من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء المعري
: هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن [محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان] بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أرقم بن أنور بن اسحم بن النعمان، ويقال له الساطع لجماله، ابن عديّ بن عبد غطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وتيم الله مجتمع تنوخ: من أهل معرة النعمان من بلاد الشام، كان غزير الفضل شائع الذكر وافر العلم غاية في الفهم، عالما حاذقا بالنحو، جيد الشعر جزل الكلام، شهرته تغني عن صفته وفضله ينطق بسجيته.
ولد بمعرة النعمان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة واعتلّ علة الجدريّ التي ذهب فيها بصره سنة سبع وستين وثلاثمائة، وقال الشعر وهو ابن احدى عشرة سنة، ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، أقام ببغداد سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى
بلده فأقام به ولزم منزله إلى أن مات يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة في أيام القائم.
وكان في آبائه وأعمامه ومن تقدمه من أهله وتأخر عنه من ولد أبيه ونسله فضلاء وقضاة وشعراء، أنا ذاكر منهم من حضرني لتعرف نسبه في العلم كما عرفت ما أعطيه من الفهم:
كان سليمان بن أحمد بن سليمان جدّه قاضي المعرة، وتولّى القضاء بحمص وبها مات في سنة تسعين ومائتين ثم ولي القضاء بعده بها ولده أبو بكر محمد عم [والد] أبي العلاء وفيه يقول الصنوبري الشاعر:
بأبي يا ابن سليمان لقد سدت تنوخا
وهم السادة شبّانا لعمري وشيوخا
أدرك البغية من أضحى بناديك منيخا
واردا عندك نيلاوفراتا وبليخا
واجدا منك متىاستتصرخ للمجد صريخا
في زمان غادرلهمّات في الناس مسوخا
ثم بعده أخوه أبو محمد [والد] عبد الله والد أبي العلاء، ولعبد الله شعر في مرثية والده:
إن كان أصبح من أهواه مطّرحابباب حمص فما حزني بمطّرح
لو بان أيسر ما أخفيه من جزعلمات أكثر أعدائي من الفرح
وتوفي [والد] عبد الله بحمص سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.
ومنهم أبو المجد محمد بن عبد الله أخو أبي العلاء، وكان أسنّ من أبي العلاء، وله أيضا شعر في الزهد:
كرم المهيمن منتهى أمليلا نيّتي أرجو ولا عملي
يا مفضلا جلّت فواضلهعن بغيتي حتى انقضى أجلي
كم قد أفضت عليّ من نعمكم قد سترت عليّ من زلل
إن لم يكن لي ما ألوذ بهيوم الحساب فإن عفوك لي
ومنهم عبد الواحد أبو الهيثم أخو أبي العلاء القائل في الشمعة:
وذات لون كلوني في تغيرهوأدمع كدموعي في تحدرها
سهرت ليلي وباتت بي مسهّدةكأن ناظرها في قلب مسهرها
وله أيضا:
قالوا تراه سلا لأن جفونهضنّت عشية بيننا بدموعها
ومن العجائب أن تفيض مدامعنار الغرام تشبّ في ينبوعها
هؤلاء من حضرني ممن كان قبل أبي العلاء وفي زمانه، وقد تأخر عن زمانه من أهله من كان عالما فاضلا، وأنا ذاكرهم هاهنا ليجيئوا على نسق واحد:
فمنهم القاضي أبو المجد محمد بن عبد الله [بن] محمد أبي المجد- وأبو المجد الثاني هو أخو أبي العلاء- وذكره العماد في «الخريدة» فقال: ذكر لي [ابن] ابنه القاضي أبو اليسر الكاتب أنه كان فاضلا أديبا فقيها على مذهب الشافعي، أريبا مفتيا خطيبا، أدرك عم أبيه أبا العلاء وروى عنه مصنفاته وأشعاره، وولي القضاء بالمعرة إلى أن دخلها الفرنج خذلهم الله في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة فانتقل إلى شيزر وأقام بها مدة، ثم انتقل إلى حماة فأقام بها إلى أن مات في محرم سنة ثلاث وعشرين
وخمسمائة ومولده سنة أربعين وأربعمائة، وله ديوان ورسائل، ومن شعره:
رأيتك في نومي كأنك معرضملالا فداويت الملالة بالتّرك
وأصبحت أبغي شاهدا فعدمتهفعدت فغلّبت اليقين على الشك
وعهدي بصحف الودّ تنشر بيننافإن طويت فاجعل ختامك بالمسك
لئن كانت الأيام أبلى جديدهاجديدي وردّت من رحيب إلى ضنك
فما أنا الا السيف أخلق جفنهوليس بمأمون الغرار على الفتك
قال وأنشدني بعض أهل المعرة:
جسّ الطبيب يدي جهلا فقلت لهإليك عني فإن اليوم بحراني
فقال لي ما الذي تشكو فقلت لهإني هويت بجهلي بعض جيراني
فقام يعجب من قولي وقال لهمإنسان سوء فداووه بانسان
قال: وأنشدني مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، قال أنشدني القاضي أبو المجد المعري لنفسه:
وقائلة رأت شيبا علانيعهدتك في قميص صبا بديع
فقلت وهل ترين سوى هشيمإذا جاوزت أيام الربيع
قال الأمير أسامة: ولما فارق أهله بالمعرة وبقي منفردا وكان له غلام اسمه شعيا قال:
زمان غاض أهل الفضل فيهفسقيا للحمام به ورعيا
أسارى بين أتراك وروموفقد أحبة ورفاق شيعا
قال وقد سبقه إلى هذا المعنى الوزير المغربي، فإنه لما تغيرت عليه الوزارة
وتغرب كان معه غلام اسمه داهر، فقال:
كفى حزنا أني مقيم ببلدةيعلّلني بعد الأحبة داهر
يحّدثني مما يجمّع عقلهأحاديث منها مستقيم وجائر
قال الأمير أسامة: لما بليت بفرقة الأهل كتبت إلى أخي أستطرد بغلامي أبي المجد والوزير المغربي اللذين ذكراهما في شعريهما:
أصبحت بعدك يا شقيق النفس فيبحر من الهمّ المبرح زاخر
متفردا بالهمّ من لي ساعةبرفاق شعيا أو علالة داهر
(الحديث شجون يذكّر الشيء بما يتصل به). وأشعار أبي المجد المعرّي كثيرة منها:
قد أوسع الله البلاد وللفتىإلى بعضها عن بعضها متزحزح
فخلّ الهوينا إنها شرّ مركبودونك صعب الأمر فالصعب أنجح
فإن نلت ما تهوى فذاك وان تمتفللموت خير للكريم وأروح
ومنهم أبو اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد أبي المجد بن عبد الله بن محمد [بن عبد الله] بن سليمان، قال العماد: كان كاتب الإنشاء لنور الدين محمود بن زنكي قبلي، فلما استعفى وقعد في بيته توليت الانشاء بعده، ومولده بشيزر في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وأربعمائة وكان قد تولى ديوان الإنشاء سنين كثيرة. قال: وأنشدني لنفسه:
وردت بجهلي مورد الصبّ فارتوتعروقي من محض الهوى وعظامي
ولم تك الا نظرة بعد نظرةعلى غرّة منها ووضع لثام
فحلّت بقلبي من بثين طماعةأقرت بها حتى الممات غرامي
وله أيضا:
سارقته نظرة أطال بهاعذاب قلبي وما له ذنب
يا جور حكم الهوى ويا عجباتسرق عيني ويقطع القلب
وله:
بأبي عارضان دبّا على الخدّ دبيبا من تحت عقرب صدغ
قعد القلب منهما في بلاءوعذاب ما بين قرص ولدغ
وله:
غريت بهم نوب الليالي فاغتدواما يستقرّ لهم بأرض دار
حتى كأنهم طريف بضائعوكأن أحداث الزمان تجار
وله:
تعمّم رأسي بالمشيب فساءنيوما سرّني تفتيح نور بياضه
وقد أبصرت عيني خطوبا كثيرةفلم أر خطبا أسودا كبياضه
ومنهم القاضي أبو مسلم وادع بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان: كان أبو العلاء عمّ أبيه تولّى القضاء بمعرة النعمان وكفر طاب وحماة، وكان مشهورا بالكرم، مولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وله رسائل حسنة وشعر بديع منه:
وقائلة ما بال حبّك أرمدافقلت وفي الأحشاء من قولها لدغ
لئن سرقت عيناه من لون خدّهفغير بديع ربما نفض الصبغ
ومن شعره أيضا:
ولما تلاقينا وهذا بنارهحريق وهذا بالدموع غريق
تقلّدت الدرّ الذي فاض جفنهافرصّعه من مقلتيّ عقيق
ومنهم أبو عدي النعمان بن أبي مسلم وادع من أهل العلم والفضل وهو القائل:
يا أيها الملّاك لا تبرحوا الأملاك وارجوها إلى قابل
فالعام قد صحّت ولكنهاللعدل والمشرف والعامل
ومات أبو عدي بعد سنة خمسين وخمسمائة.
ومنهم أبو مرشد سليمان بن علي بن محمد بن عبد الله بن سليمان: ولي القضاء بمعرة النعمان وانتقل إلى شيزر بعد أخذ الفرنج المعرة، وتوفي بها، وله رسائل وشعر منه قصيدة التزم في كلّ كلمة منها حرف النون، أولها:
نزّه لسانك عن نفاق منافقوانصح فإن الدين نصح المؤمن
وتجنّب المنّ المنكّد للنّدىوأعن بنيلك من أعانك وامنن
ومنهم أبو سهل عبد الرحمن بن مدرك بن علي بن محمد بن عبد الله بن سليمان: مولده ومنشؤه بشيزر وحماة، وتوفي في الزلزلة [التي] كانت بحماة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وكان شاعرا مطبوع الشعر ومنه:
جرحت بلحظي خدّ الحبيبفما طالب المقلة الفاعله
ولكنه اقتصّ من مهجتيكذاك الديات على العاقله
ومن شعره أيضا:
ولما سألت القلب صبرا عن الهوىوطالبته بالصدق وهو يروغ
تيقّنت منه أنه غير صابروأنّ سلوّا عنه ليس يسوغ
فإن قال لا أسلوه قلت صدقتنيوان قال أسلو عنه قلت دروغ
(هذه كلمة عجمية معناها كذب).
ومنهم أخوه أبو المعالي صاعد بن مدرك بن علي بن محمد بن عبد الله بن سليمان: مولده ومنشؤه شيزر وحماة، ومات بمعرة النعمان، ومن شعره:
ألا أيا أيها الوادي المنينيّ هل لناتلاق فنشكو فيه صنع التفرّق
أبثّك ما بي من غرام ولوعةوفرط جوى يضني وطول تشوق
عسى أن ترقي حين ملّكت رقّهوترثي له مما بهجرك قد لقي
بوصل يروّي غلّة الوجد والأسىويطفى به حرّ الجوى والتحرق
وغير هؤلاء حذفت أسماءهم اختصارا، وإنما قصدت الإخبار عن إعراق أبي العلاء في بيت العلم.
ونقلت من بعض الكتب أنّ أبا العلاء لما ورد إلى بغداد قصد أبا الحسن علي بن عيسى الربعي ليقرأ عليه، فلما دخل إليه قال علي بن عيسى: ليصعد الاصطيل، فخرج مغضبا ولم يعد إليه. والاصطيل في لغة أهل الشام الأعمى، ولعلها معرّبة.
ودخل على المرتضى أبي القاسم فعثر برجل فقال: من هذا الكلب؟ فقال المعري: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما. وسمعه المرتضى فاستدناه واختبره فوجده عالما مشبعا بالفطنة والذكاء فأقبل عليه إقبالا كثيرا.
وكان أبو العلاء يتعصّب للمتنبي ويزعم أنه أشعر المحدثين ويفضله على بشار ومن بعده مثل أبي نواس وأبي تمام، وكان المرتضى يبغض المتنبي ويتعصّب عليه، فجرى يوما بحضرته ذكر المتنبي فتنقّصه المرتضى وجعل يتتبع عيوبه، فقال المعري:
لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قوله:
لك يا منازل في القلوب منازل
لكفاه فضلا، فغضب المرتضى وأمر فسحب برجله وأخرج من مجلسه، وقال لمن بحضرته: أتدرون أيّ شيء أراد الأعمى بذكر هذه القصيدة؟ فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكرها، فقيل: النقيب السيد أعرف، فقال: أراد قوله في هذه القصيدة:
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصفهي الشهادة لي بأنّي كامل
ولما رجع إلى المعرة لزم بيته فلم يخرج منه، وسمّى نفسه رهين المحبسين- يعني حبس نفسه في المنزل وترك الخروج منه وحبسه عن النظر إلى الدنيا بالعمى-.
وكان متهما في دينه يرى رأي البراهمة لا يرى إفساد الصورة، ولا يأكل لحما، ولا يؤمن بالرسل والبعث والنشور، وعاش شيئا وثمانين سنة لم يأكل اللحم منها خمسا وأربعين سنة. وحدّثت أنه مرض مرة فوصف الطبيب له الفرّوج، فلما جيء به لمسه بيده وقال: استضعفوك فوصفوك، هلّا وصفوا شبل الأسد؟! وقيل إنه قال: ما أريد إصلاح نفسي بإفساد هذا، ولم يتناوله. وقد أوردنا من شعره ما يستدلّ به على سوء معتقده، ويخبرك بنحلته ومستنده.
وحدث غرس النعمة أبو الحسن الصابي أنه بقي خمسا وأربعين سنة لا يأكل اللحم ولا البيض ويحرّم إيلام الحيوان، ويقتصر على ما تنبت الأرض، ويلبس خشن الثياب، ويظهر دوام الصوم. قال: ولقيه رجل فقال له: لم لا تأكل اللحم؟ قال:
ارحم الحيوان، قال: فما تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان، فإن كان لذلك خالق فما أنت بأرأف منه، وإن كانت الطبائع المحدثة لذلك فما أنت بأحذق منها ولا أتقن علما، فسكت.
قال ابن الجوزي: وقد كان يمكنه أن لا يذبح رحمة، وأما ما قد ذبحه غيره فأيّ رحمة بقيت؟.
قال: وقد حدّثنا عن أبي زكرياء أنه قال، قال لي المعري: ما الذي تعتقد؟
فقلت في نفسي: اليوم أقف على اعتقاده، فقلت له: ما أنا إلا شاكّ، فقال: وهكذا شيخك.
قال القاضي أبو يوسف عبد السلام القزويني، قال لي المعري: لم أهج أحدا قط، فقلت له: صدقت إلّا الأنبياء ﵈، فتغير وجهه.
وحدّث أبو زكرياء قال: لما مات أبو العلاء أنشد على قبره بعد موته أربعة
وثمانون شاعرا مراثي من جملتها أبيات لعليّ بن الهمام من قصيدة طويلة:
إن كنت لم ترق الدماء زهادةفلقد أرقت اليوم من جفني دما
سيرت ذكرا في البلاد كأنهمسك مسامعها يضمّخ أو فما
وترى الحجيج إذا أرادوا ليلةذكراك أوجب فدية من أحرما
كأنه يقول: ان ذكرك طيب، والطيب لا يحلّ للمحرم فيجب عليه فدية. وختم في أسبوع واحد عند القبر مائتا ختمة، وهذا مما لم يشارك فيه. وكانت الفتاوي في بيتهم على مذهب الشافعي من أكثر من مائتي سنة بالمعرة.
ومن شعره في الزهد:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهةوحقّ لسكان البسيطة أن يبكوا
يحطّمنا صرف الزمان كأننازجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
ومن شعره في الزهد:
فلا تشرّف بدينا عنك معرضةفما التشرف بالدنيا هو الشرف
واصرف فؤادك عنها مثلما انصرفتفكلّنا عن مغانيها سينصرف
يا أمّ دفر لحاك الله والدةفيك الخناء وفيك البؤس والسّرف
لو أنك العرس أوقعت الطلاق بهالكنّك الأمّ مالي عنك منصرف
وله:
حدث السلفي بإسناده عن القاضي أبي المهذّب عبد المنعم بن أبي الروس السروجي قال: سمعت أخي القاضي [أبا] الفتح يقول: دخلت على الشيخ أبي العلاء التنوخي بالمعرة، وكنت أتردّد إليه وأقرأ عليه في بعض خلواته، بغير علم منه، فسمعته وهو ينشد من قوله:
كم غودرت غادة كعابوعمّرت أمّها العجوز
أحرزها الوالدان خوفاوالقبر حرز لها حريز
يجوز أن تبطىء المناياوالخلد في الدهر لا يجوز
ثم تأوه ثلاث مرات وتلا قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
(هود) ثم صاح وبكى بكاء شديدا، وطرح وجهه على الأرض زمانا، ثم رفع رأسه ومسح وجهه وقال: سبحان من تكلّم بهذا الكلام في القدم، سبحان من هذا كلامه، وسكت وسكن، فصبرت عليه ساعة ثم سلّمت عليه فردّ عليّ السلام، فقال لي: يا أبا الفتح متى أتيت؟ فقلت: الساعة، فأمرني بالجلوس فجلست وقلت: يا سيدي أرى في وجهك أثر غيظ، فقال: لا يا أبا الفتح، بل أنشدت شيئا من كلام المخلوق، وتلوت شيئا من كلام الخالق فلحقني ما ترى. فتحققت صحّة دينه وقوة يقينه.
قال السلفي: وسألت أبا زكريا التبريزي إمام عصره في اللغة ببغداد، فقلت له: قد رأيت أبا العلاء بالمعرة وعليّ بن عثمان بن جني الموصلي بصور والقصابيّ بالبصرة وابن برهان ببغداد وغيرهم من الأدباء فمن المفضّل من بينهم؟ قال: هؤلاء أئمة لا يقال لهم أدباء، وأفضل من رأيته ممن قرأت عليه أبو العلاء.
قال السلفي: حكي عن أبي العلاء المعري في الكتاب الذي أملاه وترجمه ب «الفصول والغايات»، وكأنه معارضة منه للسور والآيات، فقيل له: أين هذا من القرآن؟ فقال: لم تصقله المحاريب أربعمائة سنة.
قال السلفي: كان أبو نصر المنازي أحد وزراء نصير الدولة ابن مروان بديار بكر، فأرسله إلى مصر رسولا، فوصل إلى المعرة ودخل إلى أبي العلاء مسلّما مناشدا، وانبسط أحدهما إلى الآخر، وتذكر أبو العلاء ما يقاسي من الناس وكلامهم فيه، فقال له أبو نصر: ماذا يريدون منك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة، فقال:
والآخرة أيضا؟ قال: والآخرة أيضا، والآخرة أيضا. فأطرق ولم يكلّمه إلى أن قام.
أنشد له السلفي:
أبا العلاء ابن سليماناإن العمى أولاك إحسانا
لو أبصرت عيناك هذا الورىلم ير إنسانك إنسانا
حدث هبة الله بن موسى المؤيد في الدين، وكان بينه وبين أبي العلاء صداقة ومراسلات، قال: كنت أسمع من أخبار أبي العلاء وما أوتيه من البسطة في علم اللسان ما يكثر تعجّبي منه، فلما وصلت المعرة داخلا إلى الديار المصرية لم أقدّم شيئا على لقائه، فحضرت إليه واتفق حضور أخي معي، وكنت بصدد أشغال يحتاج إليها المسافر، فلم أسمح بمفارقته والاشتغال بها.
فتحدّث أخي معي حديثا باللسان الفارسي فأرشدته إلى ما يعمله فيها ثم عدت إلى مذاكرة أبي العلاء، فتجارينا الحديث إلى أن ذكرت ما وصف به في سرعة الحفظ وسألته أن يريني من ذلك شيئا أحكيه عنه، فقال لي: خذ كتابا من هذه الخزانة- لخزانة قريبة منه- واذكر أوله فإني أورده عليك حفظا، فقلت: كتابك ليس بغريب إن حفظته، فقال: قد دار بينك وبين أخيك كلام بالفارسية إن شئت أعدته، قلت:
فأعده، فأعاد الحديث أجمع ما أخلّ بحرف منه، ولم يكن يعرف اللغة الفارسية.
وهذا الخبر من العجائب.
قال السلفي بإسناده: عرض على أبي العلاء التنوخي كفّ من اللوبياء، فأخذ منها واحدة ولمسها بيده وقال: ما أدري ما هي، إلا أني أشبهه بالكلية، فتعجبوا منه ومن فطنته وإصابته في حديثه.
وحدث أبو الكرم خميس بن علي الحوزي النحوي حدثنا القاضي أبو يوسف القزويني، قال قال لي ملحد المعرة: ما سمعت في أمر الحسين بن علي ﵄ شيئا يجب أن يحفظ، فقلت له: قد قال سواديّ من أهل بلادنا أبياتا لا يقول مثلها تنوخ جدّك الأكبر:
رأس ابن بنت محمد ووصيّهللمسلمين على قناة يرفع
والمسلمون بمنظر وبمشهدلا جازع فيهم ولا متفجع
كحلت بمنظرك العيون عمايةوأصمّ رزؤك كلّ أذن تسمع
أيقظت أجفانا وكنت لها كرىوأنمت عينا لم تكن بك تهجع
ما روضة إلا تمنّت أنهالك تربة ولخطّ قبرك مضجع
قال: ولم يسمّ لنا قائلا.
وقال أبو منصور الثعالبي في « [تتمة] يتيمة الدهر» وكان حدثني أبو الحسن الدّلفي المصّيصي الشاعر، وهو من لقيته قديما وحديثا في مدة ثلاثين سنة، قال:
لقيت بمعرة النعمان عجبا من العجب، رأيت شاعرا ظريفا يلعب بالشطرنج والنرد ويدخل في كلّ فنّ من الجد والهزل، يكنى أبا العلاء، وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر، قال: وحضرته يوما وهو يملي في جواب كتاب ورد عليه من بعض الرؤساء:
وافى الكتاب فأوجب الشكرافضممته ولثمته عشرا
وفضضته وقرأته فاذاأجلى كتاب في الورى يقرا
فمحاه دمعي من تحدّرهشوقا إليك فلم يدع سطرا
قال: وأنشدني لنفسه:
لست أدري ولا المنجم يدريما يريد القضاء بالانسان
غير أني أقول قول محقّقد يرى الغيب فيه مثل العيان
إن من كان محسنا قابلتهبجميل عواقب الإحسان
حدث أبو سعد السمعاني في «كتاب النسب» وقد ذكر المعري، فقال بعد وصفه: وذكر تلميذه أبو زكريا التبريزي أنه كان قاعدا في مسجده بمعرة النعمان بين
يدي أبي العلاء يقرأ عليه شيئا من تصانيفه، قال: وكنت قد أقمت عنده سنين، ولم أر أحدا من أهل بلدي، فدخل المسجد مغافصة بعض جيراننا للصلاة، فرأيته وعرفته فتغيرت من الفرج، فقال لي أبو العلاء: أيش أصابك؟ فحكيت له أني رأيت جارا لي بعد أن لم ألق أحدا من أهل بلدي سنتين، فقال لي: قم وكلّمه، فقلت حتى أتمم السّبق، فقال: قم أنا أنتظر لك، فقمت وكلمته بلسان الأذربية شيئا كثيرا إلى أن سألت عن كلّ ما أردت، فلما رجعت وقعدت بين يديه قال لي: أيّ لسان هذا؟
قلت: هذا لسان أهل أذربيجان، فقال لي: ما عرفت اللسان ولا فهمته، غير أني حفظت ما قلتما، ثم أعاد عليّ اللفظ بعينه من غير أن ينقص عنه أو يزيد عليه جميع ما قلت وقال جاري، فتعجبت غاية التعجّب كيف حفظ ما لم يفهمه. قال المؤلف:
وهذا غاية ليس بعدها شيء في حسن الحفظ.
وقال المؤلف: وأنا كثير الاستحسان لقول أبي العلاء:
أسالت أبيّ الدمع فوق أسيلومالت لظلّ بالعراق ظليل
أيا جارة البيت الممّنع أهلهغدوت ومن لي عندكم بمقيل
لغيري زكاة من جمال فإن تكنزكاة جمال فاذكري ابن سبيل
وأرسلت طيفا خان لما بعثتهفلا تثقي من بعده برسول
خيالا أرانا نفسه متجنباوقد زار من صافي الوداد وصول
نسيت مكان العقد من دهش النوىفعلّقته من وجنة بمسيل
وكنت لأجل السنّ شمس غديّةولكنّها للبين شمس أصيل
أسرت أخانا بالخداع وانهيعدّ إذا اشتدّ الوغى بقبيل
فإن تطلقيه تملكي شكر قومهوإن تقتليه تؤخذي بقتيل
وان عاش لاقى ذلة واختيارهوفاة عزيز لا حياة ذليل
وكيف يجرّ الجيش يطلب غارةأسير بمجرور الذيول كحيل
ومن شعره لزوم ما لا يلزم:
يا محلّي عليك مني سلامسوف أمضي وينجز الموعود
فلجسمي إلى التراب هبوطولروحي إلى الهواء صعود
وعلى حالها تدوم اللياليفنحوس لمعشر وسعود
أترجّون أن أعود إليكملا ترجّوا فإنني لا أعود
قرأت بخط أبي سعد، أنشدنا الوكيل باصبهان، أنشدنا عبيد الله القشيري، أنشدنا أبو الوليد الدربندي قال: أنشدني أبو العلاء التنوخي في داره عند وداعي إياه:
كم بلدة فارقتها ومعاشريذرون من أسف عليّ دموعا
وإذا أضاعتني الخطوب فلن أرىلعهود إخوان الصفاء مضيعا
خاللت توديع الأصادق للنوىفمتى أودّع خلّي التوديعا
قال ابن الهبارية: أنشدني أبو زكريا الخطيب التبريزي قال، أنشدني أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرّي لنفسه:
أرى جيل التصوف شرّ جيلفقل لهم وأهون بالحلول
أقال الله حين عبدتموهكلوا أكل البهائم وارقصوا لي
وكتب إلى خاله أبي القاسم عليّ بن سبيكة، عند طلوعه من العراق، ووجد أمّه قد توفّيت، ولم يعلم قبل مقدمه بذلك:
كتابي- أطال الله بقاء سيّدي ما طلع صبير، ورسا ثبير - من معرّة النّعمان، ولكلّ نبأ مستقرّ. وردتها بعد سآمة، ورود كعب بن مامة، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، وله الحمد ممزوجا به الدّمع، مستكّا له من الوجد السّمع. وصلى الله على سيدنا محمد وعترته، صلاة يثقل بها لساني حزنا، وترجح في المحشر قدرا ووزنا. ثم أذكر قصصي بعد ذلك:
ألا يا ليتني والمرء ميتوما تغني من الحدثان ليت
يا ليت عمرا- وليت ضلّة سفهلم يغز فهما ولم يحلل بواديها
لو أنّ صدور الأمر يبدون للفتىكأعقابه لم تلفه يتندّم
رحمك الله من ساكنة رمس، أصبحت حياتك كأمس.
فإن ينقطع منك الرّجاء فإنّهسيبقى عليك الحزن ما بقي الدّهر
لا آمل بعدها خيرا، ولا أزيد فيالمحن إلّا إيضاعا وسيرا
صلّى الإله عليك من مفقودةإذ لا يلائمك المكان البلقع
أنّى حللت وكنت جدّ فروقةبلدا يمرّ به الشّجاع فيفزع
لا بارك الله في الدّنيا إذا انقطعتأسباب دنياك من أسباب دنيانا
يا سلوة الأيام موعدك الحشر. موعد والله بعيد، لا سلوة حتى يؤوب عنزيّ القرظة، ويرجع النعمان إلى الحيرة، ويبعث نبيّ من مكّة. لو لم تكن الآجال ذبرا، لوجب أن أقتل بها صبرا. على أنّي والله قد أعلمتها أنّي مرتحل، وأنّ عزمي
على ذلك جادّ مزمع، فأذنت فيه، وأحسبها ظنّته مذقة الشارب، ووميض الخالب، ولكلّ أجل كتاب. وحزني لفقدها كنعيم أهل الجنّة، كلما نفد جدّد؛ وشرحه إملال سامع، وإفناء زمان. والله يجعلها وإيّاي فداءي مولاي من كلّ رزيّة، ويصيّره المخصوص عنّي بالمزية. وربّ سامع خبري، لم يسمع عذري.
والمعاذر مكاذب، غير أنّ الرّائد لا يكذب أهله فإن قال أدام الله عزّه: يأبى الحقين العذرة، وإذا سمعت بسرى القين فآعلم أنّه مصبح، وفي النّوى يكذبك الصادق - فوالذي أخرج الجذع من الجريمة، والنّار من الوثيمة، ما نكّبت حلب في الإبداء والانكفاء، إلّا كما تنكّب خريدة المحار، لما دونها من أهوال البحار. وأنا كما علم- أدام الله تأييده- وحشيّ الغريزة، إنسيّ الولادة. وكلّ أزبّ نفور.
عوى الذّئب فاستأنست بالذّئب إذ عوىوصوّت إنسان فكدت أطير
يرى الوحشة الانس الأنيس ويهتديبحيث اهتدت أمّ النّجوم الشّوابك
يودّ بجدع الأنف لو أنّ ظهرهامن النّاس أعرى من سراة أديم
لو وردت حلب لتعيّنت عليّ حقوق إن قضيتها نصبت، وإن تخلّفت عنها عوتبت وقصبت. ومن لم يهبط نعمان الأراك، لم يعتب عليه في إهداء المسواك. ويطلب من راكب هجر الفرض، ومن مسافر البحرين الحساس. وشوقي إلى مشاهدته
شوق اليفن إلى الشّباب، والشّارف إلى السّقاب؛ لو أوسقته الحمائل أضعفها عن الذّميل، أو طوّقته الحمائم لأغصّها بالهديل. كيف تزيد الحمامة الخطباء، على الحامّة الخطباء. الرّياش أفضل من الرّيش المكر، والمنزل أشرف من الوكر؛ وطوق الذّهب، خير من طوق الغيهب. وأين الشّارف، من اللبيب العارف! ليس أمّ الفصيل، من ذوات التّحصيل. إنّما هي حنين بعده سلوّ، واشتغال لبّ ثمّ خلوّ.
وأسفي على فائت قربه كأسف وحشيّة تربّ طلا في صفاصف وفلا؛ اتّخذت بيتا كالخدر، في ظلّ الفاردة من السّدر؛ ثمّ هكعت في الهجير فدرج الطّفل، وهو لأبي جعدة نصيب وكفل؛ فلمّا قضت الرّقاد، نظرت فإذا بقيّة أجلاد؛ فهي بين وله وعله. والله سبحانه يسهّل اجتماعا يكون به شملنا كنجوم ذات العرش، لا ترهب فرقة ولا نقص أرش.
وقد كنت كاتبته كتابا من الرّقّة أشرح له فيه ما حملني على النّزول. فإن كان وصل فهو الغرض، وإن تخلّف فالإعادة لمعناه جرض. ولكلّ مقام مقال، ولكلّ أوان ثمرة، وفي كلّ واد سمرة. وجدت بغداذ كجناح الأخيل، حسن وليس فيه ما حمل:
إنّ العراق لأهلي لم يكن وطناوالباب دون أبي غسّان مسدود
فانم القتود على عيرانة أجدمهريّة مخطتها غرسها العيد
كم دون مية من مستعمل قذفومن فلاة بها تستودع العيس
حنّت إلى نخلة القصوى فقلت لهابسل حرام ألا تلك الدّهاريس
أمّي شآمية إذ لا عراق لناقوما نودّهم إذ قومنا شوس
فإن يك في كيل اليمامة عسرةفما كيل ميّافارقين بأعسرا
لنفسي أقول: أعييتني بأشر، فكيف بدردر. وعصيتني من شبّ إلى دبّ.
ليس بعشّك فادرجي. هذا أحقّ منزل بترك. الصّيف ضيّعت اللّبن. الرّبيع أغفلت الكمأة. وعلى المفازة أرقت السّقاء. عودي إلى مباركك، ألحقك الشّرّ بأهلك.
فمن أناس ما أنت. ليس النّيق بموطن الظّليم، ولا الهجل بمرتع الغفر.
لكلّ أناس من معدّ عمارةعروض إليها يلجؤون وجانب
وكنت ظننت أنّ الأيّام تسمح لي بالإقامة هناك، فإذا الضارية أحجأ بعراقها، والأمة أبخل بصربتها، والعبد أشحّ بكراعه، والغراب أضنّ بتمرته. ووجدت العلم ببغداد أكثر من الحصى عند جمرة العقبة، وأرخص من الصّيحانيّ بالجابرة،
وأمكن من الماء بخضارة، وأقرب من الجريد باليمامة. ولكن على كلّ خير مانع، ودون كل درّة خرساء موحية، أو خضراء طامية.
إذا لم تستطع أمرا فذرهوجاوزه إلى ما تستطيع
يكفيك ما بلّغك المحلّ. إن عجز ظلّ عن شخصك فلا يعجزنّ عن عضو منك. فلمّا زبنت الضّروس الحالب، ونزت العنود تحت الراكب، ومنعت القلوع النّازع، ولم تعمّ الفلوت شاكي الأريز، وغشّى الثّول وجه المشتار، وخيّب رائدا سحاب، وكذب شائما برق، وأخلف رويعيا مظنّة - عادت لعترها لميس، وذكر وجاره ثعالة، وطرب لوكنته ابن دأية. وما هبطت في طريقي واديا، ولا فرعت جبلا، ولا حملتني سفينة، ولا ذلّت لي مطيّة، إلّا بمنّ الله سبحانه ومنّة سيّدي وعنايته وجاهه. وأياديه أكبر من الشّكر، وأوسع من إحاطة الذّكر. وقد علمت أنّه يعمل ذلك معي لا يريد جزاء ولا شكورا. ولكن لمّا كان السّكوت غباوة عند الجماعة، والشّكر أذيّة لمسدي الصّنيعة، كان احتمال ملامة واحدة، أيسر من احتمال ملاوم كثيرة.
وأمّا سيّدي أبو طاهر فقد حمّلني من الإنعام أوقا لا آمل النّهوض بجزء منه،
وما ورث برّي عن كلالة، ولا أخذ تفقّدي من دار غربة: شنشنة من أخزم، ونشنشة من أخشن. إنما تقيّل أباه، والشّكير نابت من العضة، والبرم من السّلم، ومن أشبه أباه فما ظلم. ما زالت كتبه تطرق أصدقاءه، محافظة على المكارم، ومراعاة لأمر غير لازم، حتّى جعلهم إليّ كعرف الفرس، أو قوى المرس.
وكلّما عرضوا قضاء حاجة أعرضت عن تكليف المشقّة، لأنّي أعتقد حكمة زهير في قوله:
ومن لا يزل يستحمل النّاس نفسهولا يعفها يوما من الذّلّ يسأم
ولو علمت أنّي أرجع على قروائي، لم أتوجّه لهذه الجهة، ولكنّ البلاء موكّل بالمنطق، والخيرة مغيّبة، والخطوب مثل دوك النّوفل، يفتح بعضه عن مثل نبات الغمق، وبعضه عن ذوات النسق. لا يدري الرّجل بم يولع هرمه، ولا إلى أيّ أجمة يسوقه جدّه. وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ
(الأعراف:). وجد في لوح:
يا أيّها المضمر همّا لا تهمّإنّك إن تقدر لك الحمّى تحمّ
ورعاية الله شاملة لمن عرفته ببغداد؛ فلقد أفردوني بحسن المعاملة، وأثنوا عليّ في الغيبة، وأكرموني دون النّظراء والطّبقة. ولما آنسوا تشميري للرّحيل، وأحسّوا بتأهّبي للظّعن، أظهروا كسوف بال، وقالوا من جميل كلّ مقال، وتلفّعوا من
الأسف ببرد قشيب، وذرفت عيون أشياخ شيب. فلا إله إلّا الله! أيّ نابتة ليست لها راعية! لا تخلو فاغية من سائفة، ولا تعدم الخرقاء ثلّة، ولا الثّقال سائقة، ولا السّمجة قائنة.
وأمروني لرغبتهم في صقبي منهم بأمور تنهى عنها القناعة، وتكفّ دونها العادة. وما أبعد نضاد من جبال الضّريب، وأشدّ اختلاف الغائر والمنجدين!
شتّان ما يومي على كورهاويوم حيّان أخي جابر
على حين أن ذكّيت وابيضّ مفرقيأسام الذي أعيبت إذ أنا أمرد
أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
والله يحسن جزاءهم: إن كان ما فعلوه حفاظا فهو منّة عظيمة، وإن كان نفاقا فهو عشرة جميلة. وانصرفت وماء وجهي في سقاء غير سرب، ما أرقت منه قطرة في طلب أدب ولا مال. ومنذ فارقت العشرين من العمر ما حدّثت نفسي باجتداء علم من عراقيّ ولا شآم. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً
(الكهف:).
والذي أقدمني تلك البلاد مكان دار الكتب بها.
ولست وإن أحببت من يسكن الغضابأوّل راج حاجة لا ينالها
شرفا لذلك المنزل منزلا، وللسّاكنين به نفرا، ولماء دجلة واديا ومشربا.
وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ماتخلّيت من حبل الهوى وتخلّت
لكالمبتغي ظلّ الغمامة كلّماتبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وكنت إذا خبّرت رجلا بمسيري بانت فيه كآبة، وبدت عليه كبوة، فكتمت ذلك عنهم كتمان المرأة ضرّتها بالغيب، ما في جسدها من سوء وعيب. فلمّا علق حرباء البين تنضبته، ووقف صرد الفراق موقفه، كنت وإيّاهم كأبي قابوس وبني رواحة:
قال لهم خيرا وأثنى عليهموودّعهم وداع أن لا تلاقيا
وسرت عن بغداد لستّ بقين من شهر رمضان، سيرا تنحط إبله، وتئطّ نسوعه، وتوقّع الغرق سفنه، يودّ الماشي الرّجيل فيه أنّه بعض الرّكب، ولو كانوا ركبان الجذوع؛ وأنه انتعل ولو بأديم الوجه والجبين، واضطجع ولو على القصد والشّبهان. عند الصّباح يحمد القوم السّرى. الغمرات ثمّ ينجلين.
ومررت بطرف الشّهباء؛ لأنّي سلكت طريق الموصل وميّافارقين، وفيها أمواه كأمواه الطثرة والعذيب فسبحان الله القديم!
وردت مياها ملحة فكرهتهافسقيا لأهلي الأوّلين ومائيا
كلّما شحجت النّواعب قلت خيرا أيّتها الطّير، لا علم لك بما كان ولا علم لك بما يكون. وراءك وراءك! فغيري من تهيّبين. طالما نزل نازلك على النّبيلة
فهاض جناحه الوليد.
من مبلغ عمرو بن لأي حيث كان من الأقاوم
لا يمنعنّك من بغاء الخير تعقاد التّمائم
فلقد غدوت وكنت لاأغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولاشرّ على أحد بدائم
ولمّا نزلنا بالحنيّة، تساوى حامل المال وحامل الرّمال، وقلّ بلاء الغادي أين قال، والرّائح أين عرّس وبات. فلم نزل كذلك حتى بلغنا آمد، ثمّ عادت السّبيل إلى غوائلها، وسدكت الرّفاق بمخاوفها.
فما بلّغتنا إلّا جريضابلا نقي العظام ولا سنام
ولمّا فاتني المقام بحيث اخترت، أجمعت على انفراد يجعلني كالظّبي في الكناس، ويقطع ما بيني وبين النّاس، إلّا من وصلني الله به وصل الذّراع باليد، واللّيلة بالغد.
وأنا أحمل إلى مولاي، أدام الله عزّه، وإلى مولاي أبي طاهر، عضدني الله ببقائه، سلاما له نضرة الألاء. وصفاء الماء، وعذوبة الأري، وتتابع القطر، وخلود النّجوم، وأرج العرار، وتألّق الوميض. والسلام.
وكتب إلى أهل معرّة النعمان مقدمه من بغداد ولم يصل إليهم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هذا كتاب إلى السّكن المقيم بالمعرّة، شملهم الله بالسّعادة، من أحمد بن عبد الله بن سليمان، خصّ به من عرفه وداناه، سلّم الله الجماعة ولا أسلمها، ولمّ شعثها ولا آلمها.
أمّا الآن فهذه مناجاتي إيّاهم منصرفي عن العراق، مجتمع أهل الجدال، وموطن بقيّة السّلف، بعد أن قضّيت الحداثة فانقضت، وودّعت الشّبيبة فمضت، وحلبت الدّهر أشطره، وجرّبت خيره وشرّه، فوجدت أوفق ما أصنعه في أيّام الحياة، عزلة تجعلني من النّاس كبارح الأروى من سانح النّعام. وما ألوت نصيحة لنفسي، ولا قصّرت في اجتذاب المنفعة إلى حيّزي. فأجمعت على ذلك، واستخرت الله فيه، بعد جلائه على نفر يوثق بخصائلهم، فكلّهم رآه حزما، وعدّه إذا تمّ رشدا.
وهو أمر سري عليه بليل، قضي ببقّة، وخبّت به النّعامة، ليس بنتيج السّاعة، ولا ربيب الشّهر والسنة، ولكنّه غذيّ الحقب المتقادمة، وسليل الفكر الطّويل. وبادرت إعلامهم ذلك، مخافة أن يتفضّل منهم متفضّل بالنّهوض إلى المنزل الجارية عادتي بسكناه ليلقاني فيه، فيتعذّر ذلك عليه، فأكون قد جمعت بين سمجين: سوء الأدب وسوء القطيعة. وربّ ملوم لا ذنب له. والمثل السّائر: خلّ امرأ وما اختار. وما سمحت القرون بالإياب، حتّى وعدتها أشياء ثلاثة: نبذة كنبذة فتيق النّجوم، وانقضابا من العالم كانقضاب القائبة من القوب، وثباتا في البلد إن حال أهله من خوف الرّوم. فإن أبى من يشفق عليّ أو يظهر الشّفق إلا النّفرة مع السّواد، كانت نفرة الأعفر أو الأدماء. وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب، ولا أتكثّر بلقاء الرّجال،
ولكن آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس مكان لم يسعف الزّمن بإقامتي فيه.
والجاهل مغالب القدر. فلهيت عمّا استأثر به الزّمان. والله يجعلهم أحلاس الأوطان، لا أحلاس الخيل والرّكاب؛ ويسبغ عليهم النّعمة سبوغ القمراء الطّلقة على الظّبي الغرير، ويحسن جزاء البغداديّين؛ فلقد وصفوني بما لا أستحقّ، وشهدوا لي بالفضيلة على غير علم، وعرضوا عليّ أموالهم عرض الجدّ، فصادفوني غير جذل بالصّفات، ولا هشّ إلى معروف الأقوام. ورحلت وهم لرحيلي كارهون. وحسبي الله وعليه يتوكل المتوكّلون.
وكتب إلى أبي طاهر المشرّف بن سبيكة وهو ببغداد، يذكر له أمر شرح السيرافي وما جرى فيه من التعب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لله الحمد، ما أحصي خطأ وعمد؛ وصلى الله على محمد ما التأم شعب، وعلا كعبا كعب.
شوقي إلى سيّدي الشيخ شوق البلاد الممحلة، إلى السّحابة المسحلة.
وانتفاعي بقربه انتفاع الأرض الأريضة، بالأمواه الغريضة. وتشوّفي لأخباره تشوّف راعي أنعام، أجدب في عام بعد عام؛ لبارق يمان، هو له مرتقب ممان. وأسفي لفقده أسف وحشيّة، رادت بالعشيّة، فخالفها السّرحان إلى طلا راد فحار؛ فهي تطوف حول أميل، وترى صبرها ليس بجميل. وتذكّري لأوقاته تذكّر الفطيم ثدي الوالدة، والمقسم بالملح لبني خالدة. وانتظاري لقدومه انتظار تاجر مكّة وفد
الأعاجم، وربّ الماشية ظهور النّبت النّاجم. وفزعي إلى نجدته فزع الغرق إلى سيف دان؛ والفرق إلى سيف ليس بددان؛ واعتذاري من التثقيل عليه اعتذار الورقاء من الغدر، وأبي جهل من حضور بدر. وثقتي بمكارمه ثقة راكب الماء بالعامة، والحارث بالنّعامة. وشكري على أياديه حبيس ليس بمحتبس، يتجدّد مع النّفس.
وفي هذا اليوم، وهو يوم كذا، وصل كتابه فسررت به سرور الظّمآن ورد نميرا، والسّاهر صادف سميرا. وكان ما ضمنه من ذكر سلامته بشرى لها تخفّ الأحلام، خفّة القائل ولا يلام: يا بشراي هذا غلام. والله يمنّ باجتماع، ليس بعده من إزماع.
وفهمت ما ذكره من أمر النّسخة المحصّلة. وهو، أدام الله عزّه، الكريم المتكّرم، وأنا المثقل المبرم، جرى في التفضّل على الرّسم، وألححت إلحاح الوسم. فإمّا الشّرح إن سمح القدر، وإلّا فهو هدر. وقد كنت قلت في بعض كتبي إلى سيّدي: إن كانت الخطوط مختلفة، والأبواب مؤتلفة، فلا بأس. يغني عن لبس السّرق، ثوب جمع من شتّى خرق. ما عدا خطّ عليّ بن عيسى؛ فإنّه رجل اتّكل على ما في صدره، فتهاون بإحكام سطره. وإنّما رجوت ببركته أن يرتفق أناس كما قال الله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
(يوسف:) فأمّا أنا فلا أقول: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
(يوسف:).
وأمّا ما ذكره من فساد النّاس فأحلف ما حلم أديم: إنّ ذلك لداء قديم؛
النّمرة بنت النّمرة، والقتادة أخت السّمرة. وهو- أدام الله تأييده- من الملامة، في أحصن لامة؛ فلا يبعثه تعذّر الحاجة، على اللجاجة. أهو الكتاب المكنون، الذي لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
(الواقعة:) إنما هو أباطيل أتياه، وتعليل في أيام الحياة. وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
(الحديد:) فأمّا سيّدي الشيخ أبو عمرو، فإنّ اسمه وافق آية، بلغت بفألها النهاية؛ وهي قوله جلّ اسمه: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ
(إبراهيم:) وأنا والجماعة نهدي إلى سيّدي الشيخ وإلى جميع أصدقائه، سلاما تأرج الكتب بحمله، وتروض المجدبة من سبله. وحسبي الله.
وكتب إلى أبي عمرو الاستراباذي، في أمر شرح السّيرافي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سلام كالعترة الهنديّة، والرّوضة النجدية؛ يتّصل بسحاب غمر، إلى الشيخ الفاضل أبي عمرو، أطال الله بقاءه ما سكنت ألف، وافتقر إلى جواب حلف، وقرنه الله بسعد دان، كما تقارن الفرقدان؛ لا يرهب منهما فراق، ما تبع الشروق إشراق.
فشوقي إليه لو تذرّى جبلا أتعبه، أو سلك في واد لرعبه؛ جمع الله بيننا في دار مقام، سالمة من الانتقام.
وورد كتابه فأبهجني ابتهاج الطائر المحتبس بالتسريح، والأسير المصفّد بفكاك مريح، وسررت بخبر سلامته سرور الداريّين، أحدهما بنسكه، والآخر بمسكه.
أدامهما الله له حتّى يصير سهيل قمرا، والدرّ في العضاه ثمرا. وقد أثنيت وشكرت، وفي إملال الصديق ابتكرت. أو غلت كلّ الإيغال، وقطعت عن مهمّ الأشغال. إذ
كانت عند طلّاب العلم بمدينة السلام كشجر العرى لا يسقط ورقه، والماء الصّرى لا يؤمن شرقه. لا سيّما من جمع نور الآداب، من كل هضب وعداب.
كان أيسر من عنائه في ذلك قذف الشّرح في سيح؛ حتّى يعشب خدّ شريح. فهو فيما روي ثطّ، ما أشعر وجهه قطّ، كفاني الله وله الحباء، أن تبدل من الشين الباء، فيصير الشرح من الشّقاء، البرح على الأصدقاء. أهو المصدر من قوله تعالى:
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
(الشرح:) أم من قوله عزّ سلطانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
(الأنعام:) إنّما هو أفانين كلام أصبح وهو مجموع، المقيس فيه والمسموع؛ لا يخلد من رواه، قد عاش النّاس بسواه. إنّي وحياته الكريمة قد خفت أن يجعلني الإخوان لأجله فيمن شرح بالكفر صدرا، ولن أخاف منهم غدرا؛ لا الصّارم صقلت، ولا في الشّامخ توقّلت. والكريم المبرّز كجواد بعيد الشأو، كلّف شأوا بعد شأو، فجاء محمود الآثار، منزّها عن كلّ عثار، دالّا على اليمن بغرّة زاهرة، ودائرة سمامة ظاهرة. ولن أقول لمن غاب: ريش سهمه اللّغاب؛ ولا أقرأ لكتاب أبي سعيد: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع