من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
فتيان بن علي بن فتيان بن ثمال
الأسدي الخزيمي الدمشقي المعلم سألت بدمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، عند شروعي في إتمام هذا الكتاب، عمن بها من الشعراء وذوي الآداب، فذكر لي فتيان منهم فتيان، معلم الصبيان، وهو ذو نظم كالعقود، وشعر كمجاج العنقود، ومعنى أرق واصفى من معين العذب البرود، ولفظ أنمق وأشهى من وشي البرود. وأنفذ إلي مسودات من شعره ونفاثات من سحره، فكتبت منها ما يروق الأسماع، ويشوق الطباع. فمن ذلك:
نَوْحُ الحَمامِ الوُرْقِ في أَوْراقِهادَلَّ أَخا الشوق على أَشواقِها
فأَظهَر الدَّمْعَ وأَخفى زَفْرةًخاف على الباناتِ من إِحراقها
لو بَكتِ الوُرْقُ ببعض دَمْعِهلامَّحَتِ الأَطواقُ من أَعناقها
فاعْجَبْ لها شاكيةً باكيةًلم تَسْلُك الدُّموعُ في آماقها
ما أَفْرقَتْ مُهْجَته من الجوىلكنه أَشْفى على فِراقها
دضعِ العُرَيْبَ والنَّقا وزينباًتجذِب لِلْبَين بُرى نِياقها
وَعُجْ على دمشق تُلْفِ بلدةًكأَنما الجنّات من رُسْتاقِها
سقى دمشقَ اللهُ غيثاً مُحْسِباًمن مُسْتَهِلّ ديمةٍ دفّاقِها
مدينة ليس يضاهى حُسْنُهافي سائر البلدان من آفاقها
تودّ زوراء العراق أَنّهامنها ولا تُعْزى إِلى عِراقها
أَهْدتْ لها يدُ الربيع حُلَّةًبديعةَ التَّفْويف من خَلاّقِها
بَنَفْسَجٌ مثل خُدودٍ أُدْمِيَتْبالقَرْص والتَّجْميش من عُشّاقِها
ونَرْجِسٌ أَحداقه رانِيةٌعَنْ مُقَلِ الغِيد وعن أَحداقها
تَنَزَّل المَنْثُورُ من رياضهاتَنَزُّلَ الأَعلام من شِقاقها
فأَرضُها مِثلُ السماء بَهْجةًوزَهْرها كالزَّهْر في إِشْراقها
مياهُها تجري خِلال رَوْضهاجَرْيَ الثعابين لَدى اسْتِباقها
مُسْفِرةٌ أَنهارها ضاحِكةتنطلِق الوُجوه لانطِلاقها
نسيمُ ريّا رَوْضها متى سَرىفَكّ أَخا الهموم من وَثاقها
قد رَبَع الرَّبيع من رُبوعهاوسيقت المُنى إِلى أَسواقها
لا تَسْأَمُ العُيون والأُنوف منرؤيتها يوماً ولا استنشاقها
فكم بها من شادنٍ تَحْسُدهُلِحُسنه البدور في اتساقها
كأَنّما رُضابُه الصهباءُ بلْمَذاقه أَطيبُ من مَذاقها
وَمِنْ بدورٍ في الخدور لم تَزَلْكواملاً لم تَدْنُ من محاقها
فأَيُّ أُنْسٍ ثَمَّ لم تلاقِهوأَيَّةُ الراحات لم تلاقها
بعدل فخر الدين قَرَّ أَهلُهاعيناً وزاد الله في أَرزاقها
زوَّجَها الأَمْنَ، وناهيك بهبَعْلاً، فطيبُ العَيْش من صَداقها
فأَقسَمَتْ لا نَشَزَتْ عنه وقدأَقسم لا مال إِلى طَلاقها
ومنها:
ليس لفخر الدين ندٌّ في الوَغىإِذا الحروب شمرت عن ساقها
تهابُه الأُسود في آجامهاوَحَيَّةُ الوادي لَدى إِطراقها
ويخضِب السُّيوفَ باصطباحهامن عَلَق النَّجيع واغتباقها
كأَنما أَعداؤه أَحبّةٌيشتاق في الحرب إِلى اعتناقها
والخيلُ لا تقتحم الموت إذادارت رَحى الحرب سوى عِتاقِها
سَحَّتْ بجَدْواه سَحاب كَفِّهفخافت العُفاة من إِغراقها
عليه من حُسنِ الثناء حُلَّةٌقَشيبةٌ لم يَخْشَ من إِخلاقها
ومنها:
أَمضى حسامٍ عقدته الدَّوْلة النّورية الغَرّاء في نِطاقها
أَرسل نور الدين منها شُهُباًعلى العِجى لم يثن من إِحراقها
وقال:
رُوَيْدك كم تَجْني وكم تَتَدَلَّلُعَلَيّ وكم أُغْضي وكم أَتَذَلَّلُ
لَزِمْتَ مَلالاً ما تَمَلُّ لُزومَهفقلبي على جَمْر الغَضا يتَمَلْمَل
وَوَكَّلْتَني بالليل أَرعى نجومَهوأَنت بطول الصَدّ عني مُوَكَّل
ولا غَرْوَ إِن جادت جفوني بمائهاإِذا كان مَنْ أهواه بالوَصل يبخل
وقد صار هذا السُّخْط منك سَجِيَّةًفَليْتَكَ يَوْماً بالرِّضا تتجَمَّلُ
فكُنْ سالكاً حُكمَ الزمان فإِنهيجورُ مِراراً ثم يَحْنُو فيَعْدل
وقد كان حُسْنُ الصَّبْر من قبلُ ناصريفإِن دام ذا الإِعراض عني سَيَخْذُل
وأَحْزَمُ خلق الله رأْياً فتىً إِذانبا منزِلٌ يوماً به يتحوَّل
فكم ملَّ منّي عائدي ومَلَلْتُهوعاصيت في حُبِّيك من كان يعذِلُ
وأَيّامُنا تُطْوى ولا وَصْلَ بينناوتُنْشَر والهِجران لا يَتَزَبَّلُ
أَرى الحُسْنَ قد ولَّى عِذارك دَوْلَةًولكنه عمّا قليلٍ سيُعْزل
فأَحْسِن بنا ما كان ذلك ممكناًوأَجْمِل فقتلي عامداً ليس يَجْمُل
وقال:
ترنُّمُ الوُرْقِ على غصونهادَلَّ أَخا العِشق على شُجونها
فجاد بالدَّمْع مَعين جفنِهودَمْعُها لم يَبْدُ من عيونها
دعْ عنك لَوْمَ عاشقٍ أَضْلُعُهتحسّ حرَّ النّار في مضمونها
قد زاحم الوُرْقَ على رَنينهاوشارَك النِّياق في حنينها
وقد بكى شوقاً إِلى قرينهكما بكت شوْقاً إِلى قرينها
وليس يبكي فقدَ ليلى أَحَدٌفي عَرْصَةِ الدّار سوى مَجْنونها
أَفدي الذي تفعلُ بي جُفونهفِعْل الظُّبا تُسَلُّ من جُفونها
ما ضَرَّه لو أَصْبحت أَخلاقهكَقَدِّه تُسعفني بلينها
وقال، مما يكتب على خريطة:
يا حاملي لا رأَيتَ الدهر إِقلالاوزادَك الله توفيقاً وإِقبالا
أَعطاك رَبُّك أَموالاً تنالُ بهابين الوَرى من جميل الذِّكر آمالا
الرزقُ يأْتيك والأَعمارُ ذاهبةٌأَنْفِق ولا تَخْش من ذي العرش إِقْلالا
وقال من قصيدة:
وَمِيضَ بَرْقٍ أَرى في فيك أَمْ شَنَباوهل رَشَفْتُ رُضاباً منه أَمْ ضَربَا
أَفْدي الذي ما أَبى باللَّحظِ سَفْكَ دميلكن متى ما طلبْتُ العَطْف منه أَبى
ظَبْيٌ من الترك أَصْمَتْني لواحِظُهوأَسهم الترك إِن أَصْمَتْ فلا عجبا
يبدو بضِدَّيْن في خدَّيْه قد جُمِعاماء الشباب ونار الحسن فاصْطحَبا
فذلك الماء أَبكى ناظريَّ دماًوذلك الجَمْرُ أَذْكى في الحَشا لَهَبا
شكا فؤاديَ مِنْ عِبْءِ الهوى تعباًكما شكا خصْرُه من رِدْفِه تَعبا
يَهُزُّ أَعْطافَه دَلُّ الصِّبا فترىغُصْناً من البان يثنيه النسيمُ صَبا
يا مُطْلِعَ البدر فوقَ الغُصْن معتدلاًيلوح ما بَيْنَ شُرْبوشٍ وطَوْقِ قَبا
إِعْدِل فإِن رُسومَ الجَوْر قد دَرَسَتْمُذْ صار فينا مَكينُ الدّين مُحْتَسِبا
ثم سمع فتيان أنني أثبت شعره، وأجريت في الفضلاء ذكره، فقصدني بقصيدته وحضر عندي لزفاف خريدته، وسألني إثباتها في ديوان الفضل وجريدته، فحليته بفريدته. وذلك مما أنشدني لنفسه يمدحني به:
نَعَشْتَ قوماً وكانوا قبْلُ قد دَثَروالولا عُلاك، فطاب الوِرْدُ والصَّدَرُ
أَحْيَيْتَ شعرهُمُ من بعد مِيتَتهقِدْماً، وقد شعروا قِدْماً وما شَعُروا
أٌقسمتُ ما رَوْضةٌ مُخضرَّةٌ أُنُفٌبانَتْ تَسُحّ على أَقطارها القُطُر
ذُبابُها هَزِجٌ، نُوّارُها أَرِجٌنباتُها بَهِجٌ مُسْتَحْسَنٌ عَطِر
كأَنَّ فاراتِ مِسْكٍ وَسْطها فُرِيَتْفَنَشْرُها بأَماني النفسِ مُنْتَشِر
شَقّ النسيم على رِفْقٍ شقائقهافضُرِّجَتْ بدمٍ لكنه هَدَرُ
قَثْب الزَّبَرْجَد منها حُمّلتْ صَدَفَ الياقوت، فيها فتيتُ المِسْك لادُرَر
أَحداق نَرْجِسها ترنو فأَدمُعُهافيها تَرَقْرَقُ أَحياناً وتَنْحَدِر
وللأَقاصي ثُغورُ الغِيد باسمةسيكت بإٍسْحَلَةٍ أَنيابُها الأُشُرُ
تُريكَ حُسنَ سَماءٍ وهي مُصْحِيةٌوالأَنْجُم الزُّهر فيها ذلك الزَهَرُ
تبدو بها طُرَرٌ من تحتها غُرَرٌيا حَبَّذا طُرَرُ الأَزْهارِ والغُرَرُ
يوماً بأَحسنَ مِنْ خَطّ العماد إِذاأَقلامُه نُشِرَتْ عن حِبْرِها الحِبَرُ
ولا العُقودُ بأَجيادِ العَقائل كالدُّمى فَمُنْتَظِمٌ منها ومنتثِر
على ترائب كافورٍ تُزَيِّنُهاحِقاق عاج عليها عاجَتِ الفِكَر
تلك اللآلي تَروقُ النّاظرين فمايَسُومها سأَماً مِن حسنِها النظر
يوماً بأَحسنَ من نظم العِماد ولامن نثره، فبه ذا العصرُ يفتخر
أَضحت صِعاب المعالي عنده ذُلُلاًتحوي دقائقَها من لفظه الدُّرَرُ
كأَنما لفظُه السِّحر الحَلال أَو الماء الزُّلال النَّقاخُ الطيِّب الخَصِر
شِيبَتْ به قَهْوَةٌ حمراءُ صافيةٌعُصارُها غَبَرَتْ من دونه العُصُر
ولا السحائب بالأَنداء صائبةًفَجَوْدُها غَدِق الشُؤْبُوبِ مُنْهَمِر
حتى إِذا انقشعت من بعد ما هَمَعَتْأَثْنى عليها نباتُ الأَرض والشَّجَر
يوماً بأَغْزَر من كَفِّ العماد ندىًفكلُّ أَنْملةٍ من كَفِّه نَهَر
فلِلغمائم تقطيبٌ إِذا انْبَجَستوبِشْرُه دونه عند النَّدى القمر
ما ابن العميد ولا عبد الحميد ولا الصابي بأَحسَن ذِكْراً منه إِنْ ذُكِروا
ولو يناظره في الفقه أَسعدُ لميَسْعَد، وأَحْصَره عن نُطْقِه الحَصَر
هذا ومَحْتِده ما إِن يساجِلْهخَلْقٌ إِذا الصِّيدُ في نادي العلى افتخروا
أَصِخْ محمَّدُ إِني جشدُّ معتذِرٍإِنّ المقصِّر فيما قال يعتذر
يا ابن الكِرام الأُلى سارتْ مكارمُهمحتى تعجَّبَ منها البَدْوُ والحَضَر
راووق حِلْمِك فيها أَنت تسمعهيُبدي الجميلَ وفيه العيب يستتر
وأنشدني لنفسه في غلام شواء:
أَنا في الهوى لحمٌ على وَضَمٍ لِماعايَنْتُ من بَرْحٍ ومن بُرَحاءِ
بِمُشَمِّرٍ عن مِعْصَمَيْه مُزَنَّرٍيهتَزُّ بَيْنَ التِّيه والخُيَلاء
غَمِر اللِّباس، متى بدا لك وَجْهُهأَبصرتَ فوق الأَرض بَدْرَ سماء
ما مَدَّ مُدْيَتَه لِقَطْع شِوائِهإِلاّ أَرانا أَعجَبَ الأَشياء
ظَبْيٌ لواحِظُه أَشَدُّ مواقِعاًمِنْ شَفرةٍ بيدَيْه في الأَحْشاء
يَسْطو على ما ليس يَعْقِل مثلمايسطو بمُدْيَته على العُقلاء
فاعْجَبْ لِشوّاءٍ فَعالُ جُفونهفي الناس ضِعْفُ فعال بالشاء
وأنشدني أيضاً لنفسه:
اقْدَحْ زِنادَ السُّرورِ بالقَدَحِوالمَحْ به ما تشاء من مُلَحِ
صَهْباء قُلْ للّذي تَجَنَّبَهاصَهْ، باءَ بالهَمِّ تاركُ الفَرَحِ
وأنشدني لنفسه:
وشادنٍ، صِبْغةُ شُرْبُوشِهفي لَوْنها والفِعل، كاللَّهْذَمِ
مُعْتَقِلٌ من قَدِّه ذابلاًولَحْظُه أَمضى من المِخْذَم
بلا غَرْوَ أَنْ راحَ ومَلْبُوسُهكأَنَّما أصدَرَهُ عن دمي
كأَنَّهُ بدرٌ تَجلّى لنامن شَفَقٍ أَحمرَ كالعَنْدَم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع