من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
وقولهم: هو بين سمع الأرض وبصرها (٣)
وقرفاً بالملامة أي خليقا لها. وشرواها: مثلها. والخزر: النظر بمؤخرة العين، وهو معروف عند العامة اليوم. والجخيف: التكبر. والمداجات: المساترة والغفيرة: الغفران. ولا تنشطوا: لا تحملوا. ولا تلحقوا العون: لا تسرعوا الحرب، وأصله في الإبل؛ يقال: لقحت الناقة إذا حملت وألقحها الفحل. والعون جمع عوان وهي الثيب
وتستعار للحرب التي قوتل فيها مرة أخرى. وتورثوا: تذكوا. والاليلة: الثكل. والابلاد: الآثار، وأحدها بلد. والقعساء: الثابتة. وتفوقهم: تسقيهم الفواق أي ما بين الحلبتين. وتستنبثوها: تستخرجوا نبيثها والنبيثة في الأصل ما يخرج من البئر إذا حفرت. ومكشم: مقطوع.
وقال الآخر:
يرى الحاضر الشاهد المطوئنمن الأمر ما لا يرى الغلئبُ
وقال الأحوص:
قالت وقلت تحرجي وصليحبل امرئ بوصالكم صبُ
صاحب إذا بعلي فقلت لهاالغدر شيء ليس من ضربي
ثنتان لا أدنو لوصلهما:عرس الخليل وجارة الجنبِ
أما الخليل فلست فاجعهوالجار أوصاني به ربي
عوجا كذا نذكر لغانيةٍبعض الحديث مطيكم صحبي
ونقل لها فيهم الصدود ولمأذنب بل أنت بدأت بالذنبِ
إن تقبلي نقبل وننزلكممن بدار السهل والرحبِ
أو تدبري يكدر معيشناوتصدي متلائم الشعبِ
ولمّا سمع أبو السائب هذا الشعر قال: هذا المحب عيناً لا الذي يقول:
وكنت إذا حبيبٌ رام صرميوجدت وراي منفسحاً عريضا
اذهب فلا صحبك الله ولا وسع عليك! قلت: واتما قال ذلك لأنهم يرون أنَّ فضيلة المحب وكمال العاشق أن يتطبع بلواعج البلبال، ويستديم الصبابة على كل حال.
وحدث بعض الأدباء قال: قال عروة بن عبد الله: نزل أبن أذينة في دارنا بالعقيق فسمعته ينشد:
إنَّ التي زعمت فؤادك ملهاخلقت هواك كما خلقت هوى لها
كيف الذي زعمت به وكلاهماأبدى بصاحبه الصبابة كلها؟
ولعمرها لو كان حبك فوقهايوما وقد ضحيت إذا لأظلها!
وإذا وجدت لها وساوس سلوةشفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
بيضاء باكرها النعيم فصاغهابلطافة فأدقها وأجلها
لمّا عرضت مسلما لي حاجةأخشى صعوبتها وأرجو ذلها
منعت تحيتها فقلت لصاحبيما كان أكثرها لنا وأقلها!
فدنا وقال لعلها معذورةٌفي بعض رقبتها فقلت لعلها
قال وبلغ ذلك أبا السائب المخزومي فأتاني وقال: أنشدني ما سمعت من عروة أذينة، فأنشدته إياها فلما بلغت البيت الأخير طرب وقال: والله الدائم الصبابة الصادق لا الذي يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبةًعني فأهلي بي أضن وأرغبُ
ثم قلت: هلم الذي الطعام! فقال: والله ما كنت لأخلط بلذة هذه الأبيات طعاما إلى الليل! وأنصرف.
قلت: ووقع ما يشبه العيب الذكور في قول امرئ القيس:
أأسماء أمسى ودها قد تغيراسنبدل إن أبدلت بالود آخرا
ومن نمط المحمود في استدامة الحب والصبابة قول بعضهم:
إذا ما صديق أسا مرةًوقد كان فيما مضى مجملا
ذكرت المقدم من فعلهِفلا ينقض الآخر الأولا
وقال الآخر، وينسب للمجنون أو إبراهيم بن العباس:
تطلع من نفسي إليك نوازعٌعوارف أنَّ اليأس منك نصيبها
وأزالت زوال النفس عن مستقرهافمن مخبري في أي أرضٍ غروبه؟
حلالٌ لليلى أن تروع فؤادهُبهجرٍ ومغفورٌ لليلى ذنوبها
وقال الآخر:
ومن شغفي فيكم ووجدي أننيأهون ما ألقاه وهو هوانُ
ويحسن قبح الفعل إن جاء منكمكما طاب ريح العود وهو دخانُ
وقال الآخر:
إن أمت وجداً فلي قدمٌبي إلى حتف الهوى سعتِ
أو ترق يلك اللحاظ دميفهي في حلٍّ وفي سعةِ
وقال الآخر:
أبدا أزيدُ مع الوصال تلهفاًكالعقد في جيد المليحة يقلقُ
ويزيدني كلفا فأذكر فعلهُكالمسك تسحقه الأكف فيعبقُ
وقال الآخر:
فرقت بيننا الحوادث لكنفي نفسٌ إليكم أدنيها
وكأني في الود فأرة مسكٍأفرغوها ونفحة الطيب فيها
وقال الآخر:
وإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍجاءت محاسنه بألف شفيعِ
وقال بعضهم فيه:
ما ذلتي في حبكم وخضوعيعارٌ ولا شغفي بكم ببديعِ
دين الهوى ذلٌ وجسمٌ ناحلٌوسهاد أجفانٍ وفيض دموعِ
كم قد لحاني في هواكم لائمٌوثنيت عطفي عنه غير سميعِ
ما يحدث التقبيح عندي سلوةًلكم ولو جئتم بكل فظيعِ
وإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍجائت محاسنه بألف شفيعِ
وقال الحكيم:
مستقبل بالذي بهوى وإن كثرتمنه الذنوب ومعذورٌ بما صنعا
في وجهه شافعٌ يمحو أساءتهمن القلب وجيهٌ حيثما شفعا
وقول أبي فراس الحمداني:
أساء فزادته الإساءة حظوةًحبيبع ما كان منه حبيبُ
تعدُ عليَّ الوشيات ذنوبهوأين من الوجه المليح ذنوبُ؟
وقال الآخر:
وكلما رمتُ أن أقابلهعلى تماديه في تعديهِ
جاءت على غفلةٍ محاسنهتلزمني الصفح عن مساويهِ
وقال الآخر:
كلما أذنب أبدى وجههحجةً فهو مليٌ بالحججِ
كيف لا يفرط في إجرامهمن متى شاء من الذنب خرج
وقال الآخر:
عفت محاسنه عندي إساءتهحتى لقد حسنت عني مساويهِ
وقال الآخر:
لي حبيبٌ كالظبي غرٍّو لكنبعذابي في الحب ما أغراهُ!
وإذا كرر الذنوب فيكفيهاعتذاراً مما جنى أن أراهُ
وقال الآخر:
ومستنصٍ في العذر مستعجل القلىبعيدٍ من العتبى قريبٍ من الهجرِ
له شافعٌ في القلب مع كلِّ زلةٍفليس بمحتاج الذنوب إلى العذرِ
وقال أبي الطيب:
فأن يكن الفعل الذي ساء واحداًفأفعاله اللائى سررن ألوفُ
وقال حاتم أو عمرو بن الأهتم:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحلهويخصب عندي والمحل جديبُ
وما الخصب للأضيافِ أن يكثر القرىولكنما وجه الكريم خصيبُ
وسنذكر ما في هذا النزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى. وقال رجل من عبس:
إذا راح ركبٌ مسرعون فقلبهمع الرائحين المسرعين جنيبُ
وإن هبَّ علويُّ الرياح رأيتنيكأني لعلو يأتهن نسيبُ
فلا خير في الدنيا إذا أنت لم تزرحبيباً ولم يطرب إليك حبيبُ
وقال الآخر:
من كان يزعم أن سيكتم حبهحتى يشكك فيه فهو كذوبُ
الحب أغلبُ للفؤاد بقهرهمن أن يرى للستر فيه نصيبُ
وإذا بدا سر اللبيب فإنهلم يبد إلاّ أنه مغلوبُ
إني لأبغض عاشقاً متستراًلم تتهمه أعينٌ وقلوبُ
وقال ذو الرمة:
إذا هبت الأرواح من نحو جانبٍبه أهل ميٍّ هاج لبي هبوبها
هوى تذوف العينان منه وإنماهوى كل نفسٍ حيث حل حبيبها
وقال المجنون:
يقولون لي يوماً وقد جئت حيهموفي كبدي نارٌ يشب لهيبها
أما تخشى من أسدنا؟ فأجبتهمهوى كلً نفسٍ حيث حل حبيبها
وقال بعض الأعراب:
شكوت فقالت كل هذا تبرماًبحبي أراح الله قلبك من حبي!
فلما كتمت الحب قالت لشدماصبرت وما هذا يفعل شجي القلبِ
وأدنو فتقصيني وأبعد طالباًرضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي يؤذيها وصبري سيوؤهاوتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلةٍ تعرفونها؟أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي!
وتقدم هذا المعنى في حرف الهمزة. وقريب منه وإن عاكسه في الترديد قول امرئ القيس:
وقالت متى يبخل عليك ويعتلليسؤك وإن يكشف غرامك يدربِ
وقال الإمام العارف بالله تعالى أبو بكر الشبلي ﵁ وقد دخل على شيخه الإمام أبي القاسم الجنيد ﵁ فوقف بين يديه وصفق بيده وقال:
عودوني الوصال والوصل عذبُورموني بالصد والصدُ صعبُ
زعموا حين أزمعوا أنَّ ذنبيفرط حبي لهم وما ذاك ذنبُ
لا وحق الخضوع عند التلاقيما جزا من يحب إلاّ يُحَبُ
فأجابه الشيخ فقال:
وتمنيت أن أراكفلما رأيتكا
غلبت دهشة السرورفلم أملك البكا
وقال أبو علي الفارسي النحوي:
خضبت الشيب لمّا كان عيباًوخضب الشيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هجر خلٍولا عيبا خشيت ولا عتابا
ولكن المشيب بدا دميمافصيرت الخضاب له عقابا
وسيأتي ذكر ما في الشيب والخضاب مستوفي إن شاء الله تعالى.
وقال عبد الله بن سعيد الموصلي الشافعي:
قالوا سلا، صدقوا عنالسلوان ليس عن الحبيبِ
قالوا: فلم ترك الزيارة؟قلت: من خوف الرقيبِ
قالوا: فكيف يعيش معهذا؟ فقلت: من العجيبِ
وقال انو العرب الصقلي:
لا تعجبن لرأسي كيف شاب أسىًوأعجب لأسود عيني كيف لم يشب
البحر للروم لا تجري السفين بهإلاّ على خطرٍ والبر للعرب
وسبب قوله ذلك إنَّ المعتمد بن عباد بعث إليه بخمسمائة دينار وأمره أن يتجهز بها ويقدم عليه، فكتب إليه الحصري:
أمرتني بركوب البحر أقطعهغيري لك الخير فاخصصه بذي الداء
ما أنت نوحٌ فتنجيني سفينتهولا أنا أمشي على الماءِ
وقال أبو الوفاء:
ومن كان في المسعى أبوه دليلهتدانى له الشأو الذي هو طالبه
وقال يحيى بن خالد بن برمك:
أنصب نهاراً في طلاب العلىوأصير على فقد الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى مقبلاواستترت فيه وجوه الغيوبُ
فكابد الليل بما تشتهيفإنما الليل نهار الأريب
كم من فتى تحسبه ناكساًيستقبل الليل بأمر عجيب
غطى عليه الليل أستارهفبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفةيسعى بها كل عدو رقيب
وسبب هذا الشعر أن ابنه الفضل بن يحيى كان الرشيد قد ولاه عمل خراسان فأقام بها مدة ثم وصل كتاب صاحب البريد إلى الرشيد، ويحيى بين يديه جالس، مضمنه أن الفضل أشتغل بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية. فلما قرأ الرشيد الكتاب رمى به إلى يحيى وقال له: يا أبي! اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه ما يرده عن هذا. فكتب إليه يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك! قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه شاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية فأنكره، فعاود ما هو زين بك، فانه من عاد إلى ما يريبه ويشينه لم يعرفه أهل دهره إلاّ به، والسلام. وكتب في أسفله الأبيات المذكورة، والرشيد ينظر إلى ما يكتب. فلما فرغ قال: أبلغت يا أبي! فلما ورد الكتاب على الفضل، لم يفارق المسجد نهاراً إلى إنَّ انصرف عن عمله.
وقال الإمام الشافعي ﵁: تزوجت امرأة بمكة من قريش، وكنت أمازحها فأقول:
ومن البليلة أنَّ تحبفلا يحبك من تحبه
فتقول هي:
ويصد عنك بوجههوتلج أنت فلا تغبه
وقال الشريف الرضي:
ولقد وقفت على طلولهموربوعهم بيد البلى نهب
ومن أعجب الاتفاق أن بعض الأدباء مر بدار الشريف هذا التي ببغداد، وقد خربت وذهبت بهجتها، ولم يبق منها إلاّ آثار تشهد لها بالحسن والنظارة. وفوقف وتمثل بالبيت المذكور وهو لا يعرف لمن الدار. فمر به شخص وسمعه ينشد البيت فقال له: أتعرف هذه الدار؟ قال: لا. قال: هي دار الشريف صاحب البيت. وهذه تشبه حكاية
عبيد الجرهمي، وكان دخل على معاوية فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت. فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فاغرورقت عيناي بالدموع، وتمثل بقول الشاعر:
يا قلب إنك من أسماء مغرورفاذكر، وهل ينفعنك اليوم تذكير؟
فاستدر الله خيرا من وراضين بهفبينما العسر إذ جاءت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطإذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفهوذو قرابته في الحي مسرور
فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا الشعر؟ فقلت: لا. فقال: إنَّ قائله هو الذي دفناه الساعون وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الخارج من قبره أمس الناس رحما وأسرهم بموته. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا! وقال صر در:
إنَّ الهلال يرتجي طلوعهبعد السرار ليله احتجابه
والشمس لا يويس من طلوعهاوإنَّ طولها الليل في جنابه
وقال:
كم عودة دلت على دوامهاوالخلد للإنسان في مآبه!
ولو قرب الدر على جالبهما لجج الغائض في طلابه
ولو أقام لازما أصدافهلم تكن التيجان في حاسبه
ما لؤلؤ البحر ولا مرجانهإلاّ وراء الهول من عبابه
وقال الآخر:
جروح الليالي ما لهن طبيبوعيش الفتى بالفقر ليس يطيب
وحسبك أنَّ المرء في حال فقرهتحمقه الأقوام وهو مصيب
ومن تعتوره الحادثات بصرفهايمت وهو مغلوب الفؤاد سليب
وما ضرني أنَّ قال أخطأت جاهلإذا قال كل الناس أنت مصيب
وقال علي بن الجهم:
سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعةودنى فؤادا من فؤاد معذب
فبتنا جميعا لو تراق زجاجةمن الخمر فيما بيننا لم تسرب
وهذا معنى بليغ في العناق، أخذه من قول بشار:
فبتنا معا لا يخلص الماء بينناإلى الصبح دوني حاجب وستور
وأبلغ منه في هذا المعنى قول عبد الله من المعتز:
ما اقصر الليل على الراقدوأهون السقم على العائد
ويفديك ما أبقيت من مهجتيلست لمّا أوليت بالحاجد
كأني عانقت ريحانةتنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجىحسبنا من جسد واحد
وهو مأخوذ من قول الآخر:
خلوت فناداها ساعةعلى مثلها يحسد الحاسد
كإنا وثوب الدجى مسبلعلينا لمبصرنا واحد
وابلغ من هذا عندي قول أبن الرومي:
أعانقها والنفس بعد مشوقةإليها وهل بعد العناق تدان؟
وألثم فاها كي تموت حرارتيفيشد ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الهوىليشفيه ما ترشف الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفي غليلهسوى أن يرى الروحان يمتزجان
فإن الامتزاج أخص مطلق الوحدة وأصرح في قطع العدة، وذلك في الأرواح أبلغ وأبدع منه في الأجسام، غير إنّه في الشعرين السابقين إخبار عن أمر هو واقع أو كالواقع، بخلاف هذا.
ولابن عبدوس الفارسي في العناق أيضاً:
لا والمنازل من نجد وليلتنايفيد إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكهنوما فما أنفك لا خد ولا عضد!
وهو نحو ما للأولين وابلغ من حيث الجزم
واصلح بن موسى:
لي سيدٌ ما مثله سيدٌتصدت الحمى له فاشتكا
عانقته عند موافاتهاوالأفق بالليل قد أحلو لكا
فجاءت الحمى لعادتهافلم تجد ما بيننا مسلكا
وهو نحو ما لابن الجهم وأبلغ منه لأن عدم نفوذ المعنى أغرب من عدم نفوذ الجسم.
ولابن رشيق أيضاً:
ومهفهفٍ يحميه عن نظر الورىغيران سكنى الموت تحت قبابه
فلثمت خداً منه ضرم لوعتيوجعلت أطفئ حرها برضابه
وضممته للصدر حتى استوهبتمني ثيابي بعض طيب ثيابه
فكأن قلبي من وراء ضلوعهطرباً يخبر قلبه عما به
ولابن معتز:
يا رب إخوان صحبتهملا يرفعون لسلوة قلبا
لو تستطيع قلوبهم خرقتأجسامهم فتعانقت حبا
وهذا أبلغ ما سمعنا في الباب وتركنا ما قيل في مطلق العناق. وهو كثير خشية الإطناب.
وقال أبو قتبان المصري في باب المدح:
رغبت لنفسي أن أكون مصاحباًأناساً قيدوا إلى الذل أصحبوا
فجاورت ملكا تستهل يمينهندى حين يرضى أو ردى حين يغضبُ
تدور كؤوس الحمد طوراً فينتشيوطوراً تعني المرهبات فيطربُ
عرفت فكان الانتساب زيادةوغيرك يخفيه الخمول فينسبُ
وفي بعض ذا المجد الذي ظفرت بهيدرك غنى عما بنى الجد والأبُ
قضى الله أن يزداد بينك رفعةعلى أنه فوق النجوم مطنبُ
وقال أبو العلاء:
ردت لطافتة وحدة ذهنهوحش اللغات أو إنساً يخاطبه
كالنحل يجني المر من نور الربىفيعود شهداً في طريف رضابه
وقال أبو المظفر:
يا من يساجلني وليس بمدركشأوي وأين له جلاله منصبي؟
وسيأتي تمام هذا الشعر بعد، إن شاء الله تعالى.
وقال مالك بن المرحل:
وبيداء كانت لي ضلوعاً تكننيكأني فيها لوعةٌ ووجيبُ
وتحت قميص الليل مني مجمروفوق رداء الصبح مني طيبُ
وفي مقلة الظلماء مني موردٌله بين أهداب السحاب دبيبُ
وفي مبسم الإصباح مسواك إسحلٍولكنه مهما عجمت صليبُ
فيقضي علي والليل أدعجٌويفصم عني الصبح وهو شنيبُ
وقال الآخر يرثي صديقا له نصرانياً:
أخي بوداد لا أخي بديانتيورب أخٍ في الود مثل نسيبِ
وقالوا أتبكي اليوم من لست صاحباًغداً؟ إنَّ هذا فعل غير لبيبِ
ومن أين لا أبكي حبيبا فقدتهإذا خاب منه في المعاد نصيبي؟
وقال بعض الأعراب:
أحجاج بيت الله في أي هودجٍوفي أي بيت من بيتوكم حبي؟
يقولون هذا آخر العهد منكمفقلت وهذا آخر العهد من قلبي
وقال الآخر:
ليس ليوم البين عندي سوىمدامعٍ يجمعها سكبُ
كأنما فض بأجفانهارمانةٌ فانتثر الحبُ
وقال الآخر:
والغصن قد مال نحو النهر فالتقياعلى هوى حين غنى الطائر الطربُ
فقبل النهر غصناً ثغره زهروقبل الغصن نهراً ثغره حببُ
وقال الآخر:
قم أدرها فالليل رق دجاهوبدا طيلسانه ينجابُ
وكأن الصباح في الأفق بازٌوالدجى بين مخلبيه غرابُ
وكأن السماء لجة بحروكأن النجوم فيه عبابُ
وسيأتي ما قيل في هذا المعنى من مختار الشعر.
وقال محمد بن حسام الدين:
ألا إنَّ أرض الغرب أفضل موطنٍتساق إليه الواخذات النجائبُ
ولو لم تكن في الغرب كل فضيلةلمّا حركت شوقا إليه الكواكبُ
وقال الآخر:
قوض خيامك عن أرض يهان بهاوجانب الذل إنَّ الذل مجتنبُ
وارحل إذا كانت الأوطان مضيعةفالمندل الرطب في أوطانه حطبُ
وتقدم هذا المعنى مستوفي. وفي معناه أيضاً قول سهل بن مالك:
منغص العيش لا يأمي إلى دعةٍمن كان ذا ولدٍ أو كان ذا بلدِ
والساكن النفس من لم ترض همتهسكنى مكان ولم يسن إلى أحدِ
وقال لبن الخطيب:
وإذا تنغصك الزمان ببلدةٍفاطو المراحل كي تحوز كمالا
لمّا توغل في السرى بدر الدجىأبصرته بدراً وكان هلالا
وقال الآخر:
مللت حمص وملتني فلو نطقتكما نطقت تلاحينا على قدرِ
وسولت لي نفسي أن أفارقهاوالماء في المزن أصفى منه في الغدرِ
وقول القاضي عبد الوهاب لن نصر:
بغداد دار لأهل المال والسعةوللصعاليك دار الضنك والضيقِ
أصبحت أمشي مضاعاً في أزقتهاكأنني مصحف في بيت زنديقِ
وقال الآخر في ضده:
لا يعدم المرء ركنا يستكن بهوشعبه بين أهليه وأصحابهِ
ومن نأى عنهم قلت مهابتهكالليث يحقر لمّا غاب عن غابِ
ومثله قول الآخر:
إنَّ الهزير إذا نأى عن غيضهضربت له الأيدي على ترقيصه
وكذا الغريب إذا نأى عن دارهأدته غربته إلى تنقيصه
ومثله قول الآخر:
وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسعٌفقلت ولكن مسلك الرزق ضيقُ
إذا لم يكن في الأرض حر يعيننيولم أك ذا مالٍ فمن أين أنفقُ؟
وقال أبن المهدي:
واحن أيام الهوى يومك الذييروع بالهجران فيه وبالعتبُ
إذا لم يكن في الحب بسخط ولا رضىفأين حلاوات الرسائل والكتب؟
وقال الآخر:
شيئان لو بكت الدماء عليهماعيناي حتى تؤذنا بذهابِ
لم تبلغا المعشار من حقيهمافقد الشباب وفرقة الأحبابِ
وسيأتي ما في هذا المنزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى.
وقال مالك بن المرحل:
مذهبي تقبيل خد مذهبسيدي ماذا ترى في مذهبي؟
لا تخالف مالكا في رأيهفيه يأخذ أهل الغربِ
وسيأتي ما قيل في التوجيه بعد إن شاء الله تعالى وقال عبد الجليل المرسي:
ما للعذار وكان وجهك قبلهقد خط فيه من الدجى محرابا؟
وأرى الشباب وكان ليس بخاشعٍقد خر فيه راكعا وأنابا
ولقد علمت بكون ثغرك بارقاًأن سوف يرمي للعذار سحابا
وقال نجم الدين بن بطريق:
أعاذك الله من همٍّ ومن نصبولا لقيت الذي ألقى من الحربِ
هذا زماني أبو جقلٍ وذا حربيأبو معيط وذا قلبي أبو لهبِ
وقال الآخر:
قال حمار الطبيب قوميلو أنصفوني لكنت أركبُ
لأنني جاهل بسيطوصاحبي مركب
وقال أبو الفتح البستي:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلافالحكم على ملكه بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان ساقطة لمّا غدا وهو بيت اللهو والطرب؟
قال أبو الحسن الوارد:
يقولون: لاح الشيب فاله عن الصباوعن قهوة تصبو لها وتنيب!
فقلت: دعوني نصطبحها سلافةعلى صبح شيبي فالصبوح عجيب
ومثله قول الآخر:
وقالوا: أنَّ تلهو والشباب قد انقضىوعمرك قد ولى يبق طائل؟
وقال الآخر:
وقائله: خل الهوى لرجالهفإن الهوى بعد المشيب جنون
فقلت لها: إنَّ الهوى فيه راحةألذ الكرى عند الصباح يكون
وقال الآخر:
ولائمة لي إذ رأتني مشمراًأهرول في سبل الصبا خالع العذر
تقول: انتبه من رقدة اللهو والصبافقد دب صبح الشيب في غسق الشعر
فقلت لها: كفي عن اللوم واعلميبأن ألذ النوم إغفاء الفجر!
وقول أبن الساعاتي في ضده:
لا تعجبين لطالب نال العلىكاهلا واخفق في الزمان المقبل!
فالخمر تحكم في العقول مسنةوتدلس أوّل عصرها بالأرجل
وقال كاشح في نتف الشيب:
إذا ما مضى المنقاش يأتي بها أتتوقد أخذت من دونها جارة الجنب
كجان على السلطان يجزى بذنبهتعلق بالجيران من شدة الرعب
ومثله قول أبن النبيه:
اقتطف البيضاء من لمتيدأبا مع السوداء إذ تشرف
فتخلف البيض بأمثالهاوتعضب السودا فما تخلف
حمامة السودان معروفةيعرفها من كان لا يعرف
وقال أبن الخطيب:
إني لمثلي من بعد ماللوخط في الفودين أي دبيب؟
لبس البياض وحل ذروة منبرمني ووالي الواعظ فعل خطيب
وقال أيضاً:
وقد كنت يهوى الروض طيب شمائليويمرح غص البان بين قبابي
فمذ كتب الوخط الملم بعارضيحروفا أتى فيها بمحض عتابي
نسخت بما قد خطه سنة الهوىوكم سنة منسوخة بكتاب!
وقال أيضاً:
وما كان إلاّ إنَّ جنى الطرف نظرةغدا لقلب رهنا في عقوبة ذنبه
وما العدل أنَّ يأتي امروء بجريرةفيؤخذ في أوزارها جار جنبه
وقال الآخر:
قد قلت إذا سار السفين بهموالبين ينهب مهجتي نهبا:
لو أن لي ملكا أصول بهلأخذت كل سفينة غضبا
وقال الآخر:
رضاك شباب لا يليه مشيبوسخطك داء ليس منه طبيب
كأنك من كل النفوس مركبفأتت إلى كل النفوس حبيب
وقال أبن أبي العافية:
ودعتها ووداعها متضمنلوداع لذات الحياة وطيبها
واصفر منها وجهها ففهمت مامعنى اصفرار الشمس عند غروبها
وسيأتي ما في هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر:
عجبت لطيف زار في الليل مضجعيوآب ولم يشف الفؤاد المعذبا
فأوهمني أمراً وقلت لعلهرأى حالة لم يرضها فتجنبا
وما ذاك من أمر يريب وإنّمارآني قتيلا في الدجى فتهيبا
وسيأتي هذا أيضاً بعد إن شاء الله تعالى.
وقال أبو محمّد المصري:
سلام على الشيب الذي لا أريدهولا قلت أهلاً حين جلى ومرحبا
ولكنه ضيف كرهت قدومهوأكرمته إذ لم أجد عنه مذهبا
وقال الميكالي:
عيرتني ترك المدام وقالت:هل جفاها من الكرام أديب؟
هي تحت الظلام نور وفي الأكبادبرد وفي الخدود لهيب
قلت: يا هذه عدلت عن النصحوما للرشاد منك نصيب
إنها للستور هتك وللألبابقتل وفي المعاد ذنوب
وقال الآخر:
دعتني إلى لهو التصابي وما درتبأن زمان اللهو عني ذاهب
فقلت لها: مالي وللهو بعد ماتولى الصبا وازور للغيد جانب
وقد وخطت بيض من الشعر لمتيتخبر إنَّ البيض عني رواغب
أألهو وفجر الشيب قد لاح نورهبفودي، فقالت: أوّل الفجر كاذب
وقال الآخر:
أن استحسنت مقلتي غيركمأمرت السهاد بتعذيبها
وعاقبتها بالبكا دائمالمّا استحسنت غير محبوبها
فلما تنظر العين إلاّ إليكلأنك غاية مطلوبها
وقال أبو محمّد بن عبد البر ﵀:
قل للوزير وقد قطعت بمدحهعمري فكان السجن منه ثوابي
لم تعد في أمري الصواب موفقاهذا جزاء الشاعر الكاذب!
وقال بعض الأدباء في طريق التورية:
ومعطر الأنفاس يبسم دائماعن در ثغر زانه ترتيب
من لم يشاهد منه عقد جواهرلم يدر ما التنقيح والتهديب
ومثله أيضاً في هذا المعنى:
قلت والشعر يشي في خدهلام حسن سهلت لومي علي
بحياة الحب كوني للرضىلام جر لا تكوني لام كي!
وقال الآخر على هذا الطريق:
هبت مع لفجر لميعادهافافتضح الشارق والغارب
فجران ذلك الوجه أسناهماهل يستوي الصادق والكاذب؟
وقال آخر على قريب من هذا:
دهر يمر وآمال مخيمةولا أحتقاب يسوي وزر على الحقب
تمضى الفروع على حكم الأصول ولااستذكار قلب ولا تمهيد منقلب
خط المشيب على فوديك تذكرةبأن تنيب وحتى لأن لم تنب
وقد نضى سيفه فأحذر صرامتهفالسيف أصدق أنباء من الكتب!
سلت عليك الليالي منه ذا شطبٍفي حده الحد بين الجد واللعب
وكتب المستعصم بالله إلى أبن عمار على وجه العتب فيما بلغه عنه:
وزهدني في الناس معرفتي بهموطول اختباري صاحبا بعد صاحب
فلم تراني الأيام خلا تسرنيمباديه إلاّ ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمةمن الدهر إلاّ كان إحدى المصائب
فأجابه أبن عمار بقطعة منها:
فديتك لا تزهد وثم بقيةسيرغب فيها عن وقوع النوائب!
وابق على الخلصان إنَّ لديهمعلى البدء كراتٍ بحسن العواقب
وقال بعضهم، وقد زاره إخوان له:
أهلاً وسهلاً بسادات لنا نجبكالذبل السمر أو كالأنجم الشهب!
أجملتم وتفضلتم بزورتكموليس ينكر فضل من ذوي حسب
أضاء منزلنا من نور أوجهكموطاب من عيشا ما كان لم يطب
وقال أبن الرومي:
أرى الصبر محمودا وعنه مذاهبفكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب؟
هناك يحق الصبر والصبر واجبوما كان منه كالضرورة أوجب
هو المهرب المنجى لمن أحدقت لهمكاره دهر ليس عنهن مهرب
وقال القاضي الفاضل في معناه:
لا تلن للخطوب الحديد ما كان إلاّحين أبدى لينا لحر اللهيب
إنَّ ضرب الحديد ما كان إلاّحين أبدى لينا لحر اللهيب
وتقدم ما في هذا المنزع وهو كثير.
وقال بعض الأعراب:
لا يقنع الجارية الخضابولا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تلتقي الأركابويقعد الأير لعاب
الأركاب جمع ركب بفتحتين، وهو ظاهر الفرج أو العانة أو منبتها؛ ويقعد معناها هنا يصير، أي يصير الأير وهو الذكر ذا لعاب.
وقال الآخر:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدىوللمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينهبدنياه سواه فهو من ذين أخيب
وقال الحماسي:
وإنَّ أتوك فقالوا إنّها نصففإنَ أطيب نصفيها الذي ذهبا
وينشد هذا الشعر على ضر آخر وهو:
لا تنكحن عجوزا أو مطلقةولا يسوقنها في حبلك القدر
وإنَّ أتوك وقالوا إنّها نصففإنَ أطيب نصفيها الذي غبرا
وفيه عيب القافية. والنصف من النساء بفتحتين: المتوسطة. وقوله أخلع
ثيابك يحتمل أنَّ يريد به: انزع محبتك منها وتسل عنها ولا تلتفت إليها والثياب تطلق على لقلوب، فتطلق على المحبة باعتبار إنّها فيها. ومن الأول قول عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابهليس الكريم على القنا بمحرم
أي شققت قلبه. ويصحان معا وفي قول امرئ القيس:
وإنَّ كنت قد ساءتك مني خليفةفسلي ثيابك من ثيابك تنسل
أي سلي قلبي من قلبك، أو محبتي من قلبك. وقيل في قوله تعالى:) وثيابك فطهر (، أي قلبك، ويكنى بالثياب عن الأعمال أيضاً. ورد إنَّ الميت يبعث في أثوابه أي أعماله.
فائدة: ذكر أبو العباس أحمد بن عطاء الله أنَّ الشيخ أبا الحسن الشاذلي ﵄ بات ليلة، وضنها ليلة سبع وعشرين، بالمسجد الجامع وافتتح الصلاة، فجعل الأولياء يتساقطون عليه من كل ناحية، فلما اصبح قال: ما كانت البارحة إلاّ ليلة مباركة! سمعت النبي ﷺ يقول: يا علي طهر ثيابك من الدنس، تحظ بمدد الله تعالى في كل نفس في كل نفس! فقلت يا رسول الله، ما ثيابي؟ قال: كذا، وفسرها له بأخلاق قلبه ومقاماته؛ ونسيت اللفظ لطول العهد به. قال أبو الحسن: فعرفت حينئذ معنى قوله تعالى) وثيابك فطهر (.
وقال الآخر:
فإنَ تكن الأيام أحسن مرةإلي فقد عادت لهن ذنوب
وهذا البيت من قصيدة، أضطرب في القائها، رثي بها رجل يقال له أبو المغوار، ورأيت أن أثبتها هنا مع طولها، لحسنها واشتمالها على الأمثال وهي:
تقول سليمى: ما لجسمك شاحباكأنك يحميك الطعام طبيب؟
فقلت، ولم يعي الجواب لقولهاللدهر في صمم الإسلام نصيب:
تتابع أحداث تخر من اخوتيوشيبن رأسي والخطوب تشيب
لعمري لئن كانت أصابت منيةأخي والمنايا للرجال شعوب
لقد عمجت منا الحوادث ماجداًعروفا لريب الدهر حين يريب
وقد كان أما حلمه فمروحعلينا وأما جهله فعيزب
فتى الحرب إنَّ حاربت كأنَّ سهامهاوفي السلم مفضال الدين وهوب
هوت أمه ماذا تضمن قبرهمن الجود والمعروف حين يؤوب؟
جموع خلا الخير من كل جانبإذا جاء جياء بهن ذهوب
مفيد مفيت الفائدات معودلفعل الندى والمكرمات كسيب
فتى لا يبالي إنَّ يكون بجسمهإذا نال خلات الكرام شحوب
غنينا بخير حقبة ثم جلحتعلينا التي كل الأنام تصيب
فأبقت قليلاً ذاهبا وتجهزتلأخر والراجي الخلود كذوب
واعلم أنَّ الباقي الحي منهماإلى أجل أقصى مداه قريب
فلو كان حي يفتدى لفديتهبما لم تكن عنه النفوس تطيب
بعيني أو يمنى يدي وإننيببذل فداه جاهدا لمصيب
فإن تكن الأيام أحسن مرةإلي فقد عادت لهن ذنوب
أخي كان يكفيني وكان يعيننيعلى نائبات الدهر حين تنوب
عظيم رماد النار رحب فناؤهإلى سند لم يحتجنه غبوب
قريب ثراه ما ينال عدوهله نبطا أبي الهوان قطوب
لقد افسد الموت الحياة أتىعلى يومه علق إلي حبيب
حليم إذا ما الحلم زين أهلهمع الحلم في عين العدو مهيب
إذا ما تراه أه الرجال تحفظوافلم تنطق العوراء وهو قريب
أخي ما أخي لا فاحش عند بيتهولا ورع عند اللقاء هيوب
على خير ما كان الرجال نباتهوما الحظ إلاّ طعمة ونصيب
ويروى:
على خير ما كان الرجال خلالهوما الخير إلاّ قسمة ونصيب
حليف الندى يدعو الندى فيجيبهويدعوه الندى فيجيب
هو العسل الماذي لينا وشيمةوليث إذا يلقى العدو غضوب
حليم إذا ما سورة الجهل أطلقتحبى الشيب للنفس اللجوج غلوب
هوت أمه ما يبعث الصبح غادياوماذا يرد الليل حين يؤوب؟
كعالية الرمح الرديني لم يكنإذا ابتدر الخير الرجال يخيب
أخو شتوات يعلم الحي إنّهسيكثر ما في قدره ويطيب
ليبكك عار لم يجد من يعينهوطاوي الحشى نائي المزار غريب
تروح تزهاه صبى مستطيفةبكل ذرى والمستزاد جذيب
كأن أبا المغمور لم يوف مرقباإذا ربا القوم الغزاة رقيب
ولم يدع الفتيان كرامة لميسرإذا هب من ريح الشتاء هبوب
إذا حل لم تقصر مقامة بيتهولكنه الأدنى بحيث يجيب
حبيب إلى الزوار غشيان بيتهجميل المحيى شب وهو أديب
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعهإذا لم يكن في المنقيات حلوب
كأن بيوت الحي ما لم يكن بهابسابس لا يفنى بهن غريب
إذا شهيد الايسار أو غاب بعضهمكفى ذاك وضاح الجبين نجيب
ويروى:
وإن شهدوا أو غاب بعض حماتهمكفى ذاك وضاح الجبين أريب
وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى؟فلم يستجيه عند ذاك مجيب
فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت جهرةلعل أبي المغوار منك قريب!
ويروى:
يجبك كما قد كان يفعل إنّهنجيب لابواب العلاء طلوب
فاني لباكيه وإني لصادقعليه وبعض القائلين كذوب
فتى اريحي كان يهتز للندىكما اهتز ماضي الشفرتين قضيب
وخبرتماني إنّما الموت بالقرىفكيف وهاتا روضة وكثيب؟
وقال جميل بن معمر بن عبد الله العذاري:
وقالوا: يا جميل أتى أخوهافقلت: أتى الحبيب أخو الحبيب
احبك إنَّ نزلت جبال حسمىوإنَّ ناسبت بثنة من قريب
وكانت حفصة بنت عمران مات عنها زوجها فخاطبها عبد الله بن الحسين بن حسن بن علي وإبراهيم بن هشام. فكان أخوها محمد بن عمران إذا دخل على إبراهيم أنشدت إبراهيم متمثلا: وقالوا: يا جميل أتى أخوها البيت وقال أبو محمد الحريري ﵀:
وقع الشوائب شيبوالدهر بالناس قلب
إنَّ دان يوما لشخصففي غد يتقلب
فلا تثق بوميضمن برقه فهو خلب
وإذا هو أضرىبك الخطوب وألب
فما على التبر عارفي النار حين يقلب
وقال أيضاً:
لجوب البلاد مع المتربةاحب ألي من المرتبة
لأن الولاة لهم نبوةومعتبة يا لها معتبة
وما فيهم من يرب الصنيعولا من يشيد ما رببه
فلا يخدعنك لموع السرابولا تأت أمرا إذا ما اشتبه
فكم حالم سره حلمهوأدركه الروع لمّا انتبه
وقال أيضاً:
فاليوم من يعلق الرجاء بهاكسد شيء في سوقه الأدب
لا عرض أبنائه يصان ولايرقب فيهم آل ولا نسب
كأنهم في عراصهم جيفيبعد من نتنا ويجتنب
وهذا منزع سيأتي ذكر ما فيه إن شاء الله تعالى. وقال أيضاً:
سل الزمان علي عضبهليروعني وأحد غربه
واستل من جفني كراهمراغما وأساله غربه
وأجالني في الأفق اطويشرقه وأجوب غربه
فبكل جو طلعهفي كل يوم لي وغربه
وكذا المغرب شخصهمتغرب ومواه غربه
الغرب الأول حدّثني السيف والغرب الثاني مجرى الدمع والثالث ضد الشرق والرابع فعلة من الغروب يقال: غرب غربة وطلع طلعة والخامس البعد يقال: نوى غربة أي بعيده.
قال طرفة:
أخبرك إنَّ الحي فرق بينهمنوى غربة ضرابة لي كذلك
وفسرت هنا أيضاً بالحدة وهي من معانيها وغربة النوى بعدها.
وقال أيضاً:
لا تيأسن عند النوبمن فرجة تجلو الكرب
فلكم سموم هب ثمجرى نسيما وانقلب
وسحاب مكروه تنشىفاضمحل وما سكب
ودخان خطب خيف منهفما استبان له لهب
ولطالما طلع الأسىوعلى تفيئته غرب
فاصبر إذا ما ناب روعلى فالزمان أبو العجب
وترج من زوح الإلهلطائف لا تحتسب
وقال أيضاً:
لعمرك ما تغني المغاني ولا الغناإذا سكن المرء الثرى وثوى به
فجد في مراضيه الله بالمال راضيابما تقتني من اجره وثوابه
وبادر به صرف الزمان فانهبمخلبه الاشقى يصول ونابه
ولا تأمن الدهر الخؤون ومكرهفكم خامل أخفى عليه ونابه
وعاص هوى النفس الذي ما أطاعهأخو ضلة إلاّ هوى من عاقبه
ولا تله عن تذكار ذنبك وابكهبدمع يضاهي الوبل حال مصابه
ومثل لعينيك الحمام ووقعهوروعة ملقاه ومعظم صابه
وإنَّ قصارى مسكن الحي حفرةسينزلها مستنزلا عن قبابه
فواها لعبد ساءه سوء فعلهوأبدى التلافي قبل إغلاق بابه
وقال أيضاً:
اصرف بصرف الراح عنك الأسىوروح القلب ولاتكتئب
وقل لمن لامك فيما بهتدفع عنك الهم: قدك اتئب!
وهذا مما يتمثل به أهل المجون لكنه بصدد أن يستعمل في الجد وخمر المحبة والعرفتن والأنس الرحماني، يعرف ذلك ذوو البصائر. وقال أيضاً:
فإنَ فطنتم للحن القول بان لكمصديقي ودلكم طلعي على رطبي
وإن شهدتم فإنَ العار فيه علىمن لا يميز بين العود والخشب
وقال الآخر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقهوعن بعض ما فيه يمت وهو عاتبُ
ومن يتتبع حاهداً كل عثرةٍيجدها ولا يبقى له الدهر صاحبُ
وتقدم هذا المعنى وما فيه.
ويحكى أنَّ يزيد بن عبد الملك بلغه أيام خلافته أنَّ أخاه هشاماً ينتقصه. فكتب إليه معاتبا له: مثلي ومثلك كما قال الأول:
تمنى رجالٌ أن أموت فإن أمتفتلك طريق لست فيها بأوحدِ
لعل الذي يبغي ردائي ويرتجيبه قبل موتي أن يكون هو الردي
فكتب إليه هشام إنّما مثلي ومثلك كما قال الأول:
ومن لا يغمض عينه عن صديقهوعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
فكتب إليه يزيد: نحن مغتفرون لك ما كان منك، حفظا لوصية أبينا فينا، وحضه إيانا على إصلاح ذات البين، وأنا أعلم كما قال معن بن أوس:
لعمرك ما أدري لأوجلعلى أينا تعدو المنية أولُ
وإني على أشياء منك تريبنيقديما لذو صفحٍ على ذاك مجماُ
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتنييمينك فانظر أي كفٍّ تبدلُ!
إذا سؤتني يوما رجعت إلى غدٍليعقب يوماً منك آخر مقبلُ
ويركب حدّثني السيف من أن تضيمهإذا لم يكن عن شفرة السيف مزحلُ
وفي الناس إن رثت حبالك واصلٌوفي الأرض عن دار القلى متحولُ
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكنإليه بوجهٍ آخر الدهر تقبلُ
فلما جاء الكتاب هشاما رحل إليه فلم يزل في جواره حتى مات خوفا من شر الوشاة.
وقال المولى أبو حمو موسى بن يوسف الملك الزياني:
الحب اضعف جسمي فوق ما وجباوالشوق رد خيالي بالسقام هبا
والبين أشعل نار الوجد في كبديوالدمع يضرمها في القلب واعجبا!
وماءٌ ونارٌ وأكبادي لها حطبٌلكن عذابي به للحب قد عذبا
ما كنت أدريهما حتى صحبتهماكرهاً وقد يكره الإنسان من صحبا
وقال الآخر:
كل يومٍ قطيعةٌ وعتابٌينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري فهل خصصت بهذاأنا وحدي أم هكذا الأحبابُ؟
وتقدم هذا الشعر إلاّ أنَّ له حكاية تذكر.
قال الجاحظ: بعث إلي المتوكل لتأديب ولده. فلما رآني استبشع منظري وأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني. فلما خرجت من عنده لقيت محمد بن إبراهيم يريد الانحدار في سفينة إلى مدينة السلام، فركبت معه. فأمر يوما بنصب أستاره وأمر عوادة عنده أن تغني، فأخذت العود وغنت: كل يوم قطيعة وعتاب البيتين ثم سكتت. فأمر طنبورية كانت عنده أن تغني فأخذت الطنبور وغنت:
وارحمة للعاشقينما أرى لهم معينا!
كم يظلمون ويهجرون ويقطعون فيصبرون!
فقالت العوادة: وماذا يصنعون؟ فقالت: يصنعون هكذا! فهتكت الستارة ورمت بنفسها في الماء. وكان على رأس محمد غلام مثلها في الجمال، بيده مدية. فلما رأى ما
صنعت ألقى المدية وجاء إلى الموضع الذي رمت بنفسها منه فقال:
أنت الذي غرقتنيبعد القضا لو تعلمين
لا خير بعدك في البقاوالموت زين العاشقين
ثم رمى بنفسه في أثرها وعانقها في الماء، فكان آخر العهد بهما. فعظم الأمر على محمد والتفت إلي وقال: يا عمرو، حدثني بحديث تسليني به عن هذين، وإلاّ لحقت بهما! فقالت: جلس سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم فعرضت عليه بطاقة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج ألي جاريته فلانه حتى تغني لي ثلاثة أصوات فعل. فاغتاظ وأمر بإحضاره. فلما حضر قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك. فسري عنه وأمره بالجلوس وأمر الناس بالانصراف. ثم أمر بإخراج الجارية فجاءت بعودها وجلست. فقال لها الفتى: غني لي:
تعلق روحي روحها قبل خلقناومن بعد ما كنا نطافا وفي المهدِ
وزاد كما زدنا وأصبح نامياوليس وإن متنا بمنتقض العهدِ
ولكنه باقٍ على حاله كذاوزائد ما في ظلمة القبر واللحدِ
فلما غنته طرب طربا شديدا وقال: فداؤك أبي وأمي! قال: غني لي:
إذا قلت: مابي يا بثينة قاتليمن الحب قالت: ثابتٌ ويزيدُ
وإن قلت: ردي بعض عقلي أعش بهمع الناس قالت: ذاك منك بعيدُ
يموت الهوى مني إذا ما لقيتهاويحيا إذا فارقتها ويعودُ
فلما غنت طرب طربا أعظم من الأول وقال: فدتك نفسي! ثم قال: غني لي:
مني الوصال ومنكم الهجرحتى يفرق بيننا الدهرُ
والله لا أنساكم أبداًما لاح نجم أو بدا بدرُ
فما أتمتها حتى زج بنفسه في الهواء ثم انعكس على دماغه وسقط بالأرض فإذا هو ميت. فقال سليمان: عجل على نفسه. والله ما أخرتها إلاّ على ملكه! يا غلام خذ بيدها وانطلق بها فإن كان له أهل وإلاّ بيعت وتصدق بثمنها عليه. فانطلق بها، فلما توسطت الدار رأت حفرة أعدت لماء المطر فقالت:
من مات عشقا فليمت هكذالا خير في عشق بلا موت!
ثم جذبت بيدها من يد الغلام، وألقت بنفسها في الحفرة على دماغها فماتت. قال: فسيري عن محمّد ووصلني وكساني. قال ثم حدثت بهذا الحديث محمّد بن جعفر الأخباري فقال: كان محمّد بن حميد الطوسي يوما مع ندمائه، فغنت جارية له:
يا قمر القصر متى تطلع؟أشقى وغيري بك يستمتع
إنَّ كان ربي قد قضى ما أرىمنك على رأسي فما أصنع؟
وكان على رأس محمّد بن حميد غلام بيده قدح يسقيه به. فرما بالقدح من يده وقال: تصنعين هكذا! ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة. فلما رأت ذلك الجارية قامت ورمت بنفسها على أثره، فكان آخر العهد بهما. وقال آخر من الطفيليين:
كل يوم أدور في عرصة الدارأشم القتار شم الذباب
فإذا ما رأيت آثار عرسأو دخانا أو دعوة الأصحاب
لم أعرج دون التقحم لا أرهبشتما ولكزة البواب
مستهينا بمن دخلت عليهغير مستأذن ولا هياب
ذاك أهنا من التكلف والعزم وشتم البقال والقصاب
وكان هذا الطفيلي أتى وليمة فأقتحم الدار وأخذ مجلسه من الناس فأنكره صاحب المنزل وقال له: لو صبرت حتى يؤذن لك لكان أحسن لأدبك فقال: إنّما واطراحها صلة. وجاء في الأثر: صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك! ثم إني أجمع فيها خلالا: أدخل مجالسا، وآكل موانسا، وأبسط رب دار وإنَّ كان عابسا وانشد ما تقدم.
وقال الآخر:
كنا نعاتبكم لياليعودكم حلو المذاق وفيكم مستعتب
فالآن حين بدا التنكر منكمذهب العتاب وليس عنكم مذهب
يحكى أنَّ قينة أجتمع عند أربعة من عشاقها، وكل يخفي أمره عن الآخرين. وكان أحدهم غائبا فقدم، والثاني عزم على السفر، والثالث قد انقضت أيامه، والرابع كما ابتدأ.
فضحكت إلى الأول، وبكت إلى الثاني، وأبعدت الثالث، وأطمعت الرابع. وانشدها كل منهم ما يشاكل حاله، وأجابته بمثل ذلك. فقال لها القادم: جعلت فداك أتستحسنين:
ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكاوقول لعل أو عسى ويكون
وما اخترت نأي الدار عنك لسلوةولكن مقادير لهن شجون
فقالت: نعم! وأنا أحذق بقول مطارحه، ثم غنت:
وما زلت مذ شطت بك الدار باكياأو مل منك العطف حين تؤوب؟
فأضعف ما بي حين أبت وزدتنيعذابا وإعراضا وأنت قريب
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع