من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قيل في الشيب والخضاب من المدح والذم
فأما مدح الشيب، فقد
ورد عن رسول الله ﷺ: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة».
وقال ابن أبى شيبة: «نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب وقال: هو نور المؤمن».
وفي الحديث عن النبىّ ﷺ: «ان أوّل من رأى الشيب إبراهيم الخليل ﵇، فقال: يا ربّ ما هذا؟ فقال له: الوقار، فقال: رب زدنى وقارا».
وتأمل حكيم شيبه فقال: مرحبا بزهرة الحنكة ويمن الهدى ومقدّمة العفّة ولباس التقوى.
وقيل: دخل أبو دلف على المأمون وعنده جارية له، وكان أبو دلف قد ترك الخضاب، فأشار المأمون إلى الجارية فقالت له: شبت يا أبا دلف، إنا لله وإنا اليه راجعون. فسكت عنها أبو دلف، فقال له المأمون: أجبها، فقال:
تهزّأت إذ رأت شيبى فقلت لها:لا تهزئى من يطل عمر به يشب!
شيب الرجال لهم زين ومكرمة،وشيبكن لكنّ الويل فاكتئبى!
فينا لكنّ- وإن شيب بدا- أرب،وليس فيكنّ بعد الشّيب من أرب!
وقال آخر:
أهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا،أهلا به من وافد ونزيل!
أهدى الوقار وذاد كلّ جهالةكانت، وساق إلى كلّ جميل
فصحبت في أهل التقى أهل النهىولقيت بالتعظيم والتبجيل
ورأى لى الشّبّان فضل جلالةلما اكتهلت، وكنت غير جليل
فإذا رأونى مقبلا، نهضوا معا:فعل المقرّ لهيبة التفضيل
إن قلت، كنت مصدّقا في منطقى،ماضى المقالة حاضر التعديل
وقال مسلم بن الوليد:
الشّيب كره، وكره أن يفارقنىاعجب لشىء على البغضاء مودود
وقال علىّ بن محمد الكوفىّ:
بكى للشّيب، ثم بكى عليهوكان أعزّ من فقد الشّباب
فقل للشّيب: لا تبرح حميداإذا نادى شبابك بالذّهاب
وقال العسكرىّ:
يودّ أنّ شيبهإذ جاء لا ينصرف
يخلف ريعان الصّباوالموت منه خلف
وقال ابن المعتزّ:
قد يشيب الفتى، وليس عجيباأن يرى النّور في القضيب الرّطيب
وقال أبو تمام:
ولا يؤرّقك إيماض القتير بهفإنّ ذاك ابتسام الرأى والأدب
وقال أبو الفتح البستى:
يا شيبتى دومى ولا تترحّلىوتيقّنى أنّى بوصلك مولع!
قد كنت أجزع من حلولك مرة،فالآن من خوف ارتحالك أجزع!
وقال آخر:
فأمّا المشيب فصبح بداوأما الشّباب فليل أفل
سقى الله هذا وهذا معافنعم المولّى ونعم البدل!
وقال أبو الفتح كشاجم:
تفكّرت في شيب الفتى وشبابهفأيقنت أن الحقّ للشّيب واجب
يصاحبنى شرخ الشباب فينقضى،وشيبى لى حتّى الممات مصاحب
وقال أبو العلاء السروىّ، شاعر اليتيمة:
حىّ شيبا أتى لغير رحيل،وشبابا مضى لغير إياب!
أىّ شىء يكون أحسن من عاج مشيب في آبنوس شباب؟
وقال أبو عوانة الكاتب:
هزئت إذرأت مشيبى، وهل غير المصابيح زينة للسماء؟
وتولّت فقلت قولا بإفصاح لها، لا بالرّمز والإيماء:
إنما الشيب في المفارق كالنّور بدا والسّواد كالظلماء
لا محيص عن المشيب أو الموت، فكن للحوباء أو للنّماء!
إن عمرا عوّضت فيه عن الموت بشيب من أعظم النّعماء!
وقال ابن عبد ربه:
كأنّ سواد لمته ظلاميطلّ من المشيب عليه نور
وقال أبو عبد الله الاسباطى:
لا يرعك المشيب، يا ابنة عبد اللّه، فالشيب زينة ووقار!
إنما تحسن الرّياض إذا ماضحكت في ظلالها الأنوار
وأما ما ورد في ذم الشيب، قال قيس بن عاصم رحمة الله عليه: الشيب خطام المنيّة.
وقال غيره: الشيب نذير الموت.
وقد ورد في بعض التفاسير في قوله ﵎ (وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ)
. قيل: هو الشيب.
وقال أعرابىّ: كنت أنكر البيضاء، فصرت أنكر السوداء؛ فيا خير مبدول ويا شرّ بدل.
وقيل للنبىّ ﷺ: عجّل عليك الشيب يا رسول الله، قال: «شيّبتني هود وأخواتها»
. قيل: هى عبس، والمرسلات، والنازعات.
وقيل لعبد الملك بن مروان: عجّل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، قال: شيبنى ارتقاء المنابر وتوقّع اللحن.
وقال بعضهم: خرجت إلى ناحية الطّفاوة، فإذا أنا بامرأة لم أر أجمل منها، فقلت:
أيتها المرأة، إن كان لك زوج فبارك الله له فيك، وإلا فأعلمينى. قال فقالت:
وما تصنع بى؟ وفيّ شىء لا أراك ترتضيه. قلت: وما هو؟ قالت: شيب في رأسى.
قال: فثنيت عنان دابتى راجعا، فصاحت بى: على رسلك، أخبرك بشىء، فوقفت وقلت: وما هو، يرحمك الله؟ قالت: والله ما بلغت العشرين بعد، وهذا رأسى فكشفت عن عناقيد كالحمم، وقالت: والله ما رأيت برأسى بياضا قطّ، ولكن أحببت أن تعلم أنّا نكره منك ما تكره منا، وأنشدت:
أرى شيب الرّجال من الغوانىبموضع شيبهنّ من الرجال!
قال: فرجعت خجلا، كاسف البال.
قال أبو تمام:
غدا الشيب مختطا بفودىّ خطّةسبيل الرّدى منها إلى النفس مهيع
هو الزّور يجفى، والمعاشر يجتوى،وذو الإلف يقلى، والجديد يرقّع
له منظر في العين أبيض ناصع،ولكنه في القلب أسود أسفع
وقال آخر:
تقول لمّا رأت مشيبىبدا، وعندى له انقباض:
لا ترج عطفا عليك منّى،سوّد ما بيننا البياض!
وقال آخر:
وقالوا: مشيب المرء فيه وقاره،وما علموا أن المشيب هو العيب
وأىّ وقار لامرئ عرّى الصّبا،ومن خلفه شيب وقدّامه شيب؟
وقال آخر:
من شاب، قد مات وهو حىّ،يمشى على الأرض مشى هالك!
لو كان عمر الفتى حساباكان له شيبه فذلك
وقال محمود الورّاق:
بكيت لقرب الأجل،وبعد فوات الأمل!
ووافق شيب طرابعقب شباب رحل
شباب كأن لم يكنوشيب كأن لم يزل
طوى صاحب صاحباكذاك اختلاف الدّول!
وقال عبيد بن الأبرص:
والشيب شين لمن أمسى بساحته!لله درّ شباب اللّمة الخالى
وقال البحترىّ:
وددت بياض السيف يوم لقيننىمكان بياض الشيب حلّ بمفرقى
وقال أبو العتاهية:
عريت عن الشباب، وكان غضّا،كما يعرى من الورق القضيب
ألا ليت الشباب يعود يومافأخبره بما فعل المشيب!
وقال آخر:
يا حسرتا أين الشباب الذىعلى تعدّيه المشيب اعتدى؟
شبت، فما أنفكّ من حسرةوالشيب في الرأس رسول الرّدى!
إنّ مدى العمر قريب فمابقاء نفسى بعد قرب المدى؟
وقال آخر:
هذا عذارك بالمشيب مطرّزفقبول عذرك في التصابى معوز!
ولقد علمت- وما علمت توهّما-أن المشيب لهدم عمرك يرمز
وقال أيضا:
ألست ترى نجوم الشّيب لاحتوشيب المرء عنوان الفساد!
وقال أيضا:
أبلى جديدى هذان الجديدانوالشأن في أن هذا الشّيب ينعانى!
كأنما اعتمّ رأسى منه بالجبل الراسى، فأوهنى ثقلا وأوهانى
وقال آخر:
لما رأت وضح المشيب بعارضىصدّت صدود مجانب متحمّل
فجعلت أطلب وصلها بتلطّف،والشيب يغمزها بأن لا تفعلى!
وقال كشاجم:
ضحكت! من شيبة ضحكتلسواد اللّمّة الرجله
ثم قالت وهى هازئة:جاء هذا الشيب بالعجله!
قلت: من حبّيك، لا كبر،شاب رأسى فانثنت خجله
وثنت جفنا على كحلهى منه الدّهر مكتحله
أكثرت منه تعجّبها!فهى تجنيه وتعجب له
وقال أبو تمام:
دقة في الحياة تدعى جلالا،مثل ما سمّى اللّديغ سليما
غرّة مرّة ألا إنّما كنت أغرّا أيام كنت بهيما
وقال ابن المعتز:
لقد أبغضت نفسى في مشيبىفكيف تحبّنى الخود الكعاب؟
وقال أبو هلال العسكرىّ:
فلا تعجبا أن يعبن المشيبافما عبن من ذاك إلا معيبا!
إذا كان شيبى بغيضا إلىّفكيف يكون إليها حبيبا؟
وقال محمد بن أميّة:
رأين الغوانى الشيب لاح بعارضى،فأعرضن عنّى بالخدود النّواضر
وكنّ إذا أبصرننى أو سمعن بى،دنون فرقّعن اللّوى بالمحاجر
وقال آخر:
قالت، وقد راعها مشيبى:كنت ابن عمّ فصرت عمّا
واستهزأت بى، فقلت أيضا:قد كنت بنتا فصرت أمّا
وقال آخر:
تضاحكت لمّا رأتشيبا تلالا غرره
قلت لها: لا تعجبىأنبيك، عندى خبره
هذا غمام للردّى،ودمع عينى مطره
ومما قيل في الخضاب من المدح، ما
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «غيّروا هذا الشيب، وجنّبوه السواد».
وكان أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه يخضب بالحناء وبالكتم.
وقد مدح الشعراء الخضاب.
فمن ذلك قول عبد الله بن المعتزّ:
وقالوا: النّصول مشيب جديد!فقلت: الخضاب شباب جديد!
إساءة هذا بإحسان ذافإن عاد هذا فهذا يعود
وقال أبو الطيب المتنبى:
وما خضب الناس البياض لأنّهقبيح، ولكن أحسن الشّعر فاحمه
وقال محمود الورّاق:
للضّيف أن يقرى ويعرف حقّه!والشيب ضيفك، فاقره بخضاب
وقال عبدان الأصبهانىّ:
فى مشيبى شماتة لعداتى،وهو ناع منغّض لحياتى
ويعيب الخضاب قوم، وفيهأىّ أنس إلى حضور وفاتى
لا ومن يعلم السرائر منّىما به رمت خلّة الغانيات
إنما رمت أن يغيّب عنىما ترينيه كلّ يوم مراتى
وهو ناع إلىّ نفسى، ومن ذاسرّه أن يرى وجوه النّعات؟
وقال ابن الرومىّ:
يا بياض المشيب سوّدت وجهى،عند بيض الوجوه سود القرون!
فلعمرى، لأخفينّك جهدىعن عيانى وعن عيان العيون!
ولعمرى، لأمنعنّك أن تضحك في رأس آسف محزون!
بخضاب فيه ابيضاض لوجهىوسواد لوجهك الملعون!
وقال آخر:
نهى الشيب الغوانى عن وصالىوأوقع بين أحبابى وبينى
فلست بتارك تدبير ذقنىإلى أن ينقضى أمدى لحينى
أدبّر لحيتى ما دمت حيّاوأعتقها ولكن بعد عينى
وقال آخر:
قالوا: فلان لم يشب،وأرى المشيب عليه أبطا
فأجبتهم: لولا حديث الصّبغ لانكشف المغطّى
ومما قيل في ذم الخضاب: قال محمود الورّاق، ﵀:
يا خاضب الشيب الّذىفى كلّ ثالثة يعود
إن النّصول إذا بدافكأنه شيب جديد
وله بديهة روعةمكروهها أبدا عتيد
فدع المشيب لما أراد فلن يعود لما تريد
وقال آخر:
تستّر بالخضاب، وأىّ شىء.أدلّ على المشيب من الخضاب؟
وقال ابن الرومىّ:
قل للمسوّد حين سوّد: هكذاغشّ الغوانى في الهوى إياكا!
كذب الغوانى في سواد عذاره،فكذبنه في ودّهنّ كذاكا!
وقال المتنبى:
ومن هوى كلّ من ليست مموّهةتركت لون مشيبى غير مخضوب
ومن هوى الصدق في قولى وعادتهرغبت عن شعر في الوجه مكذوب
وقال الأمير شهاب الدين بن يغمور عفا الله عنه:
يا صابغ الشّيب، والأيام تظهره:هذا الشباب، وحقّ الله مصنوع!
إن الجديد إذا ما كان في خلقيبين للناس أن الثوب مرقوع
وأما ما وصف به الوجه، فمن ذلك ما قيل في المذكر قال الوجيهىّ:
مستقبل بالذى يهوى، وإن كثرتمنه الإساءة، معذور بما صنعا
فى وجهه شافع يمحو إساءتهمن القلوب، وجيها حيثما شفعا
وقال الآخر:
رأيت الهلال على وجههفلم أدر أيّهما أنور؟
سوى أنّ ذاك قريب المزاروهذا بعيد لمن ينظر
وذاك يغيب وذا حاضرفما من يغيب كمن يحضر
ونفع الهلال كثير لناونفع الحبيب لنا أكثر
وقال ابن لنكك:
البدر والشمس المنيرة والدّمى والكوكب:
أضحت ضرائر وجههمن حيث يطلع تغرب
وكأنّ جمر جوانحىفى خدّه يتلّهب
وكأنّ غصن قوامهمن ماء دمعى يشرب
وصوالج في صدغهبسواد قلبى تلعب
وقال ابن المعدّل:
نظرت إلى من زيّن الله وجهه،فيا نظرة كادت على عاشق تقضى!
وكبّرت عشرا، ثم قلت لصاحبى:متى نزل البدر المنير إلى الأرض؟
وقال الخبز أرزّى:
رأيت الهلال ووجه الحبيبفكانا هلالين عند النّظر
فلم أدر من حيرتى فيهماهلال الدّجى من هلال البشر!
فلولا التورّد في الوجنتينوما راعنى من سواد الشّعر،
لكنت أظنّ الهلال الحبيبوكنت أظنّ الحبيب القمر!
وقال أبو الشيص:
تخشع شمس النهار طالعةحين تراه، ويخشع القمر
تعرفه أنه يفوقهمابالحسن، فى عين من له بصر
وقال أبو هلال العسكرىّ:
ووجه نشرّب ماء النعيم،فلو عصر الحسن منه العصر
وقال آخر:
ليس فيها أن يقال لها:كملت، لو أن ذا كملا
كلّ جزء من محاسنهاصائر من حسنها مثلا
وقال عمر بن أبى ربيعة:
وفتاة إن يغب بدر الدّجى،فلنا في وجهها عنه خلف
أجمع الناس على تفضيلها،وهواهم في سواها مختلف
وقال الجمانىّ من أبيات:
نرى الشمس والبدر معناهمابها واحدا، وهما معنيان
إذا طلعت وجهها، أشرقابطلعتها، وهما آفلان
ومما وصف به صفاء الوجه ورقّة البشرة، فمن ذلك ما قيل مذكرا.
قال أبو نواس:
نظرت إلى وجهه نظرةفأبصرت وجهى في وجهه
وقال آخر.
أعد نظرا! فما في الخدّ نبت،حماه الله من ريب المنون!
ولكن رقّ ماء الوجه حتّىأراك مثال أهداب الجفون!
ومثله قول الآخر:
ولما استدارت أعين الناس حولهتلاحظه كيف استقلّ وسارا،
تمثّلت الأهداب في ماء وجهه،فظنّوا خيال الشّعر فيه عذارا
وقال الأرّجانىّ
ما أنس، لا أنسى له موقفا،والعيس قد ثوّرهنّ الحداه
لمّا تجلّى وجهه طالعا،وقد ترامت نظرات الوشاه
قابلنى حين بدت أدمعىفى خدّه المصقول مثل المراه
يوهم صحبى أنه مسعدىبأدمع لم تذرها مقلتاه
وإنما قلّدنى منّةبدمع عين من جفونى امتراه
ولم تقع في خدّه قطرةإلا خيالات دموع البكاه
وقال أيضا:
وأغيد رقّ ماء الوجه منه،فلو أرخى لثاما عنه، سالا
تبين سوادها الأبصار فيه،فحيث لحظت منه، حسبت خالا
ومن ذلك ما قيل في المؤنث، قال بشار
وما ظفرت عينى غداة لقيتهاشىء، سوى أطرافها والمحاجر
بحوراء من حور الجنان عزيزة،يرى وجهه في وجهها كلّ ناظر
وقال السرىّ الرفاء
بيضاء تنظر من طرف تقلّبهمفرّق بين أجساد وأرواح
ماء النعيم على ديباج وحنبهايجول بين حتى ورد وتفّاح
رقّت فلو مرج الماء القراح بهاوالراح، لامترجت بالماء والراح
وقال آخر:
ليس فيها أن يقال لها:كملت، لو أن ذا كملا
كلّ جزء من محاسنهاصائر من حسنها مثلا
وقال عمر بن أبى ربيعة:
وفتاة إن يغب بدر الدّجى،فلنا في وجهها عنه خلف
أجمع الناس على تفضيلها،وهواهم في سواها مختلف
وقال الجمانىّ من أبيات:
نرى الشمس والبدر معناهمابها واحدا، وهما معنيان
إذا طلعت وجهها، أشرقابطلعتها، وهما آفلان
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع