من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
خطبة الباب (٢٠)
بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله الحمد لله باعث النّذر بالآيات والبراهين، ومرسلهم بالنور المبين، وجاعل متبعهم متمسكا بالحبل المتين، لاجئا منه إلى ظلّ ظليل مديد، وائلا إلى معقل منيع شديد؛ حثّ على الجهاد وحرّض، وعنّف من اثّاقل عنه وأعرض، ووعد من سارع إليه أفضل الجزاء، وأغرى القلوب بطلب منازل الشهداء، وأعلى مراتبهم حتى طمحت إليها النواظر، وتعلّقت بها الهمم والخواطر. فله الحمد على تكرمته بإضعاف الثواب لمن أطاعه وعمل بأمره، وله الشكر لما أسبغ علينا من مواهبه وظاهر من برّه؛ والصلاة على رسوله المجاهد في سبيله المحامي عن دينه، محاماة القسورة عن عرينه، محرض المؤمنين على القتال، ودامغ جبابرة الأقيال، وعلى آله وأصحابه الأعلام الأبطال.
(الباب الرابع والعشرون في ما جاء في الإغراء والتحريض) مما يدخل في هذا المعنى من الكتاب العزيز حكاية عن قول نوح ﵇: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
(نوح:) وعن قول موسى ﵇: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
(يونس:).
وكان رسول الله ﷺ يحرّض أصحابه على الجهاد وفي الحرب. وقد قال الله ﷿ له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
(الأنفال:) وقد قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
(التوبة:).
- من كلام عليّ ﵇ يحرّض على حرب أهل الشام: أفّ لكم قد سئمت عتابكم. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا، وبالذلّ من العزّ خلفا؟! إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة، ما أنتم إلّا كإبل ضلّ رعاتها، وكلّما جمعت من جانب
انتشرت من آخر. لبئس لعمر الله سعر نار الحرب أنتم. تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم ولا تمتعضون، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون. غلب والله المتخاذلون. وايم الله إني لأظنّ بكم أن لو حمس الوغى واستحرّ الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس. والله إنّ امرءا يمكّن عدوّه من نفسه يعرق لحمه ويهشم عظمه، ويفري جلده، لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره. أنت فكن ذاك إن شئت، فأما أنا فو الله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية يطير منه فراش الهام، وتطيح السواعد والأقدام، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء.
- ومن كلامه كرّم الله وجهه: وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة. أنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم. إنّ في الفرار لموجدة الله، والذلّ اللازم، والعار الباقي، وإنّ الفارّ غير مزيد في عمره، ولا محجوز بينه وبين يومه. من رائح إلى الله كالظمآن يرد الماء؟ الجنة تحت أطراف العوالي. اليوم تبلى الأخبار.
قام مروان بن الحكم يوم الجمل يحرّض الناس فقال بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على نبيّه ﵇: إنّ الله ﷿ بعث محمدا ﷺ رسولا ختم به الرسل، ونسخ بدينه الأديان، ثم لم يقبضه حتى استوسق الإسلام وثبتت أركانه، وأنارت أحكامه، وعرف كلّ وارد مشربه، وكلّ سار مصدره، فجعل الحقّ أبين من المجرّة لا يجهلها الدليل ولا يضلّ عنها الساري.
فلما قبض ﷺ ولي الأمر أبو بكر رحمة الله عليه فتألّب عليه الأعداء، وناصبته
العرب الحرب، فاستنفر كالفحل بذنبه وتحرّك لأمر ربّه، وضرب بمن أطاع من عصى حتى أعاد الدين جديدا، وأبرم ما انتقض منه، ورأب ما انصدع، وردّ الأمور إلى حقائقها، ثم مضى على صراط سويّ مستقيم، وأحكام عادلة وسنن هادية. واجتهد لما ذنت منيّته، وناصح نفسه والمسلمين نظرا منه لهم، فبايع عمر بن الخطاب رحمة الله عليه واستخلفه، فألفيناه والله ماضي العزيمة، صادق النيّة، غير خوّار القناة، ولا قلق الوضين، ولا رخو اللّبب. وكره ذلك رجال شمخوا بأنوفهم، وصغوا بأعناقهم إلى أمر قصروا عنه وناله، فأرغم معاطسهم، وكعمهم وقمعهم، ووسمهم بالحقّ سمة الرعاء آذان الغنم، فتفاجّت عن خبيئها تفجّي الناقة لدرّة الحلب، حتى إذا نالته يد القضاء وخبطته يد المنية لانقضاء المدة المعلومة والأنفاس المعدودة، أشفق من الاختلاف والفرقة، فجعل الأمر شورى لا يعقد إلّا على إجماع، فمخضوا الآراء مخض الزبدة بالوطاب، وامتطوا رواحل الفكر خوف الهلكة، وأجالوا الرأي لئلّا يهلك مشاور عن مشورته، فلم يروا أحدا أحقّ بالخلافة ولا أقوم بها من ابن عفان، فقلدوها أسمحهم نفسا، وأفسحهم صدرا، وأطولهم باعا، فمضى يقفو الأثر ويتبع المنهاج على سنة من تقدم كقدّ الشراك، فلما طال به العمر ونزحت الدار بأنصاره، بادر الأشقياء إلى قتله وقالوا: خصّ أهله، وآثر أصحابه، وزاغ عن الحق إذ لم يكونوا لما أرادوا منه أهلا، بعد اجتماعهم عليه، ومسارعتهم إليه،
واختيارهم له، فوثبوا فنحروه نحر البدنة، فخار في دمه مفرى الأوداج قد خضب مصحفه بدمه، رحمة الله عليه؛ وكان صائما تاليا للقرآن مكبّا على المصحف، فيا عظم مصيبة أثكلت المسلمين إمامهم؛ عظم والله الخطب بأمير المؤمنين وصهر رسول الله ﷺ على ابنتيه، ومجهّز جيش العسرة، وموسّع المسجد، من غير جرم قتلوه بعد أن اختاروه، فسارعوا رحمكم الله إلى الطّلب بدمه، وقتال قاتله، إذ فاتكم نصره، فإنّ ذلك أفضل من جهاد المشركين. نسأل الله حسن المعونة على الطلب بدمه، والنّصرة على من ظلمه، وأستغفر الله لي ولكم.
- أوفد معاوية الزرقاء بنت عديّ بن غالب فقال لها: ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين، توقدين الحرب، وتحضّين على القتال، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، إنّه قد مات الرأس وبقي الذنب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. قال لها: صدقت، فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟ قالت: ما أحفظه، قال: لكني والله أحفظه، لله أبوك لقد سمعتك تقولين: أيّها الناس، إنكم في فتنة غشيتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجّة، فيا لها من فتنة عمياء صمّاء، لا يسمع لقائلها، ولا ينقاد لسائقها. أيها الناس، إنّ المصباح لا يضيء في
الشمس، وإنّ الكواكب لا تقد في القمر، وإنّ البغل لا يسبق الفرس، ولا يقطع الحديد إلّا الحديد. ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن استخبرنا أخبرناه، إنّ الحقّ يطلب ضالّته، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار، فكأن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة العدل، وغلب الحقّ باطله، فلا يعجلنّ أحد فيقول:
كيف وأنّى، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ألا إنّ خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير في الأمور وأحمد في عواقبها. إيها إلى الحرب قدما غير ناكصين، فهذا يوم له ما بعده.
ثم قال معاوية: والله يا زرقاء لقد شركت عليّا في كلّ دم سفكه، فقالت:
أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك، مثلك من بشّر بخير وسرّ جليسه. قال لها: وقد سرّك ذلك؟ قالت: نعم والله سرّني قولك فأنّى بتصديق الفعل، فقال: معاوية: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب إليّ من حبّكم له في حياته.
- وأوفد معاوية أمّ الخير بنت الحريش البارقية فقال لها: كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن والله رويته قبل ولا دوّنته بعد، وإنما كانت كلمات نفثهنّ لساني حين الصدمة، فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت، قال: لا أشاء ذلك. ثم التفت إلى أصحابه فقال:
أيّكم حفظ كلام أمّ الخير؟ قال رجل من القوم: أنا أحفظه، قال: هاته، قال:
نعم، كأني بها في ذلك اليوم وعليها برد زبيديّ كثيف الحاشية، وهي على جمل أورق أربد، وقد أحيط حولها حواء، وبيدها سوط منتشر الضّفر، وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول: يا أيّها الناس، اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم. إنّ الله تعالى قد أوضح الحقّ، وأبان الدليل، ونوّر السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمّة، فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ أفرارا عن [أمير] المؤمنين أم فرارا من الزحف، أم رغبة عن الإسلام؟ أم ارتدادا عن الحق؟ أما سمعتم الله ﷾ يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
(البقرة:) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
(محمد:) ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهمّ قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرعية، وبيدك يا ربّ أزمّة القلوب، فاجمع اللهمّ الكلمة على التقوى، وألّف القلوب على الهدى، واردد الحقّ إلى أهله. هلمّوا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصيّ الوفيّ، والصدّيق الأكبر. إنها إحن بدريّة، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك بها ثارات بني عبد شمس. ثم قالت: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ
(التوبة:) صبرا يا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربّكم وثبات من دينكم، وكأنّي بكم غدا قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ
(المؤمنون:) حين تحلّ بهم الندامة فيطلبون الإقالة؛ إنه والله من ضلّ عن الحقّ وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنّة نزل النار. أيّها
الناس إنّ الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطأوا مدّة الآخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق وتعطّل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عمّ رسول الله ﷺ وزوج ابنته وأبي ابنيه، خلق من طينته، وتفرّع من نبعته، وخصّه بسرّه، وجعله باب مدينة علمه وعلم المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين، فلم يزل كذلك يؤيّده الله تعالى بمعونته، ويمضي على سنن استقامته. هو مفلّق الهام، ومكسّر الأصنام، صلّى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرّق جمع هوازن، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا، وردّة وشقاقا. قد أجهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فقال معاوية: والله يا أمّ الخير ما أردت بهذا الكلام إلّا قتلي، وو الله لو قتلتك ما حرجت في ذلك، قالت: والله ما يسوءني يا ابن هند أن يجري الله تعالى ذلك على يدي من يسعدني الله تعالى بشقائه. قال: هيهات يا كثيرة الفضول. ما تقولين في عثمان بن عفان؟ قالت: وما عسيت أن أقول فيه؟
استخلفه الناس وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون، فقال معاوية: إيها أمّ الخير، هذا والله أصلك الذي تبنين عليه. قالت لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
(النساء:) ما
أردت لعثمان نقصا، ولقد كان سبّاقا إلى الخيرات، وإنه لرفيع الدرجة قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة؟ اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لا يحذر. وقد وعده رسول الله ﷺ الجنة. قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: وما عسيت أن أقول في الزبير؟ ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريّه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، لقد كان سبّاقا إلى كلّ مكرمة من الإسلام. وإني أسألك بحقّ الله يا معاوية فإنّ قريشا تحدث بأنك من أحلمها فأنا أسألك بأن تسعني بفضلك وحلمك، وأن تعفيني من هذه المسائل، وامض لما شئت من غيرها. قال: نعم وكرامة، وقد أعفيتك؛ وردّها مكرّمة إلى بلدها.
- وفي يوم ذي قار برز نساء بكر بن وائل يحرّضن رجالهنّ ويقلن:
نحن بنات طارقنمشي على النمارق
الدرّ في المخانقوالمسك في المفارق
إن تقبلوا نعانقأو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
وفي ذلك اليوم يقول لهم هانىء بن مسعود: يا قوم مهلك معذور، خير من
منجى فرور، وإنّ الحذر لا ينفع من القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر. المنيّة ولا الدنية، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثّغر، أكرم منه في الدبر. يال بكر شدّوا واستعدوا، وإلّا تشدّوا تردّوا.
- لمّا استنزل عبد الملك بن مروان زفر بن الحارث من قرقيسيا أقعده معه على سريره، فدخل عليه ابن ذي الكلاع، فلمّا نظر إليه مع عبد الملك على السرير بكى، فقال له: ما يبكيك؟ قال: يا أمير المؤمنين كيف لا أبكي وسيف هذا يقطر دما من دماء قومي في طاعتهم لك وخلافهم عليه، ثم هو معك على السرير، وأنا على الأرض. قال: إني لم أجلسه معي لأن يكون أكرم عليّ منك، ولكن لسانه لساني وحديثه يعجبني، فبلغت الأخطل وهو يشرب فقال: أم والله لأقومنّ في ذلك مقاما لم يقم به ابن ذي الكلاع؛ ثم خرج حتى دخل على عبد الملك فلما ملأ عينيه منه قال:
وكأس مثل عين الديك صرفتنسّي الشاربين لها العقولا
إذا شرب الفتى منها ثلاثابغير الماء حاول أن يطولا
مشى قرشية لا شكّ فيهاوأرخى من مآزره الفضولا
فقال له عبد الملك: ما أخرج هذا منك يا أبا مالك إلّا خطة في رأسك،
قال: أجل والله يا أمير المؤمنين، حين يجلس هذا عدوّ الله معك على سريرك وهو القائل بالأمس:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرىوتبقى حزازات الصدور كما هيا
قال: فقبض عبد الملك رجله، ثم ضرب بها صدر زفر فقلبه عن السرير، وقال: لا أذهب الله حزازات تلك الصدور. فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين والعهد الذي أعطيتني؟ فكان زفر يقول: ما أيقنت بالموت قط إلا تلك الساعة حين قال الأخطل ما قال.
- ومثل بيت زفر قول الأخطل يغري به:
إنّ الضغينة تلقاها وإن قدمتكالعرّ يكمن حينا ثم ينتشر
بني أمية إني ناصح لكمفلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر
واتخذوه عدوا إن شاهدهوما تغيّب من أخلاقه دعر
- قال معاوية لعبد الله بن الزبير، وهو عنده بالمدينة: يا ابن الزبير ألا تعذرني من حسن، ما رأيته منذ قدمت إلا مرّة واحدة. قال: دع عنك حسنا، فأنت والله وهو كما قال الشمّاخ:
أجامل أقواما حياء وقد أرىصدورهم تغلي عليّ مراضها
والله لو يشاء حسن أن يضربك بمائة ألف سيف ضربك. والله لأهل العراق به أرأف من أمّ الحوار بحوارها. قال معاوية: أردت أن تغريني به، والله لأصلنّ رحمه ولأقبلنّ عليه:
ألا أيها المرء المحرّش بينناألا اقتل أخاك لست قاتل أربد
أبى قربه مني وحسن بلائهوعلمي بما يأتي به الدهر في غد
والشعر لعروة بن قيس.
- جرير:
بني عديّ ألا فانهوا سفيهكمإنّ السّفيه إذا لم ينه مأمور
- أنشد الأصمعي:
يا ربّ إن كان يزيد قد أكللحم الصديق عللا بعد نهل
ودبّ بالسوء دبيبا ونسلفاقدر له أصلة من الأصل
كبساء كالقرصة أو خفّ الجمللها سحيف وفحيح وزجل
لو نفحت غصنا رطيبا لذبلأو نكزت فيلا مسنّا لانجدل
وازّيلت أوصاله أو اقفعلّأو حاريا من القتيرات الأول
يموت بالهجر ويحيا بالطّفلتنغّش الدّعموص في الرّنق السمل
وإن تأذّى بمكان فارتحللآخر قفّز قفزا فحجل
تزلّف الأعرج ريع فقزل
- المتلمس:
يا آل بكر ألا لله أمكمطال الثواء وثوب العجز ملبوس
أغنيت شأني فأغنوا اليوم شأنكمواستحمقوا في مراس الحرب أو كيسوا
- وقال أيضا:
سيروا كما سارت الأملاك قبلكمنحو الحجاز وعزّ الناس مضطهد
إلى ملوك عطاء الله شيّبهموالمنشدون إذا جيرانهم نشدوا
ولن يقيم على خسف يسام بهإلا الأذلّان عير الحيّ والوتد
هذا على الخسف مربوط برمّتهوذا يضام ولا يأوي له أحد
كونوا كمن نازل الأملاك قبلكمبالعزّ إن كنتم بكرا وما ولدوا
قال المأمون لأبي دلف: هلّا كان منك في استصغار الحسن بن رجاء بك ما يوازي شرفك ويشاكل منصبك؟ قال: يا أمير المؤمنين إنك أحللته محلّا أوجب التطاطي له، ومكّنته تمكينا تضاءل الشرف عنده، وكانت الطاعة تعارض الانتصار منه. قال: لله أبوك.
- القعقاع بن توبة العقيلي:
لا أصلح الله حالي إن أمرتكمبالصّلح حتى تصيبوا آل شداد
حتى يقال لواد كان مسكنهمقد كنت تعمر يوما أيّها الوادي
- وقال المتنبي:
فلا تغررك ألسنة موالتقلّبهنّ أفئدة أعاد
وكن كالموت لا يرثي لباكبكى منه ويروي وهو صاد
فإنّ الجرح ينغر بعد حينإذا كان البناء على فساد
وإنّ الماء يجري من جمادوإنّ النار تخرج من زناد
وكيف يبيت مضطجعا جبانفرشت لجنبه شوك القتاد
قال بعض جلساء الرشيد: أنا قتلت جعفر بن يحيى، وذاك أني رأيت الرشيد يوما وقد تنفّس تنفّسا منكرا، فأنشدت في أثره:
واستبدّت مرّة واحدةإنما العاجز من لا يستبدّ
فأصغى إليه واستعاده، وقتل جعفرا بعد ذلك عن كثب.
وقد روي أنّ عليّ بن يقطين طالبه البرامكة بخراج كان عليه، ووكلوا به في الديوان، فدخل على الرشيد وأنشده هذا البيت وقبله:
ليت هندا أنجزتنا ما تعدوشفت أنفسنا ممّا تجد
والبيتان لعمر بن أبي ربيعة، فكان ذلك مما أغرى الرشيد بالبرامكة.
- بعض الغسانيين يحرّض الأسود بن المنذر على قتل أعدائه:
ما كلّ يوم ينال المرء فرصتهولا يسوغه المقدار ما وهبا
فأحزم الناس من إن نال فرصتهلم يجعل السبب الموصول منقضبا
لا تقطعن ذنب الأفعى فترسلهاإن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا
- الجعدي:
ألا إنّ قومي أصبحوا مثل خيبربها داؤها ولا تضرّ الأعاديا
- سرق شظاظ الضبّي ناقة لشيخ من أهل البصرة من أصحاب الأكفان كان يصدرها من الحج إلى الحج، وكانت ترعى في عرق ناهق، وهو حمى لأهل البصرة، فقال شظاظ يغري اللصوص بالسّرق، وتروى الأبيات لرئاب بن عقبة العبشمي:
من مبلغ الفتيان عني رسالةفلا تهلكوا فقرا على عرق ناهق
فإنّ به صيدا غزيرا وهجمةنجائب لم ينتجن فتل المرافق
نجيبة ضيّاط يكون بغاؤهدعاء وقد جاوزن عرض الشقائق
الضياط والضيطان الذي يطيل الجلوس في المكان يلزمه فلا يبرح منه حتى يسمن ويكثر لحمه.
وبلغ الشيخ الشعر فقال: اللهمّ صدق ليس بغائي إلّا الدعاء لأنّها لو كانت
لرجل قويّ لركب حتى يأخذها، فأدركه لي يا ربّ. فأخذه الحجاج بالكوفة في سرقة أخرى فأقرّ أنه سرق هذه الناقة بالبصرة، فقطع يديه ورجليه وصلبه، وبعث بالناقة إلى البصرة إلى الحكم بن أيوب فعرّفها، فردّت إلى الشيخ فقال:
ربي كان خيرا لي من سرقته.
قدّم هدبة بن الخشرم ليقاد بابن عمه زيادة، وأخذ ابن زيادة السيف وقد ضوعفت له الدية حتى بلغت مائة ألف درهم، فخافت أمّ الغلام أن يقبل ابنها الدية ولا يقتله، فقالت: أعطي الله عهدا لئن لم تقتله لأتزوجنّه فيكون قد قتل أباك ونكح أمك، فقتله.
- تزوج خالد بن يزيد بن معاوية نساء هنّ أشرف منه، منهن أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وآمنة بنت سعيد بن العاصي، ورملة بنت الزبير بن العوام، ففي ذلك يقول بعض الشعراء يحرّض عليه عبد الملك بن مروان:
عليك أمير المؤمنين بخالدففي خالد عمّا تحبّ صدود
إذا ما نظرنا في مناكح خالدعرفنا الذي ينوي وأين يريد
فطلّق آمنة بنت سعيد فتزوجها الوليد بن عبد الملك.
- دخل سديف مولى آل أبي لهب على أبي العباس السفاح بالحيرة، وهو جالس في مجلسه على سرير، وبنو هاشم دونه على الكراسيّ، وبنو أميّة على
الوسائد قد ثنيت لهم، وكانوا في أيام دولتهم يجلسون هم والخليفة منهم على السرير، وبنو هاشم على الكراسيّ. فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازيّ أسود راكب على نجيب متلثم يستأذن ولا يخبر باسمه ويحلف ألّا يحسر اللثام عن وجهه حتى يراك، فقال: هذا مولاي سديف يدخل، فدخل فلما نظر إلى أبي العباس وبنو أمية حواليه حدر اللثام عن وجهه وأنشأ يقول:
أصبح الملك ثابت الآساسبالبهاليل من بني العبّاس
بالصدور المقدّمين قديماوالرؤوس القماقم الروّاس
يا أمير المطهرين من الذمم ويا رأس منتهى كلّ راس
أنت مهديّ هاشم وهداهاكم أناس رجوك بعد إياس
لا تقيلنّ عبد شمس عثاراواقطعن كلّ رقلة وغراس
أنزلوها بحيث أنزلها اللهـ بدار الهوان والإتعاس
خوفهم أظهر التودّد منهموبهم منكم كحزّ المواسي
أقصهم أيها الخليفة واحسمعنك بالسيف شأفة الأرجاس
واذكرن مصرع الحسين وزيدوقتيلا بجانب المهراس
والإمام الذي بحرّان أمسىرهن قبر في غربة وتناس
فلقد ساءني وساء سوائيقربهم من نمارق وكراسي
نعم كبش الهراش مولاك لولاأود من حبائل الإفلاس
فتغير وجه أبي العباس وأخذه الزّمع والرعدة، فالتفت بعض ولد سليمان ابن عبد الملك إلى رجل منهم فقال: قتلنا والله العبد. وكان إلى جنب أبي العباس أبو الغمر سليمان بن هشام، وكان صديق أبي العباس قديما وحديثا، يقضي حوائجه في أيامهم ويبرّه، فأقبل أبو العباس عليهم وقال: يا بني الفواعل ألا أرى أهلي من قتلاكم قد سلفوا وأنتم أحياء تتلذذون في الدنيا!! خذوهم، فأخذتهم الخراسانية بالكافر كوبات فأهمدوا إلا ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنه استجار بداود بن علي وقال: إنّ أبي لم يكن كآبائهم، وقد علمت صنيعه إليكم، فأجاره واستوهبه من السفّاح وقال له: قد علمت يا أمير المؤمنين صنيع أبيه إلينا. فوهبه له وقال: لا يريّني وجهه، وليكن بحيث يأمن. وكتب إلى عماله في النواحي بقتل بني أمية، وأقبل السفّاح على سليمان بن هشام فقال له:
يا أبا الغمر ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا، قال: لا والله، فقال: اقتلوه، وكان إلى جنبه، فقتل. وصلبوا في بستانه حتى تأذى جلساؤه بروائحهم، وكلّموه في ذلك فقال: والله لهذا ألذّ عندي من شمّ المسك والعنبر غيظا عليهم.
- وقد جاء في رواية أخرى أنّ سديفا دخل على السفاح وعنده رجال
بني أمية متوافرون فأنشده:
يا ابن عمّ النبيّ أنت ضياءاستبنّا بك اليقين الجليّا
جرّد السيف وارفع السوط حتىلا ترى فوق ظهرها أمويّا
لا يغرّنك ما ترى من رجالإنّ تحت الضلوع داء دويّا
قطن البغض في القديم وأضحىثابتا في قلوبهم مطويّا
وهي طويلة. فقال: يا سديف خلق الإنسان من عجل، ثم قال السفاح متمثلا:
أحيا الضغائن آباء لنا سلفوافلن تبيد وللآباء أبناء
ثم أمر بهم فقتلوا.
- وقال بعض شيعة بني العباس يحرّضهم على بني أمية:
إياكم أن تلينوا لاعتذارهمفليس ذلك إلّا الخوف والطمع
لو أنهم أمنوا أبدوا عداوتهملكنّهم قمعوا بالذلّ فانقمعوا
أليس في ألف شهر قد مضت لكمسقوكم جرعا من بعدها جرع
حتى إذا ما انقضت أيام دولتهممتّوا إليكم بالارحام التي قطعوا
هيهات لا بدّ أن يسقوا بكأسهمريّا وأن يحصدوا الزرع الذي زرعوا
- وقال عبد الرحمن بن دارة الفزاري:
يا راكبا إمّا عرضت فبلغنمغلغلة عني القبائل من عكل
لئن أنتم لم تثأروا بأخيكمفكونوا نساء للخلوق وللكحل
وبيعوا الرّدينيّات بالحلي واقعدواعن الحرب وابتاعوا المغازل بالنبل
- وقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
ألا أبلغ معاوية بن حربفإنّك من أخي ثقة مليم
قطعت الدهر كالسّدم المعنّىتهدّر في دمشق ولا تريم
فإنك والكتاب إلى عليّكدابغة وقد حلم الأديم
لك الويلات أوردنا عليهوخير الطالبي الترة الغشوم
فلو كنت القتيل وكان حيّالشمّر لا ألفّ ولا سؤوم
- لما انحازت إياد إلى الفرات مجفلين من كسرى بعث إليهم جيشا فبيّتت إياد ذلك الجمع حين عبروا شطّ الفرات الغربي، فلم يفلت منهم إلّا القليل، وجمعوا جماجمهم وأجسامهم فكانت كالتلّ العظيم، وكان إلى جانبهم دير فسمّي دير الجماجم. وبلغ كسرى الخبر فبعث مالك بن حارثة أحد بني كعب بن زهير بن جشم في أربعين ألفا من الأساورة، فكتب إليهم لقيط بن يعمر الإيادي ينذرهم ويحرضهم:
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيراعلى نسائكم كسرى وما جمعا
هو الجلاء الذي تبقى مذلّتهإن طار طائركم يوما وإن وقعا
هو الفناء الذي يجتثّ أصلكمفمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
هذا كتابي إليكم والنذير لكمإني أرى الرأي إن لم أقص قد نصعا
وقد بذلت لكم نصحي بلا دخلفاستيقنوا إنّ خير العلم ما نفعا
وجعل عنوان الكتاب:
كتاب في الصحيفة من لقيطإلى من بالجزيرة من إياد
بأنّ الليث كسرى قد أتاكمفلا يشغلكم سوق النّقاد
والأبيات العينيّة هي من محاسن أشعار العرب ومشاهيرها، وفيها حكمة مستفادة، وقد ذكرت شطرها ومختارها في مكان آخر من هذا الكتاب.
- لما وثب إبراهيم بن المهديّ على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا، وأخذ من عبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار وقال له: أنا أردّها عليك إذا جاءني مال؛ ولم يتمّ أمره فاستخفى ثم ظهر ورضي عنه المأمون. فطالبه الناس بأموالهم فقال: إنّما أخذتها للمسلمين، وأردت قضاءها من فيئهم، والأمر فيها الآن إلى غيري، فعمل محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها المأمون، ومضى إلى إبراهيم بن المهدي فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلنّ هذه القصيدة إلى المأمون. فخاف أن يقرأ القصيدة المأمون فيتدبر ما قاله فيوقع به، فقال: خذ مني بعض المال ونجّم بعضه عليّ، ففعل ذلك، بعد أن أحلفه إبراهيم بآكد الأيمان ألّا يظهر القصيدة في حياة
المأمون، فوفى له محمد بذلك، ووفى إبراهيم بأداء الأموال. والقصيدة طويلة ومنها ما هو تحريض بابراهيم من جملة أبيات كثيرة ألغيتها:
ألم تر أنّ الشيء للشيء علةتكون له كالنار تقدح بالزند
كذلك جرّبت الأمور وإنّمايدلّك ما قد كان قبل على البعد
وظنّي بابراهيم أنّ مكانهسيبعث يوما مثل أيامه النكد
وكيف بمن قد بايع الناس والتقتببيعته الركبان غورا إلى نجد
ومن صكّ تسليم الخلافة سمعهينادى به بين السماطين من بعد
وأيّ امرىء سمّى بها قطّ نفسهففارقها حتى يغيّب في اللحد
وليس سواء خارجيّ رمى بهإليك سفاه الرأي والرأي قد يردي
ومن هو في بيت الخلافة تلتقيبه وبك الآباء في ذروة المجد
فمولاك مولاه وجندك جندهوهل يجمع القين الحسامين في غمد
وقد رابني من أهل بيتك أننيرأيت لهم وجدا به أيّما وجد
يقولون لا تبعد من ابن ملمّةصبور عليها النفس ذي مرّة جلد
فما كان فينا من أبى الضّيم غيرهكريم كفى ما في القبول وفي الردّ
وجرّد إبراهيم للموت نفسهوأبدى سلاحا فوق ذي ميعة نهد
وأبلى ولم يبلغ من الأمر جهدهفليس بمذموم وإن لم يكن يجدي
فهذي أمور قد يخاف ذوو النّهىمغبّتها والله يهديك للرشد
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع