من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
نقد الشعر والشعراء
أسر رؤبة في بعض حروب تميم فمنع الكلام، فجعل يصرخ: يا صباحاه، ويا بني تميم أطلقوا من لساني.
وربما قال الشاعر في هجائه قولا يعيب به المهجوّ فيمتنع من فعله المهجو وإن كان لا يلحق فاعله ذم. وكذلك إذا مدحه بشيء أولع بفعله وإن كان لا يصير إليه بفعله مدح.
فمن ذلك تقدّم كلثم بنت سريع مولى عمرو بن حريث، إلى عبد الملك ابن عمير، وهو على قضاء الكوفة، تخاصم أهلها، فقضى لها عبد الملك على أهلها، فقال هذيل الأشجعي:
أتاه وليد بالشهود يقودهمعلى ما ادّعى من صامت المال والخول
وجاءت إليه كلثم وكلامهاشفاء من الداء المخامر والخبل
فأدلى وليد عند ذاك بحقهوكان وليد ذا مراء وذا جدل
وكان لها دلّ وعين كحيلةفأدلت بحسن الدلّ منها وبالكحل
ففتّنت القبطيّ حتى قضى لهابغير قضاء الله في السّور الطّول
فلو كان من بالقصر يعلم علمهلما استعمل القبطي فينا على عمل
له حين يقضي للنساء تخاوصوكان وما فيه التخاوص والحول
إذا ذات دلّ كلمته بحاجةفهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرّق عينيه ولاك لسانهيرى كلّ شيء ما خلا شخصها جلل
قال: فقال عبد الملك: أخزاه الله، والله لربما جاءتني السعلة أو النحنحة وأنا في المتوضأ فأذكر قوله فأردها لذلك.
وزعم الهيثم بن عدي عن أشياخه، أن الشاعر لما قال في شهر بن حوشب:
لقد باع شهر دينه بخريطةفمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر
ما مسّ خريطة حتى مات.
وقال رجل من بني تغلب، وكان ظريفا: ما لقي أحد من تغلب ما ألقى أنا! قلت: وكيف ذاك؟ قال: قال الشاعر:
لا تطلبنّ خؤولة في تغلبفالزّنج أكرم منهم أخوالا
لو أن تغلب جمّعت أحسابهايوم التفاخر لم تزن مثقالا
تلقاهم حلماء عن أعدائهموعلى الصديق تراهم جهّالا
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرىحكّ استه وتمثّل الأمثالا
والله إني لأتوهم أن لو نهشت أستي الأفاعي ما حككتها.
وكان الشاعر أرفع قدرا من الخطيب، وهم إليه أحوج، لردّه مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرا من الشاعر.
والذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوا، وهجاهم قوم فردوا عليهم فأفحموهم، وسكت عنهم بعض من هجاهم مخافة التعرض لهم، وسكتوا عن بعض من هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم، وهم إسلاميون: جرير والفرزدق والأخطل. وفي الجاهلية: زهير، وطرفة، والأعشى، والنابغة. هذا قول أبي عبيدة.
وزعم أبو عمرو بن العلاء: أن الشعر فتح بامرىء القيس وختم بذي الرمّة.
ومن الشعراء من يحكم القريض ولا يحسن من الرجز شيئا، ففي الجاهلية منهم: زهير، والنابغة، والأعشى. وأما من يجمعهما فامرؤ القيس وله شيء من الرجز، وطر؟؟؟ ة وله كمثل ذلك، ولبيد وقد أكثر.
ومن الإسلاميين من لا يقدر على الرجز وهو في ذلك يجيد القريض:
كالفرزدق وجرير. ومن يجمعهما فأبو النجم، وحميد الأرقط، والعماني، وبشّار بن برد. وأقل من هؤلاء يحكم القصيد والإرجاز والخطب. وكان الكميت، والبعيث، والطرماح شعراء خطباء، وكان البعيث أخطبهم. وقال يونس: لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب.
وإذا قالوا: غلّب فهو الغالب.
وقال الحسين بن مطير الأسديّ:
فيا قبر معن كنت أوّل حفرةمن الأرض خطّت للمكارم مضجعا
فلما مضى معن مضى الجود وانقضىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
فتى عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
تعزّ أبا العباس عنه ولا يكنجزاؤك من معن بأن تتضعضعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذيله مثل ما أسدى أبوك وما سعى
تمنّى أناس شأوه من ضلالهمفأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا
وقال مسلم الأنصاريّ يرثي يزيد بن مزيد:
قبر ببرذعة استسرّ ضريحهخطرا تقاصر دونه الأخطار
أبقى الزمان على معدّ بعدهحزنا كعمر الدهر ليس يعار
نفضت بك الآمال أحلاس الغنىواسترجعت نزّاعها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةأثنى عليها السهل والأوعار
وقال همّام الرّقاشيّ:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلةوفي العتاب حياة بين أقوام
قدّمت قبلي رجالا لم يكن لهمفي الحق أن يلجوا الأبواب قدّامي
لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمهمقبرا وأبعدهم من منزل الذّام
حتى جعلت إذا ما حاجة عرضتبباب قصرك أدلوها بأقوام
وقال الأبيرد الرياحيّ يرثي أخاه:
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنىوإن قلّ مال لم يؤد متنه الفقر
وسامى جسيمات الأمور فنالهاعلى العسر حتى يدرك العسرة اليسر
ترى القوم في العزّاء ينتظرونهإذا شك رأي القوم أو حزب الأمر
فليتك كنت الحي في الناس باقياوكنت أنا الميت الذي غيّب القبر
لقد كنت استعفي الآله إذا اشتكىمن الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
واجزع أن ينأى به بين ليلةفكيف ببين صار ميعاده الحشر
وقال أبو عبيدة: أنشدني رجل من بني عجل:
وكنت أعير الدمع قبلك من بكىفأنت على من مات بعدك شاغله
لقد رحل الحيّ المقيم وودعوافتى لم يكن يأذى به من ينازله
ولم يك يخشى الجار منه إذا دناأذاه ولا يخشى الحريمة سائلة
فتى كان للمعروف يبسط كفّهإذا قبضت كفّ البخيل ونائله
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع