من «منتهى الطلب من أشعار العرب» لابن ميمون (ت ٥٩٧هـ)
قيسُ بن الخطيم
وقال قيسُ بن الخطيم بن عبد بن عمرو بن سوادة بن ظفر الأنصاري:
تذكرْ ليلى حُسْنَها وصفاءهاوبانتْ فأمْسَى ما ينالُ لقاءَها
ومثلكِ قدْ أصبيتُ ليْسَتْ بكنةٍولا جارةٍ أفضتْ إليَّ خباءها
إذا ما اصطبحتُ أربعاً خطَّ مئزريوأتبعتُ دلوي في السماحِ رشاءها
ثأرْتُ عدياً والخطيمَ فلمْ أضعْوصيةَ أشياخٍ جعلْتُ إزاءها
ضربتُ بذي الزرينِ ربقَةَ مالكٍفأبتُ بنفسٍ قدْ أصبتُ شفاءها
وسامحني فيها ابنُ عمرو بن عامرٍخداشٌ فأدى نعمةً وأفاءها
طعنتُ ابنَ عبدِ القيسِ طعنةَ ثائرٍلها نفذٌ لولا الشعاعُ أضاءها
ملكتُ بها كفي فأنهرتُ فتقهايرى قائماً من دونها ما وراءها
يهونُ عليَّ أنْ تردَّ جراحهُعيونَ الأواسِي إذْ حمدتُ بلاءها
وكنتُ امرءاً لا أسمعُ الدهْرَ سبَّةًأسبُّ بها إلا كشفتُ غطاءها
وإنيّ في الحرابِ الضروسِ موكلٌبإقدامِ نفسٍ لا أريدُ بقاءها
إذا سقمتْ نفسِي إلى ذي عداوةٍفإني بنصلِ السيفِ باغٍ دواءها
متى يأتِ هذا الموتُ لمْ تلقَ حاجةًلنفسِيَ إلاَّ قدْ قضيتُ قضاءها
وكانتَ شجاً في الحلقِ ما لمْ أبؤْ بهافأبْتُ بنفسٍ قدْ أصبْتُ دواءها
وقدْ جربتْ منّا لدى كلِّ مأقِطٍدُحَيٌّ إذا ما الحرْبُ ألْقَتْ رداءها
وإنّا إذا ما ممترُو الحرْبِ بلحُوانقيمُ بآسادِ العرينِ لواءها
ونلحقها مبسورةً ضيزنيةًبأسيافنا حتى نذلَّ إباءها
وإنا منعنا في بعاث نساءناوما منعتْ ملْ مخزياتِ نساءها
وقال قيسٌ:
أجدَّ بعمرةَ غنيانُهافتهجرُ أمْ شأنُنا شأنُها
وعمرةُ منْ سرواتِ النساءِ ننفحُ بالمسكِ أردانُها
فإنْ تُمْسِ شطَّتْ بها دارُهاوباحَ لكَ اليومَ هجرانُها
فما رَوْضَةٌ من رِياضِ القطاكأنَّ المصابيحَ حوذانُها
بأحسنَ منْها ولا مُزْنَةٌدلوحٌ تكشفَ أدجانُها
ونحنُ الفوارِسُ يومَ الربيع قدْ علمُوا كيفَ فرسانُها
جنبنا الحربَ وراءَ الصريخِ حيثُ تقصفَ مرانُها
تراهنَّ يخلجنَ خلجَ الدلاءِ تختلجُ النزْعَ أشطانُها
ولاقَى الشقاءَ لدَى حربنادُحَيٌّ وعوفٌ وأعوانُها
رددنا الكتيبةَ مفلولَةًبها أفنُها وبها ذانُها
وقدْ علمونِي متى أنبعثْعلى مثلِها تذكُ نيرانُها
ولولا كراهةُ سفكِ الدماءِلعادَ ليثربَ أديانُها
ويثربُ نعلمُ أنَّ النبيتَ راس َ بيثربَ ميزانُها
حسانُ الوجوهِ حدادُ السيوفِ يبتدرُ المجدَ شبانُها
وبالشوطِ من يثربٍ أعبدٌسيهلكُ في الخمرِ أثمانُها
يهونَ على الأوْسِ أتلافُهمْإذا راحَ يخطرُ نشوانُها
أتتهمْ عرانينُ من مالكٍسراعٌ إلى الروعِ فتيانُها
فلما استقلَّ كليْثِ الغريفِ زانَ الكتيبةَ أعوانُها
وقدْ علموا أنّما فلهُمْحديدُ النبيتِ وأعيانُها
وقال قيسٌ أيضاً:
أتعرفُ رسماً كاطرادِ المذاهبِلعمرةَ وحشاً غيرَ موقفِ راكبِ
ديارَ التي كانتْ ونحنُ على منًىتحلُّ بنا لولا نجاءُ الركائِبِ
تبدَّتْ لنا كالشمسِ تحتَ غمامةٍبدا حاجبٌ منها وضنتْ بجانبِ
ولمْ أرها إلا ثلاثاً على منًىوعهدِي بها عذراءُ ذاتُ ذوائبِ
ومثلكِ قدْ أصبيتُ ليستْ بكنةٍولا جارةٍ ولا حليلةِ صاحبِ
دعوتُ بنِي عوفٍ لحقنِ دمائِهمْفلما أبوا سامحتُ في حربِ حاطبِ
وكنتُ امرءاً لا أبعثُ الحربَ ظالماًفلما حموا أشعلتُها كلَّ جانبِ
أربتُ بدفع الحربِ حتى رأيتُهاعنِ الدفعِ لا تزدادُ غيرَ تقاربِ
أتتْ عصبٌ ملْ أوسِ تخطرُ بالقناكمشي الليوثِ في رشاشِ الأهاضيبِ
فإذْ لم يكنْ عنْ غايةِ الحربِ مدفعٌ فأهلاً بها إذْ لمْ تزلْ في المراحبِ
فلما رأيتُ الحربَ حرباُ تجدَّدَتْلبستُ مع البردينِ ثوبَ المحاربِ
مضاعفةٌ يغشَى الأناملَ فضلُهاكأنَّ قتيرَها عيونُ الجنادِبِ
رجالٌ متى يدعوْ إلى الموتِ يرقلُواإليهِ كأرقالِ الجمالِ المصاعبِ
إذا فزعوا مدوا إلى الليلِ صارخاًكموجِ الأتيِّ المزبدِ المتراكبِ
ترى قصدَ المرانِ تهوِي كأنهاتذرعُ خرصانٍ بأيدِي الشواطِبِ
وأضربهمْ يومَ الحديقةِ حاسراًكأنَّ يدي بالسيفِ مخراقُ لاعبِ
صبحناهمُ الآطامَ حولَ مزاحمٍقوانِسَ أولَى بيضها كالكواكبِ
لو أنكَ تلقِي حنظلاً فوقَ بيضهاتدحرجَ عنْ ذي سامهِ المتقاربِ
إذا ما فررنا كانَ أسوا فرارِناصدودَ الخدودِ وازورارَ المناكبِ
صدُودُ الخدودِ والقنا متشاجرٌولا تبرحُ الأقدامُ عندَ التضاربِ
إذا قصرتْ أسيافُنا كانَ وصلُهاخطانا إلى أعدائنا للتضارب
ويومَ بعاثٍ أسلَمَتْنا سيوفناإلى نسبٍ في جذْمِ غسانَ ثاقبِ
يعرينَ بيضاً حينَ نأتِي عدوناويغمدنَ حمراً ناحلاتِ المضاربِ
أطاعَتْ بنو عوفٍ أميراً نهاهمُعنِ السلمِ حتى كانَ أولَ واجبِ
عجبتُ لعوفٍ إذْ تقولُ سراتُهُمْويرمِينَ دفعاً ليتنا لمْ نحاربِ
صبحناهُمُ شهباءَ يبرُقُ بيضُهاتبينُ خلاخيلَ النساءِ الهوارِبِ
أصابتْ سراةً ملْ أغرَّ سيوفناوغودِرَ أولادُ الإماءِ الحواطِبِ
ومنا الذي آلى ثلاثينَ ليلةًعنِ الخمرِ حتى زاركمْ في الكتائبِ
رضيتُ لهمْ إذْ لا يريمونَ قعرَهاإلى عازِبِ الأموالِ إلاَّ بصاحبِ
فلولا ذرَى الآطامِ قدْ تعلمُونَهُوتركُ الفضا شردتُهُمْ في الكواعبِ
ولمْ يمنعوا منا مكاناً نريدُهلهمْ محرزٌ إلاَّ ظهورُ المشارِبِ
فهلاَّ لدى الحربِ العوانِ صبرتُمُلوقعتنا والبأسُ صعبُ المراكبِ
ظأرناكمُ بالبيضِ حتى لأنتمُأذلُّ من السقبانِ بينَ الحلائبِ
ولما هبطنا الحربَ قالَ أميرُناحرامٌ علينا الخمرُ إنْ لمْ نضارِبِ
فسامحهُ منا رجالٌ أعزةٌفما برحوا حتى أحلتْ لشاربِ
فليتَ سويداً راءَ منْ خرَّ منهمُومنْ فرّ إذْ يحدُوهُمُ كالجلائبِ
فأبنا إلى أبياتنا ونسائِناوما منْ تركنا في بعاثَ بآئبِ
ولوْ غبتُ عن قومِي كفتنِي عشيرتِيويومُ بعاثٍ كانَ يومَ الثعالِبِ
وقال قيس أيضاً:
ردَّ الخليطُ الجمالَ فانصرفُواماذا عليهمْ لو أنهمْ وقفوا
لوْ وقفوا ساعةً نسائلهمْريثَ يضحِّي جمالهُ السلَفُ
فيهمْ لعوبُ العشاءِ آنسَةُ الدَّلِّ عروبٌ يسوءها الخلفُ
بينَ شكول النساءِ خلقتُهاقصدٌ فلا جبلةٌ ولا قصفُ
تغترقُ الطرفَ وهيَ لاهيةٌكأنما شفَّ وجهها نزفُ
قضى لها اللهُ حينَ يخلقُها الخالِقُ ألاَّ يكنِّها سدَفُ
تنامُ عنْ كبرِ شأنِها فإذاقامتْ رويداً تكادُ تنغرفُ
حوراءُ جيداءُ يستضاءُ بهاكأنها خوطُ بانةٍ قضفُ
تمشي كمشْي الزهراءِ في دمثِ الرملِ إلى السهلِ دونهُ الجرُفُ
ولا تغثُّ الحديثَ ما نطقَتْوهوَ بفيها ذو لذةٍ طرفُ
تخزنُهُ وهوَ مشتهًى حسَنٌوهيَ إذا ما تكلمَتْ أنفُ
كأنَّ لباتِها تبدِّدُهاهزلَى جرادٌ أجوازُهُ جلفُ
كأنَّها درةٌ أحاطَ بها الغواصُ يجلو عنْ وجهها الصدفُ
واللهِ ذي المسجدِ الحرامِ وماجللَ من يمنةٍ لها خنفُ
إني لأهواكِ غيرَ ذي جنفٍقد شفَّ منِّي الأحشاءُ والشعفُ
بلْ ليتَ أهلِي وأهلَ أثلَةَ فيدارٍ قريبٍ من حيثُ تختلفُ
أيهاتَ منْ أهلهُ بيثربَ قدْأمسَى ومن دونِ أهلِهِ سرفُ
يا ربِّ لا تبعدنْ ديارُ بنِيعذرةَ حيثُ انصرَفْتُ وانصرفُوا
أبلغْ بني جحجبَى وقومهُمُخطفَة أنّا وراءَهُمْ أنفُ
وأننا دونَ ما نسومُهمُ الأعداءُ منْ ضيمِ خطةٍ نكفُ
نفلِي بحدِّ الصفيحِ هامهُمُوفليُنا هامهمْ بها عنفُ
إذا بدَتْ غدوةً جباهُهمُحنتْ إلينا الأرحامُ والصحفُ
كقيلنا للمقدمينَ قفواعن شأوكُمْ والحرابُ تختلفُ
نتبعُ آثارَها إذا اختلجتْسخنَ عبيطٍ عروقُهُ تكفُ
قالَ لنا الناسُ معشَرٌ ظفرُواقلنا فأنَّى بقومِنا خلفُ
لنا معَ أجامنا وحوزتِنابينَ ذراها مخارفٌ دلفُ
يذبُّ عنهنَّ سامرٌ مصعٌسودُ الغواشِي كأنَّها عرفُ
وقال قيس:
تروحْ من الحسناءِ أمْ أنتَ مغتدِيوكيفَ انطلاقُ عاشِقٍ لمْ يزودِ
تراءَتْ لنا يومَ الرحيلِ بمقلتيْغريرٍ بملتفٍّ من السدرِ مفردِ
وجيدٍ كجيدِ الرئمْ ضافٍ يزينهُتوقدُ ياقوتٍ وفضلُ زبرْجَدِ
كأنَّ الثريا فوقَ ثغرةِ نحرِهاتوقدُ في الظلماءِ أيَّ توقدِ
ألاَّ إنَّ بَينَ الشرعَبِيِّ وراتجٍضراباً كتخذيمِ السيالِ المعضدِ
لنا حائطانِ الموتُ أسفلُ منهاوجمعٌ متى يصرخْ بيثربَ يصعدِ
ترى اللابَةَ الحمراءَ يسودُّ لونهاويسهُلُ منها كلُّ ريعهٍ وفدفَدِ
لعمرِي لقدْ حالفتُ ذبيانَ كلهاوعبساً على ما في الأدِيم الممدَّدِ
وأقبلتُ من أهلِ الحجازِ بحلبَةٍتغصُّ الفضاءَ كالقنا المتبددِ
تحملتُ ما كانتْ مزينةُ تشتكِيمنَ الظلمِ في الأحلافِ حملَ التغمدِ
أرَى كثرةَ المعروفِ يورِثُ أهلَهُوسوَّدَ عصرُ السوءِ غيرَ المسوَّدِ
إذا المرءُ لمْ يشبهْ أباهُ وجدَّهُوأفحمَ إفحاماً فلمَ يتشدَّدِ
إذا المرءُ لم يفضلْ ولمْ يلقَ نجدةًمعَ القومِ فليقعدْ بصغرٍ ويبعدِ
وإني لأغنَى الناسِ عن متكلفٍيرى الناسَ ضلالاً وليْسَ بمهتَدِي
كثيرُ المنَى بالزادِ لا خيرَ عندَهُإذا جاعَ يوماً يشتكيهِ ضُحى الغدِ
نشا غمراً بوراً شقيّاً ملعناًألدَّ كأنَّ رأسَهُ رأسُ أصيدِ
وذِي شيمةٍ غراءَ يسخطُ شيمتِيأقولُ لهُ دعنِي ونفسكَ فارشدِ
فما المالُ والأحلامُ إلاَّ معارَةٌفما اسطَعْتَ من معروفِها فتزودِ
متى ما تقدْ بالباطلِ الحقَّ يأْبَهُوإن قدْتَ بالحقِّ الَّرواسِي تنقدِ
إذا ما أتيتَ الأمرَ من غيرِ بابهِضللتَ وإنْ تدخُلْ من البابِ تهتدِي
فمن مبلغٌ عني شريكَ بنَ جابرٍرسولاً إذا ما جاءهُ وابنَ مرثدِ
فأقسمتُ لا أعطِي يزيدَ رَهينةًسوى السيفَ حتى لا تنوءَ لهُ يدِي
فلا يبعدنَّ اللهُ عبدَ بنَ نافذٍومن يعلُهُ رُكنٌ من التُّرْبِ يبعدِ
آخر المختار من شعر قيس بن الخطيم وهو مُقِل
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع