من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
الباب الثاني عشر فيما قيل من الشعر في السّيف الذي بصومعة جامع القرويين من مدينة فاس
وها أنا أثبت-هنا-جملة من مقطعات لشعراء مدينة فاس في السيف الذي بمنار جامع القرويين، مع جملة من كلامي في تاريخ السيف المذكور؛ فنقول:
اجتمع في شهر ربيع الآخر من عام أربعة وستين وسبع مئة بجامع القرويين من مدينة فاس جماعة من طلبتها الأذكياء، وأدبائها النّبلاء وكنت في جملتهم؛ أسمع كلامهم. فتكلّموا في السيف الذي بأعلى الصومعة، ولم جعل هنالك. فقال قائل: جعل طلّسما على البلد، لما كان عليه الناس حينئذ من الافتئات على الأمراء، وقلة الانقياد. ولأجل ذلك لا يبيت إنسان بها إلا مغموما! وقال الآخرون غير ذلك. وأنا أذكر إن شاء الله حقيقة الأمر فيه. ثم آتي بعد ذلك بجملة ما قالوه في ذلك من الشعر مرتبا حسب ما وقع لا على مراتب القوم ومنازلهم.
اعلم-وفقك الله-أن أصحاب التاريخ قالوا إنه لما تم العمل في بناء الصومعة على
يد الأمير أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن أبي سعيد الزّناتي-وكان عاملا لأمير المؤمنين الناصر لدين الله، القائم بأمر الله عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني الخليفة الأندلسي-على مدينة فاس، وكان من أهل الفضل والدين، وذلك في شهر ربيع الأول من خمس وأربعين وثلاث مئة؛ جعل في أعلى الصومعة قبّة صغرى، ووضع في ذروتها تفافيح مموّهة بالذهب في زجّ من حديد. وركب في الزج سيف أمير المؤمنين إدريس بن أمير المؤمنين إدريس بن عبد الله بن حسن بن أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب-كرم الله وجوههم-الذي أسس المدينة.
وسبب جعله هنالك أن الأمير أحمد بن أبي بكر لما فرغ من بناء الصومعة اختصم إليه بعض حفدة أمير المؤمنين إدريس في السيف، وطلب كل واحد أن يمتاز به ويحوزه لنفسه، وطال النزاع فيه. فقال لهم الأمير أحمد: هل لكم أن تسلموه لي وتتركوا النزاع فيه؟ فقالوا له: ما تصنع به؟ قال لهم:
أجعله في أعلى هذه الصومعة تبركا به، وليكون لكم ذكر بسببه. فقالوا له:
قد وهبناه لك طيّبة به نفوسنا؛ فجعله في ذروتها.
ولنرجع الآن لسرد أقوالهم المنظومة فيه. فكان أول من فتح فيه باب القول للشعراء شاعر هذا الأوان، وحائز خصل السبق بهذا الميدان صاحبنا
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع