من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الأول (٦)
نفسه، والسيف في يده، موارد لا يصدر عنها من لا يصدق في مجالدته، ولا يتخلص منها إلا من تقدم في صبره ومدافعته.
وَلَكنْ إِذَا لَمْ يَحْمِلِ القَلْبُ كَفَّهُعَلَى حَالَةٍ لَمْ الكَفَّ سَاعِدُ
ثم قال: ولكن القلب إذا لم يحمل الكف بشجاعته وقوته، وصرامته وشدته، على حالة يفعلها، وطريقة يمتثلها، لم يحمل الكف ساعدها، ولم يبطش بها صاحبها.
خَلِيلَيَّ إِني لا أَرَى غَيْرَ شاعِرٍفلِمْ مِنْهُمُ الدَّعْوَى ومِنَّي القصائِدُ
يقول: خليلي إني لا أرى إلا من يدعي الشعر، ويتعاطى قوله، ويتسمى به ويحاول نظمه، فما بالهم لا يحصلون من ذلك إلا على دعاوى كاذبة، وأقوال متخرصة، وأنفرد دونهم بالقصائد فأبدعها، وبالنوادر فأخترعها.
فَلاَ تَعْجَبا إنَّ السُّيوفَ كَثيرَةُوَلَكِنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ اليومَ وَاحِدُ
ثم قال لصاحبيه: فلا تعجبا لذلك، فالسيوف كثيرة في ظاهرها، موجودة عند الطلب لها، ولكن سيف الدولة المحامي عن حوزتها، المدافع عن بيضتها، واحد لا يشاكل، ومفرد لا يماثل، فلا تنكرا أن تكثر الأشعار في ظاهرها، وأنفرد في الحقيقة بقولها، كما أن السيوف كثيرة في عدتها، وسيف الدولة منفرد بفعلها. وهذا الخروج باب من البديع يعرف بالاستطراد.
لَهُ مِنْ كَرِيمِ الطَّبعِ في الحَرْبِ مُنتَضٍوَمِنْ عَادةَ الإحسانِ والصَّفْحِ غَامِدُ
يقول: أن سيف الدولة يجرده في الحرب كرم طبعه، ويسله على أعدائه اشتهار مجده، فإذا عاذوا بفضله، واعتصموا بتجاوزه وصفحه، نالهم من ذلك ما يكف سطوته، وأحاط بهم منه ما يغمد بأسه وحدته، وأبدع بالمطابقة بين منتض وغامد، والمطابقة أن يقترن الشيء بضده على انتظام من الكلام.
وَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ دونَ مَحَلَّهِتَيَقَّنْتُ أَنَّ الدَّهرَ للنَّاسِ نَاقِدُ
ثم قال: ولما رأيت الناس دون محله ورتبته، وشهدتهم يتأخرون عن منزلته ورفعته، تبين لي أن الدهر انتقد أهله وتخيرهم، وامتحن جميعهم وتدبرهم، فقدم سيف الدولة عليهم، لشرف خلاله، ورأسه فيهم، لاشتهار خصاله.
أَحِقُّهُمْ بالسَّيْفِ مَنْ ضَرَبَ الطُّلىَوبالأَمر مَنْ هَانَتْ عَليه الشَّدَائدُ
يقول: أحقهم بأن يملك السيف، من ضرب به الأعناق في الحرب،
وتقدم به في مواقف البأس، وأحقهم بتدبير الأمور من هانت الشدائد عليه بجلده، واستسهل الاقتحام فيها بصبره، وأحسن التصريف لها بتدبيره. يشير بذلك إلى سيف الدولة.
وَأَشْقَى بِلادِ اللهِ ما الرُّومُ أَهْلُهابِهَذَا وَمَا فيها لَمِجْدكَ جاحدُ
ثم قال: وأشقى بلاد الله، برئاسة سيف الدولة وإمارته، وما اشتهر من فضله وسيادته، البلاد التي أهلها الروم، وما فيها مع ذلك، وأقبل على مخاطبة سيف الدولة، فقال: وما فيها جاحد لفضلك، ولا منكر لمجدك، بل جميعهم يقول بفضلك، وإن لا يودك، ويعظمك وإن كان لا يحبك.
شَنَنْتَ بِها الغَاراتِ حَتَّى تَرَكْتَهاوَجَفْنُ الَّذي الفَرَنْجةِ سَاهِدُ
الساهد: الذي لا ينام.
فيقول: شننت الغارات في بلاد الروم، حتى تركتها وجفن الذي خلف الفرنجة منهم ساهد لخوفك، متوقع لأمرك، فما ظنك بمن دنا منك وجاوزك، واتصل بأعمالك وقاربك.
مُخَضَّبةً والقومُ صَرْعَى كَأَنَّهاوإنْ لَمْ يَكُونُوا سَاجِدينَ مَسَاجدُ
ثم قال: مخضبة تلك بدماء أهلها، وهم صرعى في عراصها، مكبون على وجوههم بين منازلها، كأنها مساجد، وإن لم يكونوا فيها ساجدين، ومواضع عبادة، وإن كانوا إلى العبادة غير قاصدين.
تُنَكَّسُهُمْ والسَّابِقاتُ جِبَالُهموَتَطْعُنُ فيهم والرَّماحُ المكَايدُ
السابقات: الخيل.
ثم وصف حال أولئك، فقال: تنكسهم والخيول جبالهم، يريد: أنهم لا يتعاطون مقاتلتك بالخيل، وإنما يعتصمون منك بالجبال، فهي خيلهم، واستنزالهم منها تنكيسهم، ونقل الكلام على سبيل الاستعارة، ثم قال: وتطعن فيهم بغير الرماح؛ لأنهم يعجزون عن مبارزتك، فتستعمل فيهم من مكائدك ما تفتح معه حصونهم، وتوجه إليهم من تدبيرك ما تصدع به قلوبهم، فتنزلهم مما ارتفعوا إليه بعزمك، وتطعن فيهم حيث تحرزوا منك برأيك.
وتَضْرِبُهُم هَبْراً وَقَدْ سَكَنَوا الكُدَىكَمَا سَكَنَتْ بَطْنَ التُّرَابَ الأَسَاوِدُ
الهبر: القطع.
فيقول لسيف الدولة: وتضربهم ضرباً يفصل ما وقع عليه، وقد فروا منك إلى الكدى، فسكنوها معتصمين بها. وحلوها مستترين فيها، كما سكنت الأساود بطن التراب، فلم يسكنوها اعتزازاً وقوة، وإنما سكنوها استتاراً وذلة، فسبيلهم فيها مع علوها، سبيل الأساود في بطن الأرض مع تسافلها.
وتُضْحِي الحُصُونُ، المُشْمَخِرَّاتُ في الذُّرَىوَخَيْلُكَ في أَعْنَاقِهِنَّ قَلاَئِدُ
المشمخر: الطويل، وذروة كل شيء أعلاه، والجمع ذرى.
ثم قال: وتضحي الحصون المشمخرات، الرفيعة المكان، المتقنة البنيان، المتحدة في ذرى الأوعار، وقنن الجبال، وخيلك متسابقة إليها، متغلبة عليها، قد أحاطت
بها، إحاطة الأطواق بالأعناق، والقلائد بالأجياد.
عَصَفْنَ بِهِمْ يَوْمَ اللُّقَانِ وَسُقْنَهُمْبِهَنْزيطَ حَتَّى ابْيَضَّ بالسَّبْي آمدُ
اللقان وهنزيط: موضعان من بلاد الروم، وآمد: بلد يكثر الثلج في جباله.
فيقول: إن هذه الخيل عصفت بالروم يوم اللقان فأهلكتهم، وألحت عليهم بنهزيط فهزمتهم، واجتلبت سبيهم إلى حين سقوط الثلج، ومنع الشتاء من الغزو، وجعل ما ذكره من ابيضاض آمد بالسبي المجتلب عليه، إشارة إلى زمان سقوط الثلج.
وألحقنَ بالصَّفْصافِ شَابُورَ فانهَوَىوذاق الرَّدَى أَهلاهُما والجلامِدُ
الصفصاف وشابور: حصنان من حصون الروم فتحهما سيف الدولة، والانهواء: لحاق الأعلى بالأسفل، وعصفت الريح بالشيء: إذا اقتلعته واشتد ذهابها به، فاستعار ذلك أبو الطيب لهذه الخيل.
ثم قال: وألحقن بالصفصاف شابور فانهوى؛ يريد: أن سيف الدولة خرب شابور كتخريبه للصفصاف، فانهوى كلاهما، وذاق الردى أهلهما، وعم القتل والسبي سكانهما، ونال جلاميد هذين الحصنين من الردى بتخريبهما، ونقض بنيانهما، كالذي نال من سكنهما، وأصاب من اعتصم بهما.
وغَلَّسَ في الوَادي بِهِنَّ مُشَيَّعُمُبَارَكُ ما تَحْتَ اللَّثَامَيْنِ عَابِدُ
التغليس: الخروج في آخر الليل، والمشيع: الشجاع، واللثامان: لثام المغفر ولثام العمامة.
فيقول: وغلس بهذه الخيل من سيف الدولة رئيس مشيع القلب، شديد البأس، مبارك الوجه، عابد لله بما يحتمل عليه من الجهاد في إعزاز دينه، وإذلال عدوه.
فَتىً يَشْتَهي طُولَ البِلادِ وَوَقْتهِتَضِيقُ بِهِ أَوْقَاتُهُ والمَقاصِدُ
قم قال، يريد سيف الدولة: فتى يشتهي طول البلاد ليبعد فيها أثره، وطول الزمان ليتمكن فيه تصرفه؛ لأن مقاصده تضيق في الغزو عما تبلغه همته وأوقاته تضيق
في المجد عما تنعقد عليه نيته.
أَخو غَزَوَاتٍ ما تُغِبُّ سُيُوفُهُرِقَابُهُمُ إلا وَسَيْحانَ جَامِدُ
سيحان: مهر عظيم.
ثم قال: أخو غزوات لا يملها، ووقائع في الروم لا يغبها، حتى يعترضه الشتاء، ويمنعه الثلج، فحينئذ ترتفع عن الروم سيوفه، وتتوقف عن بلادهم جيوشه. وأشار بجمود سيحان إلى ما قصده من كثرة الثلج وإكباب الشتاء.
فَلَمْ يَبْقَ إلاّ مَنْ حَمَاها من الظُّبالَمَى شَفَتْيها والثَّدِيُّ النَّواهدُ
اللمى: حمرة الشفتين يغلب عليها السواد.
فيقول: فلم تبق سيوف الدولة من الروم غير النساء اللواتي حماهن من ظبا السيوف حسنهن، وما رغبه أهل الجيش من التمتع بهن.
تُبَكَّي عليهَّن البَطَاريقُ في الدُّجىوَهُنَّ لَدَيْنَا مُلْقَيَاتُ كَوَاسِدُ
البطاريق: أكابر الروم، والكواسد: اللواتي لا يرغب فيهن.
ثم قال: تبكي عليهن البطاريق من أوليائهن، لتقصيرهم عن المنع، وهن بأيدينا كواسد، لا نرغب فيهن لكثرتهن، ولا يعجب بهن لتمكنهن.
بِذَا قَضَتِ الأيَّامُ مَا بَيْنَ أَهْلَهامَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ
ثم قال، مخبراً عما وصفه من إعوال الروم على ما يستبشر به أهل هذا الجيش: بذا حكمت الأيام بين أهلها، وقضت على من صحبها بتصرفها، أن يكون سرور الغالبين في أسف المغلوبين، ومصائب المنكوبين فوائد عهد قوم آخرين. وهذا مثل سائر، والمثل من أرفع أبواب البديع، قد تقدم تنبيها عليه.
وَمِنْ شَرَفِ الإِقْدامِ أَنَّكَ فِيهُمُعَلَى القَتْلِ مَوْمُوقُ كأَنَّكَ شَاكِدُ
الموموق: المحبوب، والشكد: العطية، والشاكد: المعطي.
فيقول لسيف الدولة: ومن شرف الإقدام أنك على ما تحدثه من القتل في الروم
محبوب منهم، وعلى ما تغشاهم به من المكروه مفضل فيهم، فأنت تقتلهم وكأنك تعطيهم، وتسبيهم وكأنك تحبوهم.
وَأَنَّ دَمَا أَجْرَيَتَهُ بِكَ فَاخِرُوأَنَّ فُؤَادَاً رُعْتَهُ لَكَ حَامِدُ
ثم أكد ذلك، فقال: وإن من قتلته وأجريت دمه، فقد أبقيت له فخراً، لمقاتلته لك، ومن أجليته وروعته، فقد جعلت له عذراً في فراره عنك؛ لأن من قاتلك يستغرب فعله، ومن فر عنك لا يدفع عذره، فهذا
يترفع بما أبقيت له من الفخر، وهذا يحمدك بما تضمنت له من العذر.
وكُلَّ يَرَى طُرْقَ الشَّجَاعةِ والنَّدىوَلَكنَّ طَبْعَ النَّفْسِ للِنَّفْسِ قَائِدُ
ثم قال: وكل يرى أن الشجاعة والكرم أشرف الخلال، وأجل الخصال، ولكن الطبائع غالبة، والعادات مستولية، وأشار إلى أن الروم يعرفون لسيف الدولة فضل إقدامه، ويعجزون عن مماثلته في جليل أفعاله.
نَهَبْتَ مِن الأَعْمَارِ ما لَوْ حَوْيَتهُلَهُنَّئَتِ الدُّنْيَا بأَنَّكَ خَالدُ
يقول: نهبت من أعمار الروم بقتلك لهم، وأفنيت منهم بوقائعك فيهم، ما لو حويته لنفسك، ووصلته بعمرك، لهنئت الدنيا بخلودك، ومتعت آخر الأبد ببقائك.
فَأَنْتَ حُسَامُ المُلْكَ واللَّهُ ضَارِبُوَأَنْتَ لواءُ الدَّينِ واللَّهُ عَاقِدُ
يقول: فأنت حسام الملك والله ضارب بك، وأنت لواء الدين والله عاقد لك، وما ضرب الله به لا ينبو حده، وما عقده لا ينحل عقده.
وَأَنْتَ أَبُو الهيجا بنُ حَمْدانَ يابْنَهُتَشَابَهَ مَوْلُودُ كريمُ وَوَالدُ
أبو الهيجاء: والد سيف الدولة، والذين ذكرهم بعده، أجداده على نسق، فيقول لسيف الدولة: أنت أبو الهيجاء أبوك، في كرمه وبأسه، وجلالته وفضله، تشابه منكما مولود ووالده، وابن ومنسله.
وَحَمدَانُ حَمْدُونُ، وَحَمْدونُ حَارِثُوحارِثُ لُقْمَانُ، ولُقْمَانُ راشِدُ
ثم قال: وكذلك حمدان جدك، حمدون أبوه، وحارث لقمان أبوه، ولقمان راشد أبوه، كل آبائك يتشابهون في مجدهم، ويتماثلون في فضلهم، ويتلو في الكرم آخرهم أولهم، ويحكي في البأس والفضل خلفهم سلفهم.
أَولِئكَ أَنْيَابُ الخِلاَفةِ كُلَّهاوَسَائِرُ أَمْلاَكِ البِلاَدِ الزَّوَائَدُ
ناب القوم: سيدهم، والجمع أنياب.
ثم قال: أولئك كلهم أنياب الخلافة، وأركان المملكة، وزعماء الدولة، وسائر أملاك البلاد، الزائد بالإضافة إليهم، المتأخرون إذا قرنوا بهم.
أُحبُّكَ يا شمسَ الزَّمَانِ وبَدْرَهُوإن لاَمَني فيك السُّها والفَرَاقِدُ
السها: نجم صغير يقترن بالوسطى من بنات نعش الكبر.
والفرقدان في بنات نعش الصغر، وهما النجمان النيران من النعش، وجمعهما وهما اثنان؛ لأن التثنية ضرب من الجمع، وقد يخبر عنهما كما يخبر عن الجميع، قال الله ﷿: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا لا تخف، خصمان بغي بعضنا) فأخبر عن الاثنين كما أخبر عن الجميع، وذلك كثير في كلام العرب.
فيقول لسيف الدولة: أحبك يأيها الرئيس الذي هو في الملوك كالشمس والقمر بين النجوم، يصغرون وتعظم، ويقلون وتكثر، وإن لامني فيك ممن يتسمى بالرئاسة، من يحسدك على مدحي لك، وينافسك في اعتلاقي بك، ومحل أولئك منك محل الوشل من البحر، وصغار الكواكب من الشمس والبدر. وهذا إن لم يلفظ بجميعه، ففي فحوى خطابه ما يدل عليه.
وَذَاكَ لأَنَّ الفَضْلَ عِنْدَكَ باهِرُوَلَيْسَ لأَنَّ العَيْشَ عِنْدَك بَارِدُ
ثم قال وليس حبي لك لدعة العيش عندك، ورفاهيته فيما قبلك، ولكنه لبيان فضلك، وكرم نفسك، وارتفاع مجدك، وإنصافك لمن اعتلق بحبلك.
فَإِنَّ قَليلَ الحُبَّ بالعَقْلِ صَالِحُوإِنَّ كَثِيرَ الحُبَّ بالجهلِ فَاسِدُ
ثم ضرب مثلاً، أكد به ما قدمه، فقال: فإن قليل المودة صالح إذا بعث عليه العقل، وكثيرها فاسد إذا دعا إليه الجهل. يشير إلى أن القليل من حسن رأي سيف الدولة مع تمامه وفضله، أغبط من كثير ما يبذله غيره، ممن لا تؤمن بوادر جهله.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع