من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أقوال وأشعار في الطلب والدعاء
وقال أبو نواس:
أتتّبع الظرفاء أكتب عنهمكيما أحدّث من أحبّ فيضحكا
وقال آخر:
قدرت فلم أترك صلاح عشيرتيوما العفو إلا بعد قدرة قادر
وقال آخر:
أخو الجدّ إن جدّ الرجال وشمّرواوذو باطل إن شئت ألهاك باطله
قبيصة بن عمر المهلبيّ، أن رجلا أتى ابن أبي عيينة، فسأله أن يكتب إلى داود بن يزيد كتابا، ففعل وكتب في أسفله:
إن امرأ قذفت إليك بهفي البحر بعص مراكب البحر
تجري الرياح به فتحملهوتكفّ أحيانا فلا تجري
ويرى المنيّة كلما عصفتريح به للهول والذعر
للمستحقّ بأن تزودهكتب الأمان له من الفقر
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما وجد أحد في نفسه كبرا إلا من مهانة يجدها في نفسه.
ودخل رجل من بني مخزوم، وكان زبيريا، على عبد الملك بن مروان،
فقال له عبد الملك: أليس قد ردك الله على عقبيك؟ قال: أو من رد إليك فقد رد على عقبيه؟ فاستحيا وعلم أنه قد أساء.
وقال المخبل:
إذا أنت لاقيت الرجال فلاقهموعرضك من غثّ الأمور سليم
وقال النضر بن خالد:
كبره يبلغ الكواكب إلاأنه في مروءة البقّال
وقال خداش بن زهير:
الناس تحتك أقدام وأنت لهمرأس فكيف يسوّى الرأس والقدم
إنّا لنعلم إنا ما بقيت لنافينا السماح وفينا الجود والكرم
وحسبنا من ثناء المادحين إذاأثنوا عليك بأن يثنوا بما علموا
وقال ابن عباس ﵄: كانت قريش تألف منزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه لخصلتين: العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان يجالسه.
قال الأصمعي: وقف أعرابي يسأل فقال:
ألا فتى أروع ذا جمالمن عرب الناس أو الموالي
يعينني اليوم على عياليقد كثّروا همّي وقلّ مالي
وساقهم جدب وسوء حالوقد مللت كثرة السؤال
وقال أعرابي:
يا ابن الكرام والدا وولدالا تحرمنّ سائلا تعمّدا
أفقره دهر عليه قد عدامن بعد ما كان قديما سيّدا
وقال أعرابي: اللهم أسألك قلبا توّابا أوّابا، لا كافرا ولا مرتابا.
وهب رجل لأعرابي شيئا فقال: جعل الله للخير عليك دليلا، وجعل عندك رفدا جزيلا، وأبقاك بقاء طويلا، وأبلاك بلاء جميلا.
وقف أعرابي على قوم فمنعوه فقال: اللهم أشغلنا بذكرك، واعذنا من سخطك، وجنّبنا إلى عفوك، فقد ضن خلقك على خلقك برزقك، فلا تشغلنا بما عندهم عن طلب ما عندك، وآتنا من الدنيا القنعان، وإن كان كثيرها يسخطك، فلا خير فيما يسخطك.
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يدعو وهو يقول: اللهم أغفر لي إذ الصحف منشورة، والتوبة مقبولة، قبل أن لا أقدر على استغفارك، حين ينقطع الأمل، ويحضر الأجل، ويفنى العمل.
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يدعو وهو يقول: اللهم أرزقني مالا أكبت به الأعداء، وبنين أصول بهم على الأقوياء.
وكان منادي سعد بن عبادة يقول على أطمه: من أراد خبزا ولحما فليأت أطم سعد. وخلفه ابنه قيس بن سعد، فكان يفعل كفعله، فإذا أكل الناس رفع يده إلى السماء وقال: اللهم إني لا أصلح على القليل، ولا يصلح القليل لي. اللهم هب لي حمدا ومجدا، فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.
وقال أعرابي: اللهم إن لك علي حقوقا فتصدّق بها علي، وللناس علي حقوقا فأدها عني، وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك، فاجعل قراي في هذه الليلة الجنة.
وقف أعرابي على قوم يسألهم فأنشأ يقول:
هل من فتى عنده خفّان يحملنيعليهما إنني شيخ على سفر
أشكو إلى الله أهوالا أمارسهامن الصّداح ب؟؟؟ ي سيّء البصر
إذا سرى القوم لم أبصر طريقهمإن لم يكن عندهم ضوء من القمر
الأخفش قال: خرج أعرابي يطلب الصدقة ومعه ابنتان له، فقالت ابنته لما رأت إمساك الناس عنه:
يأيها الراكب ذو التّعريسهل فيكم من طارد للبوس
عن ذي هداج بيّن التقويسبفضل سربال له دريس
أو فاضل من زاده خسيسأثابه الرحمن بالنفيس
ووقف سائل على الحسن فقال: رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلّة.
وقال الطائي:
فتى كلما فاضت عيون قبيلةدما ضحكت عنه الأحاديث والذكر
فتى مات بين الطعن والضرب ميتةتقوم مقام النصر إذ فاته النصر
وقال:
بكر إذا ابتسمت أراك وميضهانور الأقاح برملة ميعاس
وإذا مشت تركت بصدرك ضعف مابحليّها من كثرة الوسواس
قالت وقد حمّ الفراق فكأسهقد خولط الساقي بها والحاسي
لا تنسين تلك العهود فإنماسميت إنسانا لأنك ناسي
هدأت على تأميل أحمد همتيوأطاف تقليدي به وقياسي
نور العرارة نوره ونسيمهنشر الخزامى في اخضرار الآس
أقدام عمرو في سماحة حاتمفي حلم أحنف في ذكاء إياس
لا تنكروا ضربي له من دونهمثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقلّ لنورهمثلا من المشكاة والنبراس
وقال:
احفظ رسائل شعر فيك ما ذهبتخواطر البرق إلا دون ما ذهبا
يغدون مغتربات في البلاد فمايزلن يونسن في الآفاق مغتربا
ولا تضعها فما في الأرض أحسن مننظم القوافي إذا ما صادفت أدبا
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع