من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو حمزة عمارة بن أبي الحسن اليمنى
من أهل الجبال، ونزل زبيد وتفقه بها، وهو من تهامة باليمن من مدينة يقال لها مرطان، من وادي وساع، وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً، من قحطان من أولاد الحكم بن سعد العشيرة، وجد أبيه زيدان بن أحمد كان ذا قدرة على النظم الحسن، وبلاغة في اللجهة واللسن، وشعره كثير، وعلمه غزير، ذكر لي أنه وفد إلى مصر في زمان المعروف بالفائز، وأقام بها إلى أن نكب فعطب وهو بمرامه فائز، أمر بصلبه في القاهرة الملك الناصر صلاح الدين في شعبان أو رمضان سنة تسع وستين في جملة الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه، حتى يجلسوا ولداً للعاضد، وكانوا أدخلوا معهم رجلاً من الأجناد ليس من أهل مصر، فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكرا، فقطع الطريق على عمر عمارة، وأعيض بخرابه عن العمارة.
ووقعت اتفاقات عجيبة في قتله.
فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا أنه يقول فيها:
قد كان أَوَّلُ هذا الدين من رَجُلٍسعى إِلى أَن دَعَوْهُ سَيِّدَ الأُمَمِ
ويجوز أن يكون هذا البيت معمولاً عليه، فأفتى فقهاء مصر بقتله وحرضوا السلطان على المثلة بمثله.
ومنها أنه كان في النوبة التي لا تقال عثرتها ولا يحترم الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها.
ومنها أنه كان قد هجا أميراً كبيراً فعد ذلك من كبائره، وجر عليه الردى في جرائره.
وعمل فيه تاج الدين الكندي أبو اليمن بعد صلبه:
عُمارة في الإِسلامِ أَبدى خِيانةًوبايع فيها بِيعَةً وصَليبا
وأَمسى شَريك الشِّرْك في بُغْضِ أَحمدٍفأَصبحَ في حُبِّ الصَّليب صليبا
وكان خَبيثَ المُلتْقى، إِن عَجَمْتَهتَجِدْ منه عُوداً في النفِّاق صَلِيبا
سَيَلْقى غَداً ما كان يسعى لأجلهويُسْقى صَديداً في لظىً وصَليبا
فمن شعر عمارة ما أنشدنيه الأمير المفضل نجم الدين أبو محمد بن مصال ببعلبك في شهر رمضان سنة سبعين:
لو أَن قَلْبي يوم كاظمةٍ معيلَمَلكتهُ وكظَمتُ فيض الأَدْمُع
قلبٌ كفاك من الصَّبابة أَنَّهلبّى نِداءَ الظّاعنين وما دُعي
ما القلبُ أَوَّلَ غادرٍ فأَلومَهُهي شِيمةُ الأَيّام قد خُلِقَت معي
ومن الظُّنون الفاسدات تَوَهُّميبعد اليقين بقاءَه في أَضْلُعي
وأنشدني أيضاً لعمارة اليمني من قصيدة:
مَلِكٌ إِذا قابَلْتُ بِشْرَ جَبينهفارقْتُه والبِشْرُ فوق جَبيني
وإِذا لثمتُ يَمينَه وخرجتُ منإِبوانه لَثَمَ الملوكُ يميني
ووجدت له بعد موته قصائد يرثي بها أهل القصر فمن جملتها قصيدة أولها:
رَمَيْتَ يا دهرُ كَفَّ الْمجد بالشَّلَلِوجِيدَه بعد طُول الْحَلْي بالعَطَلِ
وأنشدني الأمير العضد أبو الفوارس مرهف بن الأمير أسامة بن مرشد بن منقذ من قصيدة له في فخر الدين شمس الدولة تورانشاه بمصر عند توجهه إلى اليمن، قال: أنشدها وأنا حاضر
ما عَنْ هَوى الرَّشإِ العُذْرِيِّ إعذارُلم يَبْقَ لي مُذْ أَقَرَّ الدَّمْعُ إِنكارُ
لي في القُدود وفي لَثْم الخُدود وفيضَمِّ النُّهود لبُاناتٌ وأَوطارُ
هذا اختياري فوافِقْ إِنْ رضيتَ بهأَوْ لا فدعني وما أَهْوى وأَختارُ
وخَلِّ عَذْلي ففي داري ودائرتيمن المَها دُرَّةٌ قلبي لها دارُ
لاعَتْبُها من سَموم الْغيظ مُعتصَرٌولا عِتابي لها إِن هَبَّ إِعصارُ
ويقول فيها بعد المدح:
فابْخَلْ بِمَعْدِن هذا الدُّرِّ وهو فميفالبخلُ بي كرمٌ مَحْضٌ وإِيثارُ
فكم لمجدك عندي من مُحَبَّرةسيّارةٍ، وحديثُ المجد سيّارُ
ومنها:
دَعْوى شُهودي عليها غيرُ غائبةٍوالقابضونَ أُلوفَ المال حُضّارُ
وأنشدني لعمارة أيضاً في الملك المعظم شمس الدولة:
ملك أُوَ حّدُ مجده ولو أنَّنيثَنَّيْتُه ثنَّيتُ في التوحيدِ
أُثْني عليه فلا أُردِّدُ مَدْحَهونداه مجبول على التَّرْديد
عن كلِّ بيتٍ بيتُ مالٍ حاضرٌإِذ كلّ بيت منه بيت قصيد
وأنشدني له أيضاً من قصيدة في صلاح الدين:
وما فِكْرةُ الإِنسان إِلاّ ذُبالةٌتُضيءُ ولكن نورها بالْهَوى يَخْبو
وله في مصلوب بمصر يقال له طرخان كأنه وصف حاله وما إليه آل أمره من الصلب:
أَراد عُلُوَّ مَرْتَبةٍ وقَدْرٍفأَصبح فوق جِذْعٍ وهو عالِ
ومَدَّ على صَلِيب الجِذْع منهيَميناً لا تَطُول إلى الشِّمالِ
ونَكَّس رأْسَه لِعتابِ قلْبٍدعاه إِلى الْغَواية والضَّلالِ
وله في الصالح بن رزيك:
ولو لم يكنْ أَدْرى بما جَهِل الْوَرىمن الفضل لم تَنْفُقُ عليه الفضائِلُ
لَئِنْ كان مِنّا قاب قَوْسٍ فبَيْننافَراسِخُ من إِجلاله ومَراحِلُ
وقوله في هذا المعنى:
أَزال حِجابَه عَنّي وعَيْنيتراهُ من الْجَلالة في حِجابِ
وقَرَّبَني تَفَضُّله ولكنْبَعُدْت مَهابةً عند اقترابي
وله في قوم شهروا على الجمال ودخل بهم إلى البلد وهم أسراء:
تَسَنَّموا إِبلاً تَتْلو قلائِعهميا عِزَّة السَّرْج ذُوقي ذِلَّة الْقَتَبِ
ومما أورده في مصنفه من شعره قوله في مبتدإ وصوله إلى مصر رسولاً من مكة في ربيع الأول سنة خمسين في زمان الفائز المصري:
الحمدُ لِلْعيس بعد الْعَزم والهِمَمحَمْداً يقوم بما أَوْلَتْ مِن النِّعَمِ
لا أَجْحَد الحقَّ عِندي للرِّكاب يدٌتَمَنَّتِ الُّلجْم منها رُتبةَ الخُطُم
قَرَّبْنَ بُعدَ مَزارِ العِزِّ من نظريحتى رأَيتُ إِمام العصر مِنْ أَمَمِ
ورُحتُ من كعبة البَطْحاءِ والحَرَمِوَفْداً إِلى كَعبةِ المعروف والكرم
فهل درى البيتُ أَنّي بعد فُرْقَتِهما سِرْتُ من حَرمٍ إِلاّ إِلى حرم
ومنها:
أَرى مقاماً عظيم الشَّأن أَوْهَمنيمِنْ يقْظتي أَنّها من جُملة الحُلُمِ
يومٌ من العمر لم يَخْطُر عَلى أَمليولا تَرَقَّتْ إِليه رغبةُ الهِممِ
ما خوذ من قول أبي تمام، فلا ترقت إليه همة النوب
ليتَ الكواكب تدنو لي فأَنِظمَهاعُقودَ مَدْحٍ فما أَرضَى لكم كَلِمي
ومن مدائحه في الصالح بن رزيك قوله من قصيدة:
دَعُوا كلَّ بَرْقٍ شِمْتُمُ غيرَ بارقٍيلوحُ عَلَى الفِسُطْاط صادِقُ بِشْرِه
وزُورُوا المَقامَ الصّالحِيَّ فكلُّ منعَلَى الأَرض يُنسى ذِكْرُه عند ذكرهِ
ولا تجعلوا مقصودَكم طلبَ الغِنىفَتَجْنُوا عَلَى مَجْدِ المَقام وفَخْرهِ
ولكن سَلُوا منه العُلَى تظفروا بهافكلُّ امرىءٍ يُرجى على قَدْر قَدْرهِ
وقوله فيه:
إِن تسأَلا عمّا لقيتُ فإِننيّلا مخفقٌ أَملي ولا كذّابُ
لم أَنتجع ثَمدَ النِّطاف ولم أَقفبِمَذانبٍ وقفتْ بها الأذناب
لكن وردتُ قَرارة العِزّ التيتَغدو عبيداً عندها الأَرباب
عَثَرَتْ به قَدَمُ الثَّناء فلالَعاًإِن لم تُقِلْها رِفعةٌ وثوابُ
وقوله مودعاً ليعود إلى مكة:
مَنْ لي بأَن تَردِ الحجاز وغيرَهاأَخبارُ طِيبِ مَواردي ومَصادري
زارتْ بيَ الآمالُ أَكرمَ ساحةٍفوق الثَّرى فغَدوْتُ أَكرم زائر
ووَفَدْتُ أَلتمِسُ الكرامةَ والغنِىفرَجَعتُ من كلٍ ّبحظٍ ّوافر
فكأَنَّ مكةَ قال صادِقُ فألهاسافِرْ تَعُدْ نحوي بوجهٍ سافرِ
وقوله أيضاً:
لازَمْتُ خِدمتَه فأَدَّب خاطريفالمدحُ من إحسانه مَعْدودُ
فإِذا نَظَمْتُ له المديحَ فإِنّماأُهدي بِضاعتَه له وأُعيدُ
كم ضَمَّ فائدةَ النُّهَى ليَ واللُّهَىفغدوْتُ مّما قد أَفاد أُفيدُ
فَلأُشْعِرَنَّ بها مَشاعِرَ مَكّةٍولَتَسْمَعَنْ عَدَنٌ بها وزَبيدُ
صَدَرٌ حَمِدتُ به الوُرود وإِنّماذُمَّت به عندي المَطايا الْقُودُ
وقوله، بعد رحيله، فيه وقد كتب على يده إلى صاحب عدن فأسقط عنه بها مالاً كثيراً فكتب إليه من عدن:
لقد غمرتْني مِنْ نَداه مِواهبٌأضافتْ إِلى عِزِّ الغِنَى شَرَفَ القدْرِ
قصدتُ الْجنابَ الصّالحيَّ تفاؤلاًوقد فَسَدت حالي فأَصلحني دهري
ولم يَرْضَ لي معروفَه دون جاههفَسَيَّر كُتْباً كالكتائب في أَمري
كأَنّ يدي في جانَبْي عَدَنٍ بهاتَهُزُّ على الأَيام أَلويةَ النَّصر
وما فارقتنْي نعمةٌ صالحيَّةٌكانّيَ من مِصْرٍ رحلتُ إِلى مصر
وعاد إلى مصر في سنة اثنتين وخمسين وقد سعي به إلى الصالح ابن رزيك في أمر فقال فيه من قصيدة يستعطفه:
فاعلمْ وأَنت بما أُريد مَقالهمنّي ومن كلّ البريّة أَعلمُ
أَنّي حُسِدْت عَلى كرامتِك التيمن أَجلها في كلِّ أَرضٍ أُكْرَمُ
وبدون ما أَسديتَه من نعمةٍسَدَّى الرِّجالُ الحاسِدون وأَلحموا
إِن كان ما قالوا وليس بكائنٍفأَنا امْرُؤٌ مّمن سعى بيَ أَلأَمُ
ومنها:
راجِعْ جميل الرَّأْي فيَّ بِنَظْرَةٍتُضْحي عواطفُها تَسُحُّ وتَسْجُمُ
فالليلُ إن أَقبلتَ صُبْحٌ مُسفِرٌوالصُّبحُ إن أَعرضتَ ليلٌ مُظلمُ
بَدأَتْ صنائعُك الجميلَ ومثلُهابِأَجَلَّ من تلكَ البِداية تَخْتِمُ
ومن مراثيه فيه قوله:
أَفي أَهل ذا النّادي عليمٌ أُسائلُهْفإِنّي لما بي ذاهبُ العقلِ ذاهلُهْ
سمعتُ حديثاً أَحْسُد الصُمَّ عندهُويذهَل واعيه ويَخْرَس قائلُهْ
فقد رابني من شاهدِ الحالِ أَنّنيأَرى الدَّسْتَ مَنصوباً وما فيهِ كافلُهْ
وأَنّي أَرى فوقَ الوُجوهِ كآبةًتَدُلُّ عَلَى أَنَّ الوجوهَ ثواكلهْ
دَعُوني فما هذا أَوانُ بُكائِهسَيأْتيكُمُ طَلُّ البُكاء ووابلهْ
ولِمْ لا نُبَكّيه ونَنْدُب فَقْدَهُوأَولادُنا أَيتامهُ وأَراملهْ
فيا ليتَ شِعري بعد حُسْنِ فعالهوقد غاب عنّا ما بِنا الدهرُ فاعلهْ
أَيُكْرَمُ مثوى ضَيْفِكمْ وغرِيبكمْفيَسْكُنَ أَمْ تُطوى بِبَيْنٍ مراحلهْ
ومنها قوله:
تَنَكَّدَ بعد الصّالح الدَّهرُ فاغتدتْمَحاسِنُ أَيّامي وهُنَّ عُيوبُ
أَيُجْدِبِ خَدّي من رَبيع مَدامعيورَبْعيَ من نُعْمى يَدَيْهِ خَصيبُ
ومن مراثيه أيضاً قوله:
طَمَعُ المَرْءِ في الحياة غرورُوطويلُ الآمال فيها قصيرُ
وَلكَمْ قَدَّرَ الفتى فأَتتهنُوَبٌ لم يُحِط بها التقَّديرُ
ومنها:
ما تَخَطّى إِلى جلالك إِلاّقَدَرٌ أَمرُه علينا قديرُ
يا أَمير الجيوش عندك عِلْمٌأَنَّ حَرَّ الأَسى علينا أَميرُ
إِنَّ قبراً حلَلْتَه لَغَنِيٌّإِنَّ دهراً فارقتهَ لفقيرُ
وبعيدٌ عنك السُّلُوُّ بشيءٍولك الفكرُ مَوْطنٌ والضميرُ
ومن ذلك أيضاً وقد نقل تابوته من دار الوزارة إلى القرافة:
خَرِبتْ رُبوعُ المَكْرُمات لِراحلٍعَمَرَتْ به الأَجداثُ وهي قِفارُ
نَعش الجُدود العاثرات مُشَيَّعٌعَمِيَتْ بِرؤُية نَعْشِه الأَبْصارُ
شَخَصَ الأَنامُ إِليه تحتَ جَنازَةٍخُفِضت برِفعة قدرِها الأَقدارُ
فكأَنَّها تابوتُ مُوسى أُودِعتفي جانِبَيْهِ سَكينةٌ ووقارُ
وتغايَرَ الهَرَمانِ والحَرَمان فيفي تابوتِه وعَلى الكريم يُغارُ
غَضِب الإِله عَلَى رجالٍ أَقدمواجَهلاً عليه وآخرين أَشاروا
لا تَعْجَبا لِقُدار ناقةِ صالحٍفلكلِّ عصرٍ صالِحٌ وقُدارُ
أُحِللْتَ دارَ كَرامةٍ لا تنقضيأَبداً وحَلَّ بقاتليك بَوارُ
ومن شعره في ولد الصالح رزيك يسترضيه:
مَوْلايَ دعوة خادمٍأَهملتَه بعد احتفالِكْ
إِن كان عن سببٍ فلايَذهَبْ بِحِلْمك واحتمالكْ
أَو كان عن مَلَلٍ فمايخشى وَلِيُّكَ من مَلالكْ
إِن خفتُ دهري بعدماأَعلقتُ حبلي في حبالك
ومدحتُك المَدْح الذيعَبَّرْتُ فيه عن فَعالكْ
فالجوُّ مسدود الهواوالأَرضُ ضَيّقة المسالك
وقوله في مدحهم:
إِذا نَزَلتْ أَبناءُ رُزِّيك مَنْزِلاًتَبَسَّم عن ثَغْر النَّباهة خاملُهْ
وخَيَّم في أَرجائِه المجدُ والعُلىوَجاذَبه طَلُّ السماح ووابلهْ
ملوكُ لهم فضلٌ بأَبلجَ منهمُمَحافلُه تُزْهى به وجَحافُلهْ
تُزَرُّ على اللَّيْثِ الغَضَنْفَر دِرْعهُوتُلْوى عَلى الطَّوْد المُنيف حمائِلُهْ
تفَيضُ علينا كلَّ يومٍ وليلةٍبلا سببٍ أَفضالُه وفضائِلهْ
يُثيبُ عَلَى أَقوالنا مُتبرِّعاًعَلَى أَنَّها من بعض ما هو قائِلهْ
وقوله في أخي الصالح، وهو بدر بن رزيك، وقد أعطاه مهراً:
بعثتَ بِطِرْفٍ يَسِبُقُ الطَّرْفَ عَفْوُهوتَغْدو الرِّياح الهوج من خَلْفِه حَسْرى
حَكى الْوَردَ والياقوتَ حُسناً وحُمرةًوتاه فلم يَرْض العَقيق ولا الْجَمرا
وأَرسلتُه في الحُسنِ وِتْراً كأَنَّنيأُطالب عند النّائِبات به وَتْرا
نَذَرْتُ رُكوبَ البَرْقِ قبلَ وصولهفَوَفَّيْتُ لمّا جاءَني ذلك النَّذْرا
زفقتُ القوافي في عُلاك عرائساًفساق لها الإِحسانُ في مَهرها مُهرا
وقوله من قصيدة في بعض الأكابر من آل رزيك أولها:
تَيَقَّنُوا أَنّ قلبي مِنْهُم يَجِبُفاستعذَبوا من عَذابي فوق ما يجبُ
وأَعْرضوا ووُجوهُ الودِّ مُقبِلَةٌوللمُكَلَّف قلبٌ ليس ينقَلِبُ
ولو قَدَرْتُ لأَسلاني عُقُوقُهمُوَكم عُقوقٍ سَلَت أُمٌّ به وأَبُ
إِنْ لم يكن ذلك الإِعراضُ عن مَلَلٍفسوف تُرْضيهم العُتْبى إِذا عَتبِوا
وإِنْ تكدَّر صافٍ من مَوَدَّتهمْفالشمسُ تُشْرقُ أَحياناً وتَحتجب
وقوله في حسام من قصيدة:
أَنسيمُ عَرْفكِ أَم شَميمُ عَرارِوسَقيمُ طَرْفكِ أَم صَفيحُ غِرارِ
جادتْ مَحَلَّكَ بالغَميم غَمامةٌتَحْكي بوادِر دَمعيَ المِدْرارِ
لا تَبْعثي طَيْفَ الخيالِ مُذَكِّراًفهواكِ يُغْنِيني عن التَّذْكارِ
ومنها في المديح:
مَلِكٌ إِذا ما عِيبَ عِيبَ بأَنهُعارِي المَناكِب من ثِياب العار
قَصَدَتْه من حُسْنِ الثَّناءِ قَصائِدٌرَكبتْ إِلى التَّيّار في التَّيّار
قد قلتُ إِذ قالوا أَجدتَ مديحَهُشُكْرُ الرِّياض يَقِلُّ للأَمطار
مُختارُ قَيْسٍ حاز مُختار الثَّناما أَحسن المُخْتار في المختار
وقوله من قصيدة في الكامل بن شاور:
إِذا لم يُسالِمْك الزَّمانُ فحارِبِوباعدْ إِذا لم تنتفعْ بالأَقاربِ
ولا تحتقِرْ كَيْداً ضَعيفاً فَرُبَّماتموتُ الأَفاعي من سُمومِ العقارب
فقد هَدَّ قِدْماً عرشَ بلقيسَ هَدْهُدٌوأَخْرَبَ فأْرٌ قبلَ ذا سَدَّ مَأْرِبِ
إِذا كان رأْس المال عُمْرك فاحْتَرِزْعليه من الإِنفاق في غيرِ واجب
فَبيْنَ اختلاف اللَّيْلِ والصُّبْحِ مَعْرَكٌيَكُرُّ علينا جيشُه بالعجائب
وما راعني غَدْرُ الشَّباب لأَنَّنيأَنِسْتُ بهذا الخُلْق من كُلِّ صاحب
وغَدْرُ الفتى في عَهْدِه ووفائِهوغدرُ المَواضي في نُبُوِّ المَضارب
ومنها:
إِذا كان هذا الدُّرُّ مَعْدِنُه فَمِيفَصُونوه عن تَقْبيلِ راحةِ واهبِ
رأَيتُ رجالاً أَصبحوا في مآدِبلَدَيْكُمْ وحالي وحْدَها في نَوادِب
تأَخَّرتُ لمّا قَدَّمَتْهُمْ عُلاكُمُعليّ وتأْبى الأُسْدُ سَبْقَ الثَّعالب
وقوله فيه:
وَسَمْتَ بنُعْماك الرِّقابَ تَبَرُّعاًوأَجيادُ شِعري ما عليهنَّ مِيسَمُ
وأُنْسِيتنَي حتى وقفْتُ مُذّكِّراًبنفسي وُقوفاً حَقُّه لك يَلْزَمُ
وألغَيْتني حتى رأَيتُ غَنيمةًدخولي مع الجَمِّ الغفير أُسَلِّمُ
كأَنّيَ لم أَخْدُمْكُمُ في مَواطنٍأُصرِّح فيها والرّجال تُجَمْجِمُ
ولم أَغْشَ هذا البابَ قبلُ ولم تكنتُضايقني فيه الرِّجال وتَزْحَمُ
كذبْتُ عَلى نفسي إِذا قمتُ شاكراًوليس لسانُ الحال عنّي يُتَرْجِمُ
وقالوا تجمَّلْ لا تُخِلَّ بِعادةٍعُرِفْتَ بها فالصبرُ أَولى وأَحزمُ
وهل بعد عَبّادان يُعْلَمُ قَرْيَةٌكما قيل أَو مِثلُ ابن شاوَر يُعْلَمُ
وقوله:
مضى بَدْرٌ فأَغْنى عنه طيٌّبما أَولى من الكَرَم الجزيلِ
وقِدْماً كنتُ أَمدحُ للعطايافقد أَصبحتُ أَمدح للسَّبيل
لقد طَلَعتْ علَيَّ الشمسُ لمّاعَدِمْتُ وقِايةَ الظِّلِّ الظَّليل
وقوله في أخي شاور:
أَتَيْتُ إِلى بابك المُرْتَجىفأَلفيتُه مغلقاً مُرْتَجا
فقلتُ لِبوّابه سائِلاًأَيُغْلَق بابُ النَّدى والحِجى
فقال أَراك كثيرَ الكلاموعندي من الرأْي أَن تَخْرُجا
وإِلاّ نَتَفْتُ سِبالَ المديحوأَتبعتُها بِسبال الهِجا
وقوله فيه وكان بمنية غمر، فركب إليه في البحر:
ولمّا دَنا عالي رِكابِك هَزَّنيإِليك اشتياقٌ ضاع في جَنْبه صَبري
وحين رأَيتُ البَرَّ وَعْراً طريقُهُركبتُ أَخاك البحرَ شَوْقاً إِلى البحر
وما أَنا بالمجهول عِلْمُ مَسيرهإِليك ولا الخافي حديثي ولا ذِكري
ولا أَنتَ ممَّن يُرْتَجى لِسوى الغنِىولا أَنا من أَهلِ الضَّرورة والفقر
سيسَأَلنُي عندَ القُدوم جماعةٌمن النّاس عمّا ذا لقيتُ من الأَمر
ولا بُدَّ أَن يجري الحديثُ بذكر مافعلتَ معي فاختر بنا أَشرف الذِّكر
ومَنْ ينتجِعْ أَرضَ العراق وَجِلَّقٍفمُنْيَةُ غَمْرٍ مركزُ الكرم الغَمْر
وقوله في بعض الأمراء يطلب عمامة:
رأَيتكُ في المَنام بَعَثْتَ نَحويبحامِلة الْحَيا وهي الْغَمامهْ
فأَوَّلْتُ الحَيا بحَياك منّيوصَحَّفتُ الغَمامة بالعِمامهْ
فأَنْفِذْ لي بأَطولَ من حِسابيإِذا أُحْضِرْتُ في يوم القيامهْ
ومنها:
كأَنَّ بياضَها وَجْهٌ نَقِيٌّوحُسْنُ الرَّقْم فوق الخَدِّ شامهْ
ولا تبعثْ بقيمتها فإِنّيأَراه من التكلُّف والغرامهْ
وليس القَصْدُ إِلاَّ تاج فخرٍيُطَوِّل قامةً ويَصُون هامهْ
وما هذا المديحُ سوى أَذانٍفقل لِنَداك حَيَّ عَلَى الإِقامهْ
وقوله من قصيدة في بعضهم:
خُذْ يا زَمانُ أَماناً من يَديْ أَمليلا رَوَّعتْ سِرْبَك الأَطماع مِنْ قِبَلي
ولا مَددْتُ إِلى أَيدي بَنيك يَديإِذاً فلا وأَلَتْ كَفّي من الشَّلَلِ
صانوا بأَعْراضِهم أَعراضهم فغَداشِعْري وسِعري مَصوناً غيرَ مُبْتَذَلِ
تركتُ مَنْ كنتُ أُطريه وأُطْربهفلا ثَقيلي يُعَنِّيهم ولا رَمَلي
وكيف أَنْشَطُ في أَوصافِ ذي كَرمٍكسلانَ يرمي نَشاطَ المدْحِ بالكَسَلِ
حَلَّيْتُ جِيدَ عُلاه وهي عاطلةٌوجاءَني منه جِيدُ المَدْح بالعَطَلِ
أُثني ويُثْني رجالٌ ضَمَّني معهموَزْنُ الكلام وليس الكُحْلُ كالْكَحَلِ
وليس يُحْفَظ إِلاّ ما نَطقتُ بهحتى كأَنَّ سِوى ما قلتُ لم يُقَل
ذَنْبي إِلى الدَّهْرِ فضلٌ لو سَترتُ بهعَيْبَ الْحوادث لم تُنْسَب إِلى الزَّلل
إِنْ آثرتْ ثروةُ الدُّنيا مُجانَبتيفإِنَّها ابنةُ أُمّ الغَيِّ والخَطَل
ولي إِذا شِئتُ من تاجِ الخلافة مَنأَرى به شَرَفَ الأَفعال في رجل
إِن جاد أَو كاد في يَوْمَيْ ندًى ورَدًىفاضَتْ أَنامله بالرِّزْق والأَجَل
لو كان حَظٌّ عَلَى مِقدارِ مَنزِلَةٍلم يَنْزِل المُشْتَري عن مُرْتَقى زُحَل
أَما ترى الفَلَكَ العُلْوِيّ قد جعلوافيه سَمِيَّك بعد الثَّوْر والْحَمَل
ومنها:
واسمع مُحَبَّرةَ الأَوصاف خاطبة الإِنْصاف طالت مَعانيها ولم تَطُل
جادت جَزالتُها لفْظاً ورقَّتُهامعنىً بما شئتَ من سَهلٍ ومن جَبَل
وقوله في وداع بعض الأكابر:
تناولتَ المكارِمَ والمَساعيبأَقوى ساعدٍ وأَتَمِّ باعِ
ومنها:
إِذا سارتْ جِيادُك والْمطايافيا زَمَع القُلوب من الزَّماعِ
وَداعُ رِكابك السامي دَعانيإِلى ذَمِّ التَّفرُّق والوَداع
ستَفْقِدُ منك أَنفُسنا حياةًوما فَقْدُ الحياة بمستطاع
وقوله في قضاة الزمان:
رُتبةُ الحُكْمِ السَّنِيَّهْهُدِمَتْ هَدْم البَنِيَّهْ
أَخْرَب الجهّالُ منهاكلَّ ثَغْرٍ وثَنِيَّهْ
وغدت دَنِّيَّةُ الحُكْمِ بهم وهْي دَنِيَّهْ
وزار صديقاً له فلم يجده فكتب إليه:
يا سَيِّداً ساحةُ أَبوابهلكلِّ من لاذ بها قِبلهْ
قد استَنَبْتُ الطِّرْسَ في لَثْمِهكَفَّك واستَوْدعتُه قُبلهْ
فامْدُد إِليه راحةً لم يَزَلْمعروفُها يُخْجِل مَنْ قَبْلَهْ
وقوله وقد ابتاع جارية يلتمس ثمنها:
يا سَيِّداً يشهَدُ لي خَلْقُهوخُلْقُه أَنّ الورى دُونَهُ
كم لك من مَكْرُمةٍ ضَخمةٍومِنَّةٍ ليست بمَمْنونهْ
وموقفٍ بين النَّدى والرَّدىيخافُه النّاس ويَرْجونهْ
قد اشترى الخادمُ مَمْلوكةًصُورتُها بالحسن مدهونهْ
كاملةَ العقل ولكنَّهاإِذا خَلَتْ في الفُرْش مجنونهْ
قيمتها ستّون موزونةًوالنصفُ منها غيرُ موزونهْ
وهي عَلَى ذاك فأَنْعِمْ بهاتحت خُصى البائع مرهونهْ
وقوله في كاتب نصراني يدعى أبا الفضل وهو يخدم على دار الكباش:
رأَيتُ أَبا النَّقْصِ ضاقتْ بهمَذاهبه في التماسِ المعاشِ
ومِنْ حُبِّه في ذوات القُرونغدا وهو نائب دار الكباشِ
وقوله:
إِن كان يحسَب أَنَّ خِسَّة أَصِلهتَحْميه من حُمَتي ومُرِّ ذُعافي
فالأُسدُ تفترسُ الكلاب إِذا عَدَتْأَطوارَها، والأُسْدُ غيرُ ضِعاف
دَعْني أُثَقِّلْ بالهِجاءِ لجِامَهُإِنَّ البغالَ كثيرة الإِخْلاف
لا تَأْمَنَنَّ أَبا الرَّذائل بعدهاواحذَرْ أَمانةَ سارقٍ خَطَاف
فالمرتَجي عند اللِّئام أَمانةًكالمُرْتجي ثَمراً من الصَّفْصافِ
وقوله:
وقائلةٍ مالي أَرى الْجَوَّ مُظِلماًبأَعمالِ مصْرٍ دون كلِّ مَكانِ
فقلتُ ومصرٌ كالبلاد وإِن يكنعَلاها ظَلامُ فهو بابن دُخان
لقد سَئمَ الإِسلامَ طولَ حياتهودار عَلَى قَرْنَيْه أَلفُ قِران
مَتى تَقْبِضُ الأَيامُ عنّا بَنانَهوتَبْسُط كفَّ الأَروع ابنِ بنان
لقد ترك الأَعمالَ صفْراً كأَنَّهاقوالبُ أَلفاظٍ بغيرِ معانِ
فَصَدِّقْ كلامَ النّاس فيه ولا تَقُلكلامُ العِدى ضربٌ من الهذيان
وقوله:
كلَّما رُمتُ سِلْمَه رام حَرْبيما لِهذا الوَضيعِ قولُوا ومالي
أَجرَبُ العِرْض يَشْتفي بهجائيوهو عِرْضٌ بالذَّم ليس يُبالي
وقوله:
يا رَبّ هَيِّىءْ لنا من أَمرِنا رَشَداواجعلْ مَعُونتك الحُسنى لنا مَدَدا
ولا تَكِلْنا إِلى تدبير أَنفسنافالنَّفْسُ تعِجَزُ عن إِصلاح ما فسدا
أَنتَ الكريم وقد جَهَّزْتُ من أَمليإِلى أَياديك وجهاً سائلاً ويدا
وللرَّجاءِ ثوابٌ أَنت تعلمهُفاجعلْ ثَوابي دوامَ السَّتْرِ لي أَبدا
وقوله حين قصد الفرنج أرض مصر:
يا رِبِّ إِنّي أَرى مصراً قد انتبَهتْلها عُيون اللَّيالي بعد رَقْدَتِها
فاجْعل بها مِلَّة الإِسلام باقيةًواحرُس عُقودَ الهُدى مِنْ حَلِّ عُقدتها
وهَبْ لنا مِنكَ عَوْناً نستجِيرُ بهمن فِتنةٍ يَتَلظّى جَمْر وَقْدَتها
وذكر لي بعض المصريين بالقاهرة أن الصالح بن رزيك رغب عمارة في أن يعود متشيعاً ويأخذ منه ثلاثة آلاف دينار وكتب إليه:
قُل للفقيه عُمارةٍ يا خيرَ مَنْأَضحى يؤلِّف خُطبةٌ وخِطابا
إِقبلْ نَصيحة مَنْ دعاك إِلى الهُدىقُلْ حِطَّةٌ وادخُل إِلينا البابا
تَلْقَ الأَئِمَّة شافِعين ولا ترىإِلاّ لديهمْ سُنَّةً وكِتابا
وعَلَيَّ أَنْ يَعْلو مَحَلُّكِ في الوَرىوإِذا شَفَعْت إِليَّ كنتَ مُجابا
وقبضتَ آلافاً وهُنَّ ثلاثةٌصِلةً وحَقِّك لا تُعَدُّ ثوابا
فأجابه عمارة عنها:
يا خيرَ أَملاك الزَّمان نِصاباحاشاك من هذا الْخِطاب خِطابا
أَما إِذا ما أَفسدتْ عُلماؤكممَعْمُورَ مُعْتَقَدي وصار خَرابا
وأَتى دليلُ الحَقِّ في أَقوالهمودعوتُ فِكري عند ذاك أَجابا
فاشدُدْ يَدَيْك على أَكيدِ مَوَدَّتيوامْنُن عليَّ وسُدَّ هذا البابا
والعجب من عمارة أنه تأبى في ذلك المقام عن الانتماء إلى القوم وترك، وغطى القدر على بصره حتى أراد أن يتعصب لهم ويعيد دولتهم فهلك.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع