من الإقامة والسير ما أتفق لأبي الطيب والذي نبه أبا الطيب على هذا المعنى أبو تمام بقوله:
جرّدتُ في ذَمِّيك خَيْلَ قَصائدِسَارتْ بك الدُّنيا وأنْتَ مُقِيمُ
وقد أخذ ابن الرومي هذا المعنى من أبي تمام فقال في صفة قصيدة له:
تَظل مقيماً في محلّكَ خافضاًوأنْتَ بِها في كُلّ فجٍ تُسيّر
وقال المتنبي:
أليْسَ عجيباً أنَّ وصْفكَ مُعْجزٌوأنَّ ظُنُوني في معاليك تَطلعُ
ينظر إلى قول أبي تمام:
تَرقَّتْ مناهُ طوْدَ عِزٍّ لو ارتقتْله الريحُ فتراً لانثنتْ وهي طَالِعُ
وقال المتنبي:
وأنَّكَ في ثوبٍ وَصَدْرُكَ فِيكُماعلى أَنَّهُ مِنْ ساحَة الأرضِ أوْسَعُ
الصدر في الثوب وليس الصدر في الإنسان إنما هو من الإنسان ولم يرد بالصدر ما أشتمل عليه من قلبه على المجاورة لأنه قد ذكر في البيت الذي بعد هذا قلبه، وقال أبو المعتصم في مرثية:
يا وَاسعَ المعروفِ هَلْ وَسِعَ الثرىفي الأرض صَدْرك وَهْوَ منها أوْسَعُ
فعجب من أن صدر هذا البيت في الأرض وهي مشتملة عليه وهي أوسع منها وأصل هذا أبو تمام في قوله:
وَرُحْبِ صَدْرٍ لو أنّ الأَرضَ واسِعَةٌكَوُسِعه لَمْ يَضِقْ عنْ أهلهِ بَلَدُ
وقال المتنبي:
وَقَلبك في الدُّنيا وَلَوْ دَخَلتْ بناوبالجِنّ ما دَرتْ كيف تَرْجِعُ
فشبه سعة بأوسع منها فهو إفراط مستعمل مثله. فأما دخول الإنس والجن في قلبه ثم لا يدري كيف ترجع فهو من المبالغة المستحيلة لا يستحسنها كثير من الناس فأما دخول الأجسام في قلبه من الجن والإنس فلا أراه مليحاً.
وقال المتنبي:
ألا كُلّ سَمْحٍ غيرك اليوْمَ باطلُوكلُّ مديحٍ في سِواكَ مُضَيَّعُ
هذا من قول ابن الرومي:
وكلُّ موالٍ صاعداً فهو صاعدُوكل معادٍ صاعداً فهو هَابطُ
وهذا أحسن من قول أبي الطيب لأن الصعود والهبوط ضدان فالبيت المطابق صحيح الطباق وليس باطل ضدّ مضيع لأنّ ضد باطل حق وضدّ مضيع محفوظ فأبن الرومي أرجح كلامه وأولى ببيته.
يتلوها أبيات أولها:
قَضاعة تَعْلمُ أني الفَتى الّذي ادَّخرتْ لصُروف الزَّمانِ
وقال فيها:
ومَجدي يَدلُ بني خِنْدفٍعَلى أنَّ كُلّ كريمٍ يَماني
نبهه على هذا أبو نواس في قوله:
بَلى فإِن ذمتني للضبى أريحيّةيمانية إن السماح يَمان
وقد تبعه ابن الرومي في هجاء قاله وهو:
ونساءُ كأنَّما يتوقعنسُقوط السماء كل أوانِ
فتراهن شَاعرات لكنّمايُدعمن السماء بالسيقان
إِنْ يَجد جلد بذلكفالسخ يمان والجود قدماً يمان
قال أبو محمد وتبعتهم في ذلك فقلت:
بُتْ صيفاً لسد يمنيفقرابي والجودُ قدماً يماني
وأنْتَ عرسه بعاذلٍ أبرئقلت لا تبعني فلست بزاني
فأتاني فقال نكهاً تعيشيفهي مرفوفة على الصيفان
قلت أحدثت في الضيافةِمعنى ما عرفناه في قديمِ الزَمان
قال منْ أجل ذاكَ طارلياسم وألح الضيوف في عشاني
فإِذا يذكروا مع أسميمضيفاً قبل مرعى وليس كالعدان
وقد كان ينبغي أن ترغب عن ذكر هذه الأبيات ولكن جر ذكرها ما قبله وقال المتنبي:
حَديدُ اللّحاظِ، حديدُ الحفاظحديدُ الحُسامِ، حديد الجنان
يشبه قول المريمي:
ثَلاثة أنشاء في حداد فكيف لا أرومالغنى بالغضب والغضب والغضب
فمقولي الماضي وثانيه مفصلي وثالثصدق من وفاء ومن لبّ
فأتى أبو الطيب بأربع صفاتٍ في بيت كشف مراده فيه والمريمي جاء باللفظ القصير في الطويل الكبير فالمتنبي أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
يَرى حده غامضاتِ القلوبإِذا كُنْتُ في هَبْوةٍ لا أرانِي
وكشف السيف عن غوامض القلوب إنما يكون بشق الصدور عنها وإبراء المنون في ظلم الأحشاء سبلاً وقد شرط فيها ابن دريد أنها لا ترى بقوله في المقصورة:
يُرى المنون حيث تقفو إِثْرَهُفي ظُلمِ الأحشاءِ سُبْلاً لا تُرَى
هذا أبلغ وأرجح وهو المأخوذ منه فهو أولى ببيته، وقال المعلى الطائي:
تمشت الهوينى في الرماح سُيوفكمحتّى عَرفن مسالك الأرْواحَ
سَخطتْ جماجمُهمْ على أجسادهمفتبدلتْ منهم صُدر رماحِ
وقال المتنبي:
سأجْعَله حَكماً في النفوسوَلَوْ ناب عَنْهُ لِساني كفاني
وقال الحرثي في مثله:
وإذا تألق في الندى كَلامهالمصقول خَلتْ لِسانه من غَضبه
وقال ابن المعتز:
ولي حسام يهابُ الناس صَوْلتهأمضى وأغضب من حديه غضب فمي
وقال أحمد بن محمد الحاجب:
ما يُبالي أسيفَ عمرو بن معديكرب حزْت أم غرار لِسانه
وقال ابن الرومي:
يا مَنْ غدا وعزيمهُ ولسانهُسَيفان شَتْى في الخُطوبِ وفي الخُطبْ
وفيه من المجانسة ما يرجح به، وقال آخر:
يحلو به شبه العمى فكأنّهامن جدّ مِنْصلة الحسام لسانه
وهذه المعاني داخلة في قسم المساواة فإن قلت إن فائدتها أن ألسنتهم كسيوفهم لا غرو لأبي الطيب زيادة أن جعله حكماً في النفوس ولم يخبروا
بذلك، قلت: ذلك موجود في شعر أبي تمام في قوله:
راحَ التّنصُلُ معقوداً بألسنهمْلمّا غَدَا السَيّفُ في أَعْناقهم حَكَما
ويلي ذلك أبيات أوّلها:
قِفَا تَريا ودقي فهاتا المخايلُولا تخشيا حلفاً لما أنا قائِل
وقال فيها:
رماني خِساس الناس من صائب أسنهوآخر قُطنّ مِنْ يَديه الجَنادِلُ
فهذا بيت ضعيف ونسج سخيف فأما صدره فإنه رماه من أصاب أسته والسهام لا تدور إلى خلفه إنما يحسن أن يقول كما قال الحارث بن وعلة:
قومٌ هُمْ قَتلوا أميم أخيفإِذا رميتُ يُصيبني سَهْمي
والسهم قد يصيب بارتداده ما وقع عليه من نحر أو صدر فإن أحتج له محتج فقال ليس هاهنا سهم ولا رمي على الحقيقة إنما هذه استعارة قلنا وكذلك قول الحارث استعارة ولكن ينبغي أن توفي الاستعارة مستعيرها حقوق ألفاظها وقال في عجز البيت:) وآخر قطن من يديه الجنادل (
فإن كان معناه في هذا أن الجنادل من يدي هذا الرامي كالقطن تهاوناً وخفة وزن عليه فإنه لفظ هجين غير رصين.
وقال المتنبي:
ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جَهْلهُويَجْهلُ عِلْمي أنَّهُ بي جاهِلُ
هذا مذهب من الشعر يسميه الجاحظ المذهب الكلامي ويشبهه قول الخليل:
لو كُنْتَ تعلم ما أقولُ عَذرتَنِيأو كنت أعلم ما تقول عذرتكا
لكن جَهِلْتَ مقالتي فعذلتنيوعلمتُ أنَّكَ جاهل فَتركتكا
وهذا الجنس قبيح التعسف بين التكلف وفيه تعب وكد وبلاء وجهد وبالجملة فإن قول أبي الطيب أخصر من هذا وأقل طولاً وهو أحق بما قال ومن هذا الجنس قول القائل:
وعلَّمتني كيفَ الهوى وَجهلتْهوعلمني صَبْري عَنْ ظِلمكم ظلمي
وأعلمْ ما لي عِنْدكم فَتميل بيهواي إلى جَهلي فأعرض عن عِلمي
وقد كان ينبغي أن أدخل هذا الفن في فنون البديع ولكنه ثقل مثله في
الشعر ولا سيما في شعر أبي الطيب ولا أختار له أن يسلك مسالك من ركب هذا الطريق فلذلك تركته.
وقال المتنبي:
ويَجهلُ أني مالك الأرض مُعسروأني على ظهرِ السَّماكين رَاجِلُ
فمعسر مع مالك الأرض، وراحل على ظهر السماكين معنى مليح وتطبيق صحيح وهو أصح من قول العطوي:
إِنْ كُنتَ أصبحت لابساً سملاًفَهمّتي فوق كاهل الفلك
فأبو الطيب أحق بما أخذ وهو مأخوذ من قول أبي تمام:
فَثريت جاراً للحضيض وهِمّتيقد عُلقت بكواكب الجَوْزاء
وقال المتنبي:
وما زلتُ طوقاً لا يزول مناكبيإلى أنْ بدتْ للضّيمِ فيّ زَلازِلُ
ينظر إلى قول ابن الرومي:
أنا ذو القصد غير أني إذا آنستُ ضيماً رأيت لي غُلواء
وقال المتنبي:
فقلقتُ بالهمّ الذي قَلْقل الحشاقَلاقِلَ عيس كُلهُنَّ قَلاَقِلُ
هذا البيت ما ذكره أبو العباس النامي في عيوب شعره وما ظلمه وهو قليل
المجانسة فلما جانس جاء بغير طائل، والهاء والنون في قوله) كلهنّ (تعود على العيس لا القلاقل وهو أبلغ من عودتها على القلاقل وهو يحتاج إلى ناقل فإنه يصح له.
وقال المتنبي:
إِذا الليلُ وارنا أرتْنا خِفافُهابقدحْ الحَصى ما لا تُرينا المَشاعِلُ
القدح لا تستنير إلا شرراً والمشاعل إفراط وقد قال أشجع:
ينشرن نَقع القاعِ حين يطأنهويُطرن مُرّان الحصى بالفرْقَدِ
ويقع على الشرار اسم النار ولا يبلغ ذلك إلى المشاعل، قال الحصني:
وللمرء عن قدحٍ ما تستثيرسَنابلها لهب مضّرم
وكذلك اللهب المضرم قول أبي الطيب فيمن أستحسن المبالغة أبلغ وفي مذهب من ذمها أنقص، وقال ابن أبي كريم:
إِذا أفترشتْ جنباً أثارتْ بمثنهعجاجاً وبالكذان نارُ الحَباحبِ
هذا تشبيه مقتصد جيد النظام مستوفي الأقسام أخبر فيه عن حال الأرض الوعثة والصلبة من حال الأغبار والنار بما لا قسم في الأرض الموطوة غيره فهو أحق بالمعنى من جميعهم.
وقال المتنبي:
يُخَيَّلُ لي أنَّ البِلادَ مسامعيوأني فيها ما تقول العَوَاذِلُ
وهو بيت معنى وذلك أنه أراد لا يستقر في بلد إنما يدخل أرضاً ويخرج منها إلى غيرها فكأنه عذل العذول له يدخل أذنه ويخرج منها، وأراد بقوله إلى العواذل فحذف لعلم المخاطب مراده.
وقال المتنبي:
ومَنْ يبغِ ما أبْغي من المَجْدِ والعُلاتساوى المحايى عِنْدهُ والمَقاتِل
قال امرئ القيس:
فقلتُ لهُ لا تبكِ عَينكَ إِنَّمانُحاولُ ملكاً أو نموت فَنُعْذَرا
فتبعه الناس في هذا منهم أبو تمام في قوله:
رَكُوبٌ لأَثباج المهالكِ عالمبأنَّ المَعالي دُونَهنَّ المَهالِكُ
وقال أبو تمام أيضاً في ممدوح مدحه وقد قال:
وقَدْ قالَ إِمَّا أنْ أُغادرَ بَعْدَهاعَظيماً وإِمّا أنْ أغَادرَ أعْظُمَا
فجاء بمعنى بيت امرئ القيس في مجانسة مليحة. وقال ابن الرومي:
وَمنْ لمْ يَزلْ في مصعب المجد راقياًصِعاب المراقي نالَ أعلى المَراتبِ
فامرؤ القيس بالسبق أولى) الناس (بما قال وأبو تمام فأخذ ببيته كمعنى بيت امرئ القيس بغير زيادة والبيت الثاني فيه مجانسة مليحة رجح بها كلامه وابن الرومي يساوي أبا الطيب في كلامه وابن الرومي بالتقدم أولى بما أخذ عنه.
وقال المتنبي:
ألا ليْسَت الحاجاتُ إلاّ نُفوسكمْوليْسَ لنا إِلاَّ السيوف وسَائلُ
والعلوي البصري:
إِذا اللئيم مط حَاجيهوزادَ عَنْ حريم دِرْهميه
فأنهضْ إلى السيف وشفرتيهفاستنزل الرزق بمضربيه
إذا قعد الدهر فَقُمْ إِليه
وفائدة هذا البيت فائدة وليس لنا إلا السيوف وسائل فلم يجعل ذلك الرزق إلا منه ولم يجعل هذه الوسيلة في حوائجه غيره ولعل غائباً أن يقول يحتاج إلى إيراد بيت سرقه فيأتي بمتطوع كامل، ولعمري إن هذا قد مضى منا مثله ويمضي في باقي الكتاب، لأنا ما جهلنا ما ذكره ولا عمتنا عما أبصره ولكن قصدناه قصداً وأتيناه عمداً لأن موضوع الكتاب الفائدة للقارئ ولسنا من عليه من الإكثار عاقبة للإضمار بمعنى واحد من السرقات فيريد أن ينقله إلى استماع شعر مطرب أو خبر معجب ليروح عن قلبه ويجلو صدى ما في الانتقال من حال إلى حال من مداواة
القلوب من الإملال. وقد قال بعض الصحابة روحوا القلوب تعي الذكر. وقال أبو الدرداء: إني لأستجّم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أعون لها على الحق. وروى عن عطاء بن يسار قال: كان يفض علينا حتى نبكي ويجدينا حتى نضحك، ويقول مرة هكذا ومرة هكذا وقد حضر بشار بن برد مجلساً فقال: لا تجعلوا مجلسنا هذا حديثاً كله ولا غناء كله ولا شعراً كله ولكن تناهبوه فإن العيش فرص ثم يعود إلى موضع التأليف.
ويتلو ما تقدم قصيدة أولها:
ضَيْفٌ ألمَّ برأسِي غَيْرَ مُحْتِشمالسَّيفُ أحْسَنُ فِفْلاً مِنْهُ باللّمم
العامة تضع الحشمة موضع الاستحياء والعرب تضعها موضع الغضب وقد أستعمل الأرذل في موضع الأفضل وأوجب الاستحياء من الضيوف وميّز عادة هذا
الضيف من عاداتهم وحشمة الضيف إنما تكون من لئيم فأما من أهل الكرم فلا حشمة منهم فأما معنى بيته فهو قوله:) والسيّف أحسن فعلاً منه باللمم (وذلك من قول القائل:
وَصد الغواني عَنْ بِياضٍ بعارضيوأعرضن عَنْ لبيك لي عنْدَ مَنْطقي
فليتَ بياض السيف يَوْم لقيتنيمَكان بياض الشيبِ كان بِمفرقي
ومجيء البياض مكان البياض من الترديد المليح الذي رجح به لفظه فصار أولى بما قال وقد ملح دعبل في تسمية الشيب ضيفاً وهذا يدخل في الاستطراد يريد مديح نفسه بالكرم لمحبة الأضياف في قوله:
ومِقتُ الشيب لَما قيل ضيفٌلحبي للضيوف الطارِقينا
وقال المتنبي:
أبْعَدْ بَعِدْت بياضاً لا بياض لَهُلأنْتَ أسود في عيني من الظُّلمِ
سامح أبو الطيب نفسه في هذا ولم يبلغ علمه إلى ما فيه عليه لأن العرب لا تقول أسود من) كذا (ولا أحمر من كذا إنما تقول في الألوان أشد سواداً) أ (وأشد
حمرة، وهذا رأي البصريين وما ورد ما قاله أبو الطيب إلا في بيتين شاذين غير مأخوذ بهما ولا معول عليهما فأحدهما) من قول الراجز (:
جاريةٌ في درْعها الفضفاضأبيض من أخت بني إِباضِ
والآخر:
إذ الرّجالُ شَتوا وأشتدَّ أكلهُمُفأنْتَ أبيضهُمْ سربال طَبّاخِ
هذا حال الإعراب وأما المعنى فأخذه من قول أبي تمام:
لَهُ مَنْظرٌ في العَينِ أبيض ناصِعُولكّنهُ في القلب أسودُ أسْفَعُ
وقال ديك الجن:
نباتُ في الرؤوس لهُ بَياضولكنْ في القلوبِ لَهُ سَواد
وقد سلم البيتان من اللحن ولم يعد ما حسن الكلام فلفظهما أرجح والسابق أولى بما قال.
وقال المتنبي:
بحُبّ قاتِلتي والشيب تَغْذَيتيهواي طفلاً وشَيبْي بالغ الحُلمِ
تقرب ألفاظه من قول أبي علي البصير:
وتَمتعتُ شبابي كلهُوغذائي بالهوى قبل الحلمِ
وقال المتنبي:
وما أمرّ برسم لا أسائلُهُولا بذات خمار لا تُريقُ دَمي
هذا العموم في لفظه بمسائلة كل رسم وإراقة كل ذات خمار دمه لا أحبه قد يمكن أن يكون الرسم لغير محبوب ويكون ذات خمار مشينة أو عجوزاً فيصير حفاظه في القياس شبهاً بالوسواس.
وقال المتنبي:
تَرْنو إليّ بعين الظّبي مُجْهشةًوَتَمْسح الطّلَّ فَوْقَ الوَرْدِ بالعنم
وهذا تشبيه أبي نواس:
يا قمراً أبصرت في مأتمٍيَنْدبُ شَجْواً بَين أتْرابِ
يَبْكي فيذْري الدُّرَّ مِنْ عينهوَيلطُمُ الورْدَ بِعُنَّابِ
جعل مكان الطل الدرّ وكلاهما يراد الدموع والعناب مكان العنم والورد بازاء الورد فلا زيادة له على أبي نواس غير أن الطلّ يقع على الورد ويخضر العناب بحيث يخضر الورد من البساتين والدارسين من جنس الأزهار والأثمار فجمع بين أنواع متجانسة ولقائل أن يقول ذكر الدّر هاهنا بمنزلة عين الظبي وأنقطع الكلام ثم عطف ما يتجانس على مثله فالأول أحق به.
وقال المتنبي:
أبديتَ مِثْلَ الذي أبْديتُ من جزعٍولمْ تُجنّي الذي أجنيتَ من ألمٍ
وهو من قول أبي نواس:
زعمتم بأنَّ البين يْحزنكُمْ نعمسيُحزنكُمْ علْمي ولا مثل حزْننا
وفي كلام أبي الطيب جزالة يفضل أبا نواس ورجح كلامه على كلامه فهو ولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
أرى أناساً ومحصولي على غنمٍوذكر جودٍ ومحصولي عَلى كَلمِ
أما صدر هذا البيت فمن قول أبي تمام:
لاَ يَدْهمَّنكَ مِنْ دهمائهمْ عَدَدُفإِنَّ جُلَّهُمُ بل كُلَّهُمْ بَقَرُ
وأما عجزه فمن قول أبي تمام:
مُلْقَى الرَّجاءِ ومُلْقى الرَّحْلِ في نفرٍالجُودُ عِنْدهمُ قَولُ بلا عَمَلِ
مثله للقائل:
جاءني الصك بالشعر ولكنلمْ أحْصِل سِوى استماعُ الكلام
فالمعنى يساوي المعنى ولكن قد استوفى اللفظ الطويل في الموجز القليل وأتى في بيت واحد فصار أحق بذلك من الأول: وقال المتنبي:
وَرُبَّ مالٍ فقيراً من مُروتّهِلَمْ يُثر مِنها كما أثْرى من العَدَمِ
هذا من قول البحتري:
إِذا المرْءُ له يحصل غِناهُ ذَرِيعةًإلى سُؤْدُد فأعدد غِنَاه من العدْمِ
ومعنى البحتري أوضح لفظاً وأرجح.
وقال المتنبي:
سَيصحبُ النَّصْلُ مِنّي مثل مضربهوتتجلى خبرتي عن صِمّة الصِّممِ
فائدة هذا البيت أن النصل قد صحب منه مثله فهذا موجود في قول مسلم:
أتتكَ المطايا تبقى بمطيةٍعَليها فتىً كالنَّصْلِ يَصْحبه النَّصْل
وهذا مما يدخل في قسم المساواة والسابق به أولى به من السارق.
وقال المتنبي في الخيل:
فالطعنُ يُحْرِقها، والزَّجْرُ يُقلقُهاحتى كأنَّ بها ضَرْباً من اللَّممِ
قال البحتري في فرس:
وتظنُّ رَيْعَانَ الشَّباب يَروُعُهُمن نشوة أو جنَّة أو أفكَلِ
فجمع البحتري أوصافاً متقاربة ومعان متناسبة لم تحصل لأبي الطيب منها غير صفة واحدة فكلام البحتري أرجح وهو أولى بما قال.
وقال المتنبي:
تُنْسى البلاد يروق الجو بارِقَتيوتكتفي بالدَّمِ الجاري مِنَ الديمِ
وهذا البيت رديء الصنعة إنما يكتفي بالشيء عن الشيء إذا ساواه، والديم لا تكفي البلاد بالدم عنها لأن الأرض لا تشرب الدم ولا تنبت عنه فليس تشبيهه تشبيهاً صحيحاً.
وقال المتنبي:
إِنْ لم أدعك على الأرماحِ سائلةفلا دُعيتُ ابن أُمّ المجدِ و) الكرم
هذا يقرب من قول ابن دريد:
خَيْرُ النفوس السّائلاتُ جَهْرةًعلى ظُبات المُرْهفاتِ والقَنَا
يتلوها أبيات أولها:
أبا سَعيدٍ جنّبِ العتابافَرُبّ رائي خطاءٍ صَوَابا
يقرب هذا من قول منصور النمري:
لعلَّ له عُذراً وأنْتَ تَلُومُوكم لائم قَدْ لام وهو مُلِيمُ
وليس في هذه الأبيات معنى رائق ولا لفظ فائق وكذا أكثر مقاطعه لا يلحق بقصيدة وقد رغب عن أشياء من شعره لا يستحق الرغبة عنها وأثبت أشياء لا فائدة فيها لغرض له وافقه لا لحسن الشعر.
ويليها أبيات أولها:
شَوْقي إِليْكَ نفى لذيذَ هُجُوعيفارقتني فأقامَ بين ضُلُوعي
ليس في هذا الكلام معنى غير المطابقة بين المفارق والمقيم وذلك موجود في قول البحتري:
رَحلَ الظاعِنونَ عَنّك وأبقَوْافي حَواشي الأحْشَاءِ حُزْناً مُقِيمَا
وهذا يدخل في باب المساواة، والسابق أولى به من اللاحق.
وقال المتنبي:
ما زِلتُ أحْذر مِنْ وداعِكَ جاهداًحتى اغتدى أسفي عَلى التَوْديع
معنى هذا البيت: أني كنت أحذر الفراق فلما وقع البعد أسفت على التوديع لما نلت فيه من اللذة والعناق كما قال أبو تمام:
منْ يكنْ يَكْره الفراقفإِني أشْتهيه لموضعِ التسليم
إِنّ فيه اعتناقه لوداعوانتظار اعتناقه لقدومِ
وكلام أبي تمام أشرح ومعناه أرجح فهو أولى بما أخذ عنه.
وقال البحتري:
أُحاذرُ البينَ من أجل النوىطوراً وأهواه من أجل الفراقِ
ويلي ذلك أبيات أولها: أيَّ مَحلّ أرْتقي؟ أيَّ عظيمٍ أتَّقِي؟
وكُلُّ ما قَدْ خِلَقالله وما لمْ يَخْلُقِ
مُحْتقرٌ في هِمَّتيكَشعْرةٍ في هِمَّتي كَشعْرةٍ في مَفْرِقي
هذه أبيات فيها قلة ورع أحتقر ما خلق الله ﷿ وقد خلق الأنبياء والملائكة والصالحين وخلق الجن والملوك والجبارين وهذا تجاوز في العجب الغاية ويزيد على النهاية وقد تهاون بما خلق وما لم يخلق فكأنه لا يستعظم شيئاً مما خلق الله ﷿ الذي جميعه عنده كشعرة في مفرقه.
وهذا مما لا أحب إثباته في ديوانه لخروجه عن حد الكبر إلى حد الكفر.
ويلي هذا مقطوع أوله: أنا عاتب لتغيبك متعجب لتعجبك قال فيها: إذ كنت حين لقيتني متوجعاً لتغيبك وقال أبو تمام:
وولهتُ إِذ رُمَّتْ رِكابُكَ للنَّوىفكأَنِني مُذْ غِبتَ عَنِّي غائِبُ
وما فيها غير قوله:
فَشغلت عَنْ رد السلاموكان شغلي عنك بك
وبعدها أبيات فارغة أولها:
أرى الشطرنج لو كانت رجالاتهز صفائحاً وقتاً طوالا
ومثلها لا يشتغل بها، وبعدها بيت منفرد وهو:
إِذا لمْ تَجدْ ما يَبْتُرُ الفقْرَ قاعداًفَقُم فأطلب الشَّيء الَّذي يبتر العُمرا
وهذا بيت جيد وفيه مطابقة بين القيام والقعود وفيه من ترديد اللفظ في يبتر ما يستحسن ولكن لا أحب لشاعر قادر على الكلام محكم في النظام أن يعمل بيتاً مفرداً بغير ثانٍ فإذا فعل هذا فينبغي أن يكون البيت باهراً ومعناه نادراً كما حكي عن الرقاشي أنه قال:
لَوْ قيل من رجلٍ طالتْ بلبتهلاستعجلت غيرتي حتى أقول أنا
قال بعض الأدباء: لقيته فقلت له ما أحسن ما قلت لو جئت له بثان قال: فعمل نحو الأربعين بيتاً ليس فيها بيت يلحقه ثم قال:
وَلوْ قضى حزناً مستهتر كَلفلكنتَ أول محزون قَضى حُزْنَا
وما كان يعجزه مع قدرته على أن الشعر أن يكون لهذا البيت أبيات تليه في معناه ومن مفردات قوله:
في الصدقِ مندوحة عن الكذبوالجدُّ أولى بِنا من اللعبِ
هذا فارغ ولو جاء بقصيدة مثله لوجب طرحها.
وقال بعده:
أنْصُرْ بجودكَ ألفاظاً تركتُ بهافي الشَّرق والغربِ من عاداك مكبوتا
فَقَدْ نَظرتُكَ حتى حانَ مُرْتحلٌوذا الوداعُ فَكُنْ أهلاً لما شِيتا
معناه فكن أهلاً لما تنبئت من الإحسان أو ضده وقد قيل فيمن هو في هذا المعنى فيمن هو أرفع بدراً ممن مدحه أبو الطيب وهو طاهر بن الحسين ما هو أكثر تهدداً وأعظم توعداً قال فيه ابن الجهم:
أ) طاهرُ (إنّي عنْ خُراسان راحلومُسْتَخبر عنها فما أنا قائِلُ
أأهجوك أمْ أثني عليك فأيماتخيرتَ أهْدَته إِليك المحافِلُ
وقال ابن الجهم في مثله:
عِنْدي خِيارات فأختر والخيارلِمَنْ في مثل رأيك إِلا يقبلُ الغبنا
واعلمْ بأنَّكَ ما أسْديت مِنْحَسن إِليّ أو شي وقتك الثمنا
فقد خبر أبو الطيب في قوله ما شئت ولكنه كلام مجمل غير مشروح ولعلي شرح واضح وإن طال فكلاهما محسن وبازاء المختصر المشروح وإذا جعلنا التطويل بازاء المشروح دخل هذا الشعر في باب المساواة ولو شاء الناظر فيها لأدخلها في قسم نقل الطويل الكثير إلى الموجز القصير فصار أبو الطيب أرجح كلاماً من غيره.
ويلي هذين البيتين قصيدة أولها:
أشى الرقيبَ فَخانتْهُ ضمائرهُوغيَّضَ الدَّمْعِ فأنهلّتْ بَوادِرُهُ
وكاتم الحُبّ يوم البين مُنْتهكٌوصاحبُ الدَّمْعِ لا تَخْفى سَرائرُهُ
هذا معنى مستعمل لا يعبأ بمثله ولكنه لم يحقره فأوجب أن يقول أخذ هذا من بيت أنشده المبرّد:
وأظهرت الدموع هَوىً مصوناًولمْ نر فاضحاً مِثْل الدموع
وقال المتنبي:
نُعْجٌ محاجرُهُ، دُعْجٌ نَواظِرُهُحُمْرٌ غَفائِرُهُ، سُودٌ غدائِرُهُ
جاء أبو الطيب بحمر غفائره بين صفات الخلق ولو كانت خضر العقائر أو صفراؤها لم يفد ذلك إلا إفادة الخمر ولو قال بيض ترابيه، سود غدائره طابق بين البياض والسواد وكان البيت كله في صفات الخلق لكان أحسن.
وقال المتنبي:
أعارني سُقْم عَينيهِ وَحمّلنيمِن الهوى ثِقْلَ ما تحوي مآزرُهُ
قال الخبزأرزي:
وأسقمني حَتّى كأني جُفُونُهوأثْقلني حتى كأني رَوَادِفُه
وكلام أبي الطيب أرطب ومعناه أعذب فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
يا منْ تَحكَّمَ في نَفْسي فَعذبنيومَن فُؤادي على قَتْلي يُضَافرُهُ
بِعَودة الدَّولةِ الغَرَّاء ثانيةًسَلوتُ عنك ونامَ اللَّيلَ ساهِرُهُ
بيتاً يخبرنا بمضافرة قلبه على قتله إذ خبّر بعودة الدولة للممدوح بسلو حادث ونوم عمّن يحب، وليس هذا يسلي الحب إنما يسلي بموت مؤنس أو فراق طويل وهذا كثير فمنه قول مسلم:
يُضافره قَلْبي عليَّ جَهالةًويوشك يسلو حبّه ثم يَنْدِمُ
وقال ابن الأحنف:
قَدْ صِرتُ عبداً لأذني منيلوذ بكم فيما مضى مولى مواليك
قلبي محبٌ لكم راضٍ بفْعلكمأستروق الله قلباً لا يحابيك
وهذا يدخل في نقل الطويل الكثير إلى الموجز القصير وهو كله في نصف بيت لأبي الطيب وهو: ومن فؤادي على قتلي يضافره.
فهذا أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
مِنْ بَعْد ما كانَ لَيْلِي لا صَباحَ لَهُكأنَّ أولَ يَوْمِ الحَشْرِ آخرُهُ
وهذا من قول ابن أبي الحرث:
كمْ ليلةٍ قَيل لا صباحَ لهاأحببتها قابضاً على كَيدي
وقال الحماني:
يا ساعةَ البين أنْبري فكأنَّماواصلتْ ساعاتُ القيامةِ طُولا
وقال ابن الرومي:
وكأنَّ ليلته عليَّ طُولهاباتتْ تَمّحضُ عنْ صباح الموقفِ
وكل هذه المعاني داخلة في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
قَدْ اشْتكتْ وحْشةَ الأحْياءِ أرْبُعُهُوخبّرتْ عَنْ أسى الموْتى مَقابِرُهُ
العبارة عن الموتى بالأسى محال، وأحسن من قوله قول البحتري:
تحمّلَ عنه ساكتوهُ فجاءةًفعادتْ سواءً دُورُهُ ومَقابرُهُ
وقال المتنبي:
دَخَلتْها وشعاعُ الشَّمْسِ مُتَّقِدٌونورُ وجْهِكَ بين الخلق باهرُهُ
وليس هذا مما يعبأ ولكنه مأخوذ من قول البحتري:
والشَّمسُ ماتِعةٌ توقَّدُ بالضُحىطَوْراً ويُطْفئها العجاجُ الأكْدَرُ
حَتَّى طلعْتَ بضوءِ وجْهكِ فانْجلىذاك الدُجى وانجابَ ذاك العَثيرُ
قد جمع أبو الطيب اللفظ الطويل في الموجز) فهو أحق بما أخذ (.
وقال المتنبي:
في فَيْلق من حديدٍ لَوْ قَذَفْتَ بهصَرْفَ الزَّمانِ لما دارَتْ دَوائِرُهُ
ينظر إلى قول أبي تمام:
أمطرتهُمْ عزماتٍ لو رَميْتَ بهايومَ الكَريهةِ رُكنَ الدَّهْرِ لانْهدا
ولفظه من لفظ أبي العتاهية:
وأخلاقٌ تَركْنَ الدَّهرلا تعدو دَوائرُهُ
وقال المتنبي:
تَمْضي المواكبُ والأبصارُ شاخِصةٌمنها إلى المَلكِ الميْمُون طائِرُهُ
وليس هذه المعاني مما يشتغل بإخراج السرقة فيها ولكن قد استحسن أخذها فحسبنا أن يظنّ بنا ظانٍ أنّا لم يعلم أصولها فيعبر عنها بجهلها فضلاً عن إغفالها فاحتطنا بذكرها، وهذا يدخل في قسم باب المساواة.
وقال المتنبي:
قَدْ حِزنَ في بَشر في تاجه قَمَرٌفي درْعه أسدٌ تدمي أظافرُهُ
هذا من قول أبي نواس:
وإذا مج الفتى علقماًوتراءى الموت في صُورْهِ
راحَ في ثيني مفاضَتهِأسد يدْمي شبا ظُفُرْهِ
كلام أبي نواس أجزل غير أن أبا الطيب جمع صفات لم يجمعها أبو
نواس فبازاء جزالة لفظ أبي نواس ما جمعه أبو الطيب من متفرق الصفات حتى دخل ذلك في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
حُلْوٍ خَلائِقُهُ شُوْسٍ حقائِقُهُتُحْصى الحَصَى قبل أن تُحصى مآثِرُهُ
قال ديك الجن:
نغدو على سيّدنا نحصي الحصى عدداًفي الخافقين ولا تحصى فَواضِلُه
جمع بيت ديك الجن في بعض بيت أبي الطيب وهذا يدخل في نقل اللفظ الطويل في الموجز القليل، وقال ابن دريد:
يُحْصى الحَصى والثُرى ونائلهلا يتعاطا أدناه من حَسِبا
وقال المتنبي:
تَضيقُ عن جيشه الدُّنيا فلو رحُبتكصدْره لَمْ تَبنْ فيها عساكِرُهُ
هذا كقول أبي تمام:
وَرْحب صَدْرٍ لو أنّ الأرضَ واسعةًكرحبه لم يضقْ عن أهله بلدُ
وهذا مما يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
تحْمي السُّيوفُ على أعدائه مَعَهُكأنَّهُنَّ بنُوهُ أوْ عشائِرُهُ
قال أبو تمام:
فإِنَّ المنايا والصَّوارم والقَناأقاربُهُمْ في الرّوع دُون الأقاربِ
وهو ينظر إليه، وفي معنى قول أبي الطيب قول أبي تمام أيضاً:
كأنّها وهي الأرواح والغةٌوفي الكُلى تَجِدُ الغَيْظ الذي نَجِدُ
وقال ابن المعتز:
يَغضبُ الدَّهر لغضبهفكأنَّ الدَّهرِ مِنْ نفرهِ
وهذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إِذا انتضاها لحرْبٍ لمْ يدع جسداًإلاّ وباطنُهُ للعين ظاهِرُهُ
هذا مأخوذ من قول ابن الخطيم:
ملكتُ بها كَفّي فأنْهرتُ فَتْقهايرى قائمٌ من خَلفِها ما وراءها
وهذا يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
فَقَدْ تَيقّنّ أنّ الحقَّ في يَدِهِوَقَدْ وثَقْنَ بأنّ اللهَ ناصرُهُ
والمليح قول أبي تمام:
ما إِنْ يخافُ النصر من أيّامِهِأحَدٌ تَيَّقنَ أنّ نَصْراً ناصرُهُ
ففي هذا البيت تجنيس من ذكر النصر الذي هو مصدر، والنصر الذي هو اسم فقد زاد لفظه ورجح فصار أبو تمام به أحق.
وقال المتنبي:
فخاضَ بالسَّيفِ بحْر الموت خَلْفُهمُوكانَ مِنْهُ إلى الكَعْبينِ زاخرُهُ
وقال أبو تمام:
وقَدْ علم القِرْنُ المُساويك أَنَّهُسَيَغْرقُ في البحر الذي أنْت خَائِضُ
ولم يفد أبو الطيب بأن خبّر عنه بخوض بحر الموت خلفهم فإن بحر الموت لم يجاوز يعني الخائض زاخره، وأبو تمام ذكر أنه خاض ما غرق فيه مساويه، ولم يخبر أبو الطيب بذلك فقد رجح كلام أبي تمام وأستحق المعنى.
وقال المتنبي:
حتّى انْتهى الفرسُ الجاري وما وَقَعتْفي الأرضِ من جيف القتلى حوافرُهُ
قال محمد بن علي الجواليقي:
بينا يَرى فارساً على فرسٍإِذْ صار نعلاً لموطئ الفرس
فالإشارة واحدة إلى معنى مساو فهو يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
لا يخْبرُ النَّاسُ عظماً أنت كاسِرُهُولا يهيضُونَ عظماً أنْتَ جابرُهُ
قال البحتري:
كسرْتُم كسر الزُّجاجةِ بَعْدَهُومَنْ يَجْبرُ الوهي الَّذي أنْتَ كاسرُهُ
وقال البحتري:
رُبّ عظم قَدْ هَضته كان ذا جبرٍوعظمٌ منعته أن يهاضا
وفي البيت الأول من قول البحتري تمثيل للكسر بالزجاجة التي لا جبر لها وجعل الممدوح ممن لا يجبر وهي كسره، ومثل ذلك قول القائل:
لا يجْبرُ النّاسُ عَظْمَ ما كَسرُواولا يهيضُونَ عظم ما جَبرُوا
وهذه أبيات متقاربات المباني والمعاني تدخل في المساواة.
ويتلوها قصيدة أولها:
عَزيزٌ أسىً من داؤُهُ الحدقُ النُّجلُعَياءً به ماتَ المُحبّون مِنْ قَبْلُ
هذا يقرب من قول ابن المعتز.
يا مَنْ يَلومُ على الهوىدَعْني فذا داءٌ قديمُ
هذا أرق وأعذب من بيت أبي الطيب وإن كان معناهما غير غريب وهذا من نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي.
وقال المتنبي:
ومَنْ شاءَ فَلْينظُرْ إليَّ فمنظرينذيرٌ إلى مَنْ ظنّ أنّ الهوى سَهْلُ
يقرب هذا من قول محمد بن عبد الملك الزيات:
مَنْ سَرهْ أنْ يرى مَيت الهوىدنفاً، فليستدل على الزيات وليقف
وقال آخر:
من رآني فلا بد تمن لحظاًوليكن في جنبيه سامريا
وكلها مبانيها ومعانيها متساوية والسابق أحق بما قال.
وقال المتنبي:
جَرى حُبّها مَجْرى دمي في مَفاصليفأصْبحَ لي عَنْ كل شُغْلٍ بها شُغْلُ
أما صدر هذا البيت فمن قول أبي الشيص:
أما وحرمة كأسٍمن المدامِ العتيقِ
وعقدُ نحرٍ بنحرٍومزجُ ريقٍ بريقِ
ولقد جرى الحبُّ منّيمجرى دمي في عروقي
وقال المجنون:
وَشُغلتُ عَنْ فهم الحديث سوىما كانَ منك فأهانهِ شُغْلي
وأديم نحو محدي ليرىأنْ قد فهمت وعندكم عَقْلِي
وقال البحتري:
وألحاظ عَيْنٍ ما عَلِقْنَ بِفارغٍفَخلينه إلا وهنّ له شُغْلُ
وقال المعرج:
يكبرن من شوق الذي كُلَّ شوقةٍويجعلن شغلاً لأمرٍ ما له شُغْلُ
ولولا أن هذا البيت معلم الظرفين مسروق النصف لم ينفرد فيه بمعنى ولا زيادة لدخل في جملة ما نقل من اللفظ الطويل إلى الموجز القليل لأنه قد جمع ألفاظ بيتين في بيت ولكنه مسلوب فينبغي أن يغفر له باختصاره ذنب سرقته.
وقال المتنبي:
ومِنْ جَسدي لمْ يترُكِ السّقْمُ شعرةًفما فَوْقها إِلاّ وفيها لهُ فعْلٌ
أخذ هذا من المسلمي:
لم يتق من بدني جُزء عِلمتُ بهإِلاّ وقدْ حلَه جُزء من الحزنِ
وينظر إلى هذا بيت ثاني:
دعيني جهاراً إلى حُبهاولمْ تدر أني لها أعْشقُ
فقمتُ وللسَّقم من مَفْرقيإلى قدمي ألسن يَنْطِقُ
وبيت المسلمي تقرب صنعته من صنعة بيته وكلام المسلمي بالعذوبة أرجح فهو أولى بما أخذ.
وقال الديك:
تراكَ يظن فيه مَقر عضوببيتٍ ومَا تغمده سِقامُ
وقال المتنبي:
إِذا عَذَلُوا فيها أجَبْتُ بأنّةٍحُبَيِّبتا قَلْباً فؤاداً هَيا جُمْلُ
هذا ترفق جاف متكلف ومتفاصح متعجرف وليس هذا مما يطلب له استخراج سرقة.
وقال المتنبي:
كأنَّ رقيباً منك سدّ مسامعيعلى العَذْل حتَّى ليس يَدْخُلُها العَذْلُ
إعادة العذل هاهنا مرتين قبيح في الكلام جائز في الشعر أنشدنا في مثله أبو بكر بن سيار النحوي قال: أنشدناه أبو جعفر أحمد بن محمد بن النحاس:
لعمرك ما معن بتارك حقّهولا منسئ معن ولا متيسر
فأعاد معناً مرتين والأجود ترك إعادته وهو مسروق من قول مسلم:
مللتُ من العُذّال فيها فأطرقَتْلهم أذُنٌ قَدْ صَمّ مِنْها المسامعُ
ومن قول أبي العتاهية:
أريح حب الصبي عن بصريوسد سمعي عن الملامات
وليس في هذه الأبيات فائدة أكثر من أنّ القوم قد أخبروا أنهم لا يسمعون العذل في محبهم وقد زاد أبو العتاهية عليهم بالعمى والصمم وذلك يدخل في باب المساواة وإن كان كلام مسلم أجزل.
وقال المتنبي:
كأنَّ سُهادَ الليلَ يَعْشُق مُقْلتيفبينهما في كل هَجْرٍ لَنا وَصْلُ
وهذا يحتاج إلى شرح كاف يجب أن يقول:
سُهادَ العينِ تَعشق مُقلتي ويفرقمَعشوقتي فإِذا هجرت أغتنم وصلي في عينيها
وقال المتنبي:
أحِبُّ التي في البدْر منها مشابهوأشكو إِلى مَنْ لا يُضابُ لَه شَكْلُ
جاء في هذا البيت بما يشكل وخبر بحبه من يشبه البدر وخبر عن شكوى إلى من لا شكل له كان يشكو حاله إلى الممدوح فحسن وإن كان يشكو محبوبته إلى ممدوحه فقد أساء وأبتذله كما أبتذله أبو نواس في قوله:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدٍهواكَ لعلّ الفَضْلَ يجمعُ بيننا
وما فرحت بالمبتدئ فكيف بالمقتدي.
وقال المتنبي:
إِلى سَيِّدٍ لو بشّر اللهُ أمّةًبغير نبيّ بَشّرَتْنا به الرُّسْلُ
ينظر معناه إلى قول ابن الرومي:
فَلوْ نزلتْ بعد النبيين سورةإِذا نزلتْ في مدحه سُوراتُ
وقد بشرنا رسول الله ﷺ بالمهدي وليس بنبي.
وقال المتنبي:
إلى القابضِ الأرْواح والضّيْغم الذيتُحدّثٌ عن وقْعاته الخَيلُ والرَّجْلُ
والصحيح عن وقعاته - بفتح القاف والتسكين - من مألوف ضروراته.
وقال المتنبي:
إلى ربّ مالٍ كلما شَتَّ شَمْلُهُتجمع في تشتيته لِلْعُلا شَمْلُ
قال أبو تمام:
لَهُ كلّ يَوْمٍ شَمْلُ مجدٍ مؤلّفٍوَشممّلُ ندىً بينَ العفاةُ مَشتّتِ
وليس يزيد بيت أبي الطيب على هذا في مبنى ولا معنى فهو أحق للسبق، وقال أبو تمام:
قَومُ إِذا فَرقوا شَمْل اللهى جَمعواشَمْلُ العُلى وإِذا لمْ يرضهم قُمْتُ
فقد أتى بمعنى مستوفى وأتى بزيادة في آخر البيت فصار أحق بما أخذ منه بزيادة لفظه على لفظ من أخذ عنه، وقد أخذ منه هذا البحتري فقال:
ومعالٍ أصارها لاجتماعٍشَمْلُ مالٍ أصارهُ لافْتِراقِ
قال بعض الأعراب:
أعاذلني لَومي البخيل على البخلِولا تكثري لَوْم البذولِ على البذلِ
ذريني وهذا المجد أجمع شملهويصبحُ مالي وهو مفترق الشملِ
النص من طبعة جامعة قار يونس ببنغازي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع