من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
وقولهم: هو بين سمع الأرض وبصرها
إذا لم يدرك أين توجه. أو يراد به إنّه بأرض خالية لا يسمعه ولا يبصره إلاّ الأرض. وقيل أريد بسمع الأرض وبصرها طولها وعرضها. وضمن هذا المثل أبو محمّد بن عبدون ﵀! في قصيدته التي يرثي بها بني المظفر، فقال:
وانفذ في كليب حكمها ورمتمهلهلا بين سمع الأرض والبصر
ومن أمثال العامة في هذا الباب قولهم: يبر الجرح السوء، ولا يبرا الكلام السوء. وأصله يزعمون أنَّ شخصاً أداة تطوافه إلى إنَّ سقط في مغارة الأسد منكسراً، فوجد أشباله فلاذ بها. فلما دخل عليه الأسد ورآه على تلك الحال، رق له وجعل يأتيه باللحم ويقدمه إليه ويرفق به حتى برئ وذهب إلى أهله. فبينما هو يحدثهم ذات يوم بقصته مع الأسد، إذ جاء الأسد فأستمع من وراء البيت، وسمعه يقول لهام: ما رأيت في الأسد من عيب إلاّ بخراً في فيه، يدنو مني فيؤذيني غاية الإيذاء. فلما سمع الأسد كلامه أحفظه. فبينما ذلك الشخص يوما في موضع إذ وجده ذلك الأسد وعرفه، فقال له الأسد: أما كان لي عليك حق وجزاء لنعمتي ورفقي وإحساني بك؟ أو نحو هذا. قال نعم! قال له: فإني أسألك أن تضربني بهذا الفأس ضربة بين عيني منكرة، فأبى عليه، وألح عليه الأسد حتى ضربه. فذهب، ومكث زمانا حتى برئت تلك الضرب وذهب أثرها. فرجع إليه
حتى لقيه فقال له: أنظر هل ترى لضربتك التي ضربتني أثراً! قال: لا! فقال له حينئذ: يبرؤ جرح السوء، ولا يبرؤ كلام السوء. يعني قوله فيه إنّه كان أبخر، وافترسه. ولنحو هذا يقول العامة في مثل آخر: من ذا يقدر إنَّ يقول للأسد: فوك أبخر؟
وقولهم: البركات في الحركات وقد ورد في مدح السفر والحضر على التحول والتحرك لنيل الأوطار كلام كثير. قال ﷺ: " سافروا تصحوا، وأغزو تستغنموا! ". ويروى: " سافروا تصحوا وتغنموا! ". وقال: " الأرض أرض الله والعباد عباد الله: فحيث وجد أحدكم رزقه، فليتق الله وليقم ". وقال: " ما مات ميت بأرض غربةٍ إلاّ قيس به من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في الجنة ". وقال: " موت الغريب شهادة ". وقال: " من مات غريباً مات شهيداً ". وفي التوراة: أبن أدم، احدث سفرا احدث لك رزقا. وفيها أيضاً: ابد آدم، خلقت من الحركة إلى الحركة: فتحرك وأنا معك!. وفي بعض الكتب: امدد يدك إلى باب من العمل، أفتح لك باباً من الرزق! وقال ﷺ لوفد من قيس: ما المروءة فيكم؟ قالوا: العفة والحرفة. وقال موسى بن عمران ﵇: لا تلوموا السفر! فإني أدركت فيه ما لم يدرك أحد، يريد أنَّ الله كلمه. ونظمه أبو تمام بقوله:
فإن موسى صلى على روحهالله صلاة كثيرة القدس
صار نبياً وعظم بغيتهفي جذوة للصلاة أو قبس
قيل: وقد قال رجل لمعروف الكرخي: يا أبا محفوظ، أتحرك لطلب الرزق أمثال اجلس؟ قال: بل تحرك، فإنه أصلح لكّ! فقال له: أتقول هذا؟ قال: ما أنا قلته، ولكن ﷿ أمر به حين قال:) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (، ولو شاء أن ينزله عليها فعل. وفي هذا أنشد الثعالبي:
ألم تر أنَّ الله أوحى لمريمفهزي إليك الجذع تساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزهاجنته ولكن كل شيء له سبب
وقال المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية، لأنك تحل يوم محلة لم تحللها، وتعاشر قوماً لم تعاشرهم. وقالوا: ربما أسفر السفر، عن الظفر. وقالوا: إنَّ من فضائل السفر أنَّ صاحبه يرى من عجائب الأمصار، ومحاسن الآثار، وأمثال يزيد علما بقدرة الله، ويدعو إلى شكر نعمته. وقالوا: السفر يشد الأبدان، وينشط الكسلان، ويسلي الثكلان، ويشهي الطعام، إذ ليس بينك وبين بلدٍ نسب، فخير البلاد ما حمل. وكتب أبن رشيق إلى بعض إخوانه: مثل الرجل القاعد، أعزك الله! كمثل الماء الراكد، وإنَّ ترك تغير، وإنَّ حرك تكدر؛ ومثل المسافر كالسحاب الماطر، هؤلاء يدعونه نقمة، وهؤلاء يدعونه نعمة. فإذا اتصلت أيامه، ثقل مقامة، وكثر لوامه. فاجمع لنفسك فرجة الغيبة، وفرحة الأوبة! وقالوا: المسافر يسمع العجائب، ويكشف التجارب، ويحلب المكاسب. أوحش أهلك إذا كان انسك في إيحاشهم، واهجر وطنك إذا نبت عنك نفسك! وقيل لأعشى بكر: إلى كم ذا الاغتراب؟ أما ترضى بالدعة؟ فقال: لو دامت الشمس يوماً عليكم لمللتموها. وأخذ أبو تمام فقال:
وطول مقام المرء في الحي مخلقلديباجته فأغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبةإلى الناس أنَّ ليست عليهم بسرمد
وقال الحكماء: لا تنال الراحة إلاّ بالتعب، ولا تدرك الدعة إلاّ بالنصب. وقال أبو تمام:
ولكني لم أحو وفراً مجمعاففزت به إلاّ بشمل مبدد
ولم تعطني الأيام يوماً مسكناألذ به إلاّ بنوم مشرد
وقال لنابغة الجعدي في هذا المعنى الذي نحن فيه:
إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسهشكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
فسر في بلاد الله والتمس الغنىتعش ذا الديار أو تموت فتعذرا
وقال أبن صارة:
سافر فأن الفتى من بات مفتتحاقفل النجاح بمفتاح من السفر
إنَّ شئت خضرتها يا أبن الرجاء فكنفي طي غبر الفيافي ثاني الخضر
ولا يصدنك عن وجه تصعبهقد ينبغ الكوثر السلسال من حجر
وقال الآخر:
تخوفي طول السفار وإننيلتقبيل كف العامري سفير
ذريني أرد ماء المفاوز آجناإلى حيث ماء المكرمات نمير
وإنَّ خطيرات المهالك ضمنلراكبها أن الجزاء خطير
وقال الآخر:
لا يمنعنك خفض العيش في دعةٍنزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد أنت ساكنهاأهلا بأهلٍ وجيرانا بجيران
وقال البحتري:
وإذا الزمان كساك حلة معدمًفليس له حلل النوى وتغرب
وقال الآخر:
ليس ارتحالك ترداد لغنى سفرابك المقام على خسف هو السفر
وقال أبو الفتح البستي:
فالحر حر عزيز النفس حيث ثوىوالشمس في كل برج ذات أنوار
وقال ديك الجن:
وليس المرء ذو العزمات إلاّفتى تلقاه كل غد بلاد
وقال الآخر:
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهموترمي النوى بالمقترنين المراميا
وقال البحتري:
وإذا ما تنكرت لي بلادأو صديق فإنني بالخيار
وقال أبو الطيب:
إذا لم أجد في بلدة ما أريدهفعندي لأخرى عزمة وركاب
وقال:
ما بلد الإنسان غير الموافقولا أهله الأدنون غير الأصادق
وقال الآخر:
غب عن بلادك وارج حسن مغبةإنَّ كنت حقا تشتكي الإقلالا
فالبدر لم يحجب به إبدارهإلاّ بغير يطلب الإقبالا
وقلت أنا من جملة قصيدة:
لا يكسك الوطن الأليف مذلةأن كنت تكتسب العلى بتغرب
فالجار من يدنو إليك مواتياًفي كل أرض بالجوار الأطيب
ومن احتبك مودة ونصيحةًفي حالتيك فذاك خير الأقرب
وهذا باب لا يحصى. وقد أكثروا في عكس هذا المقصد، وهو مدح الإقامة والإخلاد إلى الراحة وانتظار الفرج واستمطار الرجاء. قال الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرىمصارع مظلوم مجراً ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإنَّ يسئيكن ما أساء النار في رأس كبكبا
وقال زهير:
فقري في بلادك إنَّ قومامتى يدعوا بلادهم يهنوا
وقال الآخر:
لقرب الدار في الاقتدار خيرمن العيش الموسع في اغتراب
وقال الآخر:
وما زلت أقطع عرض البلاد من المشرقين إلى المغربين
وأدرع الخوف تحت الرجاواستصحب الجدي والفرقدين
واطوي وانشر ثوب الهموم إلى أنَّ رجغت بخفي حنين
وقال الآخر:
يعطي الفتى فينال في دعةٍما لم ينل بالكد والتعب
فأطلب لنفسك فضل راحتهاإذ ليست الأشياء بالطلب
إنَّ كان لأرزق بلا سببفرجاء ربك أعظم السبب
وقال الآخر:
قد يرزق الخافض المقيم وماشد لعنس رحلا ولا قتبا
ويحرم المال ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا
وقال الآخر:
قد يرزق المرء لم تتعب رواحلهويحرم الرزق بالأسفار والتعب
إني وعمرك لا أحصي ذوي حمقالرزق اغرى بهم من لاصق الجرب
وقال الآخر:
إلاّ رب باغي حاجة لا ينالهاوآخر قد تقضى له وهو جالس
وقال الآخر:
قد يرزق المرء لا من حسن حيلتهويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
ما مسني من غنى يوم ولا عدمإلاّ وقولي فيه الحمد لله
وقلت أنا من جملة قصيدة:
لا ولا بالحجى تنال الأمانيلا ولا الجهل رائد الحرمان
فالغنى بالحظاء لا بالتعنيوالثمى بالقضاء لا بالتواني
كم لبيب ذي نجدة مات هزلاوغبي يحفه ألف هان
وكريم اذيل بعد اعتزازووضيع يسمو على كيوان
قسمة قدرات وأحكم مبناها قضاء المهيمن الديان
ولنرجع إلى المقصود خشية الطول.
وقولهم: بأضدادها تتبين الأشياء. ونظمه أبو الطيب حيث قال:
من يظلم اللؤماء في تكليفهمإنَّ يصبحوا وهم له أكفاء
ويذمهم وبهم عرفنا فضلهوبضدها تتبين الأشياء
ونحوه قول أبي تمام:
كثرة السفر يمنة وشمالاأضعفت في نفيسة العقيان
ونحوه قول المعري:
والشيء لا يكثر مداحهإلاّ إذا قيس إلى ضدهِ
لولا غضا نجدي وقلامهلم يئن بالطيب على رندهِ
وقد يعاب الامتداح بنحو هذا بتبه امتداح بكمال إضافي، وقلما يخلو شيء من نحو هذا الكمال. والجواب أنَّ القصد إلى بيان كون الكمال إضافي لا حقيقيا، بل إلى بيان أنَّ الكمال اتضح غاية الاتضاح وإنَّ سبب اتضاحه كذا. والشيء قد يكون في غاية الكمال والفضل ويخفى لشدة ظهوره ولا يعرف إلى بالقياس لغيره. فلو لم يخلق الله المرض لم يعرف حسن الصحة؛ وكذا الفقر والغنى والمرارة والحلاوة ونحو ذلك. ولو لم يخلق الليل لمّا عرفت فائدة النهار كما قال حبيب:
بين البين فقدها قلماتعرف فقدا للشمس حتى تغيبا
ولهذا ورد في الخير إنّه يرى المؤمن النار وما أبدله به الجنة؛ وكذا الكافر بالعكس. وشاع في ألسنة العامة قولهم: لا تمدحني حتى تجرب غيري، كما قال حبيب:
وإساءات ذي الإساءة يذكرنك يوماً إحسان ذي الإحسانِ
وقال أيضاً:
إساءة دهر اذكرت حسن فعلهإليَّ ولولا الشري لم يعرف الشهدُ
وأما قول أبي الطيب:
زانت الليل غرة القمر الطالع فيه ولم يشنها سوادهُ
فمراده به المبالغة في الثناء، وإنَّ طلعة الممدوح تكشف الظلماء مع غلبتها الأنوار، وأو أضاف إشراق طلعته إلى النهار لم يكن لذلك كبير فضل، من حيث إنَّ الشيء يظهر بالنهار ولو ضعيفا. ولم يعتبر هو ما مر، وإنّما اعتبر ما اعتبره النابغة حيث اعترض على حسان قوله: يلمعن بالضحى. وكان النابغة تضرب له قبة بسوق عكاظ، فيعرض عليه الشعراء أشعارهم. فدخل عليه يوما حسان بن ثابت وعنده الأعشى، وقد كان أنشده شعرا له فاستحسنه، وإذا بالخنساء فأنشدت:
يا صخر وراد ماء قد تناذرهأهل المياه وما في ورده عارُ
مشي السبنتى إلى هيجاء معضلةلها سلاحان: أنياب وأظفارُ
فما عجول على بوٍّ تحن لهلها حنينان: إعلان وإسرارُ
ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرتفإنما هي إقبال وإدبارُ
يوماً بأوجع مني يوم فارقنيصخرٌ والدهر إحلاء وإمرارُ
وإنَّ صخراً لوالينا وسيدناوإنَّ صخرا إذا نشتو لنحَّارُ
وإنَّ صخراً لتأتم الهداة بهكأنه علمٌ في رأسه نارُ
جوابُ قاصيةٍ جزارُ ناصيةٍعقاد ألويةٍ للعيش جرارُ
حامي الحقيقة محمود الخليقةمهدي الطريقة نقاع وضرارُ
لم تره جارة يمشي بساحتهالريبة حين يخلى بيته الجارُ
فقال لها النابغة: لولا أنَّ أبا بصير يعني الأعشى أنشدني قبلك لقلت أنك أشعر الإنس والجن فقال حسان: أنا اشعر منك ومنها ومن أبي بصير، حيث أقول:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحىوأسيافنا يقطرن من نسجه دما
وليدنا بني العنقاء وأبن محرقفاكرم بنا خالا واكرم بنا أبنما!
فقال له النابغة: انك لشاعر لولا انك قلت الجفنات فقللت العدد ولو قلت الجفان كان اكثر؛ وقلت يلمعن بالضحى، ولو قلت يشرقن بالدجى كان ابلغ وقلت يقطرن ولو قلت يجرين كان ابلغ؛ وفخرت بما ولدت ولم تفغر بمن ولدك على انك يا بني لا تحسن أن تقول:
فانك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أنَّ المنتآى عنك واسعُ
فقام حسان خجلا منكسرا.
فائدتان: الأولى قول النابغة: أشعر الإنس والجن أو الجن والإنس خطأ في العربية. فإن المعطوف في حكم المعطوف عليه واسم التفضيل إنّما يضاف على ما هم بعض منه، غير إنّه إن كانت الرواية تأخير الجن أمكن أن يستسهل في التابع ما لا يسوغ في المتبوع.
الثاني: بيت النابغة الذي تبجح به وفخر به على حسان هو من جيد الشعر، وقد اعترضه الأصمعي في انتصاره للرشيد على البرامكة. فإنَ النهار سواء هو والليل في الإدراك واللحاق ولا مزية لليل حتى يخص بالذكر. وقصة محاضرتهم مشهورة. قلت: وأنت إذا علمت وأنصفت عرفت أن ليس لحاق النهار كلحاق الليل الذي تنقطع
الحركات لإقباله ويستكن كل أحد لغشيانه، ويخضع تحت أطنابه: فتشبيه الملك به أحق. وليتنبه الأديب إلى كلام النابغة وانتقاداته ليعرف مبلغ شعراء الجاهلية في معرفة الشعر والغوص على المعاني ويقدرهم حق قدرهم في هذا الباب ويعرف أنَّ البلاغة طوع إيمانهم وإنها تدب على ألسنتهم دبيب النمل، وتجري منهم مجرى الدم وتسري في أفكارهم سريان العذب السلسال، حتى يعرف مقدار من تحداهم رب العزة بكلامه فأعجزهم، وأنهم لأمر ما عجزوا وأذعنوا. فلا يغتر الفتى الجاهل اليوم ويتوهم إذا سمع شقاشق أهل إعصاره أنَّ أولائك أغمار. وقولهم للإنسان غير المستوطن: بيته على ظهره. وأصله في السلحفاة. ومثله قول الشاعر:
حيثما كنت لا أخلف رحلامن رآني فقد رآني ورحلي
وقد آن أن أذكر ما يتيسر من الأمثال الشعرية في هذا الباب وما يجري على نمطها. وينخرط في سفطها. قالوا:
ومن يكن الغراب له دليلايدل به على جيف الكلابِ
يريدون أنَّ من اتخذ الدنيء مرتادا واللئيم قوادا فهو يسوقه إلى سخفه أو يقع به إلى حتفه. وقال الآخر:
ومن لم يكن عقربا يتقىمشت بين أثوابه العقربُ
وهو مثل قول العامة: من لم يكن ذئبا أكلته الذئاب. وقول أبن دريد:
من ظلم الناس تحاموا ظلمهوعز فيهم جانباه واحتمى
وهم لمن لان جانبهأظلم من حيات أنباث السفا
وقال مسكين الدارمي:
رب مهزولٍ سمينٌ عرضهوسمين الجسم مهزول النسب
أي رب وهزول البدن والجسم كريم الأب رفيع النسب صين الحسب، وبالعكس. وقال رجل من مذحج:
إنَّ السوية إن إذا استغنيتموأمنتم فأنا البعيد الأجنبُ
وإذا تكون كريهة ادعى لهاوإذا يحاس الحيس يدعى جندبُ
هذا وجدكم الصغار بعينهلا أم لي إنَّ كان ذاك ولا أبُ!
والمثل هو البيت الوسط وفي معناه مثل من أمثال النساء يقلن: الطرية للهاتي، والقسية لأخواتي. وقال النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمهعلى شعث أي الرجال المهذب؟
ومثله قول الآخر:
وإن كنت لم تصحب سوى ذي كمالةفأين من الأخوان من هو كاملُ؟
وقولي من قصيدة:
وإذا تبتغي صديقا بلا ذامر فعش مفردا عن الخلانِ
وقال أبو عبد الله بن شرف في معنى بيت النابغة:
ولا تعتب على نقص الطباع أخافإنَ بدر الدجى لم يعط تكميلا
وقال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجربِ
وقال أبن شرف في معناه:
كم خانني الدهر في أوفى الورى فمضىبه وخلف مرذولا فمرذولا
وقال الآخر:
ألا إنّما الدنيا غضارة أيكةإذا اخضر منها جانب جف جانبُ
الغضارة: الطين اللازب الأخضر وتطلق أيضاً على الخصب والنعمة.
وقال أبن شرف في معنى البيت:
ولم يزل ثمر الدنيا لقاطفهرطبا ويبسا وماجوجا ومعسولا
وقال الآخر:
وإنَّ امرئ قد سار تسعين حجةعلى منهلٍ من ورده لقريبُ
وقال الآخر:
وأجرا من رأيت بظهر غيبعلى عيب الرجال ذوو العيوبِ
وقال أبن شرف في معناه:
ولم تجد قط عيابا ومفتخراإلاّ على العيب والعوراء مجبولا
وقيل للأحنف بن قيس: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: اطلبه عيابا فانه لا يعيب الناس إلاّ بفضل ما فيه! وقال امروء القيس:
وانك لم يفخر عليك كفاخرضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
وفي البيت مثلان سيأتيان إن شاء الله تعالى. ومثله أبي تمام:
وضعيفة فإذا أصابت قدرةقتلت: كذلك قدرة الضعفاء
وقال الآخر:
راحت مشرقة ورحت مغرباً:شتان بين مشرق ومغرب!
ومثله ما انشد الأصمعي من قول الشاعر:
أذكرك مجالس بني أسدبعدوان فنحن إليهم القلب
الشرق منزلهم ومنزلناغرب: وأين الشرق والغرب؟
من كل أبيض جل زينتهمسك أحم وصارم عضب
مدجج يدعى بشكتهوعقيره بفنائه تحبو
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
السيف أصدق أنباءً من الكتبفي حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف فيمتونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعةبين الخميسين في السبعة الشهب
وقال أيضاً:
إذا المرء لم يستخلص الحزم نفسهفذروته للحادثات وغاربه
أعذلتنا ما أخشن الليل مركباوأخشن منه في الملمات راكبه
دعيني وأهوال الزمان أفانهافأهواله العظمى تليها رغائبه
فإن نحن الحسام الهندواني إنّماخشونته ما لم تفلل مضاربه
وقال:
لأمر عليهم أنَّ تتم صدورهوليس عليهم أن تتم عواقبه
وقال أيضاً:
سلي هل عمرت القفر وهو سباسبوأدرت ربعي من ركابي سباسبا
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرقٍوشرقت حتى قد نسيت المغاربا
خطوب إذا لاقيتهم رددنيجريحا كأني قد لقيت الكتائبا
ومن لم يسلم للذنوب أصبحتخلائقه طراً عليه نوائبا
وقد يكهم السيف المسمى منيةوقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآفة ذا ألا يصادف مضرباوآفة ذا ألا يصادف ضاربا
وقال أيضاً:
كانت لنا ملعب نلهو بزخرفهوقد ينفس عن جد الفتى اللعب
وعاذل هاج لي بالعذل مأربةباتت عليه هموم الصدر تصطخب
لمّا أطال ارتجال العذل قلت له:الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب
وقال:
مالي أرى جلبا فعما وليست أرىسوقا ومالي أرى سوقا ولا جلب؟
أرض بها عشب جرف وليس بهاماء وأخرى بها ماء ولا عشب
وقال أيضاً في أبي دلف:
يرى اقبح الأشياء أوبة آملٍكسته يد المأمول حلة خائب
وأحسن من نور تفتحه الصبابياض العطايا في سواد المآرب
وقال:
ولو كان يفني الشعر أفناه ما قرتحياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلتسحائب منه أعقبت بسحائب
وقال أيضاً:
وما الأسد الضرغام يوما بعاكسٍريمته إن أن أو بصبص الكلب
وقال أيضاً:
لو رأى الله أنَّ للشبيب فضلاجاورته الأبرار في الخلد شيبا
وقال أيضاً:
والحظ يعطاه غير طالبهويحز الدر غير محتلبه
وقال أيضاً:
فاض اللئام وغاضت الاحسابواجتثت العلياء والآداب
فكأن يوم البعث فاجأهم فلاأنسب بينهم ولا أسباب
وقال:
ما إن سمعت ولا أراني سامعاأبداً بصحراء عليها باب
من كل مفقود الحياء فوجهمن غير بواب له بواب
ما زال وسواسي لعقلي خادعاحتى رجا مطرا وليس سحاب
ما كنت ادري لا دريت بأنهيجري بأفنية البيوت سراب
وقال أيضاً يهجو يوسف السراج:
سمعت بكل داهية نآدولم اسمع بسراج أديب
أما لو إنَّ جهلك عاد علماإذا لنفذت في علم الغيوب
ومالك بالغريب يد ولكنتعاطيك الغريب من الغريب
فلو نشر المقابر عن زهيرلصرح بالعويل وبالنحيب
متى كانت قوافيه عيالاعلى تسفير بقراط الطبيب؟
وقال أيضاً:
هو الدهر لا يشوي وهن المصائبواكثر آمال الرجال كواذب
وقال:
وقلت: أخي قالوا: أخ ذو قرابةفقلت لهم: إنَّ الشكول اقرب
نسيبي في عزمي ورأيي ومذهبيوإنَّ باعدتنا في الأصول المناسب
وقال:
على إنّها الأيام قد صرن كلهاعجائب حتى ليس فيها عجائب
وقال أيضاً:
إنَّ ريب الزمان يحسن إنَّ يهديالرزايا إلى ذوي الاحساب
فلهذا يجف بعد اخضرارقبل روض الوهاد روض الروابي
وقال أيضاً:
ومن يكن طيبا فلا عجبإنَّ يأكل الناس من أطيابه
وقال أيضاً:
غير مستأنس بشيء إذا غبتسوى ذكرك الذي لا يغيب
أنت دون الجلاس انسي وإنَّ كنتبعيدا فالأنس منك قريب
وقال أيضاً:
لعمر مع الرمضاء والنار تلتظيارق وأحفى منك في ساعة الكرب
متى ابتغي النصف من قلب صاحبإذا لم يكن قلبي شفيقا على قلب
وقال أيضاً يعاتب أبا دلف:
أقمت شهورا في فنائك خمسةلقى حيث لا تهمي علي جنوب
فإنَ نلت ما أملت فيك فإننيجدير وإلاّ فالرحيل قادب
وقال أيضاً:
يا أيها الملك النائي برؤيتهوجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاإنَّ السماء ترجى حين تحتجب
وقال أيضاً:
لعمرك لليأس غير المريبخير من الطعم الكاذب
وللريث تحفزه بالنجاحخير من الأمل الخائب
وقال أيضاً يصف غيثا:
لم أر عيرا جمة الدؤوبتواصل التهجير بالنأويب
ابعد من أين ومن لغوبمنها غداة الشار والمهضوب
نجائب ولين من نجيبشبائه الأعناق بالعجوب
كالليل أو كاللوب أو كالنوبمنقادة لعارض غريب
كالشمعة التفت على النقيبآخذة بطاعة الجنوب
ناقصة لمرر الخطوبتكف غرب الزمان العصيب
محاءة للأزمة اللزوبمحو استلام الركن للذنوب
لمّا دنت الأرض من قريبتشوفت لوبلها السكوب
تشوف المريض للطبيبوطرب المحب للحبيب
وفرحة الأديب بالأديبوخيمت صادقة الشؤبوب
وقالم فيها الرعد كالخطيبوحنت الريح حنين النيب
فالشمس ذات حاجب محجوبقد أغربت من غير ما غروب
والأرض في ردائها القشيبفي زاهر من نبتها رطيب
بعد اشتهاب الثلج والضريبكالكهل بعد السن والتنحيب
تبدل الشباب بالمشيبكم أنست من جانب غريب
وغلبت من الثرى المغلوبونفست من بأرض مكرب
وسكنت من نافر الجبوبوأقنعت من بلد رغيب
يحفظ عهد الغيث بالمغيبلذيذة الريق والصبيب
كأنها تهفي على القلوب وتقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول.
وقال أيضاً:
الصبر كاس وبطن الكف عاريةوالعقل عار إذا لم يكس بالنشب
وما أضيع العقل إنَّ لم يرع ضيعتهوفر وأي رحى دارت بلا قطب
وقال:
بأي وخد قلاص واجتناب فلاإدراك رزق إذا ما كان في هرب
وقال:
إذا قصدت لشلو خلت إني قدأدركته ادركتني حرفة الأدب
وإنّما قال ذلك لمّا يزعم من إنَّ حرفة الأدب مشؤومة حليفة الفقر حتى قال قائلهم:
الضب والنون قد يرجى اجتماعهماولا يرجى اجتماع المال والأدب
وستأتي في هذا الباب حكايات ظريفة في هذا المعنى للأدباء.
وقال أيضاً:
إنَّ الأسود اسود الغاب همتهايوم الكريهة في المسلوب السلب
وكانوا يرون الفضيلة عند اللقاء إنّما هي في الاهتمام بضرب الهام دون جمع الحطام. ومنه قول عنترة:
هلا سألت القوم يا أبنت معبدإنَّ كنت جاهل بما لم تعلم
إذ لا أزال على رحالت سابحنهد تعاوره الكماة معلم
طورا يعرض للطعان وتارةيأوي إلى حصد القسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة إننيأغشى الوغى واعف عند المغنم
وهذا المعنى هو الذي نبه عليه الأول وأوضحه. وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى. ولمّا سيق إلى المعتصم المازيار أسيرا فأمر بصلبه قال له: من علي ولك أموال جليلة الخطر! فأبى وانشد:
إنَّ الأسود اسود الغاب همتهايوم الكريهة في المسلوب السلب
وقال أيضاً:
إذا ما شبت حسن الدينمنك بصالح الأدب
فمن شئت كن فلقدفلجت بأكرم النسب
فنفسك قط أصلحهاودعني من قديم آب
اصله قوله تعالى: إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم. وقال أبو الطيب:
ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسىبكى بعيون سرها وقلوب
وقال:
وقد فارق الناس الأحبة قبلناوأعيى دواء الموت كل طبيب
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلهامنعنا بها من جيئة وذهوب
تملكها الآتي تملك سالبوفارقها الماضي قراق سليب
ولا فضل فيها للشجاعة والندىوصبر الفتى لولا لقاء شعوب
وأوفى حياة الغابرين لصاحبحياة امرئ خانته بعد مشيب
وقال:
وما كل وجهٍ أبيضٍ بمباركٍولا كل جفنٍ ضيقٍ بنجيبِ
وقال:
كأنَّ الردى عادٍ على كل ماجدٍإذا لم يعوذ مجده بعيوبِ
وأولا أيادي الدهر في الجمع بينناغفلنا فلم نشعر له بذنوبِ
وللتركُ للاحسان خيرٌ لمحسنِإذا جعل الإحسان غير ربيبِ
وقلا:
فربَّ كئيبٍ ليس تندى جفونهورب كثير الدمع غير كئيبِ
وقال:
إذا استقبلت نفس الكريم مصابهابخبثٍ ثنت فاستدبرته بطيبِ
وللواحد المكروب من زفراتهسكون عزاءٍ أو سكون لغوبِ
وقال:
وفي تعب من يحسد الشمس نورهاويجهد أن يأتي لها بضريبِ
وقال أيضاً يمدح سيف الدولة:
وكيف عرفنا رسم من يدع لنافؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا؟
نزلنا عن الأوكار نمشي كرامةًلمن بان عنه أن نلم به ركبا
وتمثل به أحد الفضلاء حيث أقبل على المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام! وقال:
ومن صحب الدنيا طويلاً تقلبتعلى عينه حتى يرى صدقها كذبا
وقال:
ومن تكن الأس الضواري جدودهيكن ليله صباحاً ومطعمه غصبا
ولست أبالي بعد إدراكي العلاأكان تراثا ما تناولت أم كسبا
وقال:
تهاب سيوف الهند وهي حدائدفكيف إذا كانت نزارية عربا؟
ويرهب ناب الليث والليث وحدهفكيف إذا كان الليوث له صحبا؟
ويخشى عباب البحر وهو مكانهفكيف بمن يغشى البلاد إذا عبا؟
وقال:
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسهحريصا عليها مستهاما بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقىوحب الشجاع النفس اورده الحربا
ويختلف الرزقان والفعل واحدٌإلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا
وقال أيضاً:
وإن كان ذنبي كل ذنبٍ فانهمحا الذنب كل المحو من جاء تائبا
وقال أيضاً يستعطف سيف الدولة على بني كلاب:
ترفق أيها المولى عليهمفإنَ الرفق بالجاني عتابُ
وانهم عبيدك حيث كانواإذا تدعو لنائبة أجابوا
وكأنه من قول أبن أبي عيينة:
جلبنا الخيل من بغداد شعثاعرائس تحمل الأسد الغضابا
بكل فتى أغر مُهلبيتخال بضوء صوته شهابا
ومن قحطان كل أخي حفاظٍإذا يدعي لنائبةٍ أجابا
وقال أيضاً:
بأخوالي وأعمامي أقامتقريش ملكها وبها تهابُ
متى ما أذاع أخوالي لحربٍوأعمامي لنائبةٍ أجابوا
وقال:
وعين المخطئين هم وليسوابأول معشرٍ خطئوا فتابوا
وكم ذنبٍ مولده دلالوكم بعد مولده اقترابُ
وجرم جره سفهاء قوموحل بغير جارمه العذابُ
وقال:
ومن في كفه منهم قناةكمن في كفه منهم جضابُ
وهو معنى قول الآخر:
فلا يمنعك من أرب لحاهمسواءٌ ذو العمامة والخمارِ
وقال أيضاً:
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرهافإنَ في الخمر معنى ليس في العنبِ
وقال:
فلا تنلك الليالي إنَّ أيديهاإذا ضربن كسرن النبع بلالغربِ
ولا يعن عدواً أنت قاهرهفإنهن يصدن الصقر بالخربِ
وإن سررن بمحبوبٍ فجعن بهوقد أتينك في الحالين بالعجبِ
وربما احتسب الإحسان غايتهاوفاجأته بأمر غير محتسبِ
وما قضى أحد منها لبانتهولا انتهى أرب إلاّ إلى أربِ
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهمإلاّ على شجب والخلف في الشجبِ
فقيل تخلص نفس المرء سالمةوقيل تشك جسم المرء في العطبِ
ومن تفكر في الدنيا ومهجتهأقامه الفكر بين العجز والتعبِ
وقال أيضاً:
ومن ركب الثور بعد الجوادأنكر أظلافه والغبب
وقال:
ويستنصران الذي يعبدانوعندهما أنه قد صلب
ويدفع ما ناله عنهمافيا للرجال لهذا العجب
وقال أيضاً:
لأي صروف الدهر فيه نعاتبُوأي رزاياه بوترٍ نطالبُ؟
وقال أيضاً:
فالموت أعذر لي والصبر أجمل بيوالبر أوسع والدنيا لمن غلبا
وقوله: والدنيا لمن غلبا هو مثل مشهور ووقع في قول الآخر: والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا. وأنشد أبن الخطيب لبعض الأعراب:
من كان أبصر شيئا أو رأى عجبافإنني عشت دهرا لا أرى عجبا
الناس كالناس والأيام واحدٌوالهر كالهر والدنيا لمن غلبا
فلا أدري لأوارده فيه أبو الطيب أم أخذه منه وهو في بيت الأعرابي أقعد وبسياقه أنسب. وتمام البيت المذكور ما أنشده المصعب الزبيري في أنساب قريش لبعض الشعراء في معاوية بن يزيد وهو:
إني أرى فتنة تغلي مراجلهافالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وأراد بابي ليلى معاوية بن يزيد المذكور وفيه يقول عبد الله بن همام السلولي:
تلقفها يزيد عن أبيهفخذها يا معاوية عن يزيدا
فإنَ دنياكم لكم اطمأنتفأولوا أهلها خلقا سديدا
وقال أيضاً:
أظمتني الدنيا فلما جئتهامستسقياً مطرت عليَّ مصائبا
وقال في وصف علي بن المنصور:
كالبدر من حيث التفت وجتهيهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهراًجودا ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوءهايغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
وقال أيضاً:
ليس بالمنكر إن برزت سبقاًغير مدفوعٍ عن السيف الغرابُ
وقال أيضاً:
إذا لم تكن نفس النسيب كأصلهفماذا الذي تغني كرام المناصب؟
وما قريب أشباه قومٍ أباعدٍولا بعدت أشباه قومٍ أقاربِ
إذا علوي لم يكن مثل طاهرفما هو إلاّ حجةٌ للنواصبِ
وقال أيضاً:
ما أوجه الحضر المستحسنات بهكأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطريةوفي البداوة حسن غير مجلوب
وقال:
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بهامضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلةأوراكهن صقيلات العراقيب
وقال:
فما الحادثة من حلم بمانعةقد يوجد الحلم في الشبان والشيب
وقال أيضاً:
وكم لظلام الليل عندك من يدتخبر إنَّ المانوية تكذب
وقاك ردى الأعداء تسري إليهموزارك فيه ذو الدلال المحجب
وقال:
وما الخيل إلاّ كل الصديق قليلةوإنَّ كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتهاوأعضائها فالحسن عندك مغيب
لحا الله ذي الدنيا منخا لراكبفكل بعيد الهم فيها معذب
إلاّ ليت شعري هل أقول قصيدةفلا اشتكي فيها ولا اتعب
وقال يخاطب كافورا:
وهبت على مقدار كفي زمانناونفسي على مقدار كفيك تطلب
وقال:
يضاحك في ذا العيد كل حبيبهحذائي وابكي من احب واندب
احن إلى أهلي وأهوى لقائهموأين من المشتاق عنقاء مغرب
وقال:
كل امرئ يولي الجميل محببوكل مكان ينبت العز طيب
وقال:
واظلم أهل الظلم من بات حاسدالمن بات في نعمائه يتقلب
قال صاحب الرسالة الحكيمة وهو قول ارسطوطاليس: اقبح الظلم حسدك لعبدك ومن تنعم عليه. قلت: وهو غلط. إنَّ كانت رواية هذه الحكمة هكذا فإنَ أبا الطيب إنّما أراد عكسها وهو إنَّ اقبح الظلم إنَّ يحسدك من تنعم عليه وتحسن إليه بدليل سياق كلامه.
وقال:
وقد يترك النفس التي لا تهابهويحترم النفس التي تتهيب
وقال أيضاً:
وما العشق إلاّ غرة وطماعةيعرض كل نفس فتصاب
وقال:
اعز مكان في الدنيا سرج سابحوخير جليس في الزمان كتاب
وقال يخاطب كافورا:
وهل نافعي إنَّ ترفع الحجب بينناودون الذي أملت منك حجاب
وقال:
وفي نفسي حاجات وفيك فطانةسكوتي جواب عندها وخطاب
وما أنا بالباغي على الحب رشوةضعيف هوى يبغي عليه ثواب
وقال يخاطبه:
إذا نلت منك الود فالمال هينوكل الذي فوق التراب تراب
وينشد العارفون رضوان الله عليهم والخطاب للملك الحق هكذا:
فليتك تحلو والحياة مريرةوليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامروبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هينوكل الذي فوق التراب تراب
واذكرني هذا المعنى حكاية عن الأصمعي قال: بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف في الطريق في اذنيه قراط في كل جوهرة يضيء وجهه من ضوء الجوهرة وهو ربه بأبيات من الشعر وهي:
يا فاطر الخلق البديع وكافلارزق جميع سحاب جودك هاطل
يا مسبغ البر الجزيل ومسبلالستر الجميل عميم طولك طائل
يا عالم السر الخفي ومنجزالوعد الوفي قصاء حكمك عادل
عظمت صفاتك يا عظيم فجل إنَّيحصى الثناء عليك فيها قائل
الذنب أنت له بمنكب غافرولتوبة العاصي بحلمك قابل
تعصيه وهو يسوق نحوك دائمامالا تكون لبعضه تستأهل
متصدق أبداً وأنت لجودهبقبائح العصيان منك تقابل
وإذا دجى ليل الخطوب وأظلمتسبل الخلاص وخاب فيه الأمل
وايست من وجه النجاة فما لهاسبب وما يدنو بها متناول
يأتيك من الطافه الفرج الذيلم تحتسبه وأنت عنه غافل
يا موجد الأشياء من القي إلىأبواب غيرك فهو غر جاهل
ومن استراح بغير ذكرك أو رجاأحدا سواك فذاك ظل زائل
رأي يلم إذا عرته ملمةبسوى جنابك فهو رأي فائل
عمل أريد به سواك فأنهعمل وإن زعم المرائي باطل
وإذا رضيت فكل شيء هينوإذا حصلت فكل شيء حاصل
أنا عبد سوء ابق كل علىمولاه أوزار الكبائر حامل
قد أثقلت ظهري الذنوب وسودتصحفي العيوب وستر عفوك شامل
ها قد أتيتك حسن ظني شافعووسائلي ندم ودمع سائل
فأغفر لعبدك ما مضى وارزقه توفيقا لمّا ترضى ففضلك كامل
فافعل به ما أنت أهل جميلهوالظن كل الظن انك فاعل
قال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب عليك. قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على دين إبراهيم الخليل ﵇ لا أتغدى كل يوم ولا أتعشى حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته
فرحب بي وسرت معه حتى وافينا الخيمة فصاح: يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة: يا لبيكاه! فقال: قومي إلى ضيفنا فقالت الجارية: حتى ابدأ بشكر المولى الذي ساقه إلينا. فصليت ركعتين لله تعالى. قال: فأدخلني الشاب الخيمة وأجلسني وأخذ شفرة فقام إلى عناق فذبحها. قال: فلما جلست في الخيمة نظرت إلى الجارية فإذا هي احسن الناس وجها. فكنت اسارقها النظر ثم فطنت لي فقالت لي: مم! أنا علمت انه نقل عن صاحب طيبة ﵊ إنّه قال: زنى العينين النظر. أما إني ما أردت بهذا إنَّ أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لئلا تعود إلى مثل هذا. فلما كان النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة وباتت الجارية داخلها. فكنت اسمع دوي القرآن إلى السحر بأحسن صوت وارقه. ثم سمعت أبيات من الشعر بأعذب لفظ وأشجى نغمة وهي:
أبى الحب أن يخفى وكم قد كتمتهفأصبح عندي قد أناخ وطنبا
إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكرهوإن رمت قربا من حبيبي تقربا
ويبدو فأفنى ثم أحيا به لهويسعدني حتى ألذ واطربا
فلما أصبحت قلت للغلام: صوت من سمعت؟ قال صوت أختي وذلك دأبها كل ليلة. فقلت: أنت أحق بهذا منها إذ أنت رجل وهي امرأة. فتبسم ثم قال: أما علمت إنّه موفق ومخذول ومقرب ومبعد؟ فودعتها وانصرفت. ولا يخفى إنَّ محل الاستشهاد قوله:
وإذا رضيت فكل شيء هينوإذا حصلت فكل شيء حاصل
وهذا الشعر يتمثل به الصوفية كثيرا. وقال أيضاً:
وما يشق على الكلبأن يكون أبن كلبة
وقال أيضاً:
لابد للإنسان من ضجعةلا تقلب المضجع على جنبه
ينسى بها ما مر من عجبهوما أذاق الموت من ركبه
نحن بنو الموتى فما بالنانعاف ما لا بد من شربه؟
تبخل أيدينا بأرواحناعلى زمن هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوهوهذه الأجسام من تربه
لو فكر العاشق في منتهىحسن الذي يسبيه لم يسبه
وهو معنى قول ارسطوطاليس: النظر في عواقب الأشياء يزهد في حقائقها والعشق عمى النفس عن درك رؤية المعشوق. والذي قبله هو معنى قوله أيضاً: اللطائف سماوية والكثائف أرضية وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول.
وقال:
يموت راعي الضأن في جهلهموتة جالينوس في طبه
ونحوه قول بعضهم في أبن سينا:
وكان أبن سينا يداوي الرجالوفي السجن مات أخس الممات
فلم يشف ما قاله في الشفاولم ينج ما قاله بالنجات
وقال:
وغاية اللمفرط في سلمهكغاية المفرط في حربه
وهو قريب من قول ارسطوطاليس: آخر افراط التوقي أوّل موارد الحذر.
وقال:
يدخل صبر المرء من مدحهويدخل الإشفاق في ثلبه
ولم اقل مثلك اعني بهسواك يا فردا بلا مشبه
وقال أيضاً:
إذا اكتسب الإنسان من هن عرسهفيل لؤم إنسان ويا لؤم مكسب
وقال الحماسي سعد بن ناشب:
سأغسل عني العار بالسيف جالباعلي قضاء الله ما كان جالب
واذهل عن داري وأجعل هدمهالعرضي من ياقي المذلة حاجب
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنتيميني بإدراك الذي كنت طالب
وقال:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمهونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في أمره غير نفسهولم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا
وقال موسى أبن جابر:
لا اشتهي يا قوم إلاّ كارهاباب الأمير ولا دفاع الحاجب
ومن الرجال أسنة مذروبةومزندون شهودهم كالغائب
منهم ليوث ما ترام وبعضهممما قمشت وضم حبل الحاطب
وقال بعض بني مازن:
وما قتل جار غائب عن نصيرهلطالب أوتار بمسلك مطلب
وقال:
وقد ذقتمونا مرة بعد مرةوعلم بيان الأمر عند المجرب
وقال القتال الكلابي:
نعرض للطعان إذا التقيناوجوها لا تعرض للسباب
ومثله قول الهمداني:
لقد علمت نسوان همدان إننيلهن غداة الروع غير خذول
وابذل الهيجاء وجهي وأننيله في سوى الهيجاء غير بذول
ومن هذا قول أبي مخزوم النهشلي الدارمي من شعراء الحماسة:
أنا لنرخص يوم الروع أنفسناولو نسام بها في الأمن اغلينا
وقال بعض الفقعسيين:
رأيت بني عمي إلاّ لي يخذلوننيعلى حدثان الدهر إذ يتقلب
فهلا أعدوني لمثلي تفاقدواوفي الأرض مبثوقا شجاع وعقرب
وقال:
كأنهم لم تسبق من الليل ليلةإذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
إذا ما المرء لم يحببك إلاّمغالبا نفسه سئم الغلابا
ومن لا يعط إلاّ في عتابيخاف يدع به الناس العتابا
أخوك أخوك من يدنو وترجومودته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعاديوزاد سلاحه منك اقترابا
يواسي في كريهته أخاهإذا ما مضلع الحدثان نابا
وقال قراد بن عتاب الحماسي أيضاً:
إذا المرء لم تغضب له حين يغضبفوارس إن قيل اركبوا الموت يركبون
ولم يحبه بالنصر قوم اعزهمقاحيم في الأمر الذي يتهيب
تهضمه أدنى العدو ولم يزلوإنَّ كان عضا بالظلامة يضرب
المقاحيم جمع مقحام وهو المقتحم في الأمور الجريء عليها ويتهيب يتخوف وتهضمه تنقصه وأدنى العدو اخسهم والعض بالكسر الرجل الداهية كما تقدم في الهمزة والظلامة الظلم. أي لا يزال يضرب أي يقابل ويرمي بالظلم وإن كان عضا إذا لم يكن له أنصار.
وقال الاخنس بن شهاب:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى القوم الذين نضارب
يقول: إذا ضاق مجال الحرب عن مضاربة الأقران بالسيوف خطونا إليهم وأقدمنا عليهم جرأة حتى نصل إليهم فنضربهم.
ومثله قول الآخر:
نصل السيوف إذا قصرن بخطوناقدمنا ونلحقها إذا لم تلحق
وقال محمد بن بشير:
وكل امرئ يوما سيركب كارهاعلى النعش أعناق العدى والأقارب
وقال نهشل الدارسي:
وهون وجدي عن خليلي أننيإذا شئت لاقيت امرؤا مات صاحبه
ومن ير بالأقوام يوما يروا بهمعرة قوم لا توارى كواكبه
ومثل بيته الأول قول الخنساء:
لولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
وقال الغطمش الضبي:
إلاّ رب من يغتابني ود إننيأبوه الذي يعزى إليه وينسب
على رشدة من أمه ولغيةفيغلبها فحل على النسل منجب
فبالخير لا بالشر فارج مودتيوأي امرئ يغتال منه الترهب؟
أقول وقد فاضت من العين عبرةأرى الأرض تبقى والإخلاء تذهب
اخلاي لو غير الحمام أصابهمعتبنا ولكن ما على الدهر معتب
الرشدة: النكاح والغية: الزنى. ويقال: انجب الرجل إذا ولد نجيبا.
وقال الحكم بن عبدل الأسدي:
اطلب ما يطلب الكريم منالرزق لنفسي واجمل الطلبا
واحلب الثرة الصفي ولااجهد إخلاف غيرها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذارغبته في صنيعة رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولا يعطيك شيئا إلاّ إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لايحسن مشيا إلاّ إذا ضربا
ولم أجد الخلائق إلاّالدين لمّا اعتبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وماشد بعنس رحلا ولا قتبا
ويحرم المال ذو المطيةوالرحل ومن لا يزال مغتربا
الثرة: الناقة الغزيرة اللبن ومثلها الصفين ولذا وصفها بها. والإخلاف جمع خلف وهو حلمة الضرع. يقول: إني احلب الكثيرة الدر وآخذ منه عفوا ولا اجهد غيرها لاستخراج النزر واستنزل العسير وهذا تمثيل. والمراد إني اجمل في الطلب ولا أكد نفسي في استحصال الرزق علما مني بان ما قدر من الرزق ألي واصل وما قسم لا
محالة حاصل.
وقالت أم ثواب الهزانية في أبن لها عاق:
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمهأم الطعام ترى في ريشه زغبا
حتى إذا آض كالفحل شذبهآباره ونفى عن متنه الكربا
انشا يمزق أثوابي ويضربنيابعد شيبى عندي يبتغي الأدبا؟
أم الطعام: الحوصلة والفحال: ذكر النحل وهي أطولها وتشذيبه: تجريده وتنقيته من فضول الشوك والسعف وبذلك يطول في السماء والكرب: أصول السعف تبقى متصلة بالجذع.
وقال حاتم:
وما أنا بالساعي بفضل زمامهالتشرب ماء الحوض قبل الركائب
وما أنا بالطاوي حقيبة رحلهالابعثها خفا واترك صاحبي
إذا كنت ربا للقلوص فلا تدعرفيقك يمشي خلفا غير راكب
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع