من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الرافلين في حلل الجلاله، المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله، الوارثين (٨)
وإليك ربّي رغبتي وتوسّلي ... وعليك في كلّ الأمور توكّلي وثبت في آخر هذا الكتاب ما صورته: قال محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن يوسف بن العطار نفعه الله تعالى بالعلم: كان الفرغ من إكمال هذا الفصل وإتمامه، حسب نثره ونظامه، ضحوة يوم الجمعة الثاني من
شعبان المكرم سنة ست وتسعين وستمائة، ما عدا أربع قصائد اشتمل عليها، فإنّها تقدمت على إنشائه، أودعتها فيه، والله سبحانه المستعان، وذلك بمدينة الجزائر - جزائر بني مزغنة - من أقصى إفريقية من أرض متيجة، صانها الله تعالى؛ انتهى.
وثبت في آخره بخط بعض الأكابر ما نصّه: تأليف الفقيه العالم الأديب البارع أبي عبد الله محمد بن العطار الجزائري؛ انتهى.
وهو كتاب نفيس جمع فيه بين حسن النظم والنثر، فالله تعالى يجازي صاحبه أفضل الجزاء، بمنّه وكرمه.
ولا بأس أن نورد هنا من كلام أهل الأندلس بعض الأمداح النبوية زيادة على ما ذكر هنا فنقول: قال العارف بالله تعالى ابن العريف في كتاب " مطالع الأنوار ومنابع الأسرار ":
وحقّك يا محمّد إنّ قلبييحبك قربة نحو الإله
جرت أمواه حبك في فؤاديفهام القلب في طيب المياه
فصرت أرى الأمور بعين حقّوكنت أرى الأمور بعين ساهي
إذ شغف الفؤاد به وداداًفهل ينهاه عن ذكراه ناهي
يهيم بذكره ويحنّ شوقاًحنين المستهام إلى الملاهي
يخامره ارتياح منه حتىيقول أولو الجهالة: ذاك لاهي
وما هو حقّ فضل قد رآهفصار يجدّ في طلب الملاهي
فسوف ينال في الدنيا سروراًوفي الدار الأخيرة كلّ جاه
ويعطى ما تمنى من أمانكما قد حبّ محبوب الإله وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا عاذلي في طلابيدعني من العذل دعني
سأعمل العيس شوقاًبالعزم دون التأنّي
إلى ضريح رسولمصدّق حسن ظني
أشدو على كلّ فجّحين الحمام يغني
يا أطهر الخلق إنّيبذلّتي عبد قنّ
فأعتق اليوم رقّيوانظر بعطفك منّي
فأنت أنت ملاذيإيّاك إيّاك أعني
إن غبت عن عين جسميما غبت عن عين ذهني
لولاك كنّا أناساًأشرّ من كلّ جنّ
فإذ بعثت رسولاًفخير فضل ومنّ
لله خالص شكريعساه يصفح عني
فإنّني عبد سوءقلبت ظهر المجنّ وقال في خاتمة ذلك الكتاب:
صلى الإله على النبيّ الهاديما لاذت الأرواح بالأجساد
صلّى عليه الله ما اسودّ الدجىفكسا محيّا الأفق برد حداد
صلّى عليه الله ما انبلج السنافابيضّ وجه الأرض بعد سواد
صلّى عليه الله ما همع الحيافسقى البلاد برائح أو غادي
صلى عليه الله ما هفت الصّباوشدا على فنن الأراكة شادي
صلى عليه الله ما ألف الكرىجفن فخامره لذيذ رقاد
صلى على المختار أحمد ربّهما استمسكت نار بطيّ زناد
صلى على خير الأنام محمدٍمن خصّه بالنور والإرشاد
صلى الإله على رسول حاشرحشر الأنام لديه في الميعاد
صلى الإله على رسول عاقبفي الدهر وهو بفضله كالهادي
صلى الإله على رسول خاتمختم النبوّة بالكتاب الهادي
صلى الإله على المقفّى ما اقتفىبشر نبوّته بغير عناد
صلى على ما حي الضلال إلههما غردت طير على الأعواد
صلى الإله على رسول فاتحفتح الظلام بنوره الوقّاد
صلى الإله على نبيّ راحمبالملّة الغرّاء، بعد فساد
صلى الإله على نبي طالعرحم الإله به من الإبعاد
صلى الإله على نبيّ طالعبملاحم قصمت فؤاد العادي
صلى عليه الله فهو نبيّهناداه بالإرشاد خير مناد
صلى عليه الله فهو رسولهأعطاه راية عزمة ورشاد
صلى عليه الله فهو خليلهأسدى إليه منه كلّ سداد
صلى عليه الله فهو صفيّهصفّى سريرته من الأحقاد
صلى عليه الله فهو وليّهوالاه في الإصدار والإيراد
صلى عليه الله فهو المصطفىمن كل حضّار العباد وبادي
صلى عليه الله فهو المجتبىيجبى إليه الخير دون نفاد
صلى عليه الله فهو المنتقىنور الزمان وواحد الآحاد
صلى عليه من براه مطهّراًواختاره طوداً من الأطواد
صلى عليه من براه بفضلهوأعاده حيّاً لغير معاد
صلى عليه من أراه جلالهوأناله من ذاك كلّ مراد
صلى عليه من أحلّ فؤادهفي ظلّ عرش ثابت الأوتاد
صلى عليه من غذاه بنعمةفتضاعفت كتضاعف الأعداد
صلى عليه من كساه عوارفاً ... واختصه منه بخير أياد وقال الشيخ أبو عبد الله ابن عمران مادحاً لرسول الله صلى الله عليه وسلّم
مرتباً على حروف المعجم باصطلاح أهل المغرب، كما تقدم:
ألف: أيا خير البريّة هذيمدحي، وما أنا في مقالي هاذي
باء: بها أظهرت صدق محبتيوبذلك الجاه الكريم لياذي
تاء: تخذت وسيلة ما حكتهوجعلته يوم المعاد عياذي
ثاء: ثنائي ليس يحصر فضلك الزاهي ولا يحويه باستحواذ
جيم: جلالك جلّ طور فخارهعن شبه مثل أو لحاق محاذي
حاء: حبيت بمعجزات ذكرهايولي ذوي الإيمان كلّ لذاذ
خاء: خصصت بها بفضل عنايةمنها لجأت إلى أجلّ ملاذ
دال: دحضت بحقّها مستقرياًإبطال زور مشعوذ ملاّذ
ذال: ذراع الشاة أفصح مخبراًعمّا يحاذر ضره بنفاذ
راء: رميت عصائباً قد ألّبوافعموا ولمّا ينصروا بلواذ
زاي: زعيم بالوجاهة أنت إذكلّ بجاهك عاذ كلّ عياذ
طاء: طلابهم لديك شفاعةفيها بذذت الجمع أيّ بذاذ
ظاء: ظماؤهم بحوضك سوّغواريّاً كأنّ به مذاقة ماذي
كاف: كفك بما تلته والضحىلجماعة الجارين باستنقاذ
لام: لدعوتك المجابة أسبلتثروات هتّان الحيا بهماذ
ميم: معين يديك إذ غلب الظّماأروى الورى من توأم وفذاذ
نون: نجارك أصله متخيّرمن بطن ذات علا وأطهر حاذي
صاد: صعدت ذرا لموقف زلفةترك السعود مقطّع الأفلاذ
ضاد: ضويت إلى جلال كافللك بالرضى درّ الجلالة غاذ
عين: علا ذكر افتخارك وارتقىعن غمز مغتاب وزور الباذي
غين: غمام قد علاك مظلّلاًيمشي بمشيك دائماً ويحاذي
فاء: فصاحتك البليغة أعجزتللقوم من قربى ومن شذّاذ
قاف: قواعد صرح كسرى زلزلتلولادة أوهت قوى ابن قباذ
سين: سبقت بكل فضل يغتديجفن المعالي منه ليس بقاذ
شين: شأوت مفاخراً كل الورىوتركتهم غرقى بلجّة آذي
هاء: هتفت على تنائي شقّتيبعلاك هذي، وما نحلتك هذي
او: ولو أني استطعت لسابقتقلمي خطا قدميّ بالإغذاذ
لا: لا أكيّف قدر شوق باعثلعزائمي مستنهض شحّاذ
ياء: يميناً لو قدرت إذن لماأخّرت سعي مبادر حذحاذ
دامت عليك صلاة ربك ما همت ... ديم بوبل هاطل ورذاذ رجع إلى الكاتب أبي عبد الله ابن الجنان الأندلسي:
قال - تقبل الله تعالى منه - يمدح النبي ﷺ:
يا من تقدّس عن أنيحيط وصف بذاته
ومن تعالى جلالاًعن مشبه في صفاته
ومن قبول ثنائيإليه أسنى هباته
صلى على من تبدّىنور الهدى من سماته
ومن علا الفخر لمّانمى إلى معلواته
محمد خير هادبحلمه وأناته
محمد خير داعبالصدق من كلماته
محمّد خير مبدٍلنا سنا معجزاته
أكرم به من نبيّهمت سما مكرماته
أعزز به من رسولسمت علا درجاته
وخصّه الله منهبالفضل من تكرماته
لمّا حباه بأوفىصلاته في صلاته وقال:
يا ربّ بلّغ سلاميلأحمد ذي الشّفاعه
لخاتم الرّسل أعنيإمام تلك الجماعه
لأبهر الخلق مجداًيحكي الصباح نصاعه
لمن صفات علاهتعجز أهل البراعه
لسيّد لسناهيزهى السنا واليراعه
لمرشد بهداهقد فاز عبد أطاعه
شمس النبوّة معطشمس السماء شعاعه
وناظم الحسن نظماًقد ضمّ منه شعاعه
وسرّ سرك يا منأرى العيون اطّلاعه
ومن حبا بذكاءخلاله وطباعه
ومدّ في كلّ فضللصفوة الرسل باعه
فزده يا ربّ فخراًوزد محبّيه طاعه وقال أيضاً غيره:
لقد رفع الإله عن البراياببعث محمّد محن الصروف
أتى والناس في الآفاق نهبلسمر الخطّ أو بيض السيوف
فأنقذهم، ولولاه لكانوالقىً بين الضلالة والحتوف
نبيّ لا يغلّ عليه إلاّسخيف العقل ذو رأي مؤوف
كأغمار اليهود أو النصارىأو الفلكيّ أو كالفيلسوف
فبعض للتجاهل والتعاميوبعض للتحيّر والوقوف
زعانف لا يهلك لها رواءفإنّ الجهل مائحة الظروف
إذا جارى بمختلّ ضعيففإنّ صحاحنا فوق الألوف
فبرهان النبوّة مستفيضندلّ به على رغم الأنوف
شفوف الرّسل متضح ولكنلأحمد الشفوف على الشفوف
حروف الخطّ أصل للمعانيوللألف التقدّم للحروف وما أحسن قول القائل رحمه الله تعالى:
لولا النبيّ محمدهلك الورى في سوء حاله
أعلى الورى قدراً وأكرمهم وأظهرهم دلاله
ختم الإله به النبوّة والطهارة والرساله
واختصّه دون البريّة بالمكانة والجلاله
بدر الرسالة والصحابة حول ذاك البدر هاله
قذف الحصى في أعين الكفّار فاعتنقوا الجداله
وتدرعوا ثوب الكآبة بعد إظهار الجزاله
فأصخ إلى أنبائهتعلم بأنّ المنتهى له
وإذا ابتغيت وسيلةومدحته ومدحت آله
فاقطع بأنّك آمنٌ ... يوم القيامة لا محاله وقال أبو القاسم سعد بن محمد رحمه الله تعالى:
أطلق لسانك بالصلاة على النبيّ الأبطحيّ الهاشميّ محمد
واجعل شعارك ذاك تنج به غداًإنّ النجاة بذكر يوم للغد ولأبي اليمن ابن عساكر رحمه الله تعالى:
يا ربّ صلّ على النبي وآلهصلواتنا ما دامت الأيام
واخصص ختوم سلامنا بجنابهكالمسك يعبق فضّ عنه ختام
واحرس شريعته وأوضح سبلهاتبدو بها للسالك الأعلام
وأدم كرامته وأعل منارهوأنله أعلى ما لديك يرام
وارفع له الدرجات في رتب العلافهو الذي للمرشدين إمام
وأقمه بين يديك زلفى موقفللحمد ما لسواه فيه مقام
وأنل شفاعته وأورد حوضهمن لو أتاه [....] منه أوام
يشتاقه ويعوقه علقٌ بهلزمانه وزمانة وسقام
فبه إليه غلّة ما تشتفيإلاّ بلقياه، وعزّ مرام
وله عليه في الأصائل والضحىتهدى إليه تحيّة وسلام
وبه إلى تقبيل موطىء نعلهوجدٌ له بين الضلوع أوام وله أيضاً رحمه الله تعالى:
ألا إنّ الصلاة على الرسولشفاء للقلوب من الغليل
فصلّ عليه؛ إن الله صلّىعليه ولا تكونن بالبخيل
وصلّ عليه قد صلّت عليهملائكة السماء بجبرئيل
ألا إنّ الصلاة عليه نورلدى الظلمات في اليوم المهول
وتثقيل لميزان خفيفوتخفيف من الوزر الثقيل
إذا صلّيت صلّى الله عشراًبواحدة عليك على الرسول
وتحظى بالشفاعة يوم تضحىوما لك من مقيل أو منيل
فأكثر أو أقل فأنت تجزىبذلك من كثير أو قليل
فصلّ عليه تجز جزاء ضعفوتجز مضاعف الأجر الجزيل
وأولى الناس أكثرهم صلاةعليه به وأحرى بالقبول
وأنجاهم من الأهوال عبدبها لهج بدل قال وقيل
فكن لهجاً بذكراه حفيّاًبلقياه ومنصبه الجليل
وصلّ صلاة مشتاق إليهوداو بذكره سقم العليل
وصلّ مدة الزمان على رسولكريم مصطفى برّ وصول
وصلّ على حبيب فاق فضلاًمدى شأو الكيم مع الخليل
فصلّى الله أفضل من يصلّيعليه في الصباح مع الأصيل
وآتاه الوسيلة مستجيباًوبلّغه نهاية كلّ سول
وأزلفه وشفّعه ليأويإليه الناس في ظلّ ظليل
وأطّد شرعه وحمى حماهوأيّده بواضحة الدليل
وشرّفه ولم يبرح شريفاًفيجمع جملة المجد الأثيل
وزاد محبّه شرفاً وفخراًبتفضيل وتنويل جزيل
وزاد علاه منه بطول عمرقصيّ من مواهبه طويل
وأوردنا عليه الحوض وفداًلنروى بالرّوى من سلسبيل وله رحمه الله تعالى:
أدم الصلاة على النبيّ المصطفىتخلص بذاك من الجحيم ونارها
وتولّ إقبالاً عليها كلّماهتف المؤذن مشعراً بشعارها
فالفخر أجمعه له فتلقّه ... من نوبة الأسحار فوق منارها فهذه عدة قصائد في مدحه ﷺ، أرجو من الله سبحانه أن تكون مكفرة لما ارتكبته على وجه الفخر والشهرة من الهزل واللّغو، فإن ذلك والله قول لا فعل له، وإنما هو على نهج أهل الأدب كالحافظ شيخ الإسلام ابن حجر
وغير واحد ممّن ألف في الأدب وجمعه.
ولا بأس أن نعززها بمقطوعات تكون للتكفير زيادة، وحقّ لمن توسل بسيد الوجود ﷺ أن لا تضيع وسائله، وكيف وهو صاحب المقام المحمود والشفاعة والسيادة، فمنها قول ابن الجنان المذكور آنفاً رحمه الله تعالى:
إلى أحمد المختار نهدي تحيّةتفاوح روض الحزن بلله المزن
إذا نافحت مغناه زاد تأرجاًوإن لثمت يمناه قابله اليمن
أسيّر أشواقي رسولاً بعرفهالتسعدها منه العوارف والمن
وأرجو لديه الفضل فهو منيلهوما خاب لي فيه الرجاء ولا الظن
عليه اعتمادي حين لا لي حيلةإليه استنادي حين ينبو بي الركن
به وثقت نفسي الضعيفة بعدماأضرّ بها من ضعف قوتها الوهن
إليه صلاتي قد بعثت مشفّعاًسلاماً به الإحسان ينساق والحسن وقوله رحمه الله تعالى:
أيذهب يوم لم أكفّر ذنوبهبذكر شفيع في الذنوب مشفّع
ولم أقض في حقّ الصلاة فريضةًعلى ذي مقام في الحساب مرفّع
أرجّي لديه النفع في صدق حبّهومن يرتج المختار لا شك ينفع
وأهدي إلى مثواه مني تحيّةإذا قصدت باب الرضى لم تدفّع وقوله رحمه الله تعالى:
يا أرحم الخلق يوم الحشر والندمارحم عبيدك يا ذا الطّول والنعم
إني توسلت بالمختار ملجأناالطاهر المجتبي من خيرة الأمم
إليك من سيئاتي إنها عظمتيا واحداً لم يزل فرداً ولم يتم
عليه منه صلاة كلما طلعتشمس وما خطّ في الأوراق بالقلم
فهو الشفيع الذي أرجو النجاة بهمن الجحيم إذ الكفار كالحمم وقوله أيضاً رحمه الله تعالى:
بحبيب القلوب معتمد الخلق أبي القاسم النبيّ الشفيع
قد تشفّعت من ذنوبي إلى ذي العزة الواحد العليّ السميع
فاشفع اشفع يا خاتم الرّسل يوم الحشر والمشهد العظيم الفظيع
لظلوم لنفسه قد تناهىفي الخطايا وكلّ فعل شنيع
فإذا ما تذكر الذنب فاضتمقلتاه واغرورقت بالدموع
لا تخيّب رجاءه إنّه منربّه خائف كثير الخشوع
وعليك الصلاة بدءاً وعوداًما أضاءت ذكاء عند الطلوع وقوله أيضاً عفا الله تعالى عنه:
يا ربّ إنّ شفيعي من ذنوبي فييوم القيامة خير الخلق والنسم
محمّد خاتم الرّسل المبلّغ للدين الحنيفي والإسلام للأمم
عليه مني صلاة كلما سجع الحمام فوق غصون البان والسّلم
وبعد ذلك أعداد الجبال ورمل الأرض والطير والحيتان والنّعم
كذاك أيضاً سلامي طيّب عطرعليه ما قام عبد في دجى الظّلم
لله وهو كئيب خائف وجل ... من الذنوب حزين القلب ذو ألم وقول الشيخ الإمام أبي زيد الفازازي رحمه الله تعالى:
كملت بنعت محمّد خير الورىغرر القصائد كلّها وحجولها
واختصّ دون الأنبياء بدعوةوسع العباد عمومها وشمولها
فاضت على الثّقلين منه أشعّةطلعت وما عقب الطلوع أفولها
فالإنس تعلم أنّه مقصودهاوالجنّ توقن أنّه مأمولها
كم آية بالصدق كان ظهورهاكم آية بالسّبق كان نزولها
وكفاك هذا الوحي فهو شهادةلمحمّد لزم العباد قبولها
جمع الإله المكرمات لأمّةهذا النبيّ الهاشميّ رسولها وقوله رحمه الله تعالى:
أيّ نور كشف الله بهسدف الباطل عنّا أجمعين
ختم الله به أنوارهعندما أكمل سنّ الأربعين
وأتانا بدليل بيّنعجزت عنه دواعي المدعين
فهو للناس جميعاً مرشدوهو بالله تعالى مستعين
تركت دعوته وهو الرضىسائر الخلق إليها مهطعين
فأعد أنباءه فهو منىأنفس القائل والمستمعين
والذي يهدي إلى شرعتهفهو مجّاج من العذب المعين
والذي يرغب عن سنّتهفهو من شيعة إبليس اللعين وقوله وهو كما قبله لزومي:
أصخ فلخير العالمين مناقبتدل على التمكين والشرف الأسرى
أتى والورى أسرى فكان غياثهمبنور سماء ينقلوه عن الإسرا
وعفّى رسوم الكافرين وأهلهافلا قيصر من بعد ذاك ولا كسرى
تقدّم كلّ العالمين إلى مدىًتظلّ به الأوهام ظالعة حسرى
وخصّ بتشريف على الناس كلهمومن لم يقل هذا تقوّله قسرا
ترقّى إلى السبع الطباق ترقيّاًحقيقاً ولم يعبر سفيناً ولا جسرا
وبالجسم أسرى الله وهو دلالةيمحّلها من لا ييسّر لليسرى
فسبحان من أسرى إليه بعبدهوبورك في الساري وبورك في المسرى
وكم عجب أوحى إلى عبده بهفدونك تجميلاً ولا تطلب الفسرا
وقوله رحمه الله تعالى:
هاك عن هذا النبيّ المصطفىخبراً يقبله من سمعه
سبّحت صمّ الحصى في كفّهثمّ في كفّ الهداة الأربعه
وإذا أبدى نبيٌّ عبرةًفهو لا ينكر فيمن تبعه
أيّ نطق قد روى إعجازهعن سماع كلّ من كان معه
حجج الرّسل التي قد سلفتأصبحت في أحمد مجتمعه
فاعتقد صحّتها واعمل بهافدعاوى ضدها منقطعه
ممكنات العقل لا يجحدهاغير أهل الطبع والمبتدعه وقوله رحمه الله تعالى:
إذا أمّلت من مولاك قرباًفجدّد ذكر خير الأنبياء
وصلّ عليه أول كلّ قولوآخره بصبح والمساء
فإنذ محمداً أعلى البرايامحلاً في السيادة والعلاء
لواء الحمد في يمنى يديهوكلّ الناس من دون اللواء
فحدث عن دلائله ففيهاشفاءٌ للنّهى من كلّ داء
ولست بناقل للعشر منهاوهل تفنى الزواخر بالدلاء
فقل للسامعين قفوا فهذامحال ليس يحصر بانتهاء
براهين البسيطة ليس تحصىفدونكم براهين السماء وقوله رحمه الله تعالى:
أمّا يمين محمّدويساره فهما سماء
كلتاهما إن صوّح المرعى لنا طعم وماء
وإذا أضرّ بنا السقام وغيره فهما شفاء
فاعجب لكف في الورىفيها عن المزن اكتفاء
فاقطع بأنّ محمّداًفي الخلق ليس له كفاء
فإذا أصخت لآيةفالنور فيها والضياء
هذا الصباح الهاشمي بدا فليس به خفاء
فالأرض قد فتحت بمبعثه وفتّحت السماء
سبق القضاء بسبقهوالله يفعل ما يشاء وقوله رحمه الله تعالى:
بركات رسل الله غير خفيةومحمد خير البريّة أبرك
هذا النبيّ الهاشميّ هو الذيهدي الأنام به وبان المسلك
كم آية لمحمد كم حجةعزّ الوليّ بها وذلّ المشرك
دعواته مسموعة مرفوعةوالحس ليس يصح فيه تشكك
لا شيء أعجب من دليل واضحيحيا به بعض وبعض يهلك
أمسك بحبل محمد خير الورىتظفر بقصدك أيها المستمسك
وإذا عجبت لغاية في رفعةفمحلّ أحمد غاية لا تدرك وقوله رحمه الله تعالى:
قبح الإله الملحدينفإنهم جحدوا الضروره
والمعجزات تواترتعن أحمد في كلّ صوره
والله أعلى كعبهفي خلقه وأتمّ نوره
كثر الطعام مع الشراب بكفه عند الضروره
وتكنّفته عنايةمن ربه أعلت أموره
نادى البريّة فالقلوب إلى إجابته مصوره
وحمى الشريعة بالدليل فدع معاندها وزوره
قل للمشكّك حين يبدي في تشككه قصوره
بيني وبينكم الكتاب فدونكم فأتوا بسوره وقال رحمه الله تعالى:
إذا بهرت للهاشميّ دلالةفكم حجج في طيها ودلائل
فكم مرة آتى الغنى كفّ سائلوكم مرة أعطى المنى فكر سائل
له تحت أستار الغيوب شهادةمعدّلة لم تبق قولاً لقائل
يحدث عما كان أو هو كائنفقس آخراً من صدقه بالأوائل
إذا الصدق لم يعوزك في غدواتهفلا شكّ في تصديقه بالأصائل
وحسبك في الأنباء بالغيب أنّهستسمعها بالنقل من قول قائل وقوله رحمه الله تعالى:
يا ذا المعنّى بهذا الذكر تسمعهفي المدح تأثره في سيد الناس
هذا النبيّ، ومن آيات أثرتهفي الطيب والطّول لا تجري بمقياس
قد انقضت معجزات الغيب وافيةصحيحة باستفاضات وإحساس
وهاك نوعاً من الإعجاز منتزهاًعن نقد منتقد أو صفح قرطاس
لا نعدم النقل عن آثار سيدنافإنما نحن فيها بين أعراس
تنقّل الأنف في النوّار ينشقهمن ياسمين إلى ورد إلى آس
إنّ القلوب إذا اعتلّت خواطرهافذكر أحمد فيها المبرىء الآسي وقوله رحمه الله تعالى:
تأدب إذا ذكر المصطفىبصمت اللسان وغضّ البصر
فإنّ التأدب عند السماعيفهّم في النطق أو في النظر
وردّد أحاديثها إنهادليل على صدق خير البشر
وصلّ عليه مدى ذكرهفذلك أفضل ما يدّخر
ولا تسترب في براهينهفتسلك مسلك قوم أخر
فكم آية ظهرت للنبيّوكم أثر عنده قد ظهر
ومن شكّ في نور برهانهلعى أنّ برهانه قد بهر
فكبّر على عقله أربعاًوقل فوق طورك هذا الخبر وقوله رحمه الله تعالى:
اعمل بآثار النبيّ فإنها النور المبين
واقبل نصيحتها ففيها العزّ والشرف المكين
واشدد يمينك بالشريعة إنها السبب المتين
خير البريّة أحمدوالحقّ يصحبه اليقين
ذو قوّة عند الإلهـ مقرّب منه مكين
زان النبيّون الورىومحمد لهم مزين
هاد إلى طرق النجاة مؤيد فيها أمين
والهج بمدح الهاشميّ فإنه الحصن الحصين
ولئن فعلت فلن تفوتك بعد ذا دنيا ودين وهذا تسديس جعلته للكتاب مسك الختام:
وللنّاس أعمال فخير وضدّه ... وما يحسن الأعمال غير الخواتم وإلاّ فالأمداح النبوية بحر لا ساحل له، وفيها النثر والنظام، زاده الله شرفاً وحباه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وهذه القصيدة من نظم الفقيه الأجلّ أبي الحجاج يوسف بن موسى المنتشاقري الأندلسي - نفعه الله تعالى بنيته، وبلغه غاية أمنيته - وترتيبها على
حروف المعجم باصطلاح أهل المغرب فيما عدا الروي فإنه على حرف الميم، وكذا آخر الشطر الذي قبله فإنه ميم أيضاً، وهذا نصه بحروفه ما عدا حرف الواو فإني لم أجده وكملته على منواله:
حلّ في طيبة رسول كريمفعليه الصلاة والتسليم
صفوة الخلق خاتم الأنبياءمرشد الناء للطريق السوّاء
والعماد الملاذ في الأواءوشفيع العصاة يوم الجزاء
يوم يبدو لديه جاه عظيمفعليه الصلاة والتسليم
أذهب الغيّ نوره والغياهبفأضاءت مشارق ومغارب
وغدا الحقّ غالباً للأكاذبوبدت منه للأنام عجائب
صدق أقواله بها معلومفعليه الصلاة والتسليم
لبراهين صدقه معجزاتحيثما حلّ حلّت البركات
وسمت أربع به وجهاتفبه قد تعرفت عرفات
وبه تاه زمزم والحطيمفعليه الصلاة والتسليم
لم يزل هادياً صدوق الحديثووفيّاً بالعهد غير نكوث
ومجيباً لدعوة المستغيثوكريماً نداه فوق الغيوث
ويداه بالجود جود سجومفعليه الصلاة والتسليم
بهج الحق أوضح الابتهاجسيد نوره أضاء الدياجي
خصه الله ليلة المعراجباصطفاء ورفعة ونتاج
وبتكليمه له التكريمفعليه الصلاة والتسليم
مصطفى مجتبى كريم صفوحللنّبيّين جاهه ممنوح
فلإكرامه أجير الذبيحونجا آدم وخلّص نوح
وكذاك الخليل إبراهيمفعليه الصلاة والتسليم
كلّ دين بدينه منسوخفسوى ما قضى به مفسوخ
لهداه بكلّ قلب رسوخفالورى مادح له ومصيخ
كلهم في هوى النبي يهيمفعليه الصلاة والتسليم
بعثه كان رحمة للعباددلّهم بالهدى طريق الرشاد
ونفى كلّ باطل وعنادودعا للإله دعوة هادي
فإذا الحق واضح مستقيمفعليه الصلاة والتسليم
أمّه بالشّكاة ظبيٌ أخيذمستجيراً بجاهه يستعيذ
وبه كانت الوحوش تلوذوله خاطب الذراع الحنيذ
لا تذقني فإنني مسمومفعليه الصلاة والتسليم
أشبع الجيش والطعام يسيرودعا نخلةً فجاءت تسير
وهمى من يديه عذب نميروله البدر شقّ وهو منير
معجزات تحار فيها الفهومفعليه الصلاة والتسليم
حجب النور في السموات جازافاحتوى الفضل والعلاء وحازا
فبه في غد ننال المفازاوكفى أمّة الرسول اعتزازا
أن تمنى يكون منها كليمفعليه الصلاة والتسليم
إنما الحكم منه عدل وقسطلم يجر في القضاء والحكم قطّ
حبه في بلوغ قصدي شرطوبأمداحه ذنوبي تحطّ
ويزول العنا وتجلى الهمومفعليه الصلاة والتسليم
قد حمى ديننا برعي ولحظونفى روعنا بأمن وحفظ
وحبانا بما لدى الربّ يحظيهادياً راحماً لنا غير فظّ
مثل ما نصّه الكتاب الكريمفعليه الصلاة والتسليم
نور برهانه جلا كلّ شكروهداه أجرا من كلّ هلك
أخير العالمين من غير شكّفلكم رامه العداة بشكّ
وهو في كلّ حالة معصومفعليه الصلاة والتسليم
ما لخير الأنام منهم عديلإنّه مجتبىً نبيّ رسول
ما عسى مادح الشفيع يقولوبأمداحه أتى التنزيل
وثناه خلاله مرسومفعليه الصلاة والتسليم
نحن لولا اتّباعه لشقينانور برهانه أرانا يقينا
وغدا ما نخاف منه يقيناوكؤوساً بحوضه قد سقينا
من رحيق مزاجه مختومفعليه الصلاة والتسليم
أحمد عند ربه ذو اختصاصجاهه كامل بغير انتقاص
عدة للمسيء يوم القصاصوشفيع لكل جان وعاصي
يوم يجفو الحميم فيه الحميمفعليه الصلاة والتسليم
بيديه حوائج الكلّ تقضىويجازي الذي أجاز وأمى
وينادي الحبيب أنت المرضىسوف نعطيك ما تحب وترضى
فتحكّم يمضى لك التحكيمفعليه الصلاة والتسليم
فاق بالمولد السعيد ربيعإن فيه بدا الجلال الرفيع
من هو الذخر والعماد المنيعفملاذ للمذنبين شفيع
ورؤوف بالمؤمنين رحيمفعليه الصلاة والتسليم
أفصح الناس في حديث وأبلغبيّن الوحي للأنام وبلّغ
طيب الحل قد أباح وسوّغولكم نعمة من الله سوّغ
فلإحسانه علينا عميمفعليه الصلاة والتسليم
كان بالحقّ والهدى معروفاأجود الناس بالندى موصوفا
شرّف الله قدره تشريفاهادياً مرشداً رسولاً شريفا
مجده في العلاء مجدٌ صميمفعليه الصلاة والتسليم
وجهه بالبها أضاء وأشرقمجده في صميمه الأصل أعرق
مسّ في كفه قضيباً فأورقباصبع قد أشار للبدر فانشقّ
ثمّ قد عاد وهو بدر سليمفعليه الصلاة والتسليم
جاءه الوحي أنت خير الناسبلّغ الأمر لا تخف من باس
وخذ العفو للأنام وواسواحمهم من مكايد الوسواس
فعليك البلاغ والتعليمفعليه الصلاة والتسليم
كان في الله أثبت الناس جاشاليس من غيره يخاف ويخشى
فبكفّ من الحصى فلّ جيشاوعيون العداة بالترب أعشى
فنجا المصطفى وخاب الظلومفعليه الصلاة والتسليم
قد سما قدره بغير تناهيوعلا جاهه على كلّ جاه
آخر بالتّقى عن الشرّ ناهيمن يطعه ينل ثواب الإله
وله عنده النعيم المقيمفعليه الصلاة والتسليم
عمدة الخلق للمفاخر حاويبحماه يلوذ كلّ وياوي
مبلغ المعتفي الذي هو ناويكيف يحصي ثناء أحمد راوي
وعليه أثنى الكتاب الحكيمفعليه الصلاة والتسليم
حسنه كالصباح بل هو أجلىوندى كفّه من الشهد أحلى
واعتلا قدره من السبع أعلىمدحه في الكتاب ما زال يتلى
فله الفخر والثناء العظيمفعليه الصلاة والتسليم
خصّه الله من رسول نبيّفي جميع الورى بقدر عليّ
وحباه منه بنور بهيّفهدى الخلق للصراط السّويّ
وصراط الهدى سويّ قويمفعليه الصلاة والتسليم
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع