من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
فصل في نوادر الهجاء والذم
- الأهاجي في معانيها تقارب النوادر، وأسيرها ما كان خفيفا سهلا، إلّا أني لما شرطته في الكتاب أخرجت في هذا الفصل ما قصد به القائل قصد الهزل. فمن ذلك ما رواه صاعد بن ثابت قال: بلغ أبا الحسين البريدي خبر قصيدة أبي الفرج الأصفهاني فيه، وسمع استحسان قوم لها فقال لجلسائه:
من يحفظها؟ فقالوا: ليس فينا من يحفظها. فقال: دعوا هذا عنكم، ومن أنشدنيها فهو آمن، وله ألف درهم. وكان أبو القاسم ابن أبي موّاس أبسط الجماعة عليه، فقال: لست أحفظها ولكنّي أحضرك نسختها ولي الأمان والصلة. قال: افعل. قال: آلله؛ قال: آلله. ثم صافحه أنه لا يبقى في نفسه شيء إذا هو فعل ذاك. فأحضره نسختها وقرأها عليه وهو يفرك يديه ويزداد غيظا حتى انتهى إلى قوله:
هو أزنى ممّن نقدّر أمّاليس ممّن يصاد بالتقليد
قال: فضحك حتى قهقه ثم قال: صدق العاضّ بظر أمّه، لست ممّن يصاد
بالتقليد، وقطع أبو القاسم الإنشاد ولم يستعده، ووقّع له بألف درهم تسلّم إليه من الخزانة.
ومعنى هذا البيت أنّ الراضي كان قلّده الوزارة، ليحتال عليه ويحصّله؛ وكان البريديّ أخبث من ذلك، فاستناب في الوزارة وهو بالبصرة ولم يدخل بغداد إلّا مالكها. وأول قصيدة أبي الفرج:
يا سماء اقلعي ويا أرض ميديقد تولّى الوزارة ابن البريدي
- وقال أبو الفرج الأصفهاني: سكر المهلبيّ ليلة وأنا عنده، ولم يبق من ندمائه غيري، فقال لي: يا أبا الفرج، أنا أعلم أنك تهجوني سرّا، فاهجني الساعة ظاهرا. فقلت: الله الله، أطال الله بقاء الوزير، إن كنت قد مللتني حتى أنقطع، وإن كنت تؤثر قتلي فمتى شئت فبالسيف صبرا، قال: دع هذا، لا بدّ من أن تهجوني قال: وكنت سكران، فقلت:
أير بغل بلولب
فسبقني هو وقال:
في حر امّ المهلّبي
هات مصراعا آخر فقلت: الطلاق لازم للأصفهاني إن زاد على هذا أو كانت عنده زيادة.
- وقال السري الرفّاء في أحد الخالديان:
يا سارق الأغفال ما حبّروامن الخوافي والمشاهير
أعط قفا نبك أمانا فقدأمست بقلب منك مذعور
- قال المبّرد بلغني أنّ أعرابيّا لقي رجلا من الحاجّ فقال له: ممّن الرجل؟ قال: من باهلة، قال: أعيذك بالله من هذا، قال: أي والله، وأنا مع ذاك مولى لهم. فأقبل الأعرابيّ يقبّل يديه ويتمسّح به، فقال له الرجل: لم تفعل ذلك؟ قال: لأني أثق بأنّ الله تعالى لم يبتلك بهذا في الدنيا إلّا وأنت في الجنة.
وقال أبو الشمقمق لبشّار بن برد: أنت ثقيل عليّ وأنا ثقيل عليك، فتعال حتى يصف كلّ واحد منّا صاحبه، فقال بشّار: أنت عندي أثقل من الكرب في آب، والصدام في كانون، والرقيب على العاشق، والغريم على المفلس، ومن عسر الولادة، ومن شماتة الأعداء. قال أبو الشمقمق: أما أنا فأختصر:
أنت عندي أثقل من موت الفجأة وزوال النعمة.
- وقال شاعر:
إلى الله أشكو أنني بتّ طاهرافجاء سلوليّ فبال على رجلي
فقلت اقطعوها لا أبا لأبيكمفإني كريم غير مدخلها رحلي
- دخل أبو دلامة على المهديّ وعنده إسماعيل بن عليّ وعيسى بن موسى والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم الإمام وغيرهم من بني هاشم، فقال له المهدي: أنا أعطي الله عهدا لئن لم تهج واحدا ممّن في البيت لأقطعنّ لسانك.
فنظر إليه القوم وغمزه كلّ واحد منهم بأنّ عليّ رضاك. قال أبو دلامة: فعلمت أنّي قد وقعت، وأنها عزمة من عزماته لا بدّ منها، فلم أر أحدا أحقّ بالهجاء
مني، ولا أدعى إلى السلامة من هجائي نفسي، فقلت:
ألا أبلغ لديك أبا دلامهفلست من الكرام ولا كرامه
جمعت دمامة وجمعت لؤماكذاك اللؤم تتبعه الدمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيافلا تفرح فقد دنت القيامه
فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلّا أجازه.
رؤي أعرابيّ يبول في المسجد فصاحوا عليه فقال: أنا والله أفقه منكم، إنه مسجد باهلة.
- وقيل لأعرابيّ: أيسرّك أن تدخل الجنة وأنت باهليّ؟ قال: على أن لا يعرف فيها نسبي.
- وقال أحمد بن سعيد الباهلي لأبي العيناء: إني أصبت لباهلة فضيلة لا توجد في سائر العرب، قال: وما هي؟ قال: لا يصاب فيهم دعيّ، قال: لأنه ليس فوقهم من يقبلهم، ولا دونهم أحد فينزلون إليه.
- وقيل له: ما تقول في محمد بن مكرم والعباس بن رستم؟ قال: هما الخمر والميسر وإثمهما أكبر من نفعهما.
- وسقط نجاح بن سلمة عن دابته، فوثب إليه إبراهيم بن عتاب فأخذه من الأرض، فقال أبو العيناء: يا أبا الفضل لميتة مجهزة أصلح من عافية على يد ابن عتاب.
- واعترضه يوما أحمد بن سعيد فسلّم عليه، فقال أبو العيناء: من
أنت؟ قال: أحمد بن سعيد، فقال: إني بك لعارف، ولكن عهدي بصوتك مرتفع إليّ من أسفل، فما له منحدر عليّ من علو؟ قال: لأني راكب قال: لا إله إلّا الله، لعهدي بك وأنت في طمرين لو أقسمت على الله تعالى في رغيف لأعضّك بما تكره.
- وقال له رجل: ما أنتن إبطك!! قال: نلقاك أعزّك الله بما يشبهك.
- وقال لرجل: والله ما فيك من العقل شيء إلّا مقدار ما تجب الحجّة به عليك، والنار لك.
- تغدّى الجماز عند إنسان هاشميّ، ومرّ الغلام بصحفة فقطر منها شيء على ثوب الجمّاز، فقال الهاشميّ: يا غلام اغسل ثوبه، فقال الجمّاز:
دعه فمرقتكم لا تدسّم الثوب.
- وقف رجل على بهلول فقال له: تعرفني؟ قال بهلول: اي والله وأنسبك نسب الكمأة: لا أصل ثابت، ولا فرع نابت.
- شاعر:
أمّ زياد لم ولدتيهملتحفا بالكبر والتيه
ليتك إذ جئت به هكذاأكلته لما خريتيه
- عليّ بن خليل في دعيّ:
متى تعرّبت وكنت امرءامن الموالي صالح الدين
لو كنت إذ صرت إلى دعوةفزت من القوم بتمكين
لكفّ من وجدي ولكننيأراك بين الضبّ والنون
فلو تراه صارفا أنفهعن ريح خيريّ ونسرين
لقلت جلف من بني دارمحنّ إلى الشيح بيبرين
دعموص رمل زلّ عن صخرةفعاف أرواح البساتين
تنبو عن القاقم أعطافهوالخزّ والسنجاب واللين
- كان لهشام النحويّ جارية يقال لها خنساء، وكانت تقول الشعر، فعبث بها يوما أبو الشبل فأغضبها، فقالت له: ليت شعري بأيّ شيء تدلّ؟ أنا والله أشعر منك، ولئن شئت لأهجونّك حتى أفضحك، فأقبل عليها وقال:
خنساء قد أفرطت علينافليس منها لنا مجير
تاهت بأشعارها عليناكأنما ناكها جرير
فخجلت حتى بان ذلك فيها وأمسكت عن جوابه.
»
- قال ابن قتيبة: مكثت ميّة زمانا لا ترى ذا الرمّة، وهي تسمع مع ذلك شعره، فجعلت لله عليها أن تنحر بدنة يوم تراه. فلما رأته رجلا أسود دميما قالت: واسوأتاه وابؤساه، واضيعة بدنتاه، فقال ذو الرّمة:
على وجه ميّ مسحة من ملاحةوتحت الثياب الخزي لو كان باديا
قال فكشفت ثوبها عن جسدها ثم قالت: أشينا ترى لا أمّ لك؟ فقال:
ألم تر أنّ الماء يخبث طعمهوإن كان لون الماء أبيض صافيا
فقالت: أمّا ما تحت الثياب فقد رأيته وعلمت ألّا شين فيه، ولم يبق إلّا أن أقول لك: هلمّ حتى تذوق ما وراءه، والله لا ذقت ذلك أبدا. فقال:
فيا ضيعة الشّعر الذي لجّ فانقضىبميّ ولم أملك ضلال فؤاديا
- خالد الكاتب:
وقائل إنّ حماري لهمشي إذا صوّب أو صعّدا
فقلت لكنّ حماري إذاحثثته لا يلحق المقعدا
يستعذب الضرب فإن زدتهكاد من اللذة أن يرقدا
ومثله لابن الحجّاج يذكر فرسه:
حاشاه أن يعدو ولكننيأمشي فلا يلحقني إن عدا
إذا البراذين غلا سعرهافسعره في السوق سعر الجدا
وتبعهما مرجّى بن نبيه فقال:
هي تعدو والخيل تمشي فما تلحق إلّا غبارها بعد حين
- أبو الأسد:
صنع من الله أني كنت أعرفكمقبل اليسار وأنتم في التبايين
فما مضت سنة إلّا رأيتكمتمشون في الخزّ والقوهيّ واللين
وفي المشارق ما زالت نساؤكميصحن تحت الدوالي بالوراشين
فصرن يرفلن في وشي العراق وفيطرائف الخزّ من دكن وطاروني
أنسين قطع الحلافي من منابتهاوحملهنّ كشوثا في الشقابين
حتى إذا أيسروا قالوا وقد كذبوانحن الشّهاريج أبناء الدهاقين
في است امّ كسرى عمود إن أقرّ بكموأير بغل مشظّ في است شيرين
من ذا يخبّر كسرى وهو في سقردعوى النبيط وهم بيض الشياطين
وأنهم زعموا أن قد ولدتهمكما ادّعى الضبّ أني نطفة النّون
فكان ينحز جوف النار واحدةتفري وتصدع خوفا قلب قارون
أما تراهم وقد حطّوا براذعهمعن أتنهم واستبدوا بالبراذين
فأفرجوا عن مشارات البقول إلىدور الملوك وأبواب السلاطين
- عبد الصمد بن المعذل في ابن أخيه:
لو كان يعطى المنى الأعمام في ابن أخأصبحت في جوف قرقور إلى الصّين
يا أبغض الناس في فقر وميسرةوأقذر الناس في دنيا وفي دين
تيه الملوك إذا فلس ظفرت بهوحين تفقده ذلّ المساكين
لو شاء ربي لأضحى واهبا لأخيمن مرّ ثكلك أجرا غير ممنون
وكان أحظى له لو كان متّزرافي السالفات على غرمول عنّين
إنّ القلوب لتطوى منك يا ابن أخيإذا رأتك على مثل السكاكين
- أعرابيّ يهجو أمه:
شائلة أصداغها لا تختمرتعدو على الضيف بعود منكسر
حتى يفرّ أهلها كلّ مفرّلو نحرت في بيتها عشر جزر
لأصبحت من لحمهنّ تعتذربحلف مين ودمع منهمر
شائلة أصداغها: يريد أنّ شعرها قد قام من الخصومة، لا تختمر: من مبادرتها إلى الشرّ، وبعود منكسر: أي عصا قد انكسرت مما تضرب بها.
ابن الحجاج:
أعيذكم بالله من عصبةتباع مجّانا ولا تشترى
فإنكم من حيث ما استنشقتروائح الآمال فيكم خرا
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع