من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
بدأ الباب الثّالث والعشرون في الهجاء والمذمّة (٢)
قال: وهذا الشعر لفروة بن خميصة فيّ. قال: فدخلني من ذلك ما قد علمه الله، وما علمت أن شعر فروة وقع إلى ما هناك. ثم خرج عليّ عليّ بن هشام من المجلس وهو يضحك فقلت: أبا الحسن تفعل بي مثل هذا وأنا صديقك؟ فقال:
ليس عليك في هذا شيء. قلت: من أين وقع لك؟ فقال: وهل بقي كتاب إلا وهو عندي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أأهجى وأنا في دارك وبحضرتك؟ فضحك، فقلت: يا أمير المؤمنين أنصفني، فقال: دع هذا وأخبرني بخبر هذا الرجل، وما كان بينك وبينه. فأنشدته قصيدتي فيه، فلما انتهيت إلى قولي:
ما في السويّة أن تكرّ عليهموتكون يوم الرّوع أوّل صادر
أعجب المأمون هذا البيت فقال لي: ألهذه القصيدة نقيضة؟ قلت: نعم، قال:
فهاتها، فقلت: أوذي سمعي بلساني؟ فقال: على ذلك، فأنشدته إياها، فلما بلغت إلى قوله:
وابن المراغة جاحر من خوفنابالوشم منزلة الذليل الصاغر
يخشى الرماح بأن تكون طليعةأو أن تحلّ به عقوبة قادر
قال: أوجعك يا عمارة، قلت: ما أوجعته أكثر.
وقيل إن البيت من شعر عمارة كان سبب قتل فروة، ولما أنشده قال: والله لا قتلني إلّا هذا البيت. فلما تكاثرت عليه الخيل يوم قتل قيل له: انج بنفسك قال: كلّا والله، لا حققت قول عمارة، فصبر حتى قتل. وكان أحسن الناس
شعرا ووجها وقدا، لو كان امرأة لاشتجرت عليه بنو أسد. وقيل لعمارة:
أقتلت فروة؟ فقال: والله ما قتلته، ولكني أقتلته، أي سببت له سببا قتل به.
- وكان عمارة يقول: ما هاجيت أحدا قطّ إلا كفيت مؤونته في سنة أو أقل من سنة، إما أن يموت أو يقتل أو أفحمه، حتى هاجاني أبو الرديني العكلي فخنقني بالهجاء، ثم هجا بني نمير فقال:
أتوعدني لتقتلني نميرمتى قتلت نمير من هجاها
فكفانيه بنو نمير وقتلوه، فقتلت به عكل، وهم يومئذ ثلاثمائة رجل، أربعة آلاف رجل من بني نمير، وقتلت لهم شاعرين: رأس الكبش وشاعرا آخر.
- وهجا عمارة امرأة ثم أتته في حاجة بعد ذلك فجعل يعتذر إليها فقالت له: خفّض عليك، فلو قتل الهجاء أحدا لقتلك وقتل أباك وجدّك.
- أبو الأسد في أحمد بن أبي داود:
أنت امرؤ غثّ الصنيعة رثّهالا تحسن النّعمى إلى أمثالي
نعماك لا تعدوك إلا في امرىءفي مسك مثلك من ذوي الأشكال
فإذا نظرت إلى صنيعك لم أجدأحدا سموت به إلى الافضال
فاسلم لغير سلامة ترجى لهاإلّا لسدّك خلّة الأنذال
- وقال دعبل:
أنت الحمار حرونا إن رفقت بهوان قصدت إلى معروفه قمصا
اني هززتك لا آلوك مجتهدالو كنت سيفا ولكني هززت عصا
- دعبل:
وضعت رجالا فما ضرّهموشرّفت قوما فلم ينبلوا
أعرابي:
لا يوقدون النار إلا بسحرويسترون النار من غير حذر
ثمّت لا توقد إلّا بالبعر
- بعث محمد بن حميد الطائي إلى محمد بن حازم الباهليّ بعد أن كان قد هجاه وشهره بألف درهم وعشرة أثواب، فردّها عليه وكتب إليه:
ولقد جنحت إلى مسالمتيوأنبت عند تفاقم الأمر
وحذوت حذو ابن المهلب إذقصد الفرزدق بالنّدى الغمر
وبعثت بالأموال ترغبنيكلّا ورب الشّفع والوتر
لا ألبس النعماء من رجلألبسته عارا مدى الدهر
قال أعرابي لابن عم له: والله ما جفانكم بعظام، ولا أجسامكم
بوسام، ولا بدت لكم قط نار، ولا طولبتم بثار.
- عاب أعرابي قوما فقال: أقلّ الناس ذنوبا إلى أعدائهم، وأكثرهم إجراما إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء.
- بشر:
فإنكم ومدحكم بجيراأبا لجأ كما امتدح الألاء
يراه الناس أخضر من بعيدوتمنعه المرارة والاباء
- عبد الرحمن بن حسان:
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتيتولّى سواكم شكرها واصطناعها
أبى لك فعل الخير رأي مقصّرونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثّته على الخير مرّةعصاها وإن همّت بسوء أطاعها
ابن وكيع:
لئن نلت ما أملت منك فسرّنيلقد ساءني أن صرت ممن يومّل
آخر:
شنئتكم حتى كأنكم الغدروعفتكم حتى كأنكم الهجر
وما زلت أرشو الدهر صبرا على التيتسوء إلى أن سرّني فيكم الدهر
آخر:
ولولا وقفة للبين فيهامتاع من وداع واعتناق
وآمال مسوّفة لقلناكأنك قد خلقت من الفراق
- وذم أعرابي رجلا فقال: ليس له أول يحمل عليه، ولا آخر يرجع اليه، ولا عقل يزكو به عاقل لديه.
- قال عصام الزماني في يحيى بن أبي حفصة يهجوه:
تنكّر بطن حجر واقشعرّاوبدّل بعد حلو العيش مرّا
وبدّل بعد سادته المواليكفى حجرا بذاك اليوم شرّا
فقال يحيى بن أبي حفصة يردّ عليه:
أإن أبصرت أنجمنا استنارتوغال النجم لؤمك فاستسرّا
بكيت على الزمان وقلت مرّوما زال الزمان عليك مرّا
فما فعلت بنو زمّان خيراوما فعلت بنو زمّان شرا
وما خلقت بنو زمّان إلاأخيرا بعد خلق الناس طرّا
- حدّث أحمد بن عبد الله المعروف بصيني، راوية كلثوم بن عمرو العتابي، وكان سميرا لعبد الله بن طاهر قال: بينا أنا معه ذات ليلة إذ تذاكرنا الأدب
وأهله وشعراء الجاهلية والاسلام، إلى أن صرنا إلى المحدثين، ثم ذكرنا دعبل بن عليّ الشاعر الخزاعيّ فقال لي عبد الله: ويحك يا صيني إني أريد أن أوعز إليك بشيء تستره عليّ حياتي، فقلت: أصلح الله الأمير، وأنا عندك في موضع تهمة؟
قال: لا ولكن أطيب لنفسي أن توثّق بأيمان أركن إليها ويسكن قلبي عندها، فأخبرك، فقلت: أصلح الله الأمير، إذا كنت عنده في هذه الحال فلا حاجة له إلى إفشاء سره إلي، فاستعفيته مرارا فلم يعفني، فاستحييت من مراجعته وقلت: لير الأمير رأيه. قال: يا صيني قل: والله، فأمرّها عليّ غموسا ووكّدها بالبيعة والطلاق، ثم قال لي: ويحك أشعرت أني أظنّ أنّ دعبلا مدخول النّسب، وأمسك، فقلت: أعزّ الله الأمير، أفي هذا أخذت عليّ الأيمان والعهود والمواثيق؟ قال: اي والله لأني رجل لي في نفسي حاجة، ودعبل رجل قد حمل جذعه على عنقه، فهو لا يصيب من يصلبه عليه، وأتخوّف إن بلغه أن يبقي عليّ من الخزي ما يبقى على الدهر، وقصاراي أني إن ظفرت به وأمكنني ذلك منه وأسلمته اليمن، وما أراها تسلمه، لأنه اليوم لسانها وشاعرها والذابّ عن أعراضها والمحامي عنها والمرامي دونها، أن أضربه مائة سوط، وأثقله حديدا، وأصيره في مطبق باب الشام، وليس في ذلك عوض مما سار فيّ من الهجاء وفي عقبي من بعدي؛ قال، قلت: أتراه كان يفعل ويقدم عليك؟ قال: يا عاجز أهون عليه مما لم يكن. أتراه أقدم على سيدي هارون ومولاي المأمون وعلى أبي ﵀ ولم يكن يقدم عليّ؟! قال، قلت: إذا كان الأمر على ما وصفه الأمير فقد وفّق فيما أخذ عليّ.
قال: وكان دعبل لي صديقا. فقلت: هذا قد عرفته، ولكن من أين قال الأمير إنه مدخول النسب؟ فو الله لعلمته في البيت الرفيع من خزاعة، وما أعلم فيها بيتا أكرم من بيته إلا بيت أهبان مكلّم الذئب، وهم بنو عمه دنية، فقال:
كان دعبل غلاما خاملا أيام ترعرع لا يؤبه له، وكان بينه وبين مسلم بن الوليد الأنصاريّ إزار لا يملكان غيره شيئا، فإذا أراد دعبل الخروج جلس مسلم في
البيت، وكذاك يفعل الآخر إذا خرج رفيقه، وكانا إذا اجتمعا لدعوة يتلازقان، يطرح هذا شيئا منه عليه، والآخر مثله، وكانا يعبثان بالشعر إلى أن قال دعبل بن علي هذا الشعر:
أين الشباب وأيّة سلكا
فثقفه بعض المغنين فغّنى به هارون الرشيد فاستحسنه واستجاد قوله:
ضحك المشيب برأسه فبكى
فقال للمغني: لمن هذا الشعر ويحك؟ قال: لبعض أحداث خزاعة ممن لا يؤبه له. قال هارون: ومن هو؟ قال: دعبل بن عليّ الخزاعي. قال: يا غلام أحضرني عشرة آلاف درهم، وحللا مما ألبسها أنا، ومركبا من مراكبي خاصة يشبه هذا. ودعا صاحبا له وقال: اذهب بهذا حتى توصله إلى دعبل بن علي الخزاعي، وأجاز المغني بجائزة عظيمة، وتقدّم إلى الرجل الذي بعثه إلى دعبل أن يعرض عليه المصير إلى هارون فإن صار وإلا أعفاه. فانطلق الرسول حتى أتى دعبلا في منزله، وخبره كيف كان سبب ذكره، وأشار عليه بالمصير إليه، فانطلق معه، فلما مثل بين يدي هارون قرّبه واستنشده الشعر وأعجب به، فأقام عنده يمتدحه ويجري عليه الرشيد الاجراء السنيّ، فكان الرشيد أول من جرّأه على قول الشعر وبعثه عليه، فو الله ما كان إلا بقدر ما غيّب الرشيد في حفرته إذ أنشأ يمتدح آل عليّ ويهجو الرشيد بقصيدة يقول فيها:
وليس حيّ من الأحياء نعلمهمن ذي يمان ولا بكر ولا مضر
إلا وهم شركاء في دمائهمكما تشارك أيسار على جزر
قتل وأسر وتحريق ومنهبةفعل الغزاة بأرض الروم والخزر
أرى أمية معذورين إن قتلواولا أرى لبني العباس من عذر
أبناء حرب ومروان وأسرتهمبنو معيط ولاة الحقد والوغر
قوم قتلتم على الاسلام أوّلهمحتى إذا استمكنوا جازوا على الكفر
اربع بطوس على القبر الزكيّ بهاان كنت تربع من دين على وطر
قبران في طوس خير الناس كلّهموقبر شرّهم هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قرب الزكيّ ولاعلى الزكيّ بقرب الرجس من ضرر
هيهات كلّ امرىء رهن بما اكتسبتله يداه فخذ ما شئت أو فذر
يعني قبر هارون وعلي بن موسى الرضا. فو الله ما كافأه، وكان سبب نعمته بعد الله. فهذه واحدة يا صيني.
وأما الثانية فإنه لما استخلف المأمون جعل يطلب دعبلا إلى أن كان من أمر إبراهيم بن شكلة ما كان، وخروجه مع أهل العراق يطلب الخلافة، فأرسل إليه دعبل بشعر يقول فيه:
علم وتحليم وشيب مفارقطلّسن ريعان الشباب الرائق
وإمارة في دولة ميمونةكانت على الّلذات أشغب عائق
فالآن لا أغدو ولست برائحفي كبر معشوق وذلّة عاشق
أنّى يكون وليس ذاك بكائنيرث الخلافة فاسق عن فاسق
نعر ابن شكلة بالعراق وأهلهافهفا إليه كلّ أطلس مائق
إن كان إبراهيم مضطلعا بهافلتصلحن من بعده لمخارق
قال: فضحك المأمون وقال: قد غفرنا لدعبل كلّ هجاء هجانا به بهذا البيت، وكتب له إلى طاهر أبي أن يطلب دعبلا حيث كان ويعطيه الأمان. قال:
فكتب أبي إليه فتحمل إليه، وكان واثقا بناحيته، وأقرأه كتاب المأمون، وأجازه بالكثير، وحمله إلى المأمون، وثبت المأمون في الخلافة، وأقبل يجمع الآثار في فضائل آل الرسول، قال: فتناهى إليه فيما تناهى من فضائلهم قول دعبل:
مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منىوبالركن والتعريف والجمرات
قال: فما زالت تتردد في صدر المأمون حتى قدم عليه دعبل، فقال له: أنشدني ولا بأس عليك، ولك الأمان من كل شيء فيها، فإني أعرفها وقد رويتها إلا أني أحبّ أن أسمعها من فيك، قال: فأنشده حتى إذا صار إلى هذا الموضع:
ألم تر أني مذ ثلاثون حجّةأروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسّماوأيديهم من فيئهم صفرات
فآل رسول الله نحف جسومهموآل زياد غلّظ القصرات
بنات زياد في الخدور مصونةوبيت رسول الله في الفلوات
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهمأكفّا عن الأوتار منقبضات
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدتقطّع قلبي إثرهم حسرات
قال: فبكى المأمون حتى جرت دموعه على نحره، وكان أول داخل إليه وآخر خارج من عنده.
فو الله إن شعرنا بشيء إلا وقد عتب على المأمون فأرسل إليه بشعر يقول فيه:
ويسومني المأمون خطّة عاجزأو ما رأى بالأمس راس محمد
يوفي على هام الخلائق مثل ماتوفي الجبال على رؤوس القردد
لا تحسبن جهلي كحلم أبي فماحلم المشايخ مثل جهل الأمرد
إني من القوم الذين سيوفهمقتلت أخاك وشرّفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خمولهواستنقذوك من الحضيض الأوهد
قال: فو الله ما كافأه وما كافأ أبي بما أسدى إليه، وذلك أنه لما توفي أبي أنشأ يقول:
وأبقى طاهر فينا خلالاعجائب تستخفّ لها الحلوم
ثلاثة إخوة لأب وأمّتمايز عن ثلاثتهم أروم
فبعضهم يقول قريش قوميويدفعه الموالي والصميم
وبعض في خزاعة منتماهولاء غير مجهول قديم
وبعضهم يهشّ لآل كسرىويزعم أنه علج لئيم
لقد كثرت مناسبهم عليناوكلّهم على حال مليم
قال: فهذه الثالثة يا صيني.
وأما الرابعة فإنه لما استخلف المعتصم دخل إليه دعبل ذات يوم فأنشده فقال:
أحسنت والله يا دعبل، فسلني ما أحببت. قال: مائة بدرة قال: نعم، تمهلني مائة سنة وتضمن لي أجلي معها. قال: قد أمهلتك ما شئت؛ وخرج مغضبا فلقي خصيّا للمعتصم قد كان عوّده أن يدخل إليه مدائحه ويجعل له شيئا من الجائزة فقال: ويحك إني كنت عند أمير المؤمنين وأغفلت حاجة لي أن أذكرها له، أفأذكرها في أبيات وتدخلها إليه؟ قال: ولي نصف الجائزة؟ فماكسه ساعة ثم
أجابه، فأخذ رقعة وكتب فيها:
بغداد دار الملوك كانتحتى دهاها الذي دهاها
ما غاب عنها سرور ملكأعاره بلدة سواها
ما سرّ من را بسّر من رابل هي بؤس لمن رآها
عجّل ربي لها خرابابرغم أنف الذي ابتناها
ثم ختم الرقعة ودفعها على الخصيّ فلما نظر فيها المعتصم قال: من صاحب الرقعة؟ قال: دعبل وقد جعل لي نصف الجائزة، فطلب فكأنّ الأرض انطوت عليه. فقال المعتصم: أخرجوا الخصيّ فأجيزوه بألف سوط نصف ما أردنا أن نجيز به دعبلا. ثم لم يلبث أن كتب إليه من قمّ:
ملوك بني العباس في الكتب سبعةولم يأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعةغداة ثووا فيه وثامنهم كلب
وإني لأزهي كلبهم عنك رغبةلأنك ذو ذنب وليس له ذنب
وهمّك تركيّ عليه سماجةفأنت له أمّ وأنت له أب
كأنك إذ ملّكتنا لشقائناعجوز عليها التاج والعقد والإتب
فقد ضاع أمر الناس حين يسوسهموصيف وأشناس وقد عظم الخطب
وإني لأرجو أن ترى من مغيبهامطالع شمس قد يغصّ بها الشّرب
وإن ابن مروان سيثلم ثلمةتعمّ جميع الناس ليس لها شعب
فهذه رابعة. وأما الخامسة فإن أحمد بن أبي دواد كان يعطيه الجزيل من ماله ويقسم له على أهل عمله فقال فيه:
أبا عبد الإله أصخ لقوليوبعض القول يصحبه السّداد
ترى طسما تعود به اللياليإلى الدنيا كما عادت إياد
قبائل جذّ أصلهم فبادواوأودى ذكرهم زمنا فعادوا
وكانوا غرّزوا في الصخر بيضافأمسكه كما غرز الجراد
فلما أن سقوا درجوا ودبّواوزادوا حين جادهم العهاد
هم بيض الرماد انشقّ عنهموبعض البيض يشبهه الرماد
غدا يأتيك إخوتهم جديسوجرهم قصّر وتعود عاد
فتعجز عنهم الأمصار ضيقاوتمتلىء المنازل والبلاد
فلم أر مثلهم بادوا فعادواولم أر مثلهم قلّوا فزادوا
توغّل فيهم سفل وخوزوأوباش فهم لهم مداد
وأنباط السواد قد استحالوابهم عربا فقد خرب السواد
فلو شاء الإمام أقام سوقافباعهم كما بيع السماد
- وقال في ابن أبي دواد لما تزوج في عجل:
أيا للناس من خبر طريفتفرّق ذكره في الخافقين
أعجل أنكحوا ابن أبي دوادولم يتأملوا فيه اثنتين
أرادوا نقد عاجله فباعوارخيصا عاجلا نقدا بدين
بضاعة خاسر بارت عليهفباعك بالنّواة التمرتين
ولو غلطوا بواحدة لقلنايكون الوهم بين العاقلين
ولكن شفع واحدة بأخرىيدلّ على فساد المنصبين
لحا الله المعاش بفرج أنثىولو زوّجتها من ذي رعين
ولما أن أفاد طريف مالوأصبح رافلا في الحلّتين
تكنى وانتمى لأبي دوادوقد كان اسمه ابن الزانيين
فردّوه إلى فرج أبيهوزرياب فألأم والدين
- وقال في أخيه رزين:
مهدت له ودّي صغيرا ونصرتيوقاسمته مالي وبوّأته حجري
وقد كان يكفيه من العيش كلّهرجاء ويأس يرجعان إلى فقر
وفيك عيوب ليس يحصى عديدهافأصغرها عيبا يجلّ عن الكفر
ولو أنني أبديت للناس بعضهالأصبحت من بصق الأحبة في بحر
فدونك عرضي فاهج حيّا فإن أمتفبالله إلّا ما خريت على قبري
- وقال في امرأته:
يا ركبتي خزز وساق نعامةوزبيل كنّاس وشدق بعير
يا من أشبهها بحمّى نافضقطاعة للقلب ذات زفير
صدغاك قد شمطا ونحرك يابسوالصدر منك كجؤجؤ الطنبور
يا من معانقها يبيت كأنهفي محبس قمل وفي ساجور
قبّلتها فوجدت طعم لثاتهافوق اللسان كلسعة الزنبور
قال رجل لأخيه من أبويه: والله لأهجونّك هجاء يدخل معك
قبرك. قال: كيف تهجوني وأبي أبوك وأمي أمك؟ فقال:
غلام أتاه اللؤم من شطر نفسهولم يأته من شطر أمّ ولا أب
فقال: قتلتني قتلك الله.
- ومثله للمغيرة بن حبناء يهجو أخاه صخرا:
أبوك أبي وأنت أخي ولكنتباينت الطبائع والظروف
وأمّك حين تنسب أمّ صدقولكنّ ابنها طبع سخيف
- وقال أبو تمام:
سمعت بكلّ داهية نآدولم أسمع بسراج أديب
أما لو أنّ جهلك كان علماإذن لنفذت في علم الغيوب
وما لك بالغريب يد ولكنتعاطيك الغريب من الغريب
- وقال أيضا:
وملك في كبره ونبلهوسوقة في قوله وفعله
بذلت مدحي فيه باغي بذلهفجذّ حبل أملي من أصله
من بعد ما استعبدني بمطلهثم اغتدى معتذرا بجهله
يعجب من تعجّبي من بخلهيلحظني في جدّه وهزله
لحظ الأسير حلقات كبلهحتى كأني جئته بعزله
يا واحدا منفردا بعدلهألبسته الغنى فلا تملّه
ما أقبح الجفن بغير نصلهوالشعر ما لم يك عند أهله
وكان أبو تمام والبحتري معا، مع تقدمهما في الشعر وضروبه، ناقصي الحظّ من الهجاء، ولا طائل لهما فيه. إلا أنّ ابن الرومي كان فيه غاية بل آية، زاد على من تقدّمه بالتصرّف في فنونه، والغوص على دقيق معان استنبطها لم يسبق إليها، ونهج السبيل لمن تبعه. وأنا جامع ها هنا جملة من أهاجيه متتابعة.
- فمن ذلك قوله:
صبرا أبا الصقر فكم طائرخرّ صريعا بعد تحليق
زوّجت نعمى لم تكن كفؤهافصانها الله بتطليق
لا قدّست نعمى تسربلتهاكم حجّة فيها لزنديق
وروي أنه اقتدح زناد هذا المعنى من رجل اجتاز به وهو يقول: لو كان هاهنا عدل في العطية، وقسم بالسوية، ما ملك أبو الصقر ما يملك.
- وقال أيضا:
وما تكلمت إلا قلت فاحشةكأنّ فكّيك للأعراض مقراض
مهما نطقت فنبل منك مرسلةوفوك قوسك والأعراض أغراض
إن متّ عاش من الأعراض ميّتهاوإن حييت فما للناس أعراض
- وقال أيضا:
نحن جمّ وأنت أقرن واللهـ حسيب القرناء للجمّاء
تذكرة.
لو علمت الخفيّ من كلّ علمجامعا بينه وبين البغاء
أعجب الناس ما وعيت وقالواعسل طيّب خبيث الوعاء
- وقال:
إن كنت من جهل حقّي غير معتذروكنت من ردّ مدحي غير متّئب
فأعطني ثمن الطرس الذي كتبتفيه القصيدة أو كفارة الكذب
- وقال:
رأيتكم تستعدّون السلاح ولاتقاتلون ولا يحمى لكم سلب
كالنخل يشرع شوكا لا يذود بهعن حمله كفّ جان فهو منتهب
- وقال من أبيات:
هل سبّة يا أبا العباس نعلمهاإلّا وأنت بها في الناس مسبوب
سمّيت أحمد مظلوما ولست بهكلّا ولكن من الأسماء مقلوب
- وقال:
عجبت من معشر بعقوتناباتوا نبيطا فأصبحوا عربا
مثل أبي الصقر إن فيه وفيدعواه شيبان آية عجبا
بيناه علجا على جبلّتهإذ مسّه الكيمياء فانقلبا
وقال:
يسترق السمع على قرنه الششيطان في جوّ السموات
- وقال:
إذا ما مدحت أبا صالحفأعدد له الشتم قبل المديح
فإني ضمينك عن لؤمهببخل عتيد وفعل قبيح
وأنّى يجود ولا عرقهكريم ولا وجهه بالصّبيح
- وقال:
رددت عليّ مدحي بعد مطلوقد دنّست ملبسه الجديدا
وقلت امدح به من شئت غيريومن ذا يقبل المدح الرديدا
ولا سيما وقد أعبقت فيهمخازيك اللواتي لن تبيدا
وما للحيّ في أكفان ميتلبوس بعد ما ملئت صديدا
- وقال:
أصبح ذا والد وذا ولدمن بعد ما كان بيضة البلد
لما ادّعى والدا فجاز لهتطلّعت نفسه إلى ولد
- وقال:
أثني عليك بمثل ريحك ميّتاوقد انصدعت وأنت منبوش الصدا
ولما صداك يسيل منه صديدهيوما بأنتن منك حيّا يجتدى
أسلمت نفسك للهجاء ولو غداأو راح يملك فدية منك افتدى
وقال:
أشرجت قلبك من بغضي على حنقأضرّ من حرقات الحبّ في الجسد
عرّضت نفسك حتى صرت لي غرضاقد يقدم العير من ذعر على الأسد
- وقال أيضا:
فقدتك يا ابن أبي طاهروأطعمت ثكلك قبل العشاء
فلا برد شعرك برد الشرابولا حرّ شعرك حرّ الصّلاة
تذبذب فنّك بين الفنونفلا للطبيخ ولا للشّواء
- وقال أيضا:
ولعمري إن تأملناهمما علوا لكن طفوا مثل الجيف
جيف تطفو على بحر الغنىحين لا تطفو خبيئات الصّدف
- وقال أيضا:
يا من يقلّب طومارا ويلثمهماذا بقلبك من حبّ الطوامير
فيه مشابه من شيء تسرّ بهطولا بطول وتدويرا بتدوير
- وقال أيضا:
ترى العمل الجسيم إذا تولّىسياسته كعبد يستبيع
فإن هو بيع من أمم عليهوإلّا فالإباق له شفيع
- وقال في مغنّ:
وتغنّي كأنّ صوتك في أنفك صوت الزنبور في جوف كوز
- وقال يهجو أبا سليمان الطنبوري:
كأنني طول ما أشاهدهأشرب كأسي ممزوجة بدم
إذا الندامى دعوه آونةتنادموا كأسهم على ندم
- وله يهجو قينة:
خضراء كالعقرب في صفرةنمشاء كالحيّة في رقطه
في الصوت منها أبدا بحّةتوهمني أنّ بها خبطه
قميئة الخلق على أنهاأعتق في الدنيا من الحنطه
إذا رأت فيشلة ضخمةخرّت لها قائلة حطّه
- وقال أيضا:
فقدتك يا كنيزة كلّ فقدوذقت الموت أول من يموت
فقد أوتيت رحب فم وفرجكأنك من كلا طرفيك حوت
سأقترح السكوت عليك جهديفأحسن ما تغنّين السكوت
- وقال أيضا:
ريحها وهي حيّة ريح ميتبات في القبر ثم أبداه نبش
وتراها تستكتم الطيب والمرتك أسرار نتنها وهي تفشو
وجهها الأغبر المجدّر يحكيجعس أمس أصاب أعلاه طشّ
جدريّ ما شانها وهو شينكلّ إثر في ذلك الوجه نقش
كلّ شيء محا حلاها فزينكلّ شيء وارى التراب ففرش
تتناغى وعودها بنهيقكنهيق الحمار ناغاه جحش
قلت مستهزئا بها إذ تبدّتأنت بلقيس لو أحاطك عرش
لا يعدّ الرّشا لها نائكوهاهي أولى بأن تناك وترشو
- وقال أيضا:
للكحل والغمرة في وجههاوالجلجلونات شهادات زور
أعضاؤها تدعو إلى قطعهاكأنها مخلوقة من بظور
- وقال أيضا:
لقّبها معشر مغنّيةكعقرب الحشّ لقّبت تمره
تجذر فلسا على الغناء ولاتسكت إلّا وجذرها بدره
تنقّط المحسنات في غرر الأوجه طرّا وأنت في النقره
- وقال:
إن تطل لحية عليك وتعرضفالمخالي معروفة للحمير
علّق الله في عذارك مخلاة ولكنّها بغير شعير
أيما كوسج يراها فيلقىربّه بعدها صحيح الضمير
لو رأى مثلها النبيّ لأجرىفي لحى الناس سنّة التقصير
- وقال من أبيات:
لو جاء يحكي لون كلّ أب لهلرأيت جلدته كيمنة عبقر
خذها إليك مشيحة سيّارةتلقاك من باد ومن متحضّر
تغدو عليك بحاصب وبتاربوعلى الرواة بلؤلؤ متخيّر
كالنار تحرق من تعرّض لفحهاوتكون مرتفق امرىء متنوّر
- وقال:
إذا ما جزى الأقوام خيرا فبئس ماجزيتم به أسلافكم آل طاهر
جنوا لكم أن تمدحوا وجنيتمبأفعالكم أن تشتموا في المقابر
- وقال:
كان للكركدنّ قرن فأضحىقرنه عند قرنك اليوم مدرى
من يكن تاجه كتاجك هذافليكن بابه كإيوان كسرى
- وقال:
يا من إذا ما رأته عين والدهبين الرجال اتقاهم بالمعاذير
أقسمت بالله أن لو كنت لي ولدالما جعلتك إلّا في المطامير
- وقال:
عشقنا قفا عمرو وإن كان وجههيذكّرنا قبح الخيانة والغدر
فتى وجهه كالهجر لا وصل بعدهوأما قفاه فهو وصل بلا هجر
- وقال:
أتيتك مادحا فهجوت شعريوكانت هفوة مني وغلطه
لقد أذكرتني مثلا قديماجزاء مقبّل الوجعاء ضرطه
- وقال:
وإنّ سكوتها عندي لبشرىوإنّ غناءها عندي لمنعى
فقرّطها بعقرب شهرزورإذا غنّت وطوّقها بأفعى
- وقال:
قاسيت منه ليلة مذكورةلولا دفاع الله لم تتكشّف
وكأنّ ليلته عليّ لطولهاباتت تمخّض عن صباح الموقف
- وقال:
يا أحمد بن سعيد لا تمت جزعافالحبّ طعمان ممرور ومعسول
نبّئت أنّ محبّا بات كعثبهازيدا وزيد بحكم النحو مفعول
غنّت نهارا وباتت وهي زامرةحتى الصباح وللأحوال تحويل
يا أحمد بن سعيد لو بصرت بهاوصدعها لأيور القوم منديل
غدا عليها بنو اللذّات فابتذلوامن سول نفسك ما صان السراويل
هوّن عليك فإنّ الأمر وافقهاوكان منها اعتناق فيه تقبيل
إحدى المصائب فاصبر يا ابن أمّ لهاوهل على حدثان الدهر تعويل
تساكرت كي يقول القائلون لهالا يسلب المرء إلّا وهو مقتول
واعلم جزيت أبا العباس عارفةأنّ المحبّ له تاج وإكليل
صبرا جميلا فإنّ الصبّ مصطبرعلى القرون وإن أودى بها الطول
ولا تكلّف فتى أودى بعذرتهاعقلا فإنّ دم الأستاه مطلول
ولا تغاضب لتسفيل القريض بهافكلّ ما لقيت بالأمس تسفيل
لا تمتعض للتي قالت قوابلهاقد التقت دجلة العوراء والنيل
- وقال:
قال لما اشترى غلاما كفاهكثرة الغرم واكتراء الرجال
صنت مالي عن الفساد بماليحان لي أن أصون مالي بمالي
كان يستدخل الأيور حرامافاستعفّ الفتى بأير حلال
- وقال:
ذات فرج هو استها طائريّشائع الذرع ليس بالمقسوم
ينظم الأكمه القلائد فيهويرى الذرّ في الظلام البهيم
يسع السبعة الأقاليم طرّاوهو في إصبعين من إقليم
كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا وتحويه دفتا حيزوم
وهي قصيدة طويلة أكثرها مختار، وفيها مبالغات تحرجت من إيرادها.
- وقال:
أضحى وزيرا أبو يعلى وحقّ لهبعد المحاجم والمشراط والجلم
قد قال قوم وغاظتهم كتابتهيا ربّ ليتك ما علّمت بالقلم
- وقال:
تبحثت عن أخباره فكأنمانبشت صداه بعد ثالثة الدفن
- وقال ولم أجدها في مجموع شعره:
قبلك والدّبر مذ بذلتهماتكفّلا أن تعيش في رغد
وسّعت هذا فعشت في سعةوقام هذا فقام بالأود
- وقال ابن بسام:
قلت لما رأيته في قصورمشرفات ونعمة لا تعاب
ربّ ما أبين التفاوت فيهمنزل عامر وعقل خراب
- وقال ابن لنكك البصري يهجو أبا رياش اليمامي وقد ولي عملا:
قل للوضيع أبي رياش لا تبلته كلّ تيهك بالولاية والعمل
ما ازددت حين وليت إلا خسّةكالكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل
وقال آخر:
وليتم فما أوليتم الناس طائلاولا حزتم شكرا ولا صنتم حرّا
فإن تفقدوا لا يؤلم الناس فقدكموإن تذكروا لا يحسنوا لكم ذكرا
وقال محمد بن عبد الله الأصفهاني المنشىء:
قل للخصيبيّ قول من صدقهلا تفرحن بالوزارة الخلقه
إن كنت قد نلتها مفاجأةفهي على الكلب بعدها صدقه
ولآخر فيه:
ليهن الخصيبيّ أنّ الوزارة بعد الخصيبيّ لا تعترض
ولو قيل للكلب من بعدهبأن ستليها أبى وامتعض
وقال آخر:
أبا دلف يا أكذب الناس كلّهمسواي فإني في مديحك أكذب
وقال آخر:
إني امتدحتك كاذبا فأثبتنيلما امتدحتك ما يثاب الكاذب
وقال الجهرمي:
مشى بغلامين عبد السلاميقيمان ما مال من جانبيه
وهل ينكرون لذي نعمةغلام له وغلام عليه
- وقال كشاجم:
ومغنّ بارد النغمة مختلّ اليدين
ما رآه أحد فيدار قوم مرتين
- وقال في خادم يسمى كافورا:
حكيت سميّك في بردهوأخطأك اللون والرائحه
- ابن لنكك في الرملي الشاعر:
إنّ الرميليّ بعيد خاطرهيشعر ما دامت له دفاتره
فالشعراء كلّهم خواطره
- وقال مخلد الموصلي:
أراكم تنظرون إليّ شزراكما نظرت إلى الشّيب الملاح
تحدّون الحداق إليّ مقتاكأني في عيونكم السماح
قال أبو العتاهية لابنه: يا بنيّ إنك لا تصلح لمشاهدة الملوك، قال:
لم يا أبه؟ قال: لأنّك حارّ النسيم، بارد المشاهدة، ثقيل الظلّ.
وقال آخر: أنت والله ثقيل الظلّ، مظلم الهواء، جامد النسيم.
- أبو نواس:
إذا ما تنادوا للرحيل سعى بهمأمامهم الحوليّ من ولد الذرّ
»
- زياد الأعجم:
إني لأكرم نفسي أن أكلّفهاهجاء جرم وما يهجوهم أحد
ماذا يقول لهم من كان هاجيهمما يبلغ الناس ما فيهم ولو جهدوا
- وله:
لو أنّ بكرا براه الله راحلةلكان يشكر منها موضع الذنب
ليسوا إليه ولكن يعلقون بهكما تعلّق راقي النخل بالكرب
آخر:
لو سابق الذرّ مشدودا قوائمهيوم الرهان لكان الذرّ يسبقه
آخر:
قد ذممنا العبيد حتّى إذا نحن بلونا المولى حمدنا العبيدا
- المساور بن هند:
شقيت بنو أسد بشعر مساورإنّ الشقيّ بكلّ حبل يخنق
- وصف رجل قوما بالعيّ فقال: منهم من ينقطع كلامه قبل أن يصل إلى لسانه، ومنهم من لا يبلغ كلامه أذن جليسه، ومنهم من يقتسر الآذان فيحمّلها إلى الأذهان شرّا طويلا.
ذكر رجل امرأته فقال: مجفرة منكرة، منتفخة الوريد، كلامها وعيد، وبصرها حديد، وخيرها بعيد، وشرّها شديد، سفعاء فوهاء، قليلة
الإرعاء، كثيرة البكاء، سريعة الوثبة، حديدة الركبة، سمعمع سلفع، لا تروى ولا تشبع، مئناث كأنها بغاث، لا فوها بارد، ولا بطنها والد، ولا شعرها وارد، ولا عيبها واحد، ولا أنا إن ماتت عليها واجد. فقيل لها ما تقولين؟ أما تسمعين؟ فقالت لعنه الله مذكورا قضمة خضمة، ضيّق الصدر، قليل الصبر، لئيم النجر، كثير الفخر، عظيم الكبر.
- أعرابي:
ومجلس ليس بشاف للقرمولا بمعروف بأخلاق الكرم
ليس بمنسوب إلى الفرع الأشمجالسته من عوز ومن عدم
فازددت منه سقما على سقم
- ابن المعتز:
بأنتن من هدهد ميّتأصيب فكفّن في جورب
- آخر:
يزداد لؤما على المديح كمايزداد نتن الكلاب في المطر
أبو الفرج الأصفهاني:
كأنه التيس قد أودى به هرمفلا للحم ولا عسب ولا ثمن
- أبو علي ابن عبدوس الرازي:
هم الكشوث فلا أصل ولا ورقولا نسيم ولا ظلّ ولا زهر
سئل ابن عباس عن رجل فقال: هو فصل لا حرّ ولا برد، وهو عوسجة لا ظلّ ولا ثمر.
وقال آخر: هو كالسّمرة التي قلّ ورقها وكثر شوكها، وصعب مرتقاها، لا كالكرمة التي حسن ورقها، وطاب ثمرها، وسهل مجتناها. لا يؤمن خباله، ولا يرجى نواله، حديث غثّ، وسلاحه رث، عيال في الجدب، عدوّ في الخصب، قليل الخير، جمّ الضير.
- شاعر:
ليس له ما خلا اسمه نسبكأنه آدم أبو البشر
آخر:
يقول سهل والدي صاعدفقل لسهل من أبو صاعد
للناس آباء وما ينتهيسهل إلى أكثر من واحد
- ابن أبي عيينة في أخوين:
داود محمود وأنت مذمّمعجبا لذاك وأنتما من عود
فلربّ عود قد يشق لمسجدنصف وسائره لحشّ يهود
- وقال الرضي:
وغافلين عن العلياء قائدهمفي كلّ غيّ فتيّ العقل مكتهل
سنّوا الخضاب حذارا أن نطالبهمبحكمة الشيب أو يقصيهم الغزل
عارين إلّا من الفحشاء يسترهمثوب الخمول وتنبو عنهم الحلل
قوم بأسماعهم عن منطقي صمموفي لواحظهم عن منظري قبل
وقال أيضا:
كسبته الورق البيض أباولقد كان وما يدعى لأب
وقال:
يقدم أعجاز النساء رجالكمإذا قدّمت قومي صدور الذوابل
- وقال:
يلوم وقد ألام وشرّ شيءإذا لاقاك لوم من مليم
وقال أبو قيس التميمي، وهو نهروانيّ الأصل والمولد:
نزلت على أبي عمرو فحيّاوهيّأ عنده فرش المقيل
وقال عليّ بالطباخ حتىيزيد من البوارد والبقول
فغدّاني برائحة الأمانيوعشّاني بميعاد جميل
- وقال أبو القاسم الضرير ويروى لدعبل:
لا تحمدن حسنا في الجود إن مطرتكفّاه جزلا ولا تذممه إن رزما
فليس يبخل إشفاقا على جدةولا يجود لفضل الجود مغتنما
لكنها خطرات من وساوسهيعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وقال آخر:
وشرّك حاضر في كلّ يوموخيرك رمية من غير رام
- وقال أبو الفرج ابن هندو في مجد الدولة أبي طالب بن بويه:
لنا ملك ما فيه للملك آلةسوى أنه يوم السلام يتوّج
أقيم لإصلاح الورى وهو فاسدوكيف استواء الظلّ والعود أعوج
- كتب أبو العيناء إلى عيسى بن فرخانشاه: أنا أحمد الله تعالى على ما تأدّت إليه أحوالك، ولئن كانت أخطأت فيك النعمة، لقد أصابت فيك النقمة، ولئن أبدت الأيام مقابحها بالإقبال عليك لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك.
- كتب رجل إلى ابن سيابة يسأله عن رجل فكتب في الجواب: هو والله غثّ في دينه، قذر في دنياه، رثّ في مروءته، سمج في هيئته، منقطع إلى نفسه، راض عن عقله، بخيل بما وسع الله تعالى عليه من رزقه، كتوم لما آتاه الله من فضله، حلّاف مهين لجوج، لا ينصف إلّا صاغرا، ولا يعدل إلّا راغما، ولا يرفع نفسه عن منزلة إلّا ذلّ بعد تعززّه فيها.
ذمّ أعرابيّ رجلا فقال: أنت والله ممن إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، وإذا حدّث حلف، وإذا وعد أخلف، تنظر نظر حسود، وتعرض إعراض حقود.
تذامّ قوم من العرب فقال أحدهم للآخر: هو والله خبيث الزاد، لاصق الزناد، قصير العماد، تبّاع للأزواد.
وقال الآخر: هو والله منّاع للموجود، سآل عن المفقود، بكّاء على
المعهود، فناؤه واسع، وضيفه جائع، وشرّه شائع، وسرّه ذائع.
وقال الآخر: هو زريّ المنظر، سيّء المخبر، لئيم المكسر، يهلع إذا أعسر، ويبخل إذا أيسر، ويكذب إذا أخبر؛ إن عاهد غدر، وإن اؤتمن ختر، وإن قال أهجر، وإن وعد أخلف، وإن سأل ألحف. يرى البخل حزما، والسفاه حتما، والمرزئة كلما.
- ذكر أعرابيّ رجلا بقلّة الحياء فقال: لو رضّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بالكعبة لسرقها.
- شاعر:
شربت مدامة وسقيت خلّالقد جاوزت في الفعل اللئاما
نبيذا كان للممقور دهراتفتّت منه أكباد الندامى
فشبهناه وجهك فهو وجهعبوس قمطرير لن يراما
- قال الحجاج لجرير والفرزدق: إيتياني في لباس آبائكما في الجاهلية، فلبس الفرزدق الديباج والخزّ، وقعد في قبّة. وشاور جرير دهاة بني يربوع فقالوا: ما لباس آبائنا إلا الحديد، فلبس جرير درعا، وتقلّد سيفا، وأخذ رمحا، وركب فرسا لعبّاد بن الحصين، وأقبل في أربعين فارسا من بني يربوع.
وجاء الفرزدق في هيأته. فقال جرير:
لبست سلاحي والفرزدق لعبةعليه وشاحا كرّج وجلاجله
أعدّوا مع الحلي الملاب فإنّماجرير لكم بعل وأنتم حلائله
فقال الفرزدق:
عجبت لراعي الضأن في حطميّةوفي الدرع عبد قد أصيبت مقاتله
وما ألبسوه الدرع حتى تزيّلتمن الخزي دون الجلد منه مفاصله
- عليّ بن الجهم في أبي أحمد بن الرشيد:
يا أبا أحمد لا ينجي من الشعر الفرار
لبني العباس أحلام عظام ووقار
ولهم في الحرب إقدام ورأي واصطبار
ولهم ألسنة تبري كما تبري الشفار
ووجوه كنجوم الليل تهدي من يحار
ونسيم كنسيم الرروض جادته القطار
ولعطفيك عن المجد شماس وازورار
إن تكن منهم بلا شكك فللعود قتار
- المساور بن هند العبسي:
ما سرّني أنّ أمّي من بني أسدوأنّ ربّي ينجيني من النار
وأنهم زوجوني من بناتهموأنّ لي كلّ يوم ألف دينار
نعمة بن عتاب التغلبي:
سموت ولم تكن أهلا لتسموولكن دهرنا دهر انقلاب
فضالة بن عبد الله الغنوي:
لئن أنت قد أعطيت خزّا تجرّهتبدّلته من فروة وإهاب
فلا تيأسن أن تملك الناس إننيأرى أمة قد آذنت بذهاب
معن بن زائدة:
لا تيأسنّ من الخلافة بعدماخفق اللواء على ذؤابة حزقل
- محمد بن بشير الخارجي:
أبى لك كسب الخير رأي مقصّرونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثّته على الخير مرّةعصاها وإن همّت بشرّ أطاعها
ونثبت ها هنا مقطعات في ذمّ القصار.
- فمن ذلك قول أبي عثمان الناجم:
إنّ ابن عمّار له قامةيطولها منقار فرّوج
ندّ إلينا دون أصحابهمن ردم يأجوج ومأجوج
- وله:
كأنه البرغوث لم يخطهفي صغر الجثمان والقرص
- وقال المصّيصى:
تقطع دوّاجا له سابغاوريقة من ورق التّوث
إني أراه في حشا أمّهصوّر من نطفة برغوث
- وقال أبو نواس:
بدت لنا في ثياب لعبتهاتجرّ أثوابها لقلّتها
- وقال ابن الرومي:
قميئة الخلقة دحداحةتطرحها القلّة في المنسى
نكهتها تقتل جلّاسهالقرب محشاها من المفسى
- وقال:
قصيرة القامة دحداحةقامتها قامة فقّاعه
تضلّ في السربال من قلّةكصعوة في جوف قفّاعه
- وقال الناجم:
وقصير لا تعمل الششمس ظلّا لقامته
يعثر الناس في الطريق به من دمامته
- وقال آخر:
أظنّ خليلي من تقارب شخصهيعضّ القراد باسته وهو قائم
- وقال آخر:
وأقسم لو خرّت من استك بيضةلما انكسرت لقرب بعضك من بعض
ومما قيل في ذمّ النساء.
- قول الشاعر:
أتوني بها قبل المحاق بليلةفكان محاقا كلّه ذلك الشهر
أما لك عمر إنما أنت حيّةإذا هي لم تقتل تعش آخر الدهر
ثلاثين حولا لا أرى منك راحةلهنّك في الدنيا لباقية العمر
شربت دما إن لم أرعك بضرّةبعيدة مهوى القرط طيّبة النشر
»
- وقال آخر:
رحلت أنيسة بالطلاقوعتقت من رقّ الوثاق
بانت فلم يألم لهاقلبي ولم تبك المآقي
ودواء ما لا تشتهيهـ النفس تعجيل الفراق
لو لم أرح بفراقهالأرحت نفسي بالإباق
وخصيت نفسي لا أريد حليلة حتى التلاقي
- وقال آخر:
لا تنكحنّ الدهر ما عشت أيمامجرّبة قد ملّ منها وملّت
تجود برجليها وتمنع درّهاوإن طلبت منها المودة هرّت
- وقال المتوكل الليثي:
ولا تنكحنّ الدهر إن كنت ناكحاعشوزنة لم يبق إلّا هريرها
تجود برجليها وتمنع مالهاوإن غضبت راع الأسود زئيرها
إذا فرغت من أهل دار تبيرهمسمت سموة أخرى لدار تبيرها
- وقال أعرابيّ:
يا ربّ صبرني على أمّ اللهمعلى جزور ذات سلح للّقم
وهي إذا قلت كلي قالت نعمكأنما تقذف في بحر خضمّ
سريعة السّرط لحوس للبرمقد هرّمتني قبل أيام الهرم
من عالها فهو حريّ بالعدم
- وقال الرحّال:
فلا بارك الرحمن في عود أهلهاعشيّة زفّوها ولا فيك من بكر
ولا فرش ظوهرن من كلّ جانبكأني ألوّى فوقهنّ على الجمر
ولا الزعفران حين مسّحنها بهولا الحلي منها حين نيط إلى النحر
فيا ليت أنّ الذئب كان مكانهاوإن كان ذا ناب حديد وذا ظفر
- وقال آخر:
جارية في جلدها سهكةكأنها ملبسة جلد حوت
تحسبها للضعف من صوتهاذبابة في قبضة العنكبوت
- وقال ابن المعتز يهجو زامرة:
قابلكم دهركم بزامرةتقدح في وجه كلّ سرّاء
فزبطروا شدقها إذا نفختفذاك أولى بها من النّاء
- وقال دعبل:
إنّ ابن زبّان له قينةأربت على الشيطان في القبح
سوداء فوهاء لها شعرةكأنها نمل على مسح
فلو بدت حاسرة في الضحىلاسودّ منها فلق الصبح
- وقال أيضا:
لا بارك الله في ليل يقرّبنيإلى مضاجعة كالدلك بالمسد
لقد لمست معرّاها فما وقعتمما لمست يدي إلّا على وتد
في كلّ عضو لها عظم تصكّ بهجسم الضجيع فيضحي واهي الجسد
- وقال أيضا:
صدغاك قد شمطا ونحرك يابسوالصدر منك كجؤجؤ الطنبور
يا من معانقها يبيت كأنهفي محبس قمل وفي ساجور
قبّلتها فوجدت لذعة ريقهافوق اللسان كلدغة الزنبور
- وقال آخر:
الاست رسحاء مشلول مناكبهاكأن معلف شاة في تراقيها
والثدي منها على الفخذين منسدلكأنه قربة قد سال ما فيها
- وقال آخر:
أعوذ بالله من زلّاء فاحشةكأنما نيط ثوباها على عود
لا يمسك الحبل حقواها إذا انتطقتوفي الذنابى وفي العرقوب تحديد
وفي ضد ذلك:
- قول امرأة تزوجت بشيخ قصير:
أيا عجبا للخود يجري وشاحهاتزفّ إلى شيخ من القوم تنبال
دعاها إليه أنه ذو قرابةفويل الغواني من بني العمّ والخال
ولأخرى:
ومن صولة الأيام والدهر أن يرىغزال النّقا في ذمّة الظّربان
- وقالت حميدة بنت النعمان بن بشير:
وهل أنا إلّا مهرة عربيةسليلة أفراس تحلّلها بغل
فإن نتجت مهرا كريما فبالحرىوإن يك إقراف فما أنجب الفحل
كذا يرويه من تجنّب الاقواء، والرواية في قولها: فمن قبل الفحل.
وقد ذكرنا كلام امرأة عروة بن الورد في زوجها بعده فيما تقدم.
وهذه مقطعات من أهاجي شعراء عصرنا.
قال أبو منصور ابن الأصباغي:
قل للمغرّب عن مواطنهإيّاك أن تأتي بني عوف
قوم يموت الجار بينهمبالأنكدين الجوع والخوف
أبو تمام الدبّاس:
مات أبو حامد ومات جلال الددين فاستحضر الهجا والمديح
كنت أهجو هذا وأمدح هذافأنا اليوم خاطري مستريح
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع