تجاوز إلى المحتوى

من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)

بحث في القبلتين

قوله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " قد اتفق الكل على أن النبي ﷺ صلى إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة مدة ثم أمر أهل البيت ﵃، أنها كانت بيت المقدس، ثم لا يخفى أن الجعل في الآية الكريمة جعل مركب لا بسيط وقوله تعالى: كنت عليها ثاني مفعوليه كما نص عليه صاحب الكشاف واختلفوا في المراد بهذا الموصول؛ فأئمتنا سلام الله عليهم على أن المراد ببيت المقدس ما يجعل في الآية هو الجعل المنسوخ، وأما القائلون بأنه كان ﷺ يصلي بمكة إلى الكعبة فالجعل عندهم يحتمل أن يكون جعلاً منسوخاً باعتبار الصلاة في المدينة مدة إلى بيت المقدس، وأن يكون جعلاً ناسخاً باعتبار الصلاة بمكة.

أقول: وبهذا يظهر أن جعل البيضاوي رواية ابن عباس دليلاً على جواز كون الجعل منسوخاً كلام لا طايل تحته، وصاحب الكشاف لما قرر ما يستفاد منه جواز إرادة الجعل الناسخ والمنسوخ نقل الرواية عن ابن عباس، وغرضه بيان مذهبه في تفسير هذه الآية كما ينقل مذهبه في كثير من الآيات، فظن البيضاوي أن مراده الاستدلال على جواز إرادة الجعل المنسوخ.

قال بعض الحكماء لبنيه: لا تعادوا أحداً وإن ظننتم أنه لا يضركم ولا تزهدا في صداقة أحد وإن ظننتم أنه لا ينفعكم، فإنكم لا تدرون متى تخافون عداوة العدو، ولا متى ترجون صداقة الصديق.

وقيل للمهلب: ما الحزم؟ فقال: تجرع الغصص إلى أن تنال الفرص. ومن كلامهم ما تزاحمت الظنون على شيء مستور إلا كشفته.

لما تقدم الحلاج إلى القتل قطعت يده اليمنى، ثم اليسرى، ثم رجله فخاف أن يصفر وجهه من نزف الدم فأدنى يده المقطوعة من وجهه فلطخه بالدم ليخفي اصفراره.

وأنشد

لم أسلم النفس للأسقام تبلغهاإلا لعلمي بأن الوصل يحييها
نفس المحب عل الآلام صابرةلعل مسقمها يوماً يداويها

فلما صلب إلى الجذع قال:

يا معين الضنى عليأعني على الضنى
للشاعر الحلاج، من قصيدة «نظري بدء علتي»
ثم جعل يقول: مالي جفيت وكنت لا أجفىودلايل الهجران لا تخفى
وأراك تمزجني وتشربنيولقد عهدتك شاربي صرفا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «ما لي جفيت وكنت لا أجفى»

فلما بلغ به الحال أنشأ يقول:

لبيك يا عالماً سري ونجوائيلبيك لبيك يا قصدي ومعنائي
أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهلناجيت إياك أم ناجيت إيائي
للشاعر الحلاج، من قصيدة «التلبية»
حبي لمولاي أضناني وأسقمنيفكيف أشكو إلى مولاي مولائي
للشاعر الحلاج، من قصيدة «لبيك لبيك يا سري ونجوائي»
يا ويح روحي من روحي ويا أسفيعلي مني فإني أصل بلوائي
للشاعر الحلاج، من قصيدة «التلبية»

قيل لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدء توبتك؟ فقال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: يا عمر اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة.

من المستطهري للغزالي: حكى عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الخراساني، قال: حججت مع أبي سنة حج الرشيد، فإذا نحن بالرشيد، واقف حاسر حاف على الحصباء وقد رفع يديه وهو يرتعد ويبكي ويقول: يا رب أنت أنت، وأنا أنا، أنا العواد بالذنوب وأنت العواد بالمغفرة، اغفر لي فقال لي أبي: انظر إلى جبار الأرض كيف يتضرع إلى جبار السماء؟ ! ومنه أيضاً: شتم رجل أبا ذر، فقال له أبو ذر: يا هذا إن بيني وبين الجنة عقبة، فإن أنا جزتها فوالله ما أبالي بقولك، وإن هو صدني دونها فإني أهل لأشد مما قلت لي.

ثم أقول: إن في كلام الإمام الرازي في تفسيره الكبير في هذه الآية نظراً أيضاً فإنه فسر الجعل بالشرع والحكم أي: وما شرعنا القبلة التي كنت عليها وما حكمنا عليك بأن تستقبلها إلا لنعلم؛ ثم قال إن قوله تعالى: " التي كنت عليها ليس نعتاً للقبلة وإنما هو ثاني مفعولي جعلنا، وأنت خبير بأن أول كلامه مناف لآخره فتأمل به.

من كتاب قرب الإسناد، عن جعفر بن محمد الصادق ﵁: كان فراش علي وفاطمة ﵄ حين دخلت عليه إهاب كبش إذا أرادا أن يناما عليه، قلباه، وكانت وسادتهما أدماً حشوها ليف وكان صداقها درعاً من حديد.

ومن الكتاب المذكور عن علي ﵁ في قوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " قال: من ماء السماء ومن ماء البحر، فإذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها، فيقع فيها من ماء المطر فيخلق اللؤلؤ الصغيرة من القطرة الصغيرة واللؤلؤ الكبيرة من القطرة الكبيرة.

صورة كتاب يعقوب إلى يوسف على نبينا وعليهما السلام بعد إمساكه أخاه الصغير باتهام أنه سرق نقلتها من الكشاف: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر: أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت عليه النار برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم آتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى به فذهبوا به، ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق وأنك حبسته لذلك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.

قال في الكشاف: فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وبكى وكتب في الجواب: إصبر كما صبروا، تظفر كما ظفروا.

لبعض الأكابر

ما وهب الله لامرىء هبةأحسن من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى فإن فقداففقده للحياة أجمل به

قال بعض الحكماء لبنيه: لا تعادوا أحدا وإن ظننتم أنه لا يضركم، ولا تزهدوا في صداقة أحد وإن ظننتم أنه لا ينفعكم، فإنكم لا تدرون متى تخافون عداوة العدو، ولا متى ترجون صداقة الصديق.

قيل للمهلب: ما الحزم؟ قال: تجرع الغضض إلى ا، تنال الفرص.

من كلامهم: ما تزاحمت الظنون على شئ مستور إلا كشفته.

الحلاج إلى القتل قطعت يده اليمنىثم اليسرى، ثم رجله فخاف أن يصفر وجهه من نزف الدم، فأدنى يده المقطوعة من وجههه، فلطخه بالدم يخفى اصفراره، وأنشد:

لم أسلم النفس للأسقام تتلفهاإلا لعلمي بأن الوصل يحمييها
للشاعر الحلاج، من قصيدة «كم دمعة فيك لي ما كنت أجريها»
نفس المحب على الآلام صابرةلعل ميقمها يوما يداويها
للشاعر الحلاج، من قصيدة «كم دمعة فيك لي ما كنت أجريها»

لما شيل إلى الجذع: قال: يا معين الضنى علي أعني على الضنى. ثم جعل يقول:

مالي جفييت وكنت لا أجفىودلائل الهجران لا تخفى
وأراك تمزجني وتتشربنيولقد عهدتك شاربي صرفا

فلما بلغ به الحال أنشأ يقول:

لبيك يا عالما سري ونجوايلبيك لبيك يا قصدي ومعنايا
أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهلناجيت إياك أم ناجيت إيانا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «التلبية»

حتى لمولاي أضناني وأسقمني.. فكيف أشكو إلى مولاي مولايا

يا ويح روحي من روحي ويا أسفيعلي مني فإني أصل بلوايا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «التلبية»

من المستظهري، للغزالي رحمه الله تعالى حكى إبراهيم بن عبد الله الخراساني قال: حججت مع أبي سنة حج الرشيد فإذا نحن بالرشيد واقف حاسر حاف على الحصباء، وقد رفع يديه وهو يرتعد ويبكي ويقول: يا رب أنت أنت وأنا أنا، أنا العواد بالذنب وأنت العواد بالمغفرة، أعفر لي: فقال لي أبي: انظر إلى جبار الأرض كيف يتضرع إلى جبار السماء. ومنه أيضا: شتمك رجل أبا ذر الغفاري ﵁، فقال له أبو ذر: يا هذا إن بيني وبين الجنة عقبة، فإن أنا جزتها فوالله ما أبالي بقولك، وإن هو صدنب دونها فإني أهل لألأشد مما قلت لي.

ابن حجة الحموي

خاطبنا العاذل عند الملامبكثرة الجهل فقلنا سلام
للشاعر عبد الرحمن الموصلي، اقرأ القصيدة
ما لا منا من قبل لكنهلما رأى العارض في الخد لام
وليس لي من عشقه مخلصلكنني أسأل حسن الختام
والجفن في لجة دمعي غدامن بعده يسبح شهراً وعام
اخترته مولى فيا ليتهلو قال يا بشرأي هذا غلام
للشاعر عبد الرحمن الموصلي، اقرأ القصيدة
لبرق هذا الثغر كم عاشق؟ !قد هام وجداً بين مصر وشام
وفيه قد زاحمني شاربوالمنهل العذب كثير الزحام
للشاعر عبد الرحمن الموصلي، اقرأ القصيدة
مالي سهم قط من وصلهلكن من اللحظ لقلبي سهام

كتب النصير الحمامي إلى الجزار

ومذ لزمت الحمام صرت بهخلا يداري من لا يداريه
أعرف حر الأسى وباردهاوآخذ الماء من مجاريه

وكتب الجزار إليه

حسن التأني مما يعين علىرزق الفتى والعقول تختلف
والعبد قد صار في جزارتهيعرف من أين تؤكل الكتف

وللجزار

لا تلمني مولاي في سوء حالي ... عند ما قد رأيتني قصابا كيف لا أرتضي الجزارة ما ... عشت قديماً وأترك الآدابا

وبها صارت الكلاب ترجينيوبالشعر كنت أرجو الكلابا

سمع أمير المؤمنين ﵁ رجلاً يتكلم بما لا يعنيه، فقال يا هذا إنما تملي على كاتبيك كتاباً إلى ربك.

من كلام أفلاطون: إذا أردت أن تطيب عيشك فارض من الناس بقولهم: إنك مجنون بدل قولهم: إنك عاقل.

أبو الفتح محمد الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل منسوب إلى شهرستان بفتح الشين، قال اليافعي في تاريخه: شهرستان اسم لثلاث مدن الأولى في خراسان بين نيشابور وخوارزم، والثانية قصبة بناحية نيشابور، والثالثة مدينة بينها وبين إصفهان ميل ونسبة أبي الفتح المذكور إلى الأولى.

ومما أنشده في كتاب الموسوم بالملل والنحل عند ذكر اختلاف بعض الفرق:

لقد طفت في تلك المعاهد كلهاورددت طرفي بين تلك المعالم
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «لقد طفت في تلك المعاهد كلها»
فلم أر إلا واضعاً كف حايرعلى ذقنٍ أو قارعاً سن نادم
للشاعر ابن سينا، من قصيدة «لقد طفت في تلك المعاهد كلها»

وفاته سنة خمسمائة وسبع وأربعين كذا ذكر في تاريخ اليافعي. صاحب الملل والنحل بعد ان عد الحكماء السبعة الذين قال: إنهم أساطين الحكمة وذكر آخرهم أفلاطون قال: وأما من جانسهم في الزمان وخالفهم في الرأي فمنهم: أرسطاطاليس وهو المقدم المشهور والمعلم الأول والحكيم المطلق عندهم ولد في أول سنة من ملك أردشير، فلما أتت عليه سبع عشر سنة أسلمه أبوه إلى أفلاطون فمكث عنده نيفاً وعشرين سنة، وإنما سموه المعلم الأول، لأنه واضع التعاليم المنطقية ومخرجها من القوة إلى الفعل وحكمه حكم واضع النحو وواضع العروض، فإن نسبة المنطق إلى المعاني نسبة النحو إلى الكلام، والعروض إلى الشعر ثم قال: وكتبه في الطبيعيات والألهيات والأخلاق معروفة ولها شروح كثيرة ونحن أخترنا في نقل مذهبه شرح ثامسطيوس الذي اعتمده مقدم المتأخرين ورئيسهم أبو علي سينا وأحلنا ما في مقالاته في المسائل على نقل المتأخرين، إذ لم يخالفوه في رأي، ولا نازعوه في حكم كالمقلدين له، والمتهالكين عليه، وليس الأمر على ما نالت ظنونهم إليه، ثم قرر محصول رأيه وخلاصة مذهبه في الطبيعي والألهي في كلام طويل، ثم قال في آخره، فهذه نكت كلامه استخرجناها من مواضع مختلفة، وأكثرها من شرح ثامسطيوس.

والشيخ علي بن سينا الذي يتعصب له وينصر مذهبه ولا يقول من الحكماء إلا به.

لبعضهم

خفيت عن العيون فأنكرتنيفكان به ظهوري للقلوب
وأوحشني الأنيس فغبت عنهلتأنيسي بعلام الغيوب
وكيف يروعني التقريد يوماًومن أهوى لدي بلا رقيب
إذا ما استوحش الثقلان منيأنست بخلوتي ومعي حبيبي

في تفسير القاضي وغيره أن إدريس على نبينا وعليه السلام أول من تكلم في الهيئة والنجوم والحساب.

وفي الملل والنحل في ذكر الصابئة قال: إن هرمس هو إدريس ﵇ صرح في أوايل شرح حكمة الإشراق: هرمس هو إدريس ﵇ وصرح ماتنه بأنه من أساتذة أرسطو.

الحارث الهمداني عن أمير المؤمنين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: يا علي ما من عبد إلا وله جواني وبراني، يعني سريرة وعلانية فمن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه ومن أفسد جوانيه أفسد الله برانيه، وما من أحد إلا وله صيت في أهل السماء، فإذا حسن وضع له ذلك في الأرض، وإذا ساء صيته في السماء وضع له ذلك في الأرض، فسئل عن صيته ما هو؟ قال: ذكره.

من إحياء علوم الدين رأى أبو بكر الراشيد محمد الطوسي في المنام، فقال: قل لأبي سعد الصفار المؤدب:

وكنا على أن لا نحول عن الهوىفقد وحيات الحب حلتم وما حلنا

قال فانتبهت، فأتيته، وذكرت له ذلك، فقال: كنت أزوره كل جمعة، فلم أزره هذه الجمعة.

ابن الخياط

خذا من صبا نجد أماناً لقلبهفقد كاد رياها يطير بلبه
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «خذا من صبا نجد أمانا لقلبه»
وإياكما ذاك النسيم فإنهإذا هب كل الوجد أيسر خطبه
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «خذا من صبا نجد أمانا لقلبه»
وفي الحي محني الضلوع على جوىمتى يدعه داعي الغرام بلبه
إذا نفحت من جانب الغور نفحةننبه منها داؤه دون صحبه

خليلي لو أبصرتما لعلمتما ... مكان الهوى من مغرم القلب صبه غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه

تذكر والذكرى تشوق وذو الهوىيتوق ومن يعلق به الحب يصبه
للشاعر بلبل الغرام الحاجري، من قصيدة «خليلي عوجا بالغوير وكثبه»
ومحتجب بين الأسنة والقناوفي القلب من أعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنهحذاراً عليه أن تكون لحبه

﷽

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكشكول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.