من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
وصية عبد الله بن شداد بن الهادى
واسمه عمرو بن عبد الله بن جابر الليثي من كنانة، وقيل لعمرو الهادي لأنه كان يوقد النار ليلاً للضياف فيهتدي إليها م سلك الطريق، وولد عبد الله على عهد النبي ﷺ، وكان شداد سلفا لرسول الله ﷺ ولأبي بكر الصديق، كانت تحته سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس، وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، وسكن شداد المدينة ثم تحول إلى الكوفة.
وروى عبد الله عن أبيه وعن عمر وعلى وكان من أهل العلم. ع قد تقدم ذكر جميع الشعراء الذين أنشد لهم في هذه القصة معروفها. لأبي الأسود:
وإن امرأ لا يرتجى الخير عندهيكن هينا ثقلا على من يصاحب
هكذا أنشده أبو علي، صواب إنشاده وصحة إعرابه:
وأي امرئ لا يرتجى الخير عنده يكن هينا. هكذا أنشده غيره، وهو الصحيح، وتتوجه رواية أبى على بعد ووجه ضعيف، وذلك أن قوله يكن جواب لقوله: لا يرتجة
لأنه في موضع لامئ وفيه معنى الجزاء تقول: كل رجل يأتيني فله كذا وكذا. وأخبرني غير واحد عن يونس بن عبد الله أنه قال: حملني أبى وأنا غلام غلى ابى على البغدادي على تفيئة قدومه، وقال له أفد ابني هذا! شيأ يذكرك ويفخر بروايته عنك، فأخذ سفرا من كتبه وأملى على هذا الوصية إلى آخرها، قال يونس: وأملى على فيها: إصحاب الأخيار وارغب فيهم رب من صاحبته مثل الجرب وأنشد أبو على لعروة بن الورد:
لا تشتمني يا ابن ورد فإنيتعود على ما لي الحقوق العوائد
ومن يؤثر الحق النؤوب تكن بهوأنت امرؤ عافى إنائك واحد
أقسم جسمى في جسوم كثيرةوأحسو قراح الماء والماء بارد
ع هذا وهم بين وغلط واضح، والبيت الأول لقيس بن زهير يخاطب عروة بن الورد، ألا تراه يقول: لا تشتمني يا ابن ورد واللذان بعدهما لعروة، وبينهما بيت أسقطه أبو علي، به يقوم معنى البيت الآخر، وهو:
أتهزأ منى أن سمنت وقد ترىبجسمي مس الحق والحق جاهد
وكان بين قيس وعروة تنافس وتحاسد، وكان قيس أكولاً مبطانا، وكان عروة يعرض له بلك في أشعاره، وله يقول قيس بن زهير:
أذنب علينا شتم عروة خالهبقرة أحساء ويوماً ببديد
رأيتك ألافا بيوت معاشرتزال يد في فضل قعب ومرفد
هلم إلينا نكفك الأمر كلهفعالاً وإحسانا وإن شئت فابعد
ويقال: إن عروة جاوبه على هذا الشعر بقوله:
إني امرؤ عافى إنائي شركةوأنت امرؤ عافى إنائك واحد
وهو قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العيسى، صاحب حرب داحس، شاعر فارس جاهلي يكنى أبا هند. وعروة بن الورد بن زيد وقيل ابن عمرو بن عبد الله العبسي وهو عروة الصعاليك لقب بذلك لقوله:
لحى الله صعلوكا إذا جن ليلهمصافي المشاش آلفاً كل مجزر
وهي أبيات، وقيل إنه كان يكنى أبا الصعاليك، وقيل بل كان يكنى أبا مجدة، وقيل كنيته أبو المغلس، وقال آخرون: كانت كنيته في الحرب أبا عبلة، وفي السلم أبا هراسة، وهو
شاعر جاهلي، إلا أن أبا الفرج روى عن بعض رجاله أن رسول الله ﷺ أجلاه مع من أجلي من بني النضير، وكان نازلاً فيهم بامرأة سباها من مزينة. وقال عمر ابن الخطاب للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف حازم، قال: وكيف ذاك؟ قال: كان فينا قيس ابن زهير وكان حازما ولا نعصيه فكأنا ألف حازم، وكنا نقدم بإقدام عنترة ونأتم بعشر عروة.
وأنشد أبو علي أشعارا في صفة النار، منها قول الشماخ:
إذا ما قلت أخمدها زهاهاسواد الليل والريح الدبور
ع قال أخمدها: ولم يتقدم ذكر خامد، ولكنه قد علم أن كل نار لا بد لها من موقد، فيريد أخمدها الموقد وأنشد فيها:
كأن نيراننا في جنب قلعتهممصبغات على أرسان قصار
أنشده أبو على مصقلات والمحفوظ مصبغات، وإنما يريد أن لون النار يختلف باختلاف أصناف حطبها. وهذا البيت لأبي بكر المكي في فتح الرشيد هرقلة ورميه سورها
بحجارة المنجنيق عليها الكتان والنفط قد ضرمت فيه النار، فكانت النار تلصق به، وتأخذه الحجارة وقد تصدع فيتهافت وقبل البيت:
هوت هرقلة لما أن رأت عجباحوائما ترتمي بالنفط والقار
كأن نيراننا.
وأنشد أبو علي بيتا مفردا:
وإني بنار أوقدت عند ذي الحمىعلى ما بعيني من قذى لبصير
ع اختلف في هذا البيت، فقال أبو زيد إنه للقلاخ بن حزن المنقري، وقال صاعد بن الحسين في كتابه: إنه لمبذول الغنوي، وصلته:
لقد زادني حبا لزينة أنهامقوت لأخلاق اللئام قذور
تنول بمعروف الحديث وإن تردسوى ذاك تذعر منك وهي ذعور
وإني بنار عند زينة أوقدت القذور: من النساء التي تجتنب الأقذار. وذعور: ها هنا للمفعول، كما قال: إذا لم يكن في المنقبات حلوب وأنشد أبو علي لنصيب شعرا، منه:
وسكنت ما بي سآم ومن كرىوما بالمطايا من جنوح ولا فتر
ع هكذا روى عن أبي على ولا فتر وإنما المحفوظ ومن فتر. وما في قوله: وما بالمطايا بمعنى الذي - لا نافية - معطوفة على قوله: وسكنت ما بي يريد أنه سكن بذكراها سآمة وفتر المطايا، وعلى هذا يصح المعنى، وهو مثل قول ذي الرمة:
ونشوان من كأس النعاس كأنهبحبلين في مشطونة يتطوح
أطرت الكرى عنه وقد مال رأسهكما مال شراب الفضال المرنح
إذا مات فوق الرحل أحييت ذكرهبذكراك والعيس المراسيل جمح
ونحوه قول عمرو بن شأس:
أليس يزيد العيسى خفة أذرعوإن كن حسرى أن تكون أماميا
وهذا الشعر الذي أنشده أبو علي لنصيب مولى بني مروان قد رواه جماعة لأبي الحجناء نصيب المتأخر مولى المهدى.
وأنشد للنظار الفقعسي:
فإن تر في بدني خفةفسوف تصادف حلمي رزينا
ع هو النظار بن هشام بن الحارث بن ثعلبة، أحد بني فقعس بن طريف بن عمرو من بني أسد وهو شاعر إسلامي: وأنشد أبو علي للأعور الشني:
لقد علمت عميرة أن جارىإذا ضن المثمر من عيالي
ع هذا الأعور اسمه بشر بن منقذ بن عبد القيس، وشن منهم، شاعر إسلامي مجيد، وله ابنان شاعران أيضاً يقال لهما جهم. قال أبو علي ويقال إن هذا الشعر لابن خذاق.
ع وهو للأعور بلا امتراء، إلا أبياتاً منه وإنما التبس الأمر على من قال إنها لابن خذاق من أجل شعر ابن حذاق والذي على الوزن الروى، وقد مضت منه أبيات وهي مختلطة بهذا الشعر.
وأنشد أبو علي: يا قوم ما بال أبي ذؤيب ع خبر هذا الرجز أن أبا ذؤيب كان يشبب بامرأة يقال لها أم عمرو، وكان يختلف إليها، وكان الرسول بينهما خالد بن زهير ابن أخت أبي ذؤيب، فلما شب خالد أرادته أم عمرو على نفسها، فأبى ذلك حينا ثم طاوعها، فلما رجع إلى أبي ذؤيب، قال: والله إني لأجد ريح آخرة زيادة: من أجل أن يرميني بعيب ورواه المفضل:
يا قوم ما لي وأبا ذؤيبوقال نصب لأنه نسق على مكنى
مخفوض، ولم يعد ذكر الجار.
وأنشد أبو علي:
ألكنا الشوى حتى إذا لم نجد شوىأشرنا إلى خيراتها بالأصابع
ع هو لأبي يزيد العقيلي، وبعده:
وإنك ما سليت نفساً شحيحةعن المال في الدنيا بمثل المجاوع
وأنشد أبو علي:
فهم شر الشوايا من ثمودوعوف شر منتعل وحاف
وأنشد أبو علي:
بلاد عريضة وأرض أريضةمدافع غيث في فضاء عريض
ع هو لامرئ القيس في بعض الروايات متصل بقوله:
أصاب قطيات فسال لواهمافوادى البدى فانتحى للأريض
والمتفق على الرواية له قوله:
ومرقبة كالزج أشرفت فوقهاأقلب طرفي في فضاء عريض
فظلت وظل الجون عندي بلبدهكأني أعدى عن جناح مهيض
يقول: أنا ابقى عليه كما يبقة ذو الجناح الكسير على جناحه، لفرط حدته ونشاطه، وهذا كما قال الشماخ:
فظلت كأني أتقى رأس حيةبحاجتها إن تخطئ النفس تعرج
وأنشد أبو علي: يسن على مراغمة القسام ع هو لبشر ابن أبي خازم، وصلته:
ليالي تستبيك بذى غروبكأن رضابه وهنا مدام
وأبلج مشرق الخلعين فخميسن على مراغمه القسام
قوله وهنا: يعني بعد ساعة من الليل. وأبلج: وجه واضح الحسن. والمراغم: الأنف وما حولها وأحدها مرغم والقسام: الحسن وأنشد: ورب هذا الأثر المقسم ع قد تقدم القول فيه ومضى موصولا.
وأنشد أبو علي:
ويوما توافينا بوجه مقسمكأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
ع هو لراشد بن شهاب اليشكرى. ويروى: كأنه ظبية، وكأن ظبية على زيادة أن كما تزيدها في قولك: لما أن جاءني زيد كلمته، ومن نصب فإنه أعمل كأن مخففة عملها مثقلة، ومن رفع فعلى حذف الضمير أراد كأنها ظبية كما قال سبحانه: " علم أن سيكون منكم مرضى ". ولم يرو المفضل هذا البيت في قصيدة راشد بن شهاب.
وأنشد أبو علي:
لو قلت ما في قومها لم تيثميفضلها في حسب وميسم
ع هذا عل لغة من يقول: أنا إعلم وأنت تعلم. وفيه حذف يريد ما في قومها أحد، ونظيره في الحذف قول الله سبحانه: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ".
وأنشد أبو علي:
سليخ مليخ كلحم الحوارفلا أنت حلون ولا أنت مر
ع هو للأشعر الرقبان الأسدس قال:
تجانف رضوان عن ضيفهألم تأت رضوان منا النذر
وقد علم المعشر الطارقونبأنك للضيف جوع وقر
سليخ مليخ. ويروى: مسيخ مليخ. وروى أبو زيد: وأنت مسيخ كلحم الحوار.
وأنشد أبو علي:
رأوا وقرة في العظم منى فبادروابها وعيها لما رأوني أخيمها
ع وقبله:
وأصفح من أعرضهم وأعدهملغيري وقد يعدى الكرام لئيمها
وأنشد أبو علي:
كأنما كسرت سواعدهثم وعى جرحه وما التألما
ع يقول كأن ساعديه كسرا ثم جبرا، لشدة معاقمه وامتلاء مفاصله، وهذا في صفة الأسد كما قال أبو زبيد:
خبعثنة في ساعديه تزيلتقول وعى من بعد ما تكسرا
وأنشد أبو علي للقطامى: كما بطنت بالفدن السياعا ع قال يصف ناقته:
فلما أن جرى سمن عليهاكما بطنت بالفدن السياعا
أمرت بها الرجال ليأخذوهاونحن نظن أن لن تستطاعا إذا التياز ذو العضلات قلنا: إليك إليك! ضاق بها ذراعا
قوله: كما بطنت بالفدن السياعا هذا مقلوب أراد كما بطنت بالسياع الفدن، والفدن: القصر، والسياع: الطين إذا وضع فيه التبن، يقول: هي مطلية بالشحم. والتيار: القصير الغليظ مع شدة.
وأنشد أبو علي للمرار العدوي:
وحشوت الغيظ في أضلاعهفهو يمشى حظلاناً كالنقر
ع هو المرار بن منقذ العدوي تميمي. وبنو العدوية ينسبون إلى أمهم، وهي: الحرام بنت خزيمة بن تميم بن جبل بن عدي بن عبد مناة، وهم صدى وزيد ويربزع بنو مالك بن حنظلة. وقد نسب هذا الشعر إلى المرار بن سعيد الفقعسي الأسدي، وقبل البيت:
كم ترى من شانئ يحسدنيقد وراه الغيظ في صدر وغر
وحشوت الغيظ. يقال وراه الغيظ والداء والحسد: أي أفسد جوفه. وغر: أي ذو وغر حر يجده في صدره من شدة الغيظ.
وأنشد أبو علي لابن مقبل:
يعتادها فرج ملبونة خلجينفخن في برعم الحواذن والخضر
ع وقبله:
فينا تجاوب أفلاء الوجيه إذاصامت ضحى تقدع الذبان كالشجر
الواحد من الأفلاء: فلو الواو مشددة ولا يقال فلو والوجيه: اسم فحل سابق من الخيل. وتم الكلام في قوله: تقدع الذبان يعني بأخفافها إذا طرقت، ثم رجع إلى صفتها فقال:
هي كالشجرة جمع شجار وهي خشبات تعرض بينهن عارضات شبه الخشب. والخلج: التي تختلج عن أولادها، أي يذهب بأولادها والبرغم: الغلاف الذي فيه الثمر والحب.
وأنشد أبو علي للبيد:
يلمج البارض لمجاً في الندىمن ما ربيعرياض ورجل
ع قال لبيد يصف فرسه:
وكأن ملجم سوذانقاًأجدليا كره غير وكل
يلمج البارض.
فتدليت عليه قافلاًوعلى الأرض غيابات الطفل
لم أقل إلا عليه أو علىمرقب يفرع أطراف الجبل
الرجل: مسايل الماء من الأدوية إلى الرياض احدها رجلة. وتدليت عليه: انحدرت. والغيابة: الظلمة. والغيابة: من الأرض ما سترته الأشجار. والطفل: وقت غروب الشمس وأنشد أبو علي لابن الزبعرى:
يا رسول المليك إن لسانيراتق ما فتقت إذ أنا بور
ع هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي الشاعر، وأمه عاتكة بنت عبد الله بن عمرو الجمحية، يخاطب بهذا الشعر رسول الله ﷺ بعد إسلامه، وكان قبل ذلك شارعا من كفار قريش يهجو المسلمين. وبعد البيت:
إذ أجارى الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور
يشهد السمع والفؤاد بما قلت ونفسي الشهيد وهو الخبير
أن ما جئتنا به حق صدقساطع نوره مضيء منير
جئتنا باليقين والصدق والبر وفي الصدق واليقين السرور
أذهب الله ضلة الجهل عناوأتانا الرجاء والميسور
وأنشد أبو علي:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنىفأبعدكم الله من شجرات
ع الشعر لحعيسة البكائي، قال وحيف عليه في خرص نخله:
إذا كان هذا الخرص فيكن دائمافأنكد بما ملكت من نخلات!
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنىفأبعدكن الله من شجرات!
وروى:
وأخبث طلع طلعكن لأهلهفأبعدكن الله من شجرات
وهذا حجة في أن النخل من الشجر، وبذلك فسر قوله تعالى: ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. وروى ابن أبي طاهر أن أعرابية سألت أبا جعفر المنصور، فمنعها، فقال:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى
ثم سألت محمدا المهدى، فمنعها، فقالت:
دنوك إن كان الدنو كما أرىعلى وبعد الدار مستويان
وأنشد أبو علي:
وابى ترك الملوك وجمعهميصهاب هامدة كأمس الدابر
ع صهاب: قرية البحرين. وهذا البيت منسوب إلى رجل من بنى مرة مرة، وأظنه أحد بنى حرملة.
وأنشد أبو علي:
فر ابن قهوس الشجاع بكفه رمح متل
ع هذا الشعر لدختنوس بنت لقيط بن زرارة تهزأ بابن قهوس، وكان فر يوم جبلة. والقهوسة: مشية فيها سرعة، وهو النعمان بن قهوس التيمي من تيم الرباب، وكان حامل لواء قومه يوم جبلة، وفيه تقول دختنوس:
ولقد رأيت أباك وسط القوم يربق أو يجل
متقلدا ربق الفرار كأنه في الجيد غل
يجل: يلقط البعر وهو الجلة. والفرار: صنف من الغنم صغار. والبيت الشاهد أول الشعر.
وأنشد أبو علي:
لعمر بن شهاب ما أقامواصدور الخيل والأسل النياعا
ع هو لدريد بن الصمة، وبعده:
ولكني كررت بفضل قوميفجدت بنعمة ومررت باعا
وكانت بنو يربوع قتلت الصمة أباه غدرا، فغزاهم دريد بيني نصر ثم بنى رباب بن واثلة، فوجد بنى يربوع وبنى سعد جميعاً، فقتل فيهمن وأدرك بثأره منهم.
وأنشد أبو علي:
ولن أعود بعدها كريا
ع وفسر قوله: المنفة الأميا: على ما يقتضيه معنى الأبيات، فقال هي العي القليل الكلام. وكان ينبغي ا، يستوعب تفسير هذه الكملة لما كانت من صفات نبينا ﷺ وآيات نبوته. والأمي: الذي لا يكتب فيه، منسوب إلى الأمة، لأن أكثرها لا يكتب، كما يقال عامى: لمن لم يتأدب، لأن أكثر الناس كذلك. وقيل إنه منسوب إلى الأم، لأن الأغلب في النساء أن لا يكتبن، فكان الإنسان في ذلك كأمه، وقيل منسوب إلى أم القرى وهي مكة.
وأنشد أبو علي:
الحزم والقوة خير من الإدهان والفكة والهاع
ع هو لأبي قيس ابن الأسلت، وبعده:
ليس قطا مثل قطى ولا المرعى في الأقوام كالراعي
لا نألم القتل وجزى به الأعداء كيل الصاع بالصاع
الفهة: مثل السقطة والجهلة يقال منه جمل فه وفهية، وقد يكون ذلك من العي أيضاً. وقوله: ليس قطاً مثل قطى هذا مثل، والمعنى يقول: ليس فلان كفلان على التصغير لأحدهما.
وأنشد أبو علي:
إن ذوات الدل والبخانق
ع هذه الأشطار تروى لعمارة بن طارق، ولم تقع في أرجوزته التي على هذا الروى وأنشد أبو علي لروبة:
تفرجت أكاته وغممةعن مستثير لا يرد قسمه
ع وقبله:
وإن حسام الدهر عضت أزمةبالغاربين والصفاح مؤلمه
تفرجتتمضى عوافيه ويخشى نقمه
الأزم: جمع آزم وهو العاض.
وذكر أبو علي قولهم حسن بسن، وأن النون في بسن زائدة كزيادتها في خلبن وهي الخلابة، وناقة علجن من التعلج: وهو الغلظ، وامرأة سمعنة نظرنة: أي كثير النظر والاستماع، فكان الأصل في بسن مصدر بسست السويق أبسه بسا،
فهو مبسوس إذا لتته بسمن أو زيت ليكمل طيبه، فوضع البس في موضع المبسوس، وهو المصدر كما قلنا درهم ضرب الأمير: نريد مضورب الأمير. ثم حذفت إدى السينين وزيد فيه النون وبنى على مثال حسن، فمعناه حسن كامل الحسن. وأحسن من هذا المذهب الذي ذكرناه أن تكون النون بدلاً من حرف التضعيف، لأن حروف التضعيف تبدل منها الياء مثل تظنيت وتقضيت وأشاهما مما قد مضى، فلما كانت النون من حروف الزيادة كما أن الياء من حروف الزيادة، وكانت من حروف البدل، أبدلت من السين، إذ مذهبهه في الاتباع أن تكون أواخر الكلم على لفظ واحد مثل القوافي والسجع، ولتكن مثل حسن ويقولون حسن قسن فعمل بقسن ما عمل ببسن على ما ذكرنا، والقس: تتبع الشئ وطلبه. فكأنه حسن مقسوس: أي متبوع مطلوب.
ع هذه هذرمة، وحجاج مقحمة، وهذا شاذ لا نظير له، لأنها الثلاثة لا تحتمل الزيادة لأنها أقل الأصول. ثم قال: وأحسن من هذا أن تكون النون بدلا من حرف التضعيف كأن الأصل بسس مثل تظنيت، وهذا بدل لاجتماع ثلاثة أمثلة. وإنما في بس مثلان، فإن قال قائل فقد قالوا أمليت وأحسيت في أمللت وأحسست وإيما في إما فهذا شاذ، وهو الياء معهود مع ذلك، ولم يأت في النون فكيف يقاس ما لم يسمع وأنشد أبو علي:
أسرع من لفت رداء المتردي
ع هو لحميد الأرقط، قال الصائد والحمر:
ثم انتحى بذي غرار مؤجدفمر من بين اللبان واليد
وانصعن يوقدن الحصا بالفدفدأسرع من لفت رداء المرتدي
قال أبو علي وذكر الربحل، ومنه قول عبد المطلب لسيف وملكا ربحلاً. ع هذا وهم من أبى على وإنما هو قول سيف لعبد المطلب بن هاشم، ولمن وفد معه من رجالات قريش يهنئونه بظفره بالحبشة، فتكلم عبد المطلب، فقال له سيف: أيهم أنت! قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال ابن أختنا، قال: نعم، فادناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحباً وأهلاً وسهلاً، وناقة ورحلاً، ومناخاً سهلاً، وملكاً ربحلاً، يعطى عطاء جزلا، قد سمعنا مقالتكم، وعرفنا قرابتكم، فلكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم، في حديث طويل.
وأنشد أبو علي:
إني لا أحسن قبلاً فع فع!والشاة لا تمشي على الهملع
ع هذا رجل أمرته امرأته أن يبيع إبله ويشتري غنما، فقال:
لا تأمريني ببنات أسفعإني لا أحسن قيلاً قيلاً فع فع!
والشاة لا تمشي على الهمنع
والفعفعة: زجر الغنم. والهملع: الذئب.
وأنشد أبو علي:
جرى ابن ليلى جرية السببوحجرية لا وان ولا أنوح
وأنشد أبو علي للمهلبي:
لا تخافي إن غبت أن نتناساك ولا إن وصلتنا أن نملا
ع هو يزيد بن محمد بن المهلب بن الغيرة بن المهلب ابن أبي صفرة، يكنى أبا خالد بصرى
شاعر محسن من شعراء الدولة الهاشمية، وهو القائل:
إن أكن مهدياً لك الشعر إنيلابن بيت تهدى له الأشعار
غير أني أاك من أهل بيتما على المرء أن يسودوه عار
وأنشد أبو علي:
ما كان من سوقة أسقى على ظمأخمراً بماء إذا ناجودها بردا
ع هذا الشعر لأبي دؤاد يقوله في كعب بن مامة، وتمامة:
أوفى على الماء كعب ثم قيل لهرد كعب إنك وارد فما وردا
قوله: ما كان من سوقة أسقى: اسم وهو خبر كان. وزو المنية: قدرها. يقول عييت المنية أن تدركه إلا عطشا، من حيث كان يمنعها هو وغيره. ووقدى: فعلى مثل بشكى. وذكروا أن كعب بن مامة بن عمرو الإيادي خرج في ركب من إياد بن نزار بن ربيعة، حتى إذا كانوا بالدهنا - وهم في حمارة القيظ - عطشو ومعهم شئ من ماء يتصافنونه: أي يقتسمونه بالحصاة، فلما أخذ كعب الإناء، نظر إليه شمر بن مالك النمري، فلما رآه كعب ينظر إليه علم أنه عطشان، فقال للساقي: اسق أخاك النمري، فشرب النمري نصيب كعب، وأدرك كعبا الموت، فنزل في ظل شجرة، فقيل له: إنا نرد الماء فرد كعب إنك وارد. فضربت به العرب المثل في الجود والإيثار على نفسه، قال الفرزدق:
كنا كأصحاب ابن مامة إذ سقىأخا النمر العطشان يوم الضجاعم
إذا قال كعب هل رويت ابن قاسط!يقول له زدني بلال الحلاقم
ولما تصافنا الإداوة أجهشتإلى غضون العنبري الجراضم
وجاء بجلمود له مثل رأسهليشرب ماء القوم بين الصرائم
قال أبو علي العرب تقول للبغيض إذا سعل ورياً وقحابا! وللحبيب عمراً وشبابا! ع وروى غيره ا، العرب تقول: ورياً ورياً، يقطع العظام برياً، كأكل عنز شرياً. وذكر أبو علي قول العرب بفيه البرى، وحمى خيبرى، ع وزاد غيره وشر ما يرى، فإنه خيسرى وهم يقولون لا حمى كحمى خيبري، ولا دماميل الجزيرة، ولا جرب كجرب اليمن، ولا طواعين كطواعين الشأم، ولا صواعق كصواعق تهامة، ولا زلازل كزلازل سياف.
وذكر أبو علي أن عبد الرحمن بن حسان سأل حاجة، فقصر فيها فسألها غيره فقضاها، إلى آخر ما ذكره. ع المقصر فيها هو محمد بن عمرو بن حزم
وهو عامل سليمان على المدينة، والذي قضاها هو عمر بن عبد العزيز ﵀.
وأنشد أبو علي شعراً، منه:
ومن يفتقر في قومه يحمد الغنىوإن كان فيهم ماجد العم مخولا
ع الشعر لجابر بن حنى بن الثعلب الطائي ويقال ابن ثعلبة وروى غيره: وإن كان فيهم واسط العم مخولا، وفيه:
فإن الفتى ذا الحزم رام بنفسهحواشي هذا الدهر كي ستامولا
وروى غير أبي علي:
جواشن هذا الليلوهو أصح وتمام الشعر:
كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسىولم يك صعلوكا إذا ما تمولا
ولم يك في بؤس إذا بات ليلةيناغى غزالا ناعم الطرف أكحلا
ومثله لبعض بنى فقعس:
كأنك لم تنصب من الدهر ليلةإذا انت أدركت الذي كنت تطلب
وقال قيس بن معاذ:
كأن لم يكن بين إذا كان بعدهتلاق ولكن لا إخال تلاقيا
وأنشد أبو علي شعرا، منه:
بنا أنت من بيت دخولك لذةوظلك لو يستطاع بالبارد السهل
ع يريد بالدخول الذي لا جهد ولا مشقة فيه، والعرب تقول غنيمة بادرة إذا لم يلق دونها ضراب ولا حرارة قتال، وقال النبي ﷺ: الصوم في الشتاء هي الغنيمة الباردة.
ع هو سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم بن عمرو، أحد بني وائل بن معن بن مالك بن أعصر، وولد معن بن مالك بن أعصر كلهم يقال لهم باهلة، ولم تلد منهم باهلة إلا أوداً وجئاوة، ولكن حضنتهم فغلبت عليهم، وهي باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مذحج. وأم وائل وإخوته بنت شمخ بن فزارة وسعيد بن سلم ومن آبائه وأبنائه أربعة أمراء في نسق.
وأنشد في هذا الخبر:
قد مررنا بمالك فوجدنامجواداً إلى المكارم ينمى
وأنشد أبو علي لسالم بن وابصة:
أحب الفتى ينفى الفواحش سمعهكأن به عن كل فاحشة وقرا
ع قوله فيه: سليم دواعى الصدر يريد همم القلب لا تدعوه إلى غل ولا غدر ولا مكروه، وقوله فيه:
غنى النفس ما يكفيك من سد خلةفإن زاد شيأ عاد ذاك الغنى فقرا
يقول غنى النفس أن يكفيك فإن زاد شيأ أراد أيضاً زيادة عليه، وتلك الزيادة تقيم الشره والحرص، فلا يزال يطلب الزيادة فصار ذلك كالفقر، وهذا كقول أبي ذؤيب:
والنفس راغبة إذا رغبتهاوإذا ترد إلى قليل تقنع
وهو سالم بن وابصة بن عتبة بن قيس بن كعب السدي، شاعر إسلامي: وأنشد أبو علي للأفوه الأودى قصيدة: ع هو صلاءة بن عمرو بن مالك بن الحارث الأودى، من أود بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج وفيه:
أضحوا كقيل بن عتر في عشيرتهإذ أهلكت بالذي سدى لها عاد
قيل بن عتر، ولقمان بن عاد، ومرثد، وعارق: وفد عاد خرجوا إلى الحرم يستسقون لقومهم، فرفعت لهم ثلاث سحابات وكانت كلها عذابا، قال عبيد بن الأبرص: لما خير الملك على
أي عرق يريد ا، يخرج نفسه؟ على الأكحل، أو على الأبحل، أو على الوريد؟
خيرتني بين سحابات عادأردت من ذلك شر المراد
فاختار قيل السودالء، وشغلوا بالشاب عند رجل من رجهم، حتى هلك القوم، فمضت السحابة السوداء إلى بلاد عاد بالريح العقيم، ودامت عليهم ثمانية أيام حسوماً حتى هلكوا، فلما استفاق القوم من لهوهم ذكروا ما خرجوا له، وعلموا أن السحابة قد مضت نحو بلاددهم، فخرجوا يريدون أرضهم، فأتاهم آت فأعلمهم أن عادا قد أهلكها الله ولم يبق منها غيركم، فليختر كل واحد منكم، فاختار قيل اللحاق بقومه فضربه الصر فقتله، واختار مرثد وعارق حياة ألف سنة والنزول على ساحل البحر في قرب من ديارهم، فأعطيا ذلك، واختار لقمان ضرسا طحونا، ومعدة هضوماً، وسرماً نثوراً، فقال له المخير: الخترت الحياة آخر الأبد فيربيه، فلا يزال عنده حتى يهرم ويموت، فيأخذ غيره، وكان آخرها لبد، وهو الذي تقول فيه العرب: أتى الأبد على لبد وفيه:
أو بعد كقدار حين تابعهعلى الغواية أقوام فقد بادوا
ع هو قدار بن قديره وأبوه سالف، وهو الذي عقر ناقة صالح ﵇ فأهلك الله بفعله ثمود، عمهم بالعقوبة لما عمهم عموه بالرضى بفعله، قال زهير:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهمكأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
أراد أحمر ثمود فلم يمكنه، وقال الآخر:
وكان أضر فيهم من سهيلإذا وآفى وأشأم من قدار
وقال أبو علي نازع القتال الكلابي رجلا من قومه، غلى آخر ما أورده وأنشده. ع قد تقدم ذكر القتال ونسبه والاختلاف في اسمه، وكان القتال قد زوج ابنته أم قيس من ابن عمه رداد بن الأخرم بن مالك بن مطرف بن كعب بن عوف بن عبد ابن أبي بكر ابن كلاب، فولدت له أولادا، ثم أغارها فشكته إلى أبيها فاستعدى عليه وقذفه بخادمتها، وجاء رداد بشهود على قذفه إياه بالأمة، فأقيم القتال ليحد، فلم ينتصر له عشيرته، لأنها كانت تبغضه لكثرة جناياته، وقامت عشيرة رداد، فاستوهبوا منه حده، فوهبه لهم، فذلك الذي عنى بقوله: لمالك أو لحسن أو لسيار هو مالك بن مطرف جد رداد، وحصن هو حصن بن حذيفة أبو عيينة، وسيار هو ابن منظور بن زبان بن سيار. وفي هذه القصة يقول القتال:
فلو كنت من قوم كرام أعزةيحامون عنى حين أحمى وأضرم
ولكنما قومى قماشة حاطبيجمعها بالكف والليل مظلم
وروى العباس بن الفرج الرياشى أن رجلا من الشعراء جفاه قومه فامتدح ثلاثة إخوة
من غنى وكانوا مقلين، فجعلوا له على أنفسهم في كل سنة ذوداً، فقال يمدحهم:
يا دار بين كليات وأظفاروالحميتن سقاك الله من دار
وفيها جميع ما أنشده أبو على، فلجفاء قومه له على ما ذكره الرياشي رجع من الفخر بنسبه وقومه إلى تمنى العوض منهم بقوله:
يا ليتني والمنى ليست بنافعةلمالك أو لحصن أو لسيار!
وكذلك قوله بعده:
لا يتركون أخاهم في مودأةيسفى عليه دليك أي ذليل، ومثله:
ممغوثة أعراضهم ممرطله وفيه:
من آل سفيان أو ورقاء يمنعهاتحت العجاجة ضرب غير عوار
العوار: الضعيف، وكذلك هو من الرجال قال الأعشى:
غير ميل ولا عواوير في الهيجا ولا عزل ولا أكفال
وأنشد أبو علي لكبشة أهت عمرو بن معدي كرب: أرسل عبد الله إذ حتان يومه وفيه:
فإن أنتم لم تتأروا بأخيكمفمشوا بآذان النعام المصلم
تريد غ، قبلتم الدية فكونوا صماً وامشوا بآذان النعام، فإن الناس لا بد لهم من الحديث بما فعلتم، والنعام لا يسمع يقال: صلخ كصلخ النعامة. وقال علقمة:
فوه كشق العصا ما إن تبينهأسك ما يسمع الأصوات مصلوم
وما ههنا بمعنى الذي أي أسك الشيء الذي يسمع الأصوات. وقال قوم إنما أراد امشوا أذلاء كما يمشى من صلمت أذناه. ويقوى هذا المعنى قول أخت ابن مية التي قتل وجها في جوار الزبرقان:
أجيران ابن مية خبروناأعين لابن مية أم ضمار
متى تردوا عكاظ توافقونابآذان مسامعها قصار
ويروى: فمشوا أي امسحوا بآذانكم المصلمة وفيه:
ولا تردوا إلا فضول نسائكمإذا ارتملت أعقابهنن من الدم
يريد إذا فعلتم هذا فلا تأنفوا من شئ، واغشوا نساءكم وهن حيض. والفضول هنا: بقايا الحيض. وجعل الغشيان وردا مجازا، وقيل فضول ما اغتسلن به فيكون ورده حقيقة.
وذكر أبو علي حديث صعصة بن صوحان مع معاوية.
ع فيه وإذا لقة افترش، ومعناه توسع، والفرش الفضاء الواسع لا جبل فيه ولا شجري، قال عامر بن العجلان الهذلي:
أسر أباكم بأن السليمإذا عض في الفرش يم يرمض
ويروى اقترش: بالقاف وله معنيان أحدهما أن يكون يريد من قولهم: تقارشت الرماح في الحرب إذا تدانت، ودخل بعضها في بعض، والآخر أن يكون من قولهم تقرش الرجل إذا تنزه عن مدانس الأمور. وقول معاوية لقد يسوءني أن أراك خطيبا. ذلك لأنه من شيعة على، وهو الذي قال له على ما علمت يا أبا عبد الله: إنك لكثير المعونة، قليل المؤونة، فجزاك الله خيرا، فقال صعصعة: وأنت يا أمير المؤمنين! فجزاك الله أحسن ذلك، فإنك ما علمتن بالله عليم، وإن الله في عينك عظيم.
؟
ع وهو عقال بن شبة بن عقال المجاشعي.
وأنشد أبو علي:
هو الخبيث عينه فرارهممشاه مشى الكلب وازدجاره
ع وبعدهما: في شدقة شفرته وناره يصف ذئباً يقول نظرك إليه يغنيك عن فره أن تخبره. وقوله في شدته شفرته وناره
يريد أنه لا يحتاج مع أنيابه إلى شفرة ولا إنضاج وأنشد أبو علي لكثير:
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتنيبقول يحل العصم سهل الأباطح
ع قد روى هذا الشعر لمجنون بنى عامر، وبعد البيتين:
فما حب ليلى بالوشيك انقطاعهولا بالمؤدى يوم رد المنائح
وأنشد أبو علي للجعدي:
حتى لحقنا بهم تعدى فوارسناكأننا رعن قف يرفع الآلة
ع بعده:
فلم نوقف مشيلين الرماح ولمنوجد عواوير يوم الروع عزالا
قوله: يرفع الآلة كأنه ينزو في الآل فإذا نزا فكأنه رفع الآلي، وقد مضى القول في البيت الثاني.
وأنشد أبو علي لمالك بن خالد:
لما رأيت عدى القوم يسلبهمطلح الشواجن والطرفاء والسلم
ع بعده:
كفت ثوبى لا ألوى على أحدإني شنئت الفتى كالبكر يختطم
يقوله مالك في يوم شعب بني سليم، وكانوا أغاروا على بني سليم، وأخذ عليهم بنو سليم الشعب فحادت عنهم هذيل وفرت منهم، يقول: انهزم القوم فجعل الطلح يمشقهم وهم يعدون، وهذا كما قال الآخر:
وأحسب عرفط الزوراء يعدىعلى بوشك رجع واستلال
قال الأصمعي: هذا الشقي فرق، فحسب أن السيف يسل عليه.
وأنشد أبو علي بيتا لامرئ القيس قد تقدم ذكره.
وأنشد أبو علي لساعدة:
هجرت غضوب وحب من يتجنبوعدت عواد دون وليك تشغب
ع وبعده:
ومن العوادى ا، تقتك ببغضةوتقاذف منها وأنك ترقب
والرواية الأعراف وحب من يتحبب: أي حب بها متحببة. وكذلك تشعب: بالعين المهملة أن تفرق، ومن روى تشغب يريد تخالف قصدك. والولى: القرب والمداناة من ولى يلي. وبغضة: قيل بغض وقيل هو جمع بغيض مثل صبي وصبية.
وأنشد أبو علي لبشر ابن أبي خازم:
فأصبحت كالشقراء لم يعد شرهاسنابك رجليها وعرضك أوفر
ع إنما هو: فتصبح، لا فأصبحت، وقبله:
فمن يك من جار ابن ضباء ساخرافقد كان من جار ابن ضباء مسخر
أجار فلم يمنع من القوم جارهولا هو إذ خاف الضياع مغير
فتصبح كالشقراء. أراد أن يقول الأشقر، وهو فرس لقيط بن زرارة يوم جبلة، وهو الذي يقول له: أشقر! إن تقدم تعقر وإن تأخر تنحر. يقول: لو سيرته فقتل في غير جوارك لم يلحقك لائمة، وهكذا صحة إنشاده فتصبح كالشقراء، لا كما أنشده أبو علي، لأن المعنى لم تغير إذ خفت الضياع فتصبح كالشقراء في الحال التي ذكر وعرضك وافر، ولم يخبر عن شئ وقع ولا مضى. وكان رجل من بنى أسد يقال له محزوم بن ضباء قتل في جوار رجل من بني عامر بن صعصة، فقال بشر شعرا منه هذه الأبيات.
وأنشد أبو علي لابن حبناء:
إذا أنت عاديت امرأ فاطفر لهعلى عثرة إن أمنتك عواثره
ع بعده:
إذا المرء اولاك الهوان فأولههواناً وإن كانت قريبا أواصره
فإن أنت لم تقدر على أن تهينهفذره إلى اليوم الذي أنت قادره
وقارب إذا ما لم تكن لك حيلةوصمم إذا أيقنت أنك عاقره
هكذا اتصال الشعر. وقوله اطفر له: هو افتعل من الطفر وهو الوثب. قال أبو علي وفي هذه القصيدة يقول:
وقد ألبس المولى على ضعن صدرهوأدرك بالوغم الذي لا احاضره
ع أكثر الناس يرويه أحاضره بحاء مهملة، وقد روى أحاذره بالذال معجمة من الحذر، وإنما صحته أخاضره بالخاء معجمة والضاد، من قولهم ذهب دم فلان خضراً مضراً وخضرا مضرا: أي باطلا، وقد فسره أبو على في باب الإتباع يقول: أدرك بالثأر الذي لا أبطله.
قال أبو علي إنما سمى الأخطل، لأن ابنى جمال تحاكما إليه أيهما أشعر؟ وذكر الخبر إلى آخر ما أورد فيه. ع ليس في الشعراء من يقال له ابن جعال، وإنما هو كعب بن جعيل وأخوه، واختلف في اسمه، فقال ابن قتيبة: اسمه عميره، وقال غيره عميرة بن جعل مكبرا، شاعر جاهلي من بني تغلب ليس بأخ لكعب وذكر
يعقوب أن كعب بن جعيل كان شاعر تغلب، فكان لا يأتي منهم قوماً إلا أكرموه وضربوا له قبة، فآتى بني مالك بن جشم رهط الأخطل، ففعلوا له ذلك وملأ وله حظيرة غنما، فجاء الأخطل وهو غلام فأخرجها وكعب ينظر، فقال إن غلامكم هذا لأخطل، فلحت عليه، وقال الأخطل فيه:
وسميت كعبا بشر العظاموكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائلمكان القراد من است الجمل
ويروى هذان البيتان لعتبة بن الوعل، وكان الأخطل يومئذ يقرزم، والقرزمة الابتداء بقول الشعر، فقال له أبوه: أبقرزمتك تريد أن تقاوم ابن جعيل؟ وضربه، وجاء ابن جعيل على تفيئة ذلك، فقال من صاحب الكلام؟ فقال أبوه لا تحفل به فإنه غلام أخطل، فقال له كعب: شاهد هذا الوجه غب الحمه فقال الأخطل: فتاك كعب بن جعيل أمه فقال له كعب: ما اسم أمك؟ قال ليلى، قال أردت أن تعيذها باسم أمي، قال: لا أعاذها الله إذن! وأما لأخطل ليلى امرأة من إياد، وقال الأخطل:
هجا الناس ليلى أم كعب فمزقتفلم يبق إلا نفنف أنا راقعة
وأنشد أبو علي في إستار الجرير:
إن الفرزدق والبعيث وأمهوأبا البعيث لشر ما إستار
ع وقبله:
أما البعيث فقد تبين أنهعبد فعلك في البعيث تمارى
واللؤم قد خطم البعيث وأرزمتأن الفرزدق عند شر حوار
إن الفرزدق والبعيث قوله أرزمت: يريد حنت، عند شر حوار: يريد انه شر مولود.
وأنشد أبو علي للعطوى شعراً، أوله:
جل رب الأعراض والأجسامعن صفات الأعراض والأجسام
ع قد تقدم ذكر العطوى وهو: محمد بن عبد الرحمن ابن أبي عطية، مولى بني ليث من كنانة يكنى أبا عبد الرحمن، بصرى المولد والمنشأ، وشاعر من شعراء الدولة الهاشمية، وكان معتزليا قوياً في مذهبه، متقدما في جدله، وبهذا المذهب اتصل بأحمد بن أبي دؤاد وتقرب إليه، وكان مختصاً به. وهشام الذي ذكره في شعره هو: هشام بن الحكم البغدادي، وكان من الحشوية المشبهة، وكان هو وأصحابه يقولون إن البارى تعالى في
أحسن الأقدار لا يزدون على ذلك، ويروون أحاديث في التشبيه كثيرة مستحيلة، وحجتهم أنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض، فلما بطل وقوع الفعل الفعل من العرض وصح من الجسم، كان ذلك دليلا لهم على ما قالوا. وقياسهم أفسد، لأنه لا يقوم في المعقول جسم إلا مؤلف، فإن قالوا ذلك ولا بد لهم منه، فقد أقروا أن البارئ ﷿ مخلوق تعالى الله ﷿ علواً كبيرا. وقد ذهبت طائفة من الروافض إلى صورة الإنسان كقول اليهود لعنهم الله.
وأنشد أبو علي:
لا أترك ابن العم يمشى على شفاًوإنن بلغتني من أذاه الجنادع
ع هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله الأزدي هكذا نسبه أبو تمام، ويروى: وحسبك من لؤم وسوء صنيعة وقد رأيته منسوبا إلى مضرس بن ربعى الفقعسى. ويوصل به أبيات، منها:
وإن امرأ في الناس يعطى ظلامةويمنع نصف الحق منه لواضع
أبا لموت يخشى أثكل الله أمه!أم العيش يرجو نفعه وهو ضائع
والصحيح ما قاله أبو تمام.
بين رماحي مالك ونهشل
ع يريد رؤبة نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة، وإنما أراد أبو النجم مالك بن ضبيعة بن قيس ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي، يريد بين بلاد بكر وبلاد بني تميم. وصلة الشطر:
الحمد لله الوهوب المجزلأعطى فلم يبخل ولم يبخل
كوم الرى من خول المخولتبقلت من أول التبقل
يقول: رعت هذه المواضع لعزها كما قال امرؤ القيس:
تحاماه أطراف الرماح تحامياًوجاد عليه كل أسحم هطال
قال أبو عمرو الشيباني: قيل لأبي النجم هلا قلت: بين رماحي دارم ونهشل قال: لقد ضيقت عليها المرعى إذن.
وأنشد أبو علي للمخبل:
إذا أنت عاديت الرجال فلاقهموعرضك عن غب الأمور سليم
ع المخبل لقب وهو ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عوف أحد بنى أنف الناقة، واسمه جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، هذا قول محمد بن حبيب. وقال ابن الكلبي: اسم المخبل الربيع بن ربيعة بن عوف، وقال ابن دأب: اسمه كعب بن ربيعة بن عوف، يكنى أبا يزيد، وهو شاعر مخضرم فحل، وهو الذي عنى الفرزدق بقوله:
وهب القصائد لي النوابغ كلهموابو يزيد وذو القروح وجرول
وقوله: وعرضك عن غب الأعور سليم يعني عاقبة السوء وما يؤول مثلبة على صاحبه
وفي رواية غيره: وعرضك عن غث الأمور سليم غثها: ساقطها، يقال فلان غث الحديث.
وأنشد أبو علي لعروة بن الورد:
قلت لقوم في الكنيف تروحواعشية بتنا عند ماوان رزح
ع كان عروة قد أصابت قومه سنوات جهدتهم، وهو غائب فرجع مخفقاً، فوجد قومه قد عننوا عننا من البرد وشدة الزمان والجهد، فندب منهم رهطا وهطا، فخرجوا معه وقال هذا الشعر: وما وان: بين النقرة والربذة فأتى عروة وأصحابه أرض بنى القين، فأصابوا مائة إبل فاستاقوها.
وذكر أبو علي قال قيل للفرزدق: إن ههنا أعرابياً قربياً منك ينشد الشعر فقال إن هذا لقائف أو حائن، فأتاه فقال: ممن الرجل؟ قال: من فقعس، قال: كيف تركت القنان؟ قال يساير لصاف. قال أبو علي: فقلت ما أراد الفرزدق والفقعسى، قال: أراد الفرزدق قول الشاعر:
ضمن القنان لفقعس سوآتهاإن القنان بفقعس لمعمر
وأراد الفقعسى قول الشاعر:
وإذا يسرك من تميم خصلةفلما يسوءك من تميم أكثر
قد كنت أحسبكم لسود خفيةفغذا لصاف تبيض فيه الحمر
أكلت أسيد والهجيم ودارمأير الحمار وخصيتيه العنبر
هذه رواية محالة عن وجهها في الخبر وفي بيت من الشعر ذكر المدائني وغيره قال مر الفرزدق بمضرس بن ربعي الأسدي وهو ينشد بالمربد قصيدته التي أولها:
تحمل من وادى عرارة حاضره
وقد اجتمع الناس حوله فقال: يا أخا بني فقعس كيف تركت القنان؟ قال تبيض فيه الحمر. قال أراد الفرزدق قول نهشل بن حرى:
ضمن القنان لفقعس سوآتهاوأراد مضرس قول أبي المهوش الأسدي:
وإذا يسرك من تميم خصلة على ما أنشدها أبو علي إلا قوله: أكلت أسيد فإنه محال عن وجهه، والمحفوظ فيه غير هذا، وذلك:
عضت اسيد جذل أير أبيهميوم النسار وخصيتيه العنبر
نسبهم إلى الجبن بقوله فإذا لصاف تبيض فيها الحمر ثم أعضهم بفرارهم يوم النسار وجبنهم، وبنو تميم لا تعير باكل جردان الحمار، إنما تعير بذلك بنو فزارة لحديث، وذلك أن رجلاً من بني فزارة كان في نفر سفر من العرب، فعدل الفزارى عن طريقه لبعض شأنه، وصاد أصحابه عيراً، فأكلوه وأبقوا جردانه للفزارى، فلما لحق بهم قالوا له: قد خبأنا لك من صيدنا خبيئاً وأقفيناك منه بقفى، ووضعوه بين يديه، فجعل يأكل ولا يكاد يسيغه ويقول: أكل لحم الحمار جوفان؟ فلما رأى تغامز القوم عليه، اخترط سيفه وقال: والله لتأكلنه أو لأقتلنكم، فأمسكوا عن أكله، فضرب رجلاً منهم اسمه مرقمة فأطن رأسه، فقال أحدهم طاح لعمري مرقمه فقال الفزاري: وأنت إن لم تلقمه فأكلوه، فعيرت فزارة أكل جردان الحمار، فقال الفرزدق:
جهز فإنك ممتار ومنتظرإلى فزارة عيراً تحمل الكمرا
إن الفزاري لو يعمى فيطعمهأير الحمار طبيب أبرأ البصرا
وقال آخر:
أتفخر يا فزار وأنت شيخ؟إذا فوخرت تخطى في الفخار
أصيحانية أدمت بزبدأحب إليك أم أير الحما؟
بلى أير الحمار وخصيتاهأحب إلى فزارة من فزار
وهكذا يصح جواب التعريض من قول الفقعسي لما قال له الفرزدق: كيف تركت الفنان؟ قال تبيض فيها الحمر، والتعريض الحسن هو الذي يتوجه على وجهين ويكون بمعنيين، لأن قول أبي على: تركته يساير لصاف من المحال الذي لا يجوز إلا إذا سيرت الجبال فكانت سرابا. ولصادف: ماء لبنى العنبر وقيل لبنى يربوع وهو من الشاجنة. وقنان: جبل في ديار بني فقعس. وفشيشة: التي ذكر في قوله ذهبت فشيشة بالأباعر نبز لبنى تميم مأخوذ من خروج الريح، يقال فش الوطب إذا أخرج منه الريح، ونسبهم إلى خرابة الإبل. وأبحر: الذي ذكره هو أبجر بن جابر العجلى أبو حجار بن أبحر، وقيل إن أبحر اسم من أسماء الدواهى وكذلك بحرى، أراد فصبنت عليهم داهية. وتمام الشعر:
منعت حنيفة واللهازم منكمقشر العراق وما يلذ الحنجر
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع