من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
ثار حَابِلُهُم على نَابِلِهِم
الثور: الهيجان والوثب: ثار يثور ثوراً فهو ثائر وأثرته وثورته واستثرته.
والحابل يطلق على من شد الشيء بحبل، ومنه المثل الآتي: يا حابل اذكر حلاًّ! وعلى من نصب الحبالة للصيد أو أخذه فيها. يقال: حبل الصيد واحتبله: إذا أخذه أو نصب له. والنابل والنبل: صاحب النبل وصانعه. والنبل: السهم قال امرؤ القيس:
نطعتهم سلكي ومخلوجةكرك لأمين على نابلِ
أي نطعنهم طعنا مستقيما وطعنا معوجا من كل وجه. كرك لأمين أي كردك لأمين أي سهمين على نابل أي على رامٍ في السرعة. وقال أيضاً:
وليس بذي رمحٍ فيطعنني بهوليس بذي سيف وليس بنبال
ويقال إنَّ الحابل في هذا المثل السدى والنابل الطعمة: فإذا قيل في القوم إنهم
ثار حابلهم على نابلهم كان معناه أنهم أشتجروا وأوقدوا الشر فيما بينهم.
ومما يلتحق بهذا الباب قولك: أثقل من الحديد ومن الرصاص ومن حلول الدين مع الاقتار، ونحو ذلك وهو مطرد. وقولهم: ثل عرش فلان إذا هوى أمره وتضعضع عزه وذهب ملكه. قال زهير:
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهموذبيان قد زلت بأقدامهم النعلُ
وثلَّ اللهُ عرشه: فعل به ذلك. وقال الأخر:
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهمبعتيبة بن الحارث بن شهاب
والعرش سرير الملك، وسقف البيت، والعز وقوام الأمر ومنه ما ذكر.
ولنذكر بعض ما تيسر من الشعر. قال أبن الرومي:
يا مادح الحقد محتالا له شبهلقد سلكت إليه مسلكا وعثا
يا دافن الحقد في ضعفي حنوانحهساء الدفين الذي أضحت له جدثا
الحقد داء دوي لا دواء لهيدوي الصدور إذا ما جمره حرثا
فأستشفينه بصفح أو معاتبةفإنما يبرئ المصدور ما نفثا
إنَّ القبيح وإنَّ ضيعت ظاهرهيعود ما لم منه مرة شعثا
كم زخرف القول ذو زور ولبسهعلى القلوب ولكن قل ما لبثا
وإنّما قال ذلك لأنّه قال: أيضاً في مدح الحقد:
لئن كنت في حفظي لمّا أنا مودعمن الخير والشر انتحيت على عرضي
لمّا عبتني إلاّ بفضل أمانةورب امرئ يزري على خلقٍ محض
ولولا الحقود المستكنات لم يكنلينقض وتراً آخر الدهر ذو نقض
وما الحقد إلاّ توأم الشكر في الفتىوبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى حقدا على ذي إساءةفثم ترى شكرا على حسن القرض
واخذ ذلك من قول أبن صالح، حين أتي به الرشيد وهو في قيوده، فقال له يحيى بن خالد وأراد أنَّ يسكته: بلغني انك حقود! فقال له: أيها الوزير، إنَّ كان الحقد هو بقاء الخير والشر، انهما لباقيان في قلبي! ويروى إنّه قال له: إنّما صدري خزانة لحفظ ما استودعت من خير وشر. فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحداً احتج للحقد بمثل ما احتج به! وقال الأخر:
ما طلب فرع أصله خبيثولا زكا من مجده حديث
وقال الأخر:
إنَّ قوما يلحون في حب سعديلا يكادون يفقهون حديثاً
سمعوا وصفها فلاموا عليهاوأخذوا طيبا وأعطوا خبيثا
وتقدم هذا المعنى قبل مستوفي.
وقال أبو دلامة:
إنَّ الناس غطوني تغطيت عنهموإنَّ بحثوا عني ففيهم مباحث
وكانت لرجل عنده شهادة في الحق، فلما طلبه بالأداء قال له: إنَّ شهادتي لا تنفعك عند القاضي. فقال له الرجل: لابد من شهادتك! فشهد أبو دلامة وانصرف وهو يقول الشعر المذكور. فحكم القاضي بشهادته وغرم المشهود عليه المال حتى قبضه المشهود له، فغرمه القاضي للمشهود عليه خوفا من ظلمه ليجمع المصلحتين. وقيل إنَّ أبا دلامة استأجر طبيبا ليعالج ابناً له مبلغ من الأجرة، فلما داواه قال للطبيب: إنّه ليس عندي ما أعطيك، ولكن أذهب وادع بهذا المبلغ على من شئت! وقيل إنّه قال له ادع على فلان اليهودي به، وإني وأبني نشهد لك! فأدعى الطبيب على اليهودي، فجاء أبو دلامة وابنه يشهدان له عند القاضي أبن أبي ليلى أو أبن أبي شبرقة فلما علم أبو دلامة أن القاضي لا يجيز شهادتهما أنشد بحيث يسمعه القاضي ما مر. فلما سمع القاضي ذلك حكم بشهادتهما خوفا من أذاه، وغرم ذلك المبلغ للمحكوم عليه، والله اعلم.
ومن هذا المعنى ما ذكر أبن رشيق عن العتبي من أن رجلا من أهل المدينة ادعى حقاً على رجل، فدعاه إلى أبن حنظب، القاضي المدينة، فقال: من يشهد بما تقول؟ فقال: زنقطة فلما ولى قال القاضي: ما شهادته له إلاّ كشهادته عليه. فلما جاء زنقطة أقبل على القاضي وقال له: فداك أبي وأمي! أحسن والله الشاعر حيث يقول:
من الحنظبيين الذين وجوههمدنانير مما شيف في أرض قيصرا
فأقبل القاضي على الكاتب وقال: كبير ورب السماء! ما أحسبه شهد إلاّ بالحق. أجز شهادته! وقال الصفدي:
صبري الذي اقتسمته غربة ونوىكأنما لهما في ذاك ميراث
وكل يومٍ على ما فيه من هرمٍيلقى صروف الليالي وهي أحداث
وقال أبن الحداد يرثي:
شمس الظهيرة هل تدرين ما حدثا؟شمس العشيرة حلت مغربا حدثا
انظر ثبيراً هل أنهدت جوانبهلحادث في ثبير الحلم قد حدثا
ومن المستحسن في باب الرثاء قول أبي الفرج الجوزي، وقد ليم على اكتحاله يوم عاشوراء:
ولائم لي على اكتحالييوم أراقوا دم الحسين
فقلت: كفوا! أحق شيءٍفيه بلبس السواد عبني
وقال الأخر يرثي بعض الأمراء:
كان الأمير نظام الدين لؤلؤةقد صاغها الله من مجد ومن شرف
عزت فلم تقدر الأيام قيمتهافردها غيرة منه إلى الصدف
وقمل الآخر في غلام له يلقب بالسيف:
ستذرف أجفاني عليك دموعهاولا غرو أن تبكي على السيف أجفان
بكتك عيون الشهب إذ كنت بدرهاوغالك من قبل التتمة نقصان
وشقت يمين الصبح فيك عن الدجاقميصا فأضحى وهو للحزن عريان
وقال الزمخشري يرثي شيخه:
وقائلةٍ: ما هذه الدرر التيتناثر من عينيك سمطين سمطين؟
فقلت: هو الدر الذي قد حشا بهأبو مضر أذني تساقط من عيني
وقول أبن الحداد:
شقيقك غيب في لحدهوتشرق يا بدر من بعده!
فهلا خسفت فكان الخسوفحداداً لبست على فقده؟
وقول أبن المعتز:
لم تمت أنت إنّما مات من لميبق للمجد والسماحة ذكرا
لست مستسقيا لقبرك غيثاكيف يسقى وقد تضمن بحرا؟
وقول العطوي في رجل كان يعول أناسا كثيرين فمات:
وليس صرير النعش ما تسمونهولكنه أصلاب قوم تقصف
وليس فتيت المسك ما تجدونهولكنه ذاك الثناء المخلف
وقال أبن عبدون الوراق:
قبرٌ بسوسة قد قبرت به الفتىأدرجت قلبي في مدارج لحده
أسكنته سكنى ورحت كأننيفي الأرض لا بشراً أرى من بعده
صمت عليَّ مسامعي في وجههز صعقت من صعق الصراخ ورعده
وجهدت أن أبكي فلم أجد البكافسكت سكتة صارمٍ في غمده
هبني بكيت له وما يجدي البكا؟ماءٌ بخدي والتراب بخده!
وهذا الباب كثير لا يأتي عليه الحصر.
ومن أشهر المراثي وأحسنها مرثية أبي الحسن الأنباري في أبي بقية حين قتله عضد الدولة وصلبه وأولها:
علوٌّفي الحياة وفي الممات:لحقٌ أنت إحدى المعجزاتِ!
وهي مشهورة معروفة. ولمّا اشتهرت ووصلت إلى عضد الدولة وأنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب! وقال أبن نباتة في النسيب:
يا رب خالٍ على خدِّ الحبيب لهفي العاشقين كما شاء الهوى عبثُ
أورثته حبة القلب القتيل بهوكان عندي أنَّ الخال لا يرثُ!
وفي الخال قول الحاجري:
عجبت لخالٍ يعبد النار دائماًبخدك لم يحق بها وهو كافرُ
وأعجب من ذا الله تعالى طرفك منذرٌيصدق في آياته وهو ساحرُ
وما أخضر ذاك الخد نبتاً وإنمالكثرة ما شقت عليه المرائرُ
ومذ أخبروني أنَّ قدك بانةٌتيقنت أنَّ القلب مني طائرُ
وفي القد قول الآخر::
بروحي معشوق الجمال فما لهشبيه ولا في حبه لي لائمُ
تثنى فمات الغصن من حسد من حسدٍ لهألم تره ناحت عليه الحمائمُ؟
وقول الآخر:
قلت للأهيف الذي فضح الغصنكلام الوشاة ما ينبغي لك
قال: قول الوشاة عندي ريحٌقلت: أخشى على غصن أن يستميلك
ويشبه هذا ما حكي أنَّ رجلا دخل دارا ينظرها ليشتريها فسمع في بعض خشبها صوتا فقال: ما هذا؟ فقال صاحب الدار: أعزك الله! هذا السقف يسبح لله ﷿. فقال: أخشى أن يلحقه الخشوع فيسجد.
وقال لبن خفاجة:
وعشيِّ أنسٍ أضجعتني نشوةٌفيه تمهد مضجعي وتدمثُ
خلعت عليَّ بها الأراكة ظلهاوالغصن يصغي والحمام يحدثُ
والشمس تجنح للغروب مريضةًوالرعد يرقي والغمامة تنفثُ
ومما يستلذ في هذا المعنى قول الآخر:
عرج بمنعرج الكثيب الأعفربين الفرات وبين شط الكوثرِ
ولتغتبقها قهوةٌ ذهبيةٌمن راحتي أحوى المدامع أحوارِ
وعشية كم كنت أرقب وقتهاسمحت بها الأيام بعد يعذرِ
نلنا بها آمالنا في روضةٍتهدي لناشقها نسيم العنبرِ
والورق يشدو والأراكة تنثنيوالشمس ترفل في قميصٍ أصفرِ
والروض بين مفضض ومذهبٍوالزهور بين مدرهم ومدنرِ
والنهر مصقول الأبطاح والرباوالشط بين مزعفرٍ ومعصفرِ
وكأنه وكأن خضرة شطهسيف يسل على بساط أخضرِ
وكأنما ذاك الحباب فرندهمهما طفا في صفحة كالجوهرِ
وكأنه وجهاته محفوفةٌبالورد والريحان خد معذرِ
نهرٌ اصفر وجه الشمس عند غروبهاإلاّ لفرقة حسن هذا المنظرِ
وقول مالك بن المرحل:
وعشيةٍ سبق الصباح عشاءهاقصراً فما أمست حتى أسفرا
مسكينةٍ لبست خلى ذهبيةًوجلا تبسمها نقاباً أحمرا
وكأن شهب الجم بعض حليهاعثرت به من سعةٍ فتكسرا
وقال أبو النصر عبد الجبار:
عليك بأغباب الوصال فضدهيعيد حبال الوصل منك رثاثا
فلو كلف الإنسان رؤية وجههلطلقه بعد الثلاث ثلاثا
ومثله قول الآخر:
عليك بإغباب الزيارة إنهاتكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
وسيأتي هذا المعنى إن شاء الله تعالى وقال الحموي:
أنَّ قوماً يلحون في حب سعدىلا يكادون يفقهون حديثا
سمعوا وصفها ولاموا عليهاأخذوا طيباً وأعطوا خبيثا
وهذا من الاقتباس وهو أن يؤتى في الكلام المنثور أو المنظوم بلفظ يشبه لفظ القرآن أو الحديث غير منوي به إنّه قرآن أو حديث. ولا بد من هذا القيد الآخر: ولذلك ساغ سوق اللفظ مع تغيير فيه أو في معناه ولا يلزم فيه كفر تبديل القرآن ولا خلاف نقل الحديث بالمعنى. ولنذكر طرفا من ذلك هاهنا: فمن الاقتباس من القرآن في النثر قول الحريري: فلم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب. وهو في الشعر أكثر. ثم إنّه قد يكون اللفظ المقتبس بيتا كاملا كقول أبي محمد بن السيد البطليوسي في بعض مواضعه:
خففوا ثقل الخطاياأفلح القوم المخففون!
كيف تعطون من الباقيوبالفاني تضنون؟
لن ينالوا البر حتىتنفقوا مما تحبون!
وقول أبن العفيف:
يا عاشقين حاذروامبتسما من ثغره!
فطرفه الساحر قدشككتم في أمره
يريد أن يخرجكممن أرضكم بسحره
وقد يكون شطر البيت كقول أبي فراس:
قد كان بدر السماء حسناًوالناس في حبه سواءُ
لا تعجبوا! ربما قديرٌيزيد في الخلق ما يشاءُ
وقول محيي الدين البغدادي:
إن لا مني من رلا رآه فقدجار على الغائب في الحكمِ
وإن لحاني من رآه فقدأضله الله على علمِ
وقول أبن الدماميني وقد رأى جرة خمر كسرت فساحت الخمر على الأرض:
كسروا الجرة عمداًملؤوا الأرض شرابا
قلت والإسلام ديني:ليتني كنت ترابا!
وقلت أنا في نحو هذا أخذا منه:
عثرت هيفاء تحكيبدر تمٍّ حين غابا
قبَّلَ التراب لماهاونضا عنها النقابا
وجنى ورداً ونداًوارتوى منها رضابا
قلت لمّا عانقته: ليتني كنت ترابا!
وقد يكون أقل من الشطر الثاني كقول أبن النبيه:
قل لراسي الجفون إنَّ لجفنيفي بحار الدموع سبحا طويلا
وهي قصيدة على هذا النمط، أخذ قوافيها من سورة المزمل.
ولابن سهل الإسرائيلي قصيدة أخرى مثلها، اخذ قوافيها من سورة مريم، وكلتاهما مشورة. ومن ذلك قول بعضهم:
إذا رمت عنها سلوة قال شافعمن الحب: ميعاد السلو المقابر
سيبقى لها في مضمر القلب والحشىسرائر ود يوم تبلى السرائر
وقولنا:
في ظيبة هيفاء من أجفانهاسحر الجفون البابلي تواتراً
فإذا انتضت من جفنها غضبين منجفنين قلنا: ساحران تظاهراً
وفي التورية في الجفنين. وهذا الاقتباس هنا مما اختلف فيه الأصل والفرع معنى من جهة الحقيقة والمجاز. ومثله قول أبن الرومي يخاطب رجلا مدحه ولم يثبه:
لئن أخطأت في مدحكما أخطأت في منعي:
لقد أنزلت حاجتيبوادٍ غير ذي زرعٍ
فأنه جعل مجازا عن الرجل الذي لا خير فيه وهو في الآية حقيقة.
ومن الاقتباس في الحديث قول بعضهم:
قال لي إنَّ رقيبيسيئ الخلق فداره
قلت: دعني وجهكالجنة حفت بالمكاره
أخذ من الحديث: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وقول بعضهم في غلام اسمه بدر فيه تورية:
يا بدر أهلك جارواوعلموك التجري
وقبحوا لك وصليوحسنوا لك هجري
فليفعلوا ما أرادوافإنهم أهل بدر!
اخذ من الحديث: لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم! وقول بعضهم:
ومهفهفٍ يزري على القمروجناته روض في الزهر
خالسته نوار وجنتهوأخذ منها على حذر
فأخافني قوم فقلت لهم:لا قطع في ثمر ولا كثر
فقوله: لا قطعتم في ثمر ولا كثر هو لفظ حديث. والكثر جمار النخل. وقد زاد بعضهم الاقتباس من الفقه، وزاد أخرون الاقتباس من سائر العلوم. فمن الاقتباس من علم الفقه قول أبي تمام:
إنَّ حراما قبول مدحتناوترك ما نرتجي من الصفد
مثل الدنانير بالدراهم فيالصرف حرام إلاّ يدا بيدِ
شرطت عليهم عند تسليم مهجتيوعند انعقاد البيع قربا يواصل
فلما أردت الأخذ بالشرط عرضواوقالوا يصح البيع والشرط باطل
وقول مالك بن المرحل موريا:
مذهبي تقبيل خد مذهبٍصاحبي ماذا ترى في مذهبي؟
لا تخالف مالكا في رأيهفيه يأخذ أهل المغرب!
وقول أبن العفيف:
قضاة الحسن ما صنعي بطرفتمنى مثله الرشا الربيب؟
رمى فأصاب قلبي باجتهادٍصدقتم: كل مجتهد مصيب!
وقول أبي عبد الله الشران، وقد كان عند أبن جماعة إعذار، فدعا البلد، ولم يدع الشران فكتب إليه الشران:
ماذا أعد المجد من أعذارهفي ترك دعوتنا إلى إعذاره؟
إنَّ كان رسم دون محضرنا اكتفىلا بد إنَّ يبقى على إعذاره
ومن الاقتباس من علم قول أبي بكر بن حجة الحموي:
أيا عرب الوادي المنيع حجابهوأعني به قلبي الذي به خيموا
رفعتم قبابا نصب عيني نحوهاتجر ذيول النوق والقلب يجزم
منعتم تحيات السلام لموتناغراما وقد متنا فصلوا وسلموا!
وقول البوصيري:
خفضت كل مقام بالإضافة إذنوديت بالرفع مثل المفرد العلم
وقول بهاء الدين زهير:
يقولون لي أنت الذي طار ذكرهفمن صادر يثنى عليك ووارد
هبوني كما قد تزعمون أنا الذيفأين صلاتي منكم وعوائدي؟
ومرض شرف الدين بن عنين، فكتب إلى الملك المعظم بن المكل العادل:
انظر إلي بعين مولى لم يزليولي الندى وتلاف قبل تلاف
أنا كالذي يحتاج ما يحتاجهفاغنم دعائي والثناء الوافي
فلما بلغه البيتان، نهض إلى زيارته واستصحب ألف دينار. فلما دخل عليه وعاينه قال له: أنت كالذي هو موصول، يحتاج إلى صلة وعائد، فهذه الصلة وأنا العائد.
وقول السليماني:
وإني الذي أقصيته وهجرتهفهل صلة أو عائد منك للذي؟
وقولنا من أبيات:
فلم يكن عن ذلك فعلي معرباتغنيت بالماضي من الحال والأمر
وفولنا من أخرى:
قصر الهناء أسى لغير ضرورةٍلولا نواكم، والهوى ممدود
ومن أظرف ما وقع في ذلك قول أبن جابر يخاطب معزولا عن ولاية:
فلا تغضبن إذا ما صرفتفلا عدل فيك ولا معرفه!
ومن الاقتباس من علم الحديث قول أبن جابر:
نقل المسواك فيما قد روىأنَّ ذاك الريق مسك وعسل
قلت: عن من؟ قال: عن مبسمهاقلت: هذا خبر صح وجل
مذ تبدى جوهر الثغر لناصح في حسن لدينا ما نقل
وقولنا في هذا المعنى:
نقل النسيم عن الأرائك محدثاعن ثغر سلمى الأشنب الواضح
وحديثه المروي أنَّ رضابهعسل ومسك شوبا بالراح
يفتر العقدين من برد صفاولآلئٍ منضودة وأقاح
صدقا أحاديث الصحيحين اعتلتعن ريبة تغزى لها من لاح
ومن الاقتباس من علم أصول الفقه قول أبن جابر:
جئتها طالبا لسالف وعدفأجابت: لقد جهلت الطريقه
إنّما موعدي مجاز فقلت: الأصلفي سائر الكلام الحقيقه
وقوله أيضاً:
لا تعجبوا من عموم الحب في الرشإٍكل الجمال له في الناس مخصوص
بدر ولكن إلى الغزلان منتسبقد نص ذلك جيد منه منصوص!
وقول آخر:
كيف لي بالسلو عنها وقلبيقد هوى حمله بمهوى الخرص؟
ما تعصيت ظاهر الصبر إلاّردني جيدها بأوضح نص
وقول أبي بكر بن حجة، رحمه الله تعالى، وهو في الفنين معاً.
بوادي حماة الشام أيمن الشطوحقك تطوى شقة الهم بالبسط
بلاد إذا ما ذقت كوثر مائهاأهيم كأني قد ثملت بإسفنط
فمن يجتهد في أنَّ بالأرض بقعةتماثلها قل: أنت مجتهد مخطي
وصوب حديثي مائها وهوائهافإن أحاديث الصحيحين ما تخطي
ومن الاقتباس من علم الكلام قول أبن جابر:
عرض الحب دون جوهر ذاكالثغر من أكبر المحال بجود:
أجمع الناظرون في ذاك أنَّ لاعرض دون جوهر في الوجود
وقولنا من أبيات:
فالجسم بالٍ ذو وبالٍ بعدكمأبدا به عرض الشحوب جديد
وفي هذا البيت الجناس بين بالٍ وبالٍ، والاقتباس في الجسم والعرض، ومراعاة النظير بذلك الاعتبار، والطباق بين البلى والجدة.
ومن الاقتباس من علم المنطق قول أبن جابر:
مقدمات الرقيب كيف غدتعند لقاء الحبيب متصله
تمنعا الجمع والخلو معاوإنّما ذاك حكم منفصله
وقول أبن الخطيب:
حتى إذا فرض الجلاد جدالهورأيت ريح النصر ذات هبوب
قدمت سالبة العدو وبعدهاأخرى بعز النصر ذات وجوب
وإذا توسط حد سيفك عندهاجزئي قياسك فزت بالمطلوب
وقول الآخر:
يا دمع أجفاني أطرد يا حرأضلاعي أتقد يا قرح اكبادي أنتك
ويقل إتلاف النفوس تلفهالفوات حظ منك لم يستدرك
أملي يشك وعفوكم متواطئفأصار من متواطئ لمشكك
مالي سواك لمن أمد يد الرجامتمسكا يا ملجأ المتمسك!
ومن الاقتباس من علم العروض قول الآخر:
له جيش نصر قد نضى السعد دونهصوارم روع لا تلقيها القوانس
إذا ما قوافي الخيل فيه تداركتفأبشر بنصر بحره متكاوس!
وقولنا من قصيدة:
سلام طويل الحب فيكم مديدهفليس بذي نهك وليس بذي شطر
وقولنا أيضاً في التغزل:
يا شادنا يصيد أساد غيلبقوس صدغين وسهم كحيل
بم استبحت دمي الحرم فيقتلي وحرمت وصالي الحليل؟
وقطع سببي من ودادك وذا لا يرضينه الخليل
وفي الخليل التورية وفي الأبيات أنواع أخرى من البديع ظاهرة.
ومن الاقتباس من علم الهيئة قول الغزالي:
يا حسن ليلتنا التي قد زارنافيها فأنجز ما مضى من وعده!
قومت شمس جماله فوجدتهافي عقرب الصدغ الذي في خده
وقوله أيضاً:
حلت عقارب صدغه من خدهقمرا يجل به عن التشبيه
ولقد عهدناه يحل ببرجهاومن العجائب كيف حلت فيه!
ومن الاقتباس من علم الهندسة قول أبن جابر:
محيط بشكل الملاحة حسنهكأن به أقليدسا يتحدث
فعارضه خط استواءٍ وخالهبه نقطة والشكل شكل مثلث
ومن الاقتباس من علم الخط قول أبن جابر أيضاً:
فوق خديه للعذار طريققد بدا تحته بياض وحمره
قيل ماذا؟ فقلت: أشكال حسنٍتقتضني أنَّ أبيع قلبي بنظره
واعلم أنَّ معظم ما نشدنا، لك إنَّ تجعله من باب الإيهام تورية أو توجهها لا من باب الاقتباس والخطب سهل.
ومما جمع ثلاثة فنون مما مر قول بعضهم:
دارست قلبي الصبر أعتدهعن عاصم لي منك أو نافع
فلم يكن يرفع ما حل بيورب فعل ليس بالرافع
ضل بي المذهب يا مالكيفهل لذلك الوجه من شافع؟
ومثل هذا قول الآخر:
من شافع لي عند مالك مهجتي؟مالي سوى حبي وليس بنافعي
فمن المحقق أن مذهب مالكٍلا تستقيم لديه حجه شافعي
وهذا الباب أكثر من أن يأتي عليه الحصر.
وقال أبن العربي، وقد وقف عليه مليح وهو في مجلس فهز ومحا بيده، ارتجالا:
يهز علي الرمح ظبي مهفهفلعوب بألباب البرية عابث
فلو كان رمحا واحدا لا تقينهولكنه رمح وثان وثالث!
وهذا غاية في القوة العارضة أنسجاما وحسن سبك وصحة معنى، الارتجال وصعوبة القافية. وقد وقع إشكال لجماعة من الأدباء في الشعر وما أريد فيه، وذلك من حيث لم يعتد استعمال الرمح في العيون؛ وإلاّ فهو بين واضح.
وقلت أنا:
لا يلهينك من فتى سربالهوبهاء منظره ورونق نفثه
أو تقتحمه من رثاثة زيهفتجول في إطرائه أو مغثه
حتى تبين قدره عن فرهولجينه عن بحثه
وتميز عن طول الزمان هشيمهمن غضه وسمينه من غثه
ونفاذه غرض النوائب إنَّ دجتمن طيشه ووفاء من ملثه
ومقام ما أستودعه من كامنالأسرار في كتمانه أو نثه
وترى إذا ما شمت بارق وعدهأن قد مطرت بوبله أو دثه
وترى جلية قوله إما روىنبا لدى تهذيبه أو مقثه
وترى بمرجاس البصيرة غورهفي وده للأصدقاء ودعثه
فهناك إن احمدته فلتصفهودا وإلاّ فلتحد عن وعثه
فلرب ذي ورم يروق رواؤهحسنا وسوف تمجه في دأثه
ولرب مرعى مونق في دمنةوإذا شممت صددت عنه لخبثه
ولرب حسي ترتوي من عذبهعفوا وتكدي أو تشوب بنبثه
ومهند ذكر حسام باترخلق الجفير من الحوادث رثه
أزرت به مرآته وإذا انتضيأرضاك مشهده ومرأى جثه
هذا وإنَّ المرء ليس بحاصدأبدا سوى ما قد أتى من حرثه
ولسوف يجني كل ما هو غارسفي دهره من كرمه أو رمثه
ويرى مغبة سعيه مذخورةلمآبه من رمثه أو عيثه
النفث: المراد به الكلام. والإطراء: المبالغ في المدح والمغث ضده واللجين مصغرا: الفضة واللجين مثل أمير زبد أفواه الإبل وما سقط من الورق عند الخبط. وأطلق اللجين واللجين على محمود الأخلاق ومذمومها كما يقولون: إنَّ فلان لا يفرق بين لجين الكلام ولجينه أي بين جيده ورديئه؟ والنفاذ والطيش أصلها في السهام وذكرهما مع ذكر الغرض في النوائب استعارة وفي الغرض مع ذلك توجيه. والملث: الوعد بلا نية الوفاء. والدث: المطر الضعيف. والمرجاس: حجر يرمى في البئر ليعلم به عمقها وفيه أقوال أخرى. واحمدت الرجل: وجدته محمودا وكذا اذممته: فإنَ قلته بلا همزة كان بمعنى الثناء والمناسب هنا الأول. والدأث بفتح الدال المهملة وسكون الهمزة: الأكل والحسي: بئر غير غارقة بمستنقع فيها الماء وينبع منها واكدى الحافر: بلغ كديه في حفره. والرمث بكسر الراء: شجرة معروفة من أشجار البادية وليس لها من الثمرة ما للكرم وهو ضجر العنب فكني بالكرم والرمث عن السعي الذي يجدى نفعا والذي لا نفع فيه كغارس
الرمث المذكور. والمث بفتح الراء: الأصلاح وضده العيث وهو الإفساد.
وقول الآخر:
ليل البراغيث داء لا دواء لهلا بارك الله في ليل البراغيث
كأنهن بجسمي إذ علقن بهأيدي الشهود على مال المواريث
وقال أبن شرف في معناه:
لك منزل كملت ستارتهللهو لكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب وظل يزهو حولهفيه البعوض ويرقص البرغوث
ومثله قول الآخر:
ليل البراغيث والبعوضليل طويل بلا غموض
فذاك ينزو بغير رقصوذا يغني بلا عروض
وقول أعرابي بات بمصر فآذاه البرغوث:
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكنبأرض الغضا ليلي علي يطول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةوليس لبرغوث علي سبيل
وقول الكناني ملغزا فيه:
ومعشر يستحل الناس قتلهمكما استحلوا دم الحجاج في الحرم
إذا سفكت دما منهم فما سفكتيداي من دمه المسفوك غير دمي
وقول أبن سكرة في مليح يعرف بابن برغوث:
بليت ولا أقول بمن لأنيمتى ما قلت من هو يعشقوه
حبيبي قد نفى عني رقاديفإنَ غمضت أيقضني أبوه
وقال البستي:
لا در در نوازل الأحداثنقلت احبتنا إلى الأجداث
فغدت مآنسنا وهن مقابروغدت مدائحنا وهن مراث
وفي هذا القدر من الباب كفاية. والله يقول الحق وهذا يهدي السبيل.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع