من «الرسالة الموضحة» لأبي علي الحاتمي (ت ٣٨٨هـ)
الرسالة الموضحة
الملك الحق المبين الحمد لله وصلى الله على محمد النبي المصطفى وآله الطاهرين وسلم تسليماً.
قال أبو علي محمد بن الحسين الحاتمي الكاتب اللغوي: إن معاني الآداب وإن كانت عاطلة الأطلال، مستحيلة الحال، دائرة العرصات، عافية المعالم والآيات المغاني، محادثة بألسنة الحدثان، فإنها اليوم بالرئيس لأبي الفرج محمد بن العباس حالية الجياد، صادقة الرواد، موسومة ربوعها بوسمي العهاد. تهتز نضره ونعيما، ويتم رياها تضوعاً ونسيماً. فلا زالت معاقد الفضل به منظومة، وإغفاله بمجده موسومة، ومجاهله بمحاسنه معلومة، ما نشرت أنابيب القنا نثرة، واستضحكت لانتخاب الحيا زهرة، وتحيرت في مقلة عبره. أجد الرئيس شديد العلاقة بمفاوضي إياه ما كانت المشاجرة وقعت فيه بيني وبين أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، في المجلس الذي أثرت فيه آثاره، وسافرت في أطرار البلاد أخباره، مستهتراً بتكرير فصول منه تتعلق بحفظي منه، منازعاً جمع شتيته مشيراً إلى اليوم الذي شجرت تلك المنازعة فيه إشارة معني به معين على الشهر والسنة والوقت من الزمان، وإلى ما أثمرت لي تلك المنازعة من بعد الصيت وشراد الذكر وقدم السبق واللحاق به، في حال الغرارة ولين الغصن، بالغاية التي لا يجري في مضمارها إلا المذكي من أهل الفضل. هذا إلى إناقة المكان، وازلاق السلطان، وتناصر الأنصار والأعوان. وانتشار ما كان مطويا في تلك الأيام من فضلي، ومغموراً بقوارع الحساد وسن الصبا من محاسني. وأرادني، أدام الله قدرته، على إنشاء رسالة تشمل على إنشاء رسالة تشمل على أشتاته، وتنظم منشور فصوله وأبياته. وأجدني لا أرتاح إلى ذلك ارتياحي - كان - قديماً له، ولا أهش إلى الحديث عنه هشاشة كانت إليه. لأمور أخصها ترفعي الآن، مع إبراق غصني وإثماره وتبسم نواره واستطارة أنواره، عن ذكره. ولتصوني عن قوارص غلمة لا أحلام لهم تنحط في شعبه وتنخرط في سلكه. ثم لأني أطلت عنان القول مع الرجل إطالة ربما اتهم الحاكي لها والمخبر عنها، وإن كانت الحال اشرد خبراً وأخلد أثراً من أن ينسخ صباحها أو يطفأ مصباحها. وقد حضر المجلس أعيان من الناس تقع الإشارة إلى إخطارهم، والاستنامة إلى أخبارهم، من بين قاضٍ يقطع بقوله، وشيخ من شيوخ الدب يقضى بشهادته، وحدث من أبناء الكتابة يمور ماء الحياء في أسارير وجهه وكانت للوزير أبي محمد الحسن بن محمد الحسن بن محمد المهلبي، ﵀، هناك طليعة من طلائعه، وربيئة من ربايا مراعاته، وعين من عيونه مذكاة. فإنه كان - نصر الله وجهه - لما تثاقل أبو الطيب عن خدمته، وأساء التوصل إلى استنزاله عن عرفه، ولم يوفق لاستمطار كفه وكانت واكفة البنان، منهلة باللجين والعقيان، سامني هتك حريمه، وتمزيق أديمه. ووكلني بتتبع عواره، وتصفح أشعاره وإحواجه إلى مفارقة العراق واضطراره كراهية لمقامه بعد تناهيه - كان - في إدنائه وإكرامه. وحسبي علم الرئيس بحقيقة الحال وصدق المقال وتبريز الفعال ونهوضي في حدثان الشبيبة بما قصرت عن جملته همم الرجال. وكانت أتيته رأد الضحى، وحين التقت الشمس قناها على الأرض، فجمعت في داره بين صلاتي الظهر والعصر. وانصرفت عنه وقد نفضت الشمس صبغها، وطفلت على الظلام بطفلها. وكنت استدركت في الحال ما تمكنت من استدراكه من تلك المشاجرة وتلافيت ما أسعد المقدار بالتوفيق بجمعه منها. وكان من مظاهرة الجماعة الحاضرة على نظمه وضمه، ومراعاة ما صدر عني وعنه، والتنبيه على ما استسر عن ذكري منه، ما أنهض خاطري وإن كان خطارا، واقتدح زناد فكري وإن كان يستطير نارا. فقيدته برسالة وسمت جبهة الأدب، وذهبت بها أفواه الرواة في كل مذهب. وإذ كان الرئيس مؤثراً سمتها باسمه، وعرضها على تصفحه ونقده، فأنا أصيل جناح هذه المقدمة بها، وأهذب ما أرى تهذيبه من لفظها، وأبرأ إليه من العهدة في امتداد نفسي فيها، فإن يدي ولساني يجريان في حلبة البيان، جري بنات الغصين غداة الرهان. وأرجو أن يسعدها التوفيق بجميل رأيه، وأن تقع الموقع الذي توخيته بها من امتثال مرسومه. وسأتلو ذلك بمنازعات نازعتها أبا الطيب تتعلق بشعره في عدة مجالس وإياه من بعد هذا المجلس، وبمواقع طالعتها من اجتلاباته وسرقاته وسقطات أسقطها في شعره، لم تجر فيها مراجعة ولا منازعة، وليكون ذلك أمتع لقاريه وأجمع لشمل ما توخيته فيه. وأنسج بعضاً ببعض من غير أن أميز آخراً عن أول، وماضياً عن مستقبل، وأشفع القول بما يزيد الحق وضوحاً، من شاهد
يتعلق به أو بيت يناسب بيتاً، أو بيت جرى صدره فأتمت عجزه، أو عجزه فألحقت به صدره، أو معنى ضممت إليه شكله. وإن الحديث ذو لقاح والمثل السائر:) الحديث ذو شجون (. فقولهم) ذو لقاح (من الناقة اللقوح وهي التي بها حمل، واللقاح الحمل، والمعنى حديث ينضم إلى حديث كما انضم الولد إلى الأم لما صار في بطنها. ويقال:) حي اللقاح (إذا كانوا أعزة لا ينضمون إلى أحد ولا يدينون لملك ولا يقدر عليهم. كالناقة إذا حملت لا يقدر الفحل على أن يقربها. وأما قولهم) ذو شجون (فمن شجون الوادي وطرقه وانعراجاته. فإن الإنسان يكون في حديث ثم يخرج منه إلى غبره ثم يعود إلى حديثه الأول، شبه بالذي يمشي في وادي فيعرض له الطريق فيأخذ فيه يؤديه ذلك إلى الطريق الأعظم. فلا يستطيل الرئيس مسالك الكلام وإن أطلتها، فقد أجررت القلم مقود الخاطر، وأنصفت كل الإنصاف في تهذيب ما حكيته عن رجل، وحذفت فضول الألفاظ، وكسوت احتجاجاته عبارات لعله لو اعتمدها لقصرت مادته في البيان عنها. وأنا اسم هذه الرسالة) بالموضحة (تشبيهاً بالموضحة من الشجاع، وهي التي تبين عن وضح العظم كما قال طرفة:
وتصدُ عنك مخيلة الرجلالعريض موضحة عن العظْم
بحسام سيفك أو لسانكالكلم الأصيل كأرْغب الكلْم
وهذا مأخوذ من قول امرئ القيس: وجرْح اللُسان كجرح اليدْ وقال حسان:
لساني وسفي صارمان كلاهماويبلغُ ما لا يبلغٌ السيف مذودي
وقال جرير:
لساني وسيفي صارمان كلاهماوللسيفُ أشوى وقعهً من لسانيا
ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق.
لما ورد أحمد بن الحسن المتنبي، ويلقبه أحداث الشام والسواحل) المطمع (لقوله:
يُطمِّعُ الطير فيهم طول أكلهمحتى تكاد على أحيائهم تَقَعُ
مدينة السلام، منصرفاً عن مصر ومتعرضاً للوزير أبي محمد المهلبيَ للتخييم عليه والمقام لديه: التحف رداء الكبر، وأذال ذيول التيه، وصعر العراقيين خده، وارهف للخصام حده، ونأى بجانبه استكباراً وثنى عطفه جبريةً وازواراً، فكان لا يلاقي أحداً إلا أعراض عنه تيهاً، وزخرف القول عليه تمويهاً يخيل عجباً إليه، أن الأدب مقصور عليه، وأن الشعر بحر لم يرد نمير غيره، وروض لم ير نواره سواه، فهو يجني جناه، ويقطف قطوفه دون تعاطاه، وكل مجرِ في الخلاء يسر، ولكل نبأ مستقر. فغبر جارياً على هذه الوتيرة مديدةً أجررته رسن البغي فيها يظل يمرح في ثنييه، حتى تخيل أنه السابق الذي لا يجاري في مضمار، ولا يساوى عذاره بعذار وإنه رب الكلام ومفتض عذارى الألفاظ، ومالك رق الفصاحة نثراً ونظماً، وقريع دهره الذي لا يقاع فضلاً وعلماً، وثقلت وطأته على كثير ممن وسم نفسه بميسم الأدب، وأنبط من مائه مشرب، فطأطأ بعض رأسه، وخفض بعض جناحه، وطامن على التسليم له طرف، وساء معزً الدولة وقد صورت حاله أن يرد حضرته وهي دار الخلافة ومستقر العز وبيضه الملك، رجل صدر عن حضرة سيف الدولة وكان عدواً مبايناً، فلا يلقى أحداً بمملكته يساويه في صناعته، وهو ذو النفس الأبية والعزيمة الكسروية، والمهمة التي لو همت بالدهر لما تصرفت بالأحرار صروفه ولا دارت عليهم دوائره. وتخيل أبو محمد المهلبي، رجماً بالغيب، أن أحداً لا يستطيع مساجلته، ولا يرى نفسه كفواً له، ولا يضطلع بإعناته فضلاً عن التعلق بشيء من معانيه. وللرؤساء مذاهب تعظيم من يعظمونه وتفخيم من يفخمونه وتكرمة من يراعونه ويكومونه. وربما حالت بهم الحال وأوشكوا عن هذه الخليفة الانتقال، وتلك صورة الوزير أبي محمد في عوده عن رأيه هذا فيه. ولم يكن هناك مزية يتميز بها أبو الطيب عن الهجين الجذع من أبناء الأدب فضلاً عن العتيق القارح إلا الشعر. فلعمري إن أفنانه كانت فيه رطبة وجانيه عذبة.
نهدت له متتبعاً عواره، ومقلماً أظفاره، ومذيعاً أسراره، وناشراً مطاويه، ومنتقداً من نظمه ما تسمح به، ومنتحيا أن تجمعنا دار يشار إلى ربها، فأجري أنا وهو في مضمار يعرف به السابق من المسبوق، واللاحق من المقصر عن اللحوق. وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار، وزند في كل فضيلة وار، وطبع يناسب صفو العقار، إذا وشيت بالحباب، ووشت بها الأكواب. هذا وغدير الصبا صاف، ورداؤه ضاف، وديباجة العيش غضة، وأرواحه طلة، وغمائمه منهلة، وللشبيبة شرة، وللإقبال من الدهر غرة، والخيل يوم الرهان بجدود أربابها، لا بعروقها ونصابها. ولكل امرئ حظ من مواتاة زمانه، يقضى في ظله أرب، ويدرك مطلب، ويتوسع مراد ومذهب. حتى إذا عدت عن اجتماعنا عوادِ من الأيام، قصدت مستقره، وتحتي بغلة سفواء تنظر عن عيني بازٍ مسجل، وتتشوف بمثل قادمتي نسر. وتتقيك من هاديها بشطر خلفها، يعلوها مركب رائع كأنه كوكب وقاد، من تحته غمامة يقتادها زمام الجنوب، وبين يدي عدة من الغلمان الروقة، مماليك وأحرار، يتهافتون تهافت فريد الدر عن أسلاكه. ولم أورد هذا متبجحاً به ولا متكثراً بذكره بل ذكرته لأن أبا الطيب شاهد جميعه في الحال فلم ترعه روعته، ولا استعطفه زبرجه، ولا زاده ما شاهد من تلك الجملة الجميلة التي ملأت طرفه وقلبه إلا عجباً بنفسه، وسحباً لرداء تيهه، وإعراضاً عني بوجهه. وقد كان أقام هناك عند أغيلمة لم ترضهم العلماء، وعركتهم رحا النظر، ولا أنضو أفكاراً في مدارسة الأدب، ولا فرقوا بين حلو الكلام ومره، وسهله ووعره. نما غاية أحدهم مطالعة شعر أبي تمام، وتعاطي الكلام على نبذ من معانيه، وعلى ما يعلقه الرواة مما تجوز فيه. ومن للرئيس بمن يضطلع بهذا، وإن كان التشاغل بغيره من مراعاة أشعار الفحول الذين تكلموا عفواً بطباعهم، وجروا على عاداتهم، ولم يتعاطوه تكلفاً، ولا استكرهوه تعسفاً، والبحث عن أعراضهم التي رموا إليها، أولى فألفيت هناك فتية تأخذ شياً، فحين أوذن بضوري، واستؤذن عليه لدخولي، نهض عن مجلسه مسرعاً، ووارى شخصه عني مستخفياً، وأعجلته نازلاً عن البغلة، وهو يراني لانتهائي بها إلى حيث أخذها طرفه، ودخلت فأعظمت الجماعة قدري، وأجلستني في مجلسه، وإذا تحته أخلاق عبادة قد ألحت عليها الحوادث فهي رسوم دائرة وأسلاك متناثرة، فكان من سوء أدبه عند اللقاء ما أطويه عنان القول فيه. فلم يكن إلا ريث ما جلست حتى خرج إلي، فنهضت فوفيته حق السلام غير مشاحٍ له في القيام، لأنه إنما اعتمد بنهوضه عن الموضع ألا ينهض إلي، والغرض كان في لقائه غير ذلك. فعركت ما جرى بجنبي، وطويت عليه كشحي، وحين لقيته تمثلت بقول الشاعر.
وفي الممشى إليك علي عارولكن الهوََى منَعَ القرَار
فتمثل بقول الآخر:
يشقَى أناس ويشقىَ آخرون بهمويسعدُ الله أقواماً بأقوْامِ
وليس رزْق الفتى من فضل حيلتهِلكنْ جدودٍ وأرزاق وأقسام
كالصيد يحرمه الراَمي المجيد وقديرمي فيحرزهُ من ليسَ بالرُامي
وإذا به لا بس سبعة أقبية كل قباء منها لون، وكنا في وغرة القيظ وجمرة الصيف، وفي يوم تكاد ودائع الهامات تسيل فيه، خليق بقول مضرس بن ربعي:
ويومٍ كأن الشمس فيه مقيمةعلى البيِد لم تعرْف سوى البيدِ مذهباً
وبقول الآخر:
ويوْم كأنُ الملْح ينتشًر وسْطهترىَ وحشهَُ يركَبنَ فيه النوًاصيا
فجلست مستوفزاً وجلس متحفراً، وأعرض عني لاهياً وأعرضت عنه ساهياً. أرنُب نفسي في قصده، وأسخف رأيها في تكلف ملاقاته. فغبر هنيهة ثانياً عطفه لا يعيرني طرفه، وأقبل على تلك الزًعنفة التي بين يديه، وكل يومئ إليه ويوحي بطرفه، ويشير إلى مكاني بيده، يوقظه من سنة جهله، ويأبى إلا ازوراراً ونفاراً، وعتواً واستكباراً. ثم رأى أن يثني جانبه إلي، ويقبل بعض الإقبال علي فأقسمت بالوفاء فإنه من محاسن القسم إنه لم يزد أن قال: أي شيْءٍ خبرك؟ فقلت: بخبرٍ أنا، لولا ما جنيته على نفسي من قصدك، ووسمت به قدري من ميسم الذل بزيارتك، وجشمته رأيي من السعي إلى مثلك، ممن لم تهذبه تجربة، ولا أدبته بصيرة. ثم تحدرت عليه تحدر السيل إلى قرارة الوادي وقلت: ابن لي مم تيهك، وعجبك وكبرياؤك، وما الذي يوجب ما أنت عليه من الذهاب بنفسك، والرمي بمهمتك إلى حيث يقصر عنه باعك، ولا تطول إليه ذراعك؟ هل هاهنا نسب انتسب إلى المجد به، أو شرف علقت بأذياله، أو سلطان تسلطت بعزه، أو علم تقع الإشارة إليك به؟ إنك لو قدرت نفسك بقدرها، أو وزنتها بميزانها، ولم يذهب بك التيه مذهبا، لما عدوت أن تكون شاعراً متكسباً. فامتقع لونه، وعصب ريقه، وجعل يلين في الاعتذار، ويرغب في الصفح والاغتفار، ويكرر الأيمان أنه لم يشبتني، ولا اعتمد التقصير بي فقلت: يا هذا إن قصدك شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم في أدبه صغرت أدبه، أو متقدم عند سلطانه خفضت منزلته، فهل المجد تراث لك دون غيرك؟ كلا والله، لكنك مددت الكبر ستراً على نقصك، وضربته رواقاً حائلاً دون مباحثتك. فعاود الاعتذار، فقلت: لا عذري لك مع الإصرار. وأخذت الجماعة في الرغبة إلى في مياسرته وقبول عذره، واستعمال الأناة التي يستعملها الحزمة عند الحفيظة. وأنا على شاكلة واحدة في تقريعه وتوبيخه وذم خليقته، وهو يؤكد القسم أنه لم يعرفني معرفةً ينتهز معها الفرصة في قضاء حقي. فأقول: ألم يستأذن عليك باسمي ونسبي؟ أما في هذه الجماعة من كان يعرفني لو كنت جهلتني؟ وهب أن ذلك كذلك ألم تر شارتي؟ أما شممت نشر عطري؟ ألم أتميز في نفسك عن غيري؟ وهو في أثناء ما أخاطبه به وقد ملأت سمعه تأنيباً وتفنيداً يقول: خفض عليك، اكفف من غربك، أردد من سورتك، أستأن فإن الأناة من شيم مثلك. فأصبحت حينئذٍ جانبي له، ولانت عريكتي في يده، واستحييت من أجاوز الغاية التي انتهت إليها في معاقبته، وذلك بعد أن رضته رياضته رياضة القضيب من الإبل، والفلو المفتلى عن أمه من الخيل، وأقبل علي معظماً، ووسع في تقريظي مفخماً وأقسم أنه ينازع أنه منذ ورد العراق ملاقاتي، ويعد نفسه بالاجتماع معي، ويشوقها التعلق بأسباب مودتي. فحين استوفى هذا المعنى، استأذن عليه في من فتيان الطالبيين الكوفيين فأذن له، وإذا حدث مرهف الأعطاف تميل به نشوة الصبا، ويبسم ماؤه في أسارير وجهه، فتكلم فأعرب عن نفسه، وإذا لفظ رخيم ن ولسان حلو، وأخلاق فكهة، وجواب حاضر، في أناة الكهول، ووقار المشايخ. فأعجبني ما شهدته من شمائله، وملكني ما تبينته من فضله. فجاراه أبياتاً كان منها قول عدي بن زيد.
كدمى العاجِ في المحاريبِ أوكالبيض في الروضْ زهرةُ مستنيرُ
فقال أبو الطيب: شبه النساء بصور العاج، والمحاريب صدور المجالس، وذكر البيض في الروض لحسنه وأملاسه. فأقبل الطالبي علي فقال: ما تقول؟ المعنى ما ذكره. قال: فما قوله) زهرة مستنير (؟ فقال: ليكون أحسن له. فلم يقنعه ذلك، فقلت له: شبه ألوان الثياب التي عليهن بألوان نور الرياض، وزهره حمرته وصفرته، فأعجبه ذلك فسأله عن قوله في هذه الكلمة: ثم بعد الفلاحِ والمْلكِ والإمةِ وارتْهُم هناكً القُبور ثمَ أضحواْ كأنهمْ ورقٌ جفُ فألوتْ بهِ الصُباَ والدبوًُر
فقال أبو الطيب: البقاء والإمة: النعمة فقال: كيف جمع بين الصبا والدبور وإحداهما لينه والأخرى شديدة فقال: ليصبح الوزن والقافية. فأقبل الطالبي علي فقلت: غنما اختار الصبا مع الدبور فجاء بألين ريح مع أشد ريح، لأن الناس يموت بعضهم بالشدة وبعضهم بالسهولة، ومنهم من تخترمه المنية هكذا، ومنهم من تخترمه هكذا، على حال تأتي وتأخذ. فقال أبو الطيب: ما سمعنا بهذا. فقلت: ولا بغيره. ثم قلت: من الإنصاف أن لا تتعدى شعرك إلى غيره، لأن في تصفح محاسبه واستثمار أفنانه ما ألهى عن غيره. وهاهنا أشياء تعتلج في صدري منه، أحببت مراجعتك القول فيها: فقال: وما هي: أخبرني عن قولك:
خفَ الله واستْر ذا الجمال ببرقعٍفإن لُحتَ حاضتْ في الخدودِ العواتقُ
أهكذا ينسب بالمحبين؟ فقال: أما هكذا في كتابكم؟ فكفر، لعنه الله فقلت: أين؟ فقال تعالى:) فلما رأينه أكبرنه (أي حضن شهوةً له واستحساناً لصورته، فقلت: لم يقل هذا أحد من محصلي أهل العلم، ولا شهد به ثقةوإنما روي بيت شاذ لم ينسب إلى أحد:
نأتي النًساءَ على أطهارهنٌ ولانأتي النُساء إذا أكبْرنً إكباراَ
قال: فما معنى أكبرنه؟ فقلت: أعظمنه، ولا يجوز أن يكون: حضنه، لأن تقدير الكلام يوجب ذلك، إن كان الإكبار الحيض. قلت والدليل على أن معناه أعظمنه قولهن:) ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم (. قال فاغتفر هذا القول لقولي في هذه القصيدة:
وليلٍ دجَوجيِ كأنا جلتْ لنامحيالَ فيه فاهًدينا السمالقُ
فما زالً لولا نوُروجهكً جنحهُولا جابهاً الرُكبانُ لولاْ الأيانق
شدواْ بابن إسحاقَ الحسينِ فصافحتْذَفاريهاَ كيرانهاُ والنمارقُ
فتى ًكالسحابِ الجونْ يخشى ويُرتجىيرجىُ الحيَا منه وتخشىَ الصواعقُ
إذا الهند وانياتِ بالهامٍ والطُلفهنِ مداريها وهنَ المخانقُ
كأنكَ في الإعطاء لمالِ مبغضُوفي كلٌ حربٍْ للمنيًةٍ عاشقُ
فما ترْزُقُ الأقدار مًن أنتً حارٍمُولا تحرم الأمن أنت رازقُ
لك الخير غيرك الغنىوغيري بغيرِ اللاذقية لاحقُ
هي الغرضُ الأقصى ورؤيتكُ المنىمنزلكُ الدنيُا وأنت الخلائق
فقلت له: أما قولك) وليلِ دجوجيٍ كأناُ جلستْ لنا (فمن قول محمد بن مناذر:
لماُ رأيناْ صارً لناًالململْ نهاراً بذكْر هاروناَ
إذا نحن أدلجنْا وأنْت أمامناكفىً بالمطاياَ ضوءُ وجهكَ هادياَ
أليسَ يزيدُ العيسَ خفةَ أذرعٍوإنْ كنُ حسرْى أن تكون أمامياَ
فأخذ هذا مروان الأكبر فقال للمهدي:
إلى المصطفى المهديً خاضتْ ركابناُدجى الليلِ يخبطنَ السريحَ المخدما
يكون لها نورُ الإمام محمدٍدليلاً به تسري إذا الليلُ أظْلماَ
فأخذ هذا المعنى إدريس بن أبي حفصة فقال:
لما أتتك وقد كانتْ منازعةًدانى الرضاَ بينَ أيديها بأقيادي
لها أمامك نورُ تستضيء بهِومنَ رجائكَ في أعقابها حادي
فقال أشجع:
إذا غابَ الفجرُ خضنْا بوجههِدجىُ الليَل حتى يسَتبينَ لنا الفجرُ
ونقل المعنى العباس بن الأحنف فقال:
لوْ لم يكنْ قمرُ إذا أنا زٌرْتكمْيهدي إلى سننَ الطُريق الواضحِ
لتوَقدُ الشوْقُ المنُير بذكركمْحتى تضُيء الأرضْ بينَ جوانحي
فقال القصافي وأحسن:
ذكْرتُكُم يوْماً فنوَر ذكركمْدجىٌ الليلُ حتى انجابَ عني دياجرهْ
فو الله ما أدري أضوْءَ مسجَرلذكراكُم أمْ يسجرُ الليل ساجرهْ
فقال بعض الشاميين المطبوعين، وعليه اعتمدت:
وليلٍ وصلناْ بينَ قطريهْ بالسرىَوقد جد شوْقُ مطمع في وصالكِ
أربتْ عليناَ من دجاه َ حناَدسُأعدْن الطَريقَ الوَعَر نهجَ المسالكِ
فنادَيْت يا أسماءُ باسمكِ فانجلتْوأسفرَ منها كلٌ أسودَ حالكِ
بنا أنت من هادٍ نجوْنا بذكْرهِوقد نَشبتْ فينا أكفُ المهالكِ
منحتٌكِ إخلاصي وأصفيتٌك الهوىَوإن كنتِ لماُ تخطريني ببالكِ
وأما قولك) غدا الهندانيات (فمن قول أبي الهول الحميري:
حُسامُ غذاه الُروحُ حتى كأنهَمن الله في قبَضِ النفَوسِ رسَولٌ
وأما قولك:
كأنك في الإعطاء للمالِ مبغضُوفي كل َ حرْبِ للمنيةً عاشقُ
فمن قول البحتري:
تَسَرعَ حتى قالَ منَ شهَد الَغيلقاءٌ أعادٍ أمْ لقاءُ حبائبِ
وأما قولك) فتىَ كالسحاب الجون يخشى ويرتجى (، فمن قول بشار:
يرْجوُ ويخشىَ حالتيَكَ الوَرىَكأنكَ الجنةُ والَنارُ
وقولك:) ومنزلك الدنيا (فمن قول علي بن جبلة:
ذَريني أجول الأرضَ في طلبِ الغنىفما الكَرخُ الدنياْ ولا الناس قاسمٌ
وقولك:) وأنت الخلائق (فمن قول أبي نؤاس:
وليْسَ لله بمسَتنكَرٍأن يجمعَ العالمَ في واحد
وأبو نؤاس أخذه من قول جرير:
إذا غضبتْ عليك بنو تَميمٍحَسبتً النُاس كلًهمُ غضاَبا
فنقله أبو نؤاس من القبيل إلى رجل. فلا معنى لك في هذه القافية إلا مقتفى، ولا إحسان أشرت إليه إلاَ مستشرق محتذى. وعلى ذلك فأنت فيما استرقته كما قال بعض المحدثين:
وفتى يقَول الشُعرَ إلا أنهفيما عَلمِنُا يسَرِق المسَروقَا
فقال في بعض صياغته: فأين أنت من قوله في الكلمة الأخرى:
تذكُرت ما بَينَ العُذيبِ وبارِقِمَجَر عوَالينا ومَجرَى السوًابقِ
وصحُبةَ قومٍ يذَبحُونَ قَنيصهمبفضلاتِ ما قد كسروا في المفارقِ
ولَيلاً توسدنا الثوِيةَ تَحتهكأن ثَرًاها عَنبر في المَرافقِ
فقلت: أخذ البيت الخير من قول أبي عيينة:
بغَرس كأمثالِ الجوَاري وتُربةٍكأنُ ثراها ماءُ ورَدٍ على مسِكِ
أو من قول عبد الصمد بن المعذل:
يَمُحٌ نداها فيه عفراءَ جعَدَةًكأن ثَراها ماءُ ورَدٍ وعَنبرِ
وقد أخذه منهما ابن المعتز فقال:
فكأنما سطعَتَ مجامرٌ عَنبَرٍأو فٌت فأرُ المسكِ فوقَ ثرَاك
وكأنما حصَباءٌ أرضِك جوَهَرٌوكأنُ ماءَ الوَردِ قَطرٌ نَداك
ثم قلت له: أين من تغزلك ما يناسب هذا؟ فأنفرد اثنان من الحاضرين لتعليق ما ينجم من جواب أبي الطيب عما أورده، واثنان لتعلق ما أذكره وأعدده. فلما اتسع نطاق الكلام، وماج بحره وترامت أواذيه، وغمرهم منه بما لم يستقلوا برسمه في كتاب، اقتصروا على تعليقه وحياً، وعلى الكلمات في أوائل الأبيات، ولمعٍ نبذوها نبذاً من الاحتجاجات في دفاترهم. وتنبهت عزائمهم من التلطف في جمع ذلك لما أحتسب تنسبها له، ولم يجر شيء إلا وعملي محيط به. وقلت: أخبرني عن قولك:
فإن كان بعض الناٌسِ سيفاً لدولةٍففي الناسِ بوقاتٌ لها وطُبول
أهذا من صريح المدح أم هجينه؟ فقال: بل من هجينه. فقلت: ما الذي اضطرك إليه: إنها عثرة من عثرات الخاطر ينهض منها قولي:
وإن الذي سميُ عليناً لمنصفوإن الذي سمَاه سيفاً لظمالمهْ
وما كلَ سيفٍ الهامَ حدهُوتَقَطعَ لزْيات الزًمانِ مكارمهْ
وقولي في هذا المعنى:
تحيَرَ في سيْفٍ أصْلهوطابعٌه الرحمنَ والمجدُ صاقل
وفي هذا أقول مشيراً إلى هذا المعنى، وذاكراً حال رسولٍ كان ورد إليه من متملك الروم:
وأنى اهتَدى هذا الرَسول بأرْضهِوما سكنَتْ مذ سرتْ فيها القساطل
ومن أي كان يسقْي جيادهولم تصفُ من مزْج الدُماء المناهل
فقلت: أخذت قولك:) والمجد صاقل (من قول أبي تمام:
متدَفقاً صَقلوا به أعراضهمإن السماحةَ صقيلُ الأحسابِ
وأخذتَ قولك:) ولم تصفُ من مزْجِ الدماء المناهلُ (من قول أبي سعد المخزومي:
لا يشَربٌ الماء إلا من قَليبِ دمِولا يبيتُ له جارُ على وجلَِ
وأبو سعد أخذه من بشار:
فتىً لا يَبيت على دمنْهٍولا يشَربَ الماء إلا بدمْ
فقال: وقولي:
أماَ للخلافةَ من مشْفقٍعلى سيفِ دوْلتها القاصلِ
يقُد طلاُها بلا ضاربٍويسرْي إليهمْ بلا حاملِ
وقولي في هذا المعنى:
عاتقِ الملك الملْك الأغَر نجادهوفي يدِ جبار السماواتِ قائمهْ
فقلت: أخذت هذا من قول أبي تمام:
لقد خابَ منَ سويداءَ قلبهِلحدَ سنانٍ في يدَ الله عاملهْ
قال: وقولي أيضاً في هذا المعنى:
أتحسبُ بيضُ الهندِ أصلهاوأنكَ منهاْ ساء ما تتَوَهمُ
إذا سمعتْ باسمْ الأميرِ حسبتهاَمن التيهِ في أغمادها تتبِسِم
فقلت: الثاني من قول أبي نقلاً من جهة إلى جهة:
تتيه الشمسُ والقمرُ المنيرُإذا قلنُا كأنهماُ الأميرُ
وقلت: فأخبرني عن قولك في مرثية أم سيف الدولة:
ولا من في جناَزتها تجارُيكون وداعهمْ نَفَض النعال
أهكذا يؤبنُ مثلها، وقد كانت بلقيس عصرها قدراً عظيماً وملكاً جسماً، وحديثاً وقديماً فقال: ألستُ في هذه الكلمة:
مشىَ الأمراءُ حوليهْا حفاةًكأن المرْو من زف الرئال
وأبرزَتَ الخدودُ مخبَتاتٍيضَعنَ النفًس أمكنهَ الغوالي
أَتَتْهُنَّ المصيبةُ غافلاتٍفَدَمْعُ الحُزْنِ في دمع الدّلالِ
وأنشد أبياتاً من محاسن هذه القصيدة: البيت الأول من هذه الأبيات من قول الصنوبري: نؤومُ الضحىَ أذهبُ القنافذِ عندهُ إذا ما عراه النومُ أهبُ الثَعالب أو من قول ابن الرومي:
لوْ أنها استلقتْ على شوْك الحسكْتحتَ الزَباةِ وجدته ْكالفَنَكْ
والبيت الأخير من هذه الأبيات ينظر إلى قول العباس بن الأحنف نظراً خفياً. وهو من معانيه التي اخترعها:
بكتْ غيرَ آسيةٍ بالبكاءِترى الدمع في مقلُتيَهاَ غريبا
وعلى ذلك فمن الواجب ألا تدفع عن إحسان انتظمه شعرك، ولا عن معنى نكد طوح به في البلاد فكرك. ولكنك في البيت من القصيدة والأبيات إحساناً لا يجهله نقاد الكلام وأرباب البيان، إنجازاً في عبارته، وإبداعاً في نظمه، وصواباً في معناه، وسلامة في لفظه. ثم تشفع ذلك بالأبيات السخيفة لفظاً ومعنى، وبالأبيات التي تغير على معانيها وبعض ألفاظها إغارة الذئاب المعط على سرح النقد، فتاتي القصيدة بالشعر على غير مشاكهة. ومن أفحش المعايب ألا تقع اللفظة مصاحبة أختها، ولا مزاوجة ما جاورها. وقد قال مروان بن سعيد بن عباد بن حبيب ابن المهلب بن أبي صفرة، مخاطباَ عبد الله بن محمد أبي عيينة:
ما بالُ شِعِرك ملُتاثاً ومختلفابيتاً ثَنِيا وبيتاً ساقطاً خرَفاَ
وقال عمر بن لجأ لابن عم له: أنا أشعر منك. قال: وكيف؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمه ألا ترى إلى قول الشاعر:
وشعْر ٍكبعْرِ الكْبشِ فرُق بينهُلسُان دعيٍ في القرَيضِ دَخيلِ
يقول: هو مختلف المعاني متباين المباني جارٍ على غير مناسبة ولا مشاكلة ولا مقاربة، لأن بعر الكبش يقع متبدداً متفرقاً متبايناً. وقد قال الكميت:
وقد رأيناْ بها حوُراً منعًمةًبيضاً تكاملَ فيها الدَّل والشًنبُ
فعاب هذا عليه نصيب وقال: هلا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياءُ في شفٌتَيْها حوةُ لعسٌوفي اللثاتِ وفي أنيْابها شَنبُ
وهذا لعمري عيب فاحش لأن الكلام لم يجر على نظم، ولا ورد على اقتران وممازحة، ولا اتسق على اقتران. ومما يحتاج إليه القول أن ينظم على نسق المماثلة وأن يوضع على رسم المشاكلة.
ومما ذهبت فيه هذا المذهب قولك:
ما أبعدَ العيبَ والنٌقصانَ من شيميَأنا الثَرياَ وذانِ الشُيبُ والهرمُ
وهذا أيضاً كلام جار على غير مناسبة؛ لأن الثريا ليست من جنس الشيب والهرم ولا هما من جنسها. وكان وجه الكلام أن قول: أن الثريا سفوراً وعلواً وذان السهى خفاءً وخبواً. أو أن تقول: أنا الشباب وذان الشيب الهرم. وربما أوردت البيت مشتملاً مستودعاً من المعنى المستحيل على ما يهيجن القصيدة بأسرها، ولو كان من لباب اللفظ ونصاب الفصاحة، كقولك في القصيدة التي أولها:
) سِربُ محَسِنٌهٌ حُرِمت ذَوَاتِها (
وكأن هذا البيت من كلام الشبلي أو سمنون الصوفي. ثم تغزلت فقلت:
إني على شَغفَي بما في خُمرِهالأعِف عَما في سَرَاويلاتِها
وشتان هذا من قول الأول:
لا والذي تسجُدُ الجباهُ لهُما لي بما تحتَ ذيلهاِ خَبرُ
فقال أبو الطيب: إن ذاك، وعلى هذا فليس الذي قلته بأفحش من قوله امرئ القيس:
فمثْلِكِ حبلىُ قد طَرقتُ ومرْضعِفأنْهيتهاُ عن ذي تمَائمَ محوْلِ
إذا ما بكى من خلفها انصرفتْ لهُبشقٍ وتحتي شقُها لمْ يحولُ
فقلت: أن امرأ القيس كان مفركاً والحبلى الرغبة في الرجال.
فيقول: إذا أليتها فأنا إلى غيرها أحب. وقد أخذت هذا البيت من أسلم بيت وأكرمه لفظاً:
لا والذيٌ تسُجدُ الجباهٌ لهُما لي بما تحتَ ثوْبهاِ خبَرُ
ولا بفيها ولا هممْتٌ بهاِما كان إلا الحديثٌ والنظر
وقولك الآخر في هذا النحو أسمي وأكرم وهو:
يردَ يداً عن ثوْبها وهو قادرُويعصي الهوَى في طيفهاَ وهوَ راقُد
فقال: ألم أقل في الكلمة الثانية:
أقْبلتهأُ غرُرَ الجيادِ كأنماأيدي بني في جَبهاَتها
وفيها أقول:
ومقانبٍ بمقانبٍ غادرْتهاُأقواتَ وحَشيٍ من أقواتها
فقلت: أما البيت الأول فمن أبي نؤاس يصف كلاب الصيد:
غُرَّ الوجوُهِ ومحَجلاَتهاكأن أيدْينا على لباتها
والبيت الثاني من قوله في هذه الأرجوزة:
بأكلُبِ تمرحُ في قدَاتهاَتعدُ عينَ الوحشِ من أقواتهاِ
وأبو مؤاس أخذه من قول أبي النجم:
تَعدُ عاناتِ اللوَى من مالها
وربنا أتيت بالبيت الجوف والمعتل، قال: وما المعتل والأجوف؟ فقلت: حكى يونس بن حبيب أن الأجوف الفاسد الحشو، والمعتل ما اعتل طرفاه. وحدود الشعر أربعة: وهي الفظ والمعنى والوزن والتقفية. ويجب أن يكون ألفاظه عذبة مصطحبة ومعانيه واستعاراته واقعة وتشبيهاته سليمة. وأن يكون سهل العروض رشيق الوزن متخير القافية، رائع الابتداء وربما أخليت وأخلفت وأعذرت وهلهلت، وما أراك تتطلع على موجب هذه الألفاظ. قال: وأي موجب لها! وإنما توردها تسمحاً وشغفاً بالإطالة وتسحباً بالدعاوى الباطلة. فقلت لا تطل عناج القول في ما يخرج عن مذاهب أهل الفضل فتسمع من القول ما يضيق ذرع صبرك عنه. فقد قال امرؤ القيس:
إذا المرءُ لم يحزُنْ عليْهِ لسانهُليسَ على شيء سواهُ بخَزّانِ
بل يقال للشاعر إذا أتى بأبيات مشتملة على معان مبتكرة وألفاظ متخيرة، ثم أورد في أثنائها بيتاً خالياً من هذا الوصف: قد أخلى ويقال له إذا أتى بمعنى لم يستوفه: قد أعذر. وإذا خالف بين قافية الضرب وقافية المصراع في افتتاح القصيدة: قد أخلف كما قال ذو الرمة:
ألا يا اسلمي يا دارَ ميَ على البلىَولا زالَ منهلاً بجرْعائك القطْرُ
فكأنه لما قال) على البلى (وعد ينظم قصيدة على روي وكأنه لما قال) القطر (أخلف ذلك الوعد إذ جعلها رائية. ثم قلت: ومن غزلك الذي باينت فيه مذاهب المطبوعين والمرهفين قولك:
ربحْلةٍ أستمرٍ مقَبلهاُسبحْلةٍ أبيضٍ مجرَدها
فالربحلة: العظيمة الجيدة الخلق، والسبحلة: الطويلة العظيمة، ورجل سبحل ربحل. لذلك تستهجن هاتان اللفظتان في ألفاظ المحدثين، لأنهما من ألفاظ العرب الجافية. وقد أخذتهما نسخاً من قول بعض العرب في ترقيص بنية له:
سبحْلةُ ربحْلهْتنميَ نَباتَ النخلةْ
قلت: وأخبرني عن قولك واصفاً فرساً:
قد زادَ في السُاقِ على النَقانقِوزادَ في الأذن على الحَرانق
) وزاد في الحذْر على العقاعق (
قال: وما في ذلك؟ قلت: إقدامك على نظم هذا الكلام الساقط واجتراؤك على قرع السماع بمثله غير مستحيٍ ولا مراقب. فما تريد بقولك) زاد (أزاد في قوة الساق أو في طوله، وفي خلق أذن الخرنق أو في لطف سمعها؟ ما أسخف هذا لفظاً وأقله من البيان حظاً، وإنما ذهبت في قولك:
) قد زاد َفي الساقِ على النقانقِ (
إلى قول أبي دواد:
لهُ ساقا ظليمٍ خاضبٍ فوجئ بالرعُبْ
وفي قولك:
) وزاد في الحذرِْ على العقاعقِ (
قول بعض العرب:
منُيتُ بزَمرًدةٍ كالعصاَألصَ وأخبثَ من كنُدشِ
وقولهم:) هو أحذر من كندش (، وهو العقيق. وقد سمعت قول امرئ القيس
لهُ أبْطلاَ ظبيٍ وساقا نعامةٍوإرخاء سرْحانٍ وتقربُ تتفُلِ
فليلهك عن وسواس فكرك هذه الألفاظ التي ذهبت بك في التيه، وانظر إلى جمعه بين هذه الألفاظ المتباينة والأجزاء المتحاجزة. فإنه شبه في هذا البيت أربعة أشياء، إذ كان مخرج هذا اللفظ في التشبيه حتى يكون المعنى المقصود واقعاً من البيان، على أن له أيطلين كأيطلي الظبي وساقين كساق النعامة وإرخاء كإرخاء السرحان وتقريباً كتقريب التنقل. فضلت في أبياتك هذه عن مدرجة الإحسان وأطفأت بهذه الألفاظ القلقة مصباح البيان. قال: ففيها أقول:
) يرٌيكَ خُرْقاً وهوَ عَينٌ الحاذِقْ (
فاحفظني ذلك القول منه وقلت: أراك تعتدنا نَعم! فقال: حاشى لله. فقلت: أما هذا مسلوخ سلخ الإهاب من الرجز يصف ناقة:
خرْقاء إلا أنها صناعُ
أو من قول حميد بن ثور:
فقال وسنْانً ولماُ يرْقدُإلى صناعِ الرجَل خرقْاء اليَدِ
وهذان البيتان من أوجز ما قالته العرب. وما يجري معهما في الاختصار وحسن الإيجاز وقرب المأخذ قول الآخر يصف سهماً:
غادرَ داءً ومضىَ صحيحاَ
ومثله قول الآخر يصف وحشاً وسهماً:
حتى نجاَ من جوْفهِ وما نجاَ
وقد قال أبو نواس:
صنعْ اللطيفةِ واستلابَ الأخرقِ
فكأنه من قول حميد بن ثور:
بَنتَْ بيتهُ الخرْقاءُ وهي لطيفةُلهُ بمراقٍ بينَ عُودَين سلماَ
وفي هذه يقول في صفة الفرس:
) بذَ المذاكيَ وهوَ في العقائق (
وإنما أخذه من قول الراجز:
قد سبقَ الأقرَح وهوَ رابضُفكيفَ لا يسبقَ إذ يراكضُ
يريد أن أمه قد سبقت وهو في بطنها. ثم قلت: وقد تبردت في هذه الأرجوزة على عادتك بان قلت:
أقام فيها الثْلجُ كالمراِفقِيعقد فوقَ السنَ ريقَ الباصقِ
وأشهد الله أن هذا من غث الكلام وسقط الشعر. فقال بعض صاغيته: أيقال لكلام مثله غث؟: أجل أليس هو القائل:
ألعبْدُ لا تفضُلُ أخلاقهُعنْ فرجهِ المننُ أو ضرْسه
ومن براداته قوله:
وإنماٌ تحتاْلُ في حلُهكأنكَ الملاحُ في قلَسهِ
ونحو هذا قوله:
لسريِ لباسهُ خشُن القُطْنِ ومرْويُ مرو لبسُ القرود
وقوله:
وكنتُ من الناسِ في محْفلٍفها أنا في محفلٍ من قُرودِ
فلا تسَمعنَ من الكاذبينَولا تَعبأنَ بمحْل اليَهودِ
ومن قبيح التشبيه قولك تصف كتيبة:
وملمْومةٍ سيفَيةٍْ ربعَيةٍيصيحُ الحصىَ فيهاَ صياحَ اللقَلقِ
وقد أخذته من قول ابن المعتز:
وبلدةٍ صائحةِ الصُخورِ
وأحسن من هذا قول النامي في كلمة امتدح بها سيف الدولة أولها:
قفوا وعليهِ الدَمعُ فهوَ كثيبَ
فقال فيها:
تتُعتعُ ألفاظَ الحَصىَ بسنَابكٍإذا كلمَتُهْ عجُمهنُ تُحبُ
فقال: أما تشبه أصوات الحصى من تحت حوافر الخيل أصوات اللقالق؟ فقلت: هبه أشبهه فهل هو من محاسن التشبيه؟ ألا ترى أنهم هجنوا قول لبيد:
... وترْكاً كالبَصلْ
وهو تشبيه واقع، وذمواُ قول الآخر:
والخيل من خلَل الغُبارِ مغُيرةُكالتمرِ يُنثرُ من وراء الجرَمِ
والجيد قول الشعر: يقول: خرجت متساوية كتساوي أصابع المصطلي عند اصطلائه.
ومن جافي لفظه قوله:
أين التوْرابُ قبلَ فطامهِويأكلُهُ قبلَ البلوغِ إلى الأكْلِ
فلفظة التورْاب على سلامة مصدرها جافية جداً. وقد اعتمد في هذا البيت على أرق بيت في معناه وأشجاه لفظاً، وهو قول محمد بن يزيد الأموي السلمي:
فَطمَتكَ المنونَ قبلَ الفِطامِواحتواكَ النقصانُ قبل التَمامِ
ومن سفاف الكلام وسقطه ومستعجمه قوله:
صَغرْتَ كلً مكبُرٍ وعلْوت عنلكأنهُ وبلَغتَ سنّ غلاُمِ
فهذا من النسخ الغلق القلق، وهو مع قلقه مأخوذ من أعذب لفظ واسلمه. قال بعض الشعراء المتقدمين في الدولة الأموية:
بَلغْتَ لعشَرِ مضتْ من سنيكَما يبلغُ السَيدُ الأشيَبُ
فهمُك فيها جِسامُ الأمورِوهمُ لداتكَ أنْ يلَعبوا
وأحسن من قوله:) صغرَتْ كُل مكبرَ (قول الأول:
لهُ هممُ لا منتهىُ لكبارهاِوهمتهُ الصغرُى أجلُ من الدهرِْ
ومن براداته قوله:
كَريمُ نَفضتٌَ النٌاسَ لماُ بلغتهُكأنهمُ ما جفَ من زادِ قادمِ
فتباً لهذا التشبيه، وضلة لهذا التمثيل، ويا رحمتا للممدوح به والمواجه بإفساده. وقوله أيضاً:
يقْضمَ الجمرَ والحديدَ الأعاديدونهُ، قضمَ سكُرَ الأهوازِ
وفي هذه الكلمة يقول واصفاً سيفاً:
حَمَلتْهُ حَمائلُ الدهُرِ حتىهيَ محُتاجةٌ إلى خرازِ
على أنه قد أخذه من قول البحري يصف سيفاً:
حَملَتْ حمَائلهُ القديمةُ بقلةًمن عهدِ عادٍ غضَةً لم تذْبلِ
ولعمري لقد فات فحول الشعراء في وصفه هذا السيف، وجرى وإياهم في حابه الإحسان فقصروا عن غاية سبقه، وألهانا قول المتنبي هذا في وصفه سيفه:
) هيَ مٌحتاجةُ إلى خَرازِ (
عن قول طرفة في وصفه سلفه:
أخي ثقَةٍ لا ينثني عنَ ضريبةٍإذا قيلَ مَهلاً قال حاجزهُ قَدي
حسامُ إذا ما قمتَ منُتصراً بهِكفى العوْدَ منه البدْءْ ليس بمعضدِ
وعن قول النابغة:
تقدُ السٌلوقيَ المَضاعَف نَسخةُوتوقدُ بالصفاحِ نارِ الحُباحبِ
قوله:) إذا قيل مهلاً (معناه إذا قال مهلاً، قال الحاجز الذي بيني وبين المضروب قد أتى على ما أراد من القطع.
وقول أبي النجم:
يُذْري بإرعاسِ يمينِ المُؤتليَخُضُمةَ الساعٌدِ هدَالمُختليَ
قلت: وهو القائل:
منْ لي بفهَمِ أهيلَ عصرٍ يدُعيأنْ يَحسبَ الهنديُ فيهم باقلُ
فلو أن باقلاً قائل هذا الشعرلكان منعياً عليه في مدة، وما أكثر إعجابه بالتصغير، ولا يتفق له فيه تصغير مستعذب، ولعله احب أن يماثل قول القطامي:
قدُ يدْيمهَ التُجريبِ والحْلم إننيلأرىَ غفَلاتِ العيشِ قبل التجاربِ
أو قول النجاشي:
قُبيَلةُ لا يغْدرونُ بذمةٍولا يظَلمونَ الناُسَ حَبةَ خرْدلِ
وأتانا من تصغيره ما خرج عن هذا الباب، فضل فيه عن طريق الصواب وهو القائل:
قَبيلُ أنتْ أنتَ وأنتَ منهُموجدُكَ بشْرُ المَلكُ الهُامُ
فهذا، وإن كان غشاً كما يرى الرئيس، فإنه دال على لكنه قائله. وكيف لا ينسب إلى البرد وهو يأتي بهذا ونظائره! ومن الكلام الهجين والمعنى المهين قوله: ولعمري إنُ هذا من نتائج خاطره واختراعات فكره وبنات صدره.
وكذلك قوله أيضاً:
ففَي كل يوْمٍ ذا الدُمستقُ مقُدمٌقفاُه على الإقدامِ للوجهِْ لائمُ
وهذا من الطباق الغث، وكفى بقول عبد الصمد بن المعذل:
بدَ حسنَ الوُجوهِ حُسنُ قفَاكا
ومما يشترك في هذا المعنى قول الآخر:
قفاَهُ وجهُ ثم وجهُ الذيقفاءُ وجْهُ يشبهُ النُفْساَ
ومما نعي على الرمة قوله:
ومَيةُ أحسنُ الثقَلينِ جيداًوسالفةً وأحسنهمُ قذالا
ومما لا ترى في برده ولا ريب في لكنه قائله:
فحُذاَ ماء رجلْهِ وانضحَا فيالمدْنِ تأمنْ بواثق الزُلزالِ
ومن اللكنة وركاكة اللفظ والافتقار الشديد قوله:
العاِرضُ الهَتنُ ابن العرض الهتنِابن العرضِ الهتنِ ابن العارض الهتنِ
وأحب أبا الطيب ناجي نجوم الدجى ليلةً كلها حتى حياه بوجهه صبحها حين انتظم له هذا البيت، وسوف يأتي فيما بعد: ومن أهجن الأقسام وأوهى معاقد الكلام قوله:
إنْ كانَ مثُلك كانَ أو هو كائنُفبرئْت حينئذ من الإسْلامُِ
وإنما احتذى في قول بعض القضاة في أيام المأمون:
برئْتُ من الإسلامِ إن كان ذا الذيحكاهُ لك الواشونَ عنيُ كما قالُوا
ولكنُهُمْ لما رأوْكُْ غَرِيةُبوَصْلي تواصْوا بالنُميمةِ واحتالوٌا
وكأنهَ لم يسمع قسم النابغة في قوله مخاطباً النعمان:
ما إن نَديتُ بشيء أنت َ تكرهَهُإذاً فلا رفَعتْ سوْطي إلى يدَي
إذنْ فعاقَبَني ربيُ مُعاقبةًقَرتْ بها عينُ منَ يأتيكَ بالحسَدِ
وينظر إلى هذا المعنى قوله في الكلمة الأخرى:
فَلوْ كفَي اليمينُ نَبتْك خوْفالأفردْتُ اليَمينَ من الشمالِ
إلى قول عمرو بن قميئة:
فما قُلتُ ما نطقواَ باطلاًولا كنتُ أكرهُهُ أنْ يقُالا
فإنْ كان َ حقاً كما خَبرُوافلا وصَلَتْ لي يمينُ شِمالا
ومن هاهنا أخذ النابغة قوله:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع