من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الأول (٦)
أما قوله " بعيد سهلها من جبالها " فإنَّه ذكر برية بعيدة الأقطار مستوية، وإذا كانت البرية مستوية بغير جبال كان أبعد لها، فذكر أنّ سهلها بعيد من جبالها لاستوائها وبعد أطرافها.
وقوله " ونضو على نضو تجشم شقة " فهو معنى مليح جيد، وهو كثير في أشعارهم، فمن ذلك قول العباس بن الأحنف:
إنَّا من الدَّرب أقبلْنا نؤمُّكمأنضاءَ شوق على أنضاء أسفارِ
آخر:
رأتْ نضو أشجانِ أميةُ شاحباًعلى نِضوِ أسفار فجُنَّ جُنونُها
آخر:
باتت تُشوِّقني برجع حنينهاوأزيدها شوقاً برجع حنيني
نضوان مغتربان عند تهامةطَوَيا الضلوعَ على جَوى مكنونِ
وقال أبو الشيص:
أكل الوجيف لحومهم ولحومهافأتوك أنقاضاً على أنقاضِ
ومثل هذا قول أبي تمام:
فقد أكلوا منها الغواربَ بالسُرىفصارت لها أشباحُهم كالغواربِ
آخر:
حتَّى انْتَضاه الصبحُ من ليل خَضِرْمثل انتضاء النصل والسيف الذَكِرْ
نضوَ هوى بالٍ على نضو سفَرْ
والأصل في هذا المعنى على قول بعضهم قول امرئ القيس:
ألا إنَّني بالٍ على جملٍ بالٍيسوق بنا بال ويتبعُنا بالِ
يجوز أن يكون أراد في هذا البيت أنَّه وجمله وقائده وسائقه بالون على ما قدمنا من هذا المعنى. ويجوز أنَّه أراد أنَّه خُبْرٌ بالموضع الَّذي يقصده وكذلك جمله وقائده وسائقه من بلوت الشيء أي خبرته. فإن قال قائلٌ: ما لذكر القائد ههنا معنى، إذ كان الرجال لا يُقاد بهم وإنَّما يُقاد بالنساء، ولم يذكر أيضاً أنَّه بالٍ من السقم وقائده صحيح، بل هما باليان، قلنا: إنَّ من شأن الملوك إذا قصدوا وجهاً وأرادوا سفراً وكانوا على نجائبهم أن يُقادَ بهم، وكان امرؤ القيس ملكاً فلذلك ذكر القائد.
فأما قوله " وتغدو بها الوجناء بعد مراحها " البيت، فكثير أيضاً في أشعارهم فمن ذلك قول جرير:
إذا بلغوا المنازل لم تقيِّدْوفي طول الكلال لها قيودُ
مثله قول نصيب:
أضرَّ بها التهجيرُ حتَّى كأنَّهابقايا سِلالٍ لم يدَعْها سِلالُها
ومثله قول الآخر:
كانت تُقيَّد حين تنزل منزلاًفاليومَ صارَ لها الكلالُ قيودا
وقال آخر:
قيَّدَها الجهد ولم تقيَّدِ
وقال آخر:
إذا اطَّرَحوا عنها الرحائل لم تَزُلْكَلالاً وقد كانت تنافَرُ بالعقلِ
وقال آخر:
وقيَّدها التهجيرُ في كل سبسبٍبعيدِ المدى قُطْراهُ منتزحانِ
وقال آخر:
وما زال طولُ السير حتَّى لقد غدتركائبُنا حسرى بغير قيودِ
وقال آخر:
تشكَّى إليَّ الأرحبية ما بهاوما بي ممَّا بالنجيبة أكثرُ
غدوت طليحاً وهي مثلي لقطعهافدافد أشباهاً تروح وتُبْكِرُ
آخر:
وقيَّدها بعد ذاك المِراحبكور تواصله بالرواحِ
وقال مخلد يصف ناقة حجَّ عليها:
غدت بالقادسية وهي ترنوإليَّ بعين شيطانٍ رجيمِ
فما وافت بنا عسفان حتَّىرنت بلحاظ لُقمان الحكيمِ
وقال مروان بن أبي حفصة في مثل هذا:
فما بلغت حتَّى حماها كلالُهاإذا عَرِيتْ أصلابُها أن تقيَّدا
والأصل في هذا كلّه قول عباد بن أنف الكلب الصيداويّ وهو:
فتُمسي لا أقيِّدُها بحبلٍبها طولُ الضَّرارة والكلالُ
أعرابي يخاطب ناقته:
فلله إن بلغْتِ رحلي أهلهابهضب الصفا أن تُطْلَقي من حبالكِ
وأن لا تخطَّيْ سبسباً بعد سبسبٍوأن لا تثنَّى ليلةً في عقالكِ
والأصل في هذا قول الشماخ بن ضرار في عرابة الأوسي، وإن كان هذا الشاعر قد قلَبه:
إذا بلّغتِني وحملتِ رحليعرابةَ فاشْرَقي بدم الوتينِ
هذا دعا عليها والأول نذر ألاَّ يتعبها بسير ولا غيره. ولغيره من الشعراء في هذين المعنيين أشياء نذكر بعضها، فمن ذلك قول ذي الرمَّة في معنى شعر الشماخ يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري:
إذا ابن أبي موسى بلالاً بلَغتهفقام بفأس بين وصليك جازِرُ
فأما من قلب هذا المعنى بالدعاء لها أو بالنذر أنَّها لا تُتعب وجوَّده فأبو نواس بقوله:
أقول لناقتي إذ بلغتنيلقد أصبحتِ عندي باليمين
فلم أجعلك للغربان نهباًولا قلتُ اشرَقي بدم الوتين
وردَّ أيضاً هذا المعنى في موضع آخر من شعره فقال:
فإذا المطيّ بنا بلغن محمّداًفظهورهنَّ على الرحال حرامُ
ومن القديم الجيد في هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵀ وقد وجَّهه النبي ﷺ أميراً بعد زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب رحمة الله عليهما على الجيش الَّذي أنفذه إلى غزوة مُؤتَة، وهو:
إذا بلّغتِني وحملْتِ رَحْليمسافةَ أربعٍ بعد الحِساءِ
فدونكِ فانْعَمي وخلاك ذمّولا أرجِعْ إلى أهلي ورائي
ومن القديم قول الفرزدق يخاطب ناقته:
علامَ تلفَّتينَ وأنتِ تَحتيوخيرُ النَّاس كلِّهم أمامي
متى ترِدي الرُّصافةَ تستريحيمن الأنْساعِ والدَّبر الدّوامي
وقد أخذه أبو تمام فقال:
ولست شماخاً الَّذي ليمَ فيسوءِ مكافاته ومجترمهْ
أشرَقَها في دم الوتين لقدضلّ كريم الأخلاق عن شيَمهْ
وذاك حكم قضى عليه بهأُحَيْحَة بن الجُلاح في أطمِهْ
أراد بهذا القول أنَّ الشماخ لما أنشد عرابة شعره وانتهى إلى قوله: " إذا بلغتِني " البيت، قال له أحيحة: بئس ما كافأتها به، شماخ، ومعنى قول الفرزدق وغيره " متى تردي الرصافة " البيت، يريد أنَّا إذا وصلنا إلى هذا الممدوح أغْنانا أن نطلب المعاش ونرحل في التماس الرزق بما يُسدي إلينا ويهبُ لنا. وقد روى أهلُ السير أنَّ امرأة من الأنصار كانت مأسورة بمكة، وأنّها هربت من أيدي المشركين فنجت على ناقة من إبل الصدقة، فلما صارت إلى المدينة قالت: يا رسول الله! إنّي قد نذرت أنّي إن نجوت عليها أن أنحرها، فقال النبي ﷺ: بئسما جازيتها، وقال: لا نذر في معصية. وقال آخر في هذا المعنى:
إذا بلَّغتنا الناجيات إليكمفقد أمنت من حلة ورحيلِ
آخر:
لا نالها الحلُّ ولا الترحالإن بلَّغتْني من له الأفضالُ
آخر:
إذا بلَّغَتْ أرضَ الحبيبة ناقتيفقد أمنتْ من كلّ ما تحذَرُ البُزُلْ
وقال ابن قيس الرقيات في حمزة بن عبد الله بن الزبير:
سأُعفي ناقتي من كلّ شيءتخاف إذا أتَت آل الزبير
قد ذكرنا من هذا الفنّ ههنا شيئاً وبقي منه أشياء أخر لمواضع أخر من الكتاب إن شاء الله.
أعرابيّ:
وقافيةٍ غيرِ معمورةقرضتُ من الشعر أمثالَها
شرود تُجوِّلُ في الخافقَينإذا أُنشدت قيل من قالَها
القول يتسع في وصف الشعراء لأشعارهم إذا أنشدت، إلاَّ أننا نثبت منه ها هنا فنّاً واحداً ونترك فيه فنوناً كثيرة تقارب هذا الفنّ لتقع في مواضعها، فمن ذلك قول الخنساء:
وقافية مثل حدِّ السنانِ تبقى ويهلكُ من قالها
ومثل هذا قول دعبل:
إنِّي إذا قلت بيتاً مات قائلُهومن يقالُ له والبيت لم يمتِ
ومثله أيضاً:
يموت رديء الشعر من قبل ربِّهوجيِّدُه يبقى وإن مات قائلُه
وقريب منه:
قواف لو يكون لها شخوصٌلركّبَها الكميُّ على السنانِ
ومثله:
قواف لو تقارضها المنايالركَّبَها الكماة على الرماحِ
آخر:
فإن أهلك فقد أبقَيتُ بعديقوافي ليس يَلْحقها الفناءُ
آخر:
لا يفرحن بموتي من تركت لهعاراً إلى آخر الأيام معروفا
قصائداً تترك الألباب حائرةمن شاعر لم يزل بالحذق موصوفا
آخر:
خذوها هنيئاً إنَّها لرقابكمقلائد عارٍ ليس تَزْهى سموطها
وممّا يقارب هذا المعنى وإن لم يكن مثله سواء قولُ الشاعر:
أليس إذا ما قلت بيتاً تناوحَتبه الريحُ في شرقيها والمغاربِ
يقصِّرُ للسارين من ليلة السُّرىويُغْدى عليه بالقيانِ الضواربِ
ومن جيد هذا المعنى ونادره للخريمي:
من كلِّ غائرة إذا وجَّهتُهاطلعتْ بها الركبانُ كلَّ نجادِ
طوراً يمثِّلُها الملوك وتارةًبين النُّدِيِّ تُراضُ والأكباد
ذكر أنَّ الملوك كثيرة التمثل بأشعاره، وأنَّ الغناء فيها أيضاً كثير فهي تُراض بين النُّدِيِّ والأكباد، وهناك مواقع العيدان. وقال ابن أبي حفصة في شبيه من ذلك:
إنِّي أقول قصائداً جوَّالةأبداً تَجول خوالعاً أرسانَها
من كل قافيةٍ إذا جرَّبتُهاجمحت فلم تملك يداي عنانَها
سارت بيوتي في البلاد فأمْعَنتوبيوتُ غيري لم تَرِمْ أوطانَها
وقال بشار بن برد:
ومثلِك قد سيَّرتُه بقصيدةفسار ولم يبرحْ عراصَ المنازل
رميتُ به شرقاً وغرباً فأصبحتبه الأرض ملأى من مقيمٍ وراحل
وقال مُزرِّد بن ضرار:
زعيم لمن فارقتُهُ بأوابدٍيغنّي بها الساري وتحدي الرواحلُ
تُكَرُّ فلا تزداد إلاَّ استِنارةًإذا رازَتِ الشعر الشفاهُ العواملُ
وقال كثير:
وإلاَّ يعقْني الموتُ والموت غالبله شرك مبثوثة وحبائلُ
أُحبِّرْ له قولاً تناشد شعرهإذا ما التقَتْ بين الجبال القبائلُ
وتصدر شتَّى من مُصِبٍّ ومُصعِدإذا ما خلَتْ ممَّن يحلّ المنازلُ
يغنّي بها الركبان من آل يحصبوبصرى وترويه تميم ووائلُ
وقال آخر أيضاً وهو محمد بن حازم:
أبَى لي أن أُطيلَ الشعرَ قصديإلى المعنى وعلمي بالصوابِ
فأبْعثهن أربعةً وستّاًمثقفة بألفاظ عذابِ
وهنَّ إذا وسَمتُ بهن قوماًكأطواق الحمائم في الرقابِ
وهنَّ وإن أقَمنَ مسافراتٌتهاداها الرواةُ مع الركابِ
وشبيه بما ذكرناه قول البحتري:
وأنا الَّذي أوضَحتُ غيرَ مدافعنهجَ القوافي وهو رسمٌ دارسُ
وشهرتُ في شرقِ البلاد وغربهاوكأنَّني في كلِّ نادٍ جالسُ
ومثله:
فلا تبعدنّي من نداك فإنَّ ليلساناً مَلا الدُّنيا وأنت ابن خالدِ
آخر:
لأحملنّك من شعري على فرسمن المذبَّة مأمونٍ على الزلقِ
يأتي بك الصينَ في يومٍ وليلتهكالريحِ تأتي على مكرانَ والسَّلَقِ
والشعر في صفة الشعر كثير، وإنَّما أتينا بهذا الفنّ منه ههنا، وتركنا غيره لنأتي به في مواضع أخر إن شاء الله.
أعرابيّ يذكر ابنه:
فتًى لم تلِدْه بنتُ عمّ قريبةفيضْوى وقد يَضوى سليل القرائبِ
ولكنَّما أدَّتْه بنتُ محجّبٍعظيمِ الرواقِ من خيارِ المَرازبِ
تعلّم من أعمامه البأسَ والندىوورَّثه الأخوالُ حسنَ التجاربِ
ومثل هذا قول جرير في ابنه بلال:
إنَّ بلالاً لم تشِنْهُ أمُّهلم يتناسَبْ خالُه وعمُّه
فريحُه ريحي وشمّي شمُّه
وإنّما يعتدّ بأنَّ خاله وعمَّه لم يتناسبا، لأنَّ العرب تزعم أن ابن الغرائب أنجب، وأنَّ ابن القريبين يكون ضاوياً، ومن أمثالهم: اغْتَرِبوا لا تُضْووا، وأنشد:
نمت بي من شيبان أُمٌّ نزيعةكذلك ضرب المنجبات النزائع
وهذا البيت لجرير، وكانت أمُّه نزيعة في بني شيبان. وروي أنَّ نوح ابن جرير أنشد هذا البيت في مجلس يونس بن حبيب النحويّ ورجل من بني شيبان حاضر المجلس، فالتفت إليه نوح فقال: أخذناها والله يا أخا بني شيبان بأطراف الرماح عنوةً، فقال له الشيباني: أجل والله، ولولا ذلك لكان أبوك وجدّك ألأمَ من أن ينكحاها عن رضى.
وقال آخر في المعنى الَّذي قدمنا ذكره:
تجنَّبتُ بنت العمّ وهي قريبةمخافةَ أن يضوى عليَّ سليلي
وفي مثله لأخر:
أُنذرُ من كانَ بعيدَ الهَمِّتزويجَ أولاد بنات العمِّ
وفي مثله لآخر:
تركت بنات العمّ واقتادني الهوَىإلى ابْنَةِ عالي الذكر من آل فارسِ
وقال العتبي: تزوج أهل بيت بعضهم في بعض، فلما بلغوا البطن الرابع بلغ بهم الضعف إلى أن كانوا يَحبون حبواً لا يستطيعون القيام ضعفاً.
وقال عمارة بن عقيل:
تبحَّثْتم سخطي فغيَّر بحثُكمسجيَّة نفسٍ كان نصحاً ضميرُها
ولا يلبث التَّخشينُ نفساً كريمةعريكتها أن يستمرَّ مريرُها
وما النفس إلاَّ نطفة بقرارةإذا لم تكدَّر كان صفواً غديرُها
أما قوله: " وما النفس " البيت، فمن أحسن الكلام وأوضح المعاني، وقريب منه قول الفرزدق وليس هو بعينه:
تصرَّم منّي ودُّ بكر بن وائلوما خلتُ باقي ودِّها يتصرَّمُ
قوارص تأتيني ويحتقرونهاوقد يملأ القطرُ الإباءَ فيُفْعَمُ
وما أنفُس الفتيانِ إلاَّ مناهِلتُضيء وإن كانت على الظلم تُظْلِمُ
وشبيه بهذه الأبيات قول عمارة بن عقيل:
وما تنفكُّ من سعد إليناقطوع الرحم فارية الأديمِ
فنغفرها كأن لم يفعلوهاوطول العفو أدربُ للظلومِ
الدُّربة: العادة، قال الراجز:
عفوك عن عبد لئيم دُربَهْفأدِّب العبدَ وأحسِنْ ضرْبَهْ
عُبيد بن ناقدٍ:
أحُوط العشيرةَ لم أبغِهابعيبٍ ولم ألتمسْ ذامَها
وأُعطِي تلادِيَ ذا فَقْرهاوأضربُ بالسَّيف مَن رامَها
وعادِيَة كمَسيلِ الأَتِيِّنهنهتُ بالطَّعن قُدَّامها
تَرى لونَها مثل لَون النُّجومِ ساعَة تَفرجُ إظلامَها
فسائِلْ هوازنَ عن وقعِناوحيَّ تميم وهمَّامهَا
عشيَّة لولا حياءُ النِّساءِلسُقْنا الدّيارَ وآطامَها
أما قوله: " أحوط العشيرة " البيت، فمعنى جيّد، وقد أكثرت الشعراء الاشتراك فيه، فمن ذلك قول الجعفيّ:
أحوط عشيرتي من كلِّ أمرٍتُعابُ به العشيرةُ أو تُذَمُّ
وأضرب دونها في كلِّ حربٍبأبيضَ ليس يبرأُ منه كَلْمُ
ومنه قول ليلى الأخيليَّة:
تحوطُ العشيرةَ أفعالُهُوتحمل عنها الَّذي آدَها
وأما قوله: " وعادية كمسيل الأتيّ " البيت، فيصف كتيبة لقوّتها، وقوله: " نهنهتُ بالطعن قدّامها " يقول: طاعنت المتقدمين من فرسانها، والمتقدمون في وقت الحرب هم الأُمراء الفرسان، وكذلك قول عنترة:
نهنهتُ أوَّلَهم بعاجل ضربةٍورشاش نافذةٍ كلون العندمِ
وأما قوله: " ترى لونها مثل لون النجوم " البيت، فإنَّه يريد بالنجوم ههنا الأسنةَ وبالظلامِ الغبارَ، وهذا كثير في الشعر، وإليه نظر ابن المعتزّ بقوله:
فما راعَهُ إلاَّ أسنة عسكركظلمة ليلٍ ثُقّبتْ بنجومِ
وبيت ابن المعتز أظرف لفظاً وأجود قسمة من الأول، ومثله لآخر يصف جيشاً:
وملمومةٍ لا يخرق الطرف عرضَهالها كوكبٌ فخم شديد وضوحُها
تسير وتزجي السُمر تحت نُحورُهاكريه إلى من فاجأَتْه صبوحُها
مثله:
ونحن ضربنا الكبشَ حتَّى تساقطَتْكواكبُه بكلّ عضبٍ مهنَّدِ
مثله:
ولمّا رأيتُ الصَّبرَ ليس بنافعيوإن كان يوماً ذا كواكبَ أشْهبا
مثله:
تبدو كواكبُه والشمسُ طالِعةٌلا النورُ نورٌ ولا الإظلام إظلامُ
مثله:
بجأواءَ يَنفي وردُها سَرعانَهاكأنَّ وميضَ البيضِ فيها الكواكبُ
وأما قوله: " عشية لولا حياء النساء " البيت، إغراق في الوصف شديد، وإياه أراد البحتريّ بقوله:
وأنزلتَ ما فوق المعاقل منهمفلم يبقَ إلاَّ أن تَسوقَ المعاقلا
وبيت البحتريّ أحسن من الأول وأصحّ لأنّ البحتريّ أوقع شكّاً في بيته، وهذا ذكر أنّه لولا حياؤُهم من النساء لساقوا الديار والآطام وهذا محال.
بشر بن أبي خازم الأسديّ ويهجو:
ألا قَبُحتْ خفارةُ آل لأمٍفلا شاةً ترُدُّ ولا بعيرا
لِئامُ الناسِ ما عاشوا حياةًوأنتنُهم إذا دُفنوا قُبورا
وأنكاسٌ غداةَ الرَّوع كُشْفٌإذا ما البيضُ خَلَّيْن الخدورا
ذُنابى لا يَفون بعقد جارٍوليس يُنعِّشون لهم فقيرا
إذا ما جئتهم تَبغي قِراهموجدتَ الخيرَ عندهم عسيرا
ومن خبيث الهجاء ومُمِضّه قول عمرو بن معدي كرب في جرم بن زبّان:
ولمّا رأيتُ الخيلَ زوراً كأنَّهاجداولُ ماءٍ أُرسلَتْ فاسْبطرَّتِ
وجاشَتْ إليَّ النفسُ أوّلَ مرَّةٍفرُدَّتْ على مكروهها فاسْتقرَّتِ
فلو أنَّ قومي أنطقَتْني رِماحهُمنطقْتُ ولكنَّ الرماح أجرَّتِ
ظَللْتُ كأنّي للرماح دريئةأقاتل عن أحساب جَرم وفَرَّتِ
أما قوله: " وجاشت إليّ النفس " البيت، فلو أنَّ شاعراً أراد هجاءه بأقبح من هذا البيت لما قدر على ذلك، لأنه ذكر أنة نفسه حسَّنت له الفرار وجاشت من الخوف فردّها على المكروه حتَّى استقرّت، إلاَّ أنّ جماعة من الشعراء الفرسان قد أتوا بهذا المعنى واستحسنوا القبيح منه وهم فرسان العرب، منهم عمرو بن معدي كرب، وقد ذكرنا قوله، ومنهم عمرو بن الإطنابة في قوله: " وإقدامي على المكروه نفسي " وقد ذكرناها في أوائل هذا الكتاب، وأخذه آخر فقال:
فإنّكِ لو سئلْتِ بقاءَ يومٍعلى الأجل الَّذي لكِ لنْ تُطاعي
وقد سبق ذكرها، وهي لقطريّ بن الفجاءة المازني، وقال آخر:
أقول لنفسٍ لا يُجادُ بمثلِهاأقِلّي عتاباً إنَّني غيرُ مُدبرِ
ومثله لدريد:
جاشت إليّ النفس في يوم الفَزعْلا تكثري ما أنا بالنِكْس الورَعْ
وهذا كثير جداً، فإذا كان عمرو بن معدي كرب وابن الإطنابة وأمثالهما من فرسان الجاهلية ومن شهرت لها المقاومة في الحروب يذكرون في أشعارهم أنّ نفسهم همَّت بالفرار فعذر الله أبا العمر الطبريّ وأشباهه في ذكرهم من الفرار ما استحسنه واستجاده غيرهم من الفرسان المعدودين، ولو تتبّعنا في هذا الموضع نظائر هذا المعنى من أشعار القدماء لاتَّسع ذلك، ونحن نأتي به في مواضع أُخر على ما شرطنا إن شاء الله.
أما قوله: " فلو أنَّ قومي أنطقتني " البيت، الأصل فيه أنَّ الفصيل إذا أرادوا فطامه شقّوا لسانه فلم يقدر على الرّضاع، فقال هذا: كأنّ لساني قد شُقَّ فليس أقدر أتكلّم ولا أذكر لكم فخراً لما فعلتم من الفرار، ولو أنّكم قاتلتم لجاز أن أذكر ذلك في الشعر وأفتخر به، فأمّا مع هربكم فمتى قلت شيئاً أفتخر به كذَّبتني النَّاس، فهذا هجاء ممضّ، ومثله من الكلام المنثور قول الأعشى لبني شيبان يوم ذي قار: " يا معشر بكر بن وائل! أطلقوا لساني " أي افعلوا فعلاً أستجيز أن أمدحكم به، وقد أخذ هذا المعنى جماعة من الشعراء فأتوا به في المدح والذّمّ، فمن ذلك قول بعضهم في المدح:
هم عقلوا عنّي لسان مفاخريوهم أطلقوا يوم اللقاء لسانيا
وأخذه أبو هفان في المدح أيضاً فقال:
وهم بسيوفهمُ الماضياتِ يوم الوغى أطلقوا مَنطقي
وقد تأوّل بعض العلماء أنَّ قول النعمان بن عبد المدان:
أقول وقد شدُّوا لساني بِنسْعَةٍمعاشِرَ تَيمٍ أطلِقوا عن لسانيا
مثل هذا المعنى، والأمر خلاف ذلك، لأنَّ النعمان كان شاعراً فلمّا أسرَته التَّيم خافوا هجاءه فشدّوا لسانه لئلاّ يهجوهم، وقد ذكرنا هذا المعنى في مواضع أخر.
وأمّا قوله: " ظللت كأنّي للرماح دريئة " البيت، فليس يجوز أن يكون في الهجاء أشدّ منه لأنّه ذكر قتاله عن قوم قد فرّوا، وليس هم منهم غير أنَّه يقاتل عنهم عصبية وغضباً لهم، وقد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
رأيت بني القلمّس رهط سوءلهم غَنم وليس لهم كلابُ
أناظر عنهم وهمُ حُضوروأطعن دونهم وهم غيابُ
وهذا أيضاً من الهجاء الشديد، ذكر أنَّ لهم أموالاً وأنَّ أعداءهم ينتهبونها طمعاً فيهم وقلَّة خوف منهم، وقوله: " ليس لهم كلاب " يريد سفهاء يمنعون عنهم الظالم فيردّون الباغيَ، ومثل هذا قول النابغة:
تعدو الذئاب على من لا كلاب لهوتتّقي صولة المستأسد الحامي
وقول هذا الشاعر: " أناظر عنهم وهم حضور " البيت، فقبيح أيضاً إلاَّ أنَّ فيه للمعترض كلاماً يقوله في قوله: " وأطعن عنهم وهم غياب " فيقول: فلعلَّهم لو شهدوا لقاتلوا، وليس هو مثل قول عمرو: " أقاتل عن أحساب جرمٍ وفرّت " فهذا جعلهم حضوراً قد شهدوا الحرب ثمَّ فرُّوا، وأما قوله: " أناظر عنهم وهم حضور " فمثله قول جرير:
ويُقضَى الأمرُ حين تغيب تَيمولا يُستأذنونَ وهم شهودُ
ومثله قول الآخر:
عزَلْنا وأمَّرنا وبكرُ بن وائلتجرُّ خصاها تبتغي مَن تُحالفُ
ذكر في هذين البيتين ذلّهم وأنَّهم لا يحضرون عند مشاورة ولا أمرٍ عظيم. ومن بديع ما قيل في الذلّة والقلّة قول الآخر:
قومٌ إذا حضرَ الملوكَ سُراتُهمنُتفتْ شواربُهم على الأبوابِ
ومثل ذلك قول زياد الأعجم:
قمْ صاغراً يا شيخَ جرم وإنَّمايُقال لشيخ القوم قُم غيرَ صاغرِ
فمن أنتمُ إنَّا نسينا مَن أنتمُوريحُكمُ مِن أيّ ريح الأعاصرِ
أأنتم أُولى جئتُم مع البقل والدَّبافطار وهذا شخصكم غير طائرِ
فلم تُعرَفوا إلاَّ بمن كانَ قبلكمولم تُدرِكوا إلاَّ مَدقَّ الحوافرِ
وقد ذكرنا أشياء ممَّا قيل في الذلّة والقلّة فيما سلف ونذكر فيها أشياء فيما يستأنف بمشيئة الله وعونه.
أعرابي من بني ذبيان:
رأَستكمُ وما منكم رئيسأذُود وليس فيكم من يذُودُ
تُفدِّيني نساؤُكم ومُهْرييكرُّ وأنتم عُصَبٌ شهودُ
فأين لواءكم إلاَّ بكفِّيإذا كثر البوارقُ والرّعودُ
وهذا أيضاً هجاء ممضّ شديد وتقريع عظيم.
وأما قوله: " تفديني نساؤكم " البيت، فمثل قول الآخر:
وقد علمتْ هوازنُ كيف صبريإذا ما انْحازَ في الحربِ اللّواءُ
ويوم بني السّقيفة أفرَدونيلطعنٍ ما لجائفه دواءُ
فما إن زلت أضربهم بسيفيوما زالت تُفدِّيني النِّساءُ
ومثله لآخر:
وقد علمت نساؤكم بأنَّاغداة الرَّوع أحمَى للذمار
وأضربُ منكمُ رأس المفدَّىوأعظَمُ في اللَّيالي ضوءَ نار
ومثله قول الآخر:
ورجعتمُ يومَ الكريهة خُشَّعاًوسيوفُنا وسيوفكم تترنَّمُ
فمتَى جحدتم ما نقول فسائِلواعنَّا نساءَكمُ لكيما تعلَموا
ولنحن أكثرُ في صدور نسائكممنكم إذا ما الأرض طبّقها الدّمُ
وشبيه بهذا قول ابن هَرْمة:
إذا قيل أيّ فتًى تعلمونلمُعترِّ فِهْرٍ ومُحتاجها
ومَن يُعجِل الخيلَ يوم اللّقاءبإلجامها قبل إسراجها
أشارت إليك أكفُّ النِّساءبذلك من قبل أزواجها
وقد ردَّ ابن هرمة شبيهاً بهذا القول في بعض شعره وإن لم يكن المعنى بعينه فقال:
إذا قيل أيّ فتًى تعلمونأهشَّ إلى الطَّعن بالذَّابلِ
وأضربَ للقِرْن يوم الوَغَىوأطعَمَ في الزَّمن الماحِلِ
أشارت إليك أكفّ الأنامِإشارةَ غَرْقَى إلى السَّاحِلِ
يحيى بن مقسم السَّكونيّ:
قومي السَّكون فلا أَبغي بهم بدلانعم القبيلة في عُسْر وإيسارِ
فما تسوِّدُ ربّ المال تَتْبَعُهولا تقيمُ على خسف ولا عارِ
لكن تسوِّدُ ذا رأيٍ وذا كرَمٍإن كانَ ذا نَشَبٍ أو حِلفَ إقتارِ
إلى هذا أشار حسَّان في قوله:
نُسوِّد ذا المالِ القليلِ إذا بدتْمروءتهُ فينا وإنْ كانَ مُصرِما
ومثله:
لئن قلَّدوني أمرَهم يوم عاقلفما كنتُ نِكْسا عند ذاكَ مُزَنَّدا
وما سوَّدوني أنَّني ربُّ هَجْمةولكن رأوني مُصدرَ الأمر مورِدا
ومن كانَ ذا مال ولم يكُ ذا حجًىفلستَ تراه ما جرى الآلُ سيِّدا
وقريب منه قول الأشجع:
ولم يكُ أوسَعهم في الغنَىولكنَّ معروفَه أوسعُ
ومثله قول مروان بن معن:
ولم يكُ أكثرَ الفتيانِ مالاًولكن كانَ أرحبَهم ذِراعا
ومثله:
عطائي عطاء الأغنياء وإنَّماسوامي سوام المُقترين المنائحُ
لنا حمدُ أرباب المئين ولا يُرىإلى بيتنا مال مع اللَّيل رائحُ
وشبيه به قول الآخر:
ساد القبائل من ربيعة والقبائل من مُضَرْ
بحجًى تمكّن طَودُهُلا بالضِّياع ولا البِدَرْ
أعرابيّ:
ولا خير في مولًى يظلُّ كأنَّهإذا ضِيمَ مولاه مقيماً على غُنْمِ
حريضٍ على ظلمِ البريءِ مخالفٍعن القصدِ مأمونٍ ضعيفٍ عن الظلمِ
يرَى الحزمَ إن تَرمِي العدَى من ورائهوإنْ كانَ لا ينكأ عدوّاً ولا يرمي
حسود لذي القربَى كأنَّ ضُلوعهُمن الغشّ للأدنَى تبيت على كَلْمِ
قريب إذا عضَّت به الحرب عضَّةوأبعد شيء جانباً منك في السّلمِ
فذاك كغثّ اللَّحم ليس بنافعٍولا بدَّ يوماً أن يُعدَّ من اللَّحمِ
أما قوله: " قريب إذا عضَّت به الحرب عضَّة " البيت، فقد أكثرت الشعراء فيه وأسهبت فلا يُذكر منه إلاَّ ما يدلّ على المعنى، من ذلك قول أوس بن حجر:
وليس أخوك الدَّائمُ العهدِ بالَّذييذمُّك إن ولَّى ويُرضيك مُقبلا
ولكنَّه النَّائي إذا كنتَ آمِناوصاحبُك الأدنَى إذا الأمرُ أعضَلا
ومثله لآخر:
وإذا تكون كريهةٌ أُدعَى لهاوإذا يُحاسُ الحَيْسُ يدعَى جُنْدبُ
ومثله:
ولولا دفاعي في الملمَّات عنكمإذن لعرفتم غبَّ هذي النَّوائبِ
إذا كانَ أمنٌ كنتم الأُسْدَ شدَّةًوإنْ كانَ خوفاً كنتُمُ كالثَّعالِبِ
ومثله:
إذا أخصبتمُ كنتم عدوّاوإن أجدبتمُ كنتم عِيالا
ومثله لآخر:
لا تعرفونا إذا ما الأمنُ أبطَرَكموعند خوفكمُ أنتم لنا خَوَلُ
ومثله لكعب الأشقريّ في يزيد بن المهلَّب:
أيزيد إنَّك لم تَزَلْللأزد مذ خُلقتْ دِعامَهْ
إنِّي ألومك والَّذيأصفيتني يَحْدو الملامَهْ
أُدعَى إلى الحربِ العوانِ ولستُ أُدعَى للمدامَهْ
وأما قوله: " فذاك كغثّ اللَّحم " البيت، فمثل قول أكثم بن صيفيّ: " أنفك منك وإنْ كانَ أجدع "، وإليه نظر ابن المعتزّ فقال:
كماء طريق الحجّ في كلِّ منهلٍيُذَمُّ على ما كانَ منه ويُشربُ
ومثله قول الآخر:
أكلوا تالِدي وذمُّوا قدميمثل خبز الشَّعير أكلاً وذَمّا
وكقول أبي علي البصير لابنه: خرجتَ يا بنيَّ من العُدَدِ ودخلتَ في العَدَد.
ومثله لسويد:
أنتمُ منَّا ولكنَّكمأجبَن الأمَّة في يوم الفَزَعْ
ورفعنا قدرَكم في وائلٍطاقة الوسع ولكنْ ما ارتفعْ
ومثله لآخر:
رأيتُ بني الهجيم وإن تدانَىبهم في دارمٍ نسبٌ قريبُ
هُمُ منهم ولكن ليس منهمنجيبٌ حين يُختبرُ النَّجيبُ
أعرابيّ:
بَلِيتُ وأفناني الزَّمانُ وأصبحتْهُنَيدةُ قد أنضيتُ من بعدها عشرَا
وقد عشتُ دهراً ما تجِنُّ عشيرَتيلها ميِّتاً حتَّى أخُطُّ لها قبْرَا
الطِرِمَّاح وكان خارجيّاً:
وإنِّي لمقتادٌ جوادي فقاذفٌبه وبنفسي اليومَ إحدى المقاذِفِ
أكسبَ مالاً أو أَؤُوبُ إلى غنًىمن الله يكفيني عذاب الخلائفِ
فيا ربِّ لا تجعلْ وفاتي إذا أتتْعلى شرجَعٍ يُعلَى بخُضرِ المطارِفِ
ولكنْ أحِنْ يومي شهيداً وعُصبةًيُصابونَ في فجّ من الأرضِ خائِفِ
عصائب أشتاتٌ يؤلِّفُ بينهمهدَى اللهِ نزَّالون عند المواقِفِ
إذا فارقوا دنياهُمُ فارقوا الأذَىوصاروا إلى موعودِ ما في المصاحِفِ
وذكر الأثر عن أبي عبيدة عن أبي عمرو الشيباني قال: رأيتُ بالبصرة جنازة وعليها مطرف خزّ أخضر، فسألتُ عنها، فقيل: جنازة الطِرِمَّاح، فذكرت قوله:
فيا ربِّ إن حانتْ وفاتي فلا تكنْعلى شرجَعٍ يُعلَى بخُضرِ المطارِفِ
فعلمتُ أن الله ﷿ لم يستجب له.
السَّموأل بن عاديا:
يا ليت شعري حين أندبُ هالكاًماذا تؤنِّبُني به نُوَّاحي
أيقلْنَ لا تبعد فرُبَّ كريهةٍفرَّجتَها بشجاعة وسماحِ
ولقد أخذتُ الحقَّ غيرَ مُخاصمٍولقد بذلتُ الحقَّ غيرَ مُلاحِ
البيت الأخير جيد، ومثله للأقوه:
وإنِّي لأُعطِي الحقَّ من لو ظلمتُهُأقرَّ وأعطاني الَّذي أنا طالبُ
وآخذُ حقِّي من رجالٍ أعزَّةٍوإن كرُمَتْ أعراقُهم والمناسبُ
ومثله لعبد الله بن عبد الله بن طاهر:
لا يطمحُ الظَّالمُ في جانبِيولستُ ممَّن يمنعُ الواجِبا
الشنفرى وقصيدته هذه من أجود أشعار العرب ونحن نأتي بأكثرها، أوَّلها:
أقِيموا بني أُمِّي صدورَ مطيِّكمفإنِّي إلى قوم سِواكم لأمْيَلُ
فقد حُمَّتِ الحاجاتُ واللَّيلُ مُقمرٌوزُمَّت لِطيَّاتٍ مطايا وأرحُلُ
وفي الأرضِ منأَى للكريمِ عن الأذَىوفيها لمن خافَ القلى مُتنقَّلُ
لعمرُك ما بالأرضِ ضِيق على امرئٍسَرى راغباً أو راهباً وهْوَ يعقِلُ
يقول فيها:
وإن مدَّتِ الأيدي إلى الزَّاد لم أكنْبأعجَلهم إذ أجشَعُ القومِ أعجلُ
وما ذاك إلاَّ بسطةٌ عن تفضُّلٍعليهم وكانَ الأفضلَ المتفضِّلُ
ولي صاحبٌ من دونهم لا يخونُنيإذا التبست كفِّي به يتأكَّلُ
ثلاثةُ أصحابي فوأدٌ مُشبَّعٌوأبيضُ مأثور وصفراءُ عَيْطَلُ
إذا زلَّ عنها النبلُ حنَّت كأنَّهامولّهة ثكلَى تحنُّ وتعولُ
وأغدو خميصَ البطنِ لا يستفزُّنيإلى الزَّادِ حِرصٌ أو فوأد مؤكّلُ
ويومٍ من الشعرَى يذوبُ لعابُهُأفاعيهِ في رمضائِهِ تتململُ
نصبتُ له وجهي ولا كنَّ دونَهولا سترَ إلاَّ الأتحمِيُّ المُرَعبَلُ
ولولا اجتِنابُ الذَّأمِ لم يُلفَ مشربٌيُعاش به إلاَّ لديَّ ومأكلُ
ولكنَّ نفساً حُرَّة ما تُقيم بيعلى الخَسفِ إلاَّ ريثَما أتحوَّلُ
أُديمُ مِطالَ الجوعِ حتَّى أُميتَهُوأضربُ عنه الذِّكرَ صَفحاً وأذهلُ
وأستفُّ تُربَ الأرض كي لا يرَى لهعليَّ من الطَّول امرؤٌ متطوِّلُ
وأغدو على القُوت الزَّهيدِ كما غدَاأزلٌّ تَهاداهُ المتالِفُ أكحلُ
غدا طائراً يُعارض الرِّيحَ هافياًيَخوتُ بأذنابِ الشِّعاب ويعسِلُ
فلمَّا دعاه القُوتُ من حيث أمَّهدعا فأجابتهُ نظائرُ نُحَّلُ
مُهلِّلةٌ شيبُ الوجوهِ كأنَّهاقِداحٌ بكفَّي ياسرٍ تَتَقَلْقلُ
مُهرَّتَةٌ شُوهٌ كأنَّ شُدوقَهاشقوقُ العِصيّ كالِحاتٌ وبُسَّلُ
فضجَّ وضجَّتْ بالبراحِ كأنَّهاوإيَّاه نَوحٌ فوق عَلياءَ ثُكَّلُ
وأغضَى وأغضتْ وائتَسى وائتَسَتْ بهمَراميلُ عزَّاها وعَزَّته مُرمِلُ
فإمَّا تَرَيني يا ابنةَ القومِ ضاحِياعلى رِقبة أحفَى ولا أتنعَّلُ
وإنِّي لمولَى الصَّبرِ أجتابُ بزَّهعلى مثلِ قلبِ السِّمعِ والصَّبرُ يُنقلُ
ولستُ بمِهْيافٍ يُعشّى سَوامَهُمُجدَّعَةً سُقبانُها وهي بُهَّلُ
ولا جُبَّأٍ أكتى مُرِبٍّ بعِرْسهيُطالعُها في أمره كيف يفعلُ
هذه القصيدة كثيرة المحاسن وقد ذكرنا فيها من النظائر في مواضع أُخر. وبعد فليس فيها معنى غريب يقلُّ مثله في الشعر، بل أكثر معانيها في أيدي النَّاس مشتهر، وليس سبيلنا في المعنى إذا كان كثيراً أن نأتي به، وإنَّما نأتي بما قلَّ ولم يكن كثيراً أو معنى خفِي فنبيِّنه.
حاتم الطَّائيّ:
أماوِيَّ إنْ يُصبحْ صدايَ بقفرةٍمن الأرضِ لا ماءٌ ولا خمرُ
ترى أنَّ ما أنفقتُ لم يكُ ضائرِيوأنَّ يدِي ممَّا بخِلتُ به صِفرُ
وقد علمَ الأقوامُ لو أنَّ حاتماًأرادَ ثراءَ المالِ كانَ له وفرُ
غَنينا زماناً بالتصعلك والغنَىوكُلاًّ سقاناه بكأسَيْهما الدَّهرُ
فما زادونا بأواً على ذي قَرابةغِنانا ولا أزْرَى بأحسابنا الفقرُ
وله أيضاً:
رأتْني كأشلاءِ اللّجام وإنْ ترَيْأخا الحرب إلاَّ كاسفَ اللَّونِ أغبرَا
أخو الحرب إنْ عضَّتْ به الحربُ عضَّهاوإنْ شمَّرتْ عن ساقها الحربُ شمَّرا
فلا تسأليني واسألي أيّ فارسٍإذا الخيلُ جالتْ في قناً قد تكسَّرا
فمن شعر حاتم الَّذي يقول فيه: " أماويَّ إن يصبح " البيت وما بعده أخذ النمر بن تولب في قوله فقال:
أعاذلَ أن يُصبح صداي بقفرةٍبعيداً وينأى صاحبِي وقريبِي
ترى أنَّ ما أبقيتُ لم أكُ ربَّهُوأنَّ الَّذي أنفقتُ كانَ نَصيبي
وذي إبلٍ يسعَى ويحسِبها لهأخي نَصَبٍ في رعيها ودُؤوبِ
غدتْ وغدا ربٌّ سواه يسوقُهاوبُدِّل أحجاراً وجُولَ قليبِ
وقال سحيم عبد بني الحسحاس، وكان المفضَّل الضَّبّيّ يقول: قصيدة الأسود - يعني سحيماً - ديباج خسروانيّ:
عُميرةَ ودِّعْ إنْ تجهَّزتَ غادياكفَى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهِيا
لياليَ تصطاد الرِّجالَ بفاحمٍتراهُ أثيثاً ناعمَ النَّبتِ عافِيا
وجِيدٍ كجيدِ الرِّيم ليس بعاطلٍمن الدُّرِّ والياقوتِ والشَّذْرِ حالِيا
كأنَّ الثُّريَّا علِّقتْ فوق نحرهاوجمرَ غضاً هبَّتْ له الريحُ ذاكِيا
أرَتْكَ غداةَ البينِ كفّاً ومِعْصماًووجهاً كدينار الهرقليِّ صارفِيا
فما بيضةٌ باتَ الظَّليمُ يحفُّهاويرفعُ عنها جؤجؤاً مُتعالِيا
ويجعلها بينَ الجناحِ ودَفِّهويفرشُها وَحْفاً من الزِّفِّ وافِيا
بأحسنَ منها يومَ قالتْ أراحلٌمع الرَّكبِ أمْ ثاوٍ لَدَينا ليالِيا
فإنْ تَثْوِ لا تُملَلْ وإن تكُ غادياتُزوَّدْ وتَرجِع عن عُميرةَ راضِيا
ألِكْني إليها عَمرك الله يا فتًىبآيةٍ ما جاءت إلينا تهادِيا
تَهادِيَ سيلٍ في أباطح سهلةٍإذا ما علاَ صَمداً تفرَّع وادِيا
ففاءَتْ ولم تَقضِ الَّذي أقبلتْ بهومن حاجةِ الإنسانِ ما ليس قاضِيا
وبِتنا وِسادَانا إلى عَلَجانةٍوحِقفٍ تَهاداهُ الرِّياحُ تهادِيا
تُوسِّدُني كفّاً وتَثني بمعصمٍعليَّ وتحنُو رِجلَها من ورائِيا
أميلُ بها ميلَ النَّزيف وأتَّقيبها البردَ والشَّفَّانَ من عن شمالِيا
فما زالَ بُردي طَيِّباً من ثِيابهاإلى الحَول حتَّى أنهَجَ البُردُ بالِيا
وهبَّتْ شمالٌ آخرَ اللَّيل قَرَّةٌولا ثوبَ إلاَّ درعُها ورِدائِيا
ألا أيُّها الوادي الَّذي صمَّ سيلُهإلينا نَوى ظَمياءَ حُيِّيتَ وادِيا
ألا نادِ في آثارهنَّ الغَوانياسُقينَ سِماماً ما لهنَّ وما لِيا
تجمَّعنَ من شتَّى ثلاثاً وأربعاًوواحدةً حتَّى كملْنَ ثمانِيا
يعدنَ مريضاً هنَّ هيَّجنَ داءهألا إنَّما بعضُ العَوائد دائِيا
وراهُنَّ ربِّي مثلَ ما قد وَرَيْننيوأحمَى على أكبادهنَّ المكاوِيا
أشارتْ بمدراها وقالت لأختهاأعبدُ بني الحسحاس يُزجى القوافِيا
رأتْ قَتَباً رثّاً وسما عَباءةٍوأسودَ ممَّا يملكُ النَّاسُ عارِيا
فلو كنتُ ورداً أبيضاً لعَشِقْنَنيولكنَّ ربِّي شانَني بسوادِيا
يُرجِّلنَ أقواماً ويتركنَ لمَّتيوذاك هوانٌ ظاهرٌ بدا لِيا
تحدَّرنَ من تلك الهضاب عشيَّةًإلى الطلح يبغين الهوَى والتَّصابِيا
وقلنَ ألا فالعبنَ ما لم يرُدَّنانُعاسٌ وما لم يُرسلوا ليَ داعِيا
وقلنَ لصغراهنَّ أنتِ أحقُّنابطرحِ الرِّداءِ إن أردتِ التَّباهِيا
تَمارَيْنَ حتَّى غاب نجم مُكبِّدوحتى بدا النَّجم الَّذي كانَ تالِيا
وحتى أنارَ الفجرُ أبيضَ ساطعاًكأنَّ على أعلاهُ ريطاً شآمِيا
فأدْبرنَ يخفِضْنَ الحديثَ كأنَّماقتلنَ قتيلاً أو أتَينَ الدَّواهِيا
وأصبحنَ صرعَى في الحِجال كأنَّماشربنَ مُداماً أو سَرَينَ ليالِيا
قال المفضّل: كان عبد بني الحسحاس أسود طمطانياً إلاَّ أنَّه كان حسن الشعر رقيق الألفاظ وأُتي به أول ما قال الشعر عثمان بن عفان فقيل له: اشتره فإنَّه شاعر، فقال: لا حاجة لي فيه؛ لأن العبد الأسود إذا كان شاعراً وجاع هجا مواليه، وإذا شبع شبَّب بنسائهم وهو آخر أمره مقتول. وكان الأمر كما قال. وسأل عمر بن الخطاب يوماً أهل مجلسه عن الَّذي يقول: " كفى الشَّيب والإسلامُ للمرءِ ناهِيا " فقيل: عبدُ بني الحسحاس، فقال: لو قدَّم الإسلامَ على الشَّيب لفرضتُ له. وقصيدته هذه الَّتي كتبناها فقد تناول منها ألفاظاً كثيرة، من ذلك قوله:
لياليَ تصطاد القلوب بفاحمٍتراهُ أثيثاً ناعمَ النَّبتِ عافِيا
أخذه من قول الآخر:
لياليَ تصطاد الرِّجالَ بفاحمٍوأبيضَ كالإغريضِ لم يتثلَّمِ
وهذا البيت أجود من بيت سحيم عبد بني الحسحاس لأنَّ العبد ذكر في بيته الشَّعر فقط وهذا ذكر في صدر بيته الشَّعر وفي عجزه الثّغر وهما متقاربان، ومثله لامرئ القيس:
لياليَ تصطاد الرِّجالَ بفاحمٍأثيثٍ كقنو النَّخلة المتعثكلِ
وأخذ قوله أيضاً: " وجيد كجيد الرِّيم ليس بعاطل " البيت، من قول امرئ القيس:
وجيدٍ كجيد الرِّيم ليس بفاحشٍإذا هيَ نضَّتْهُ ولا بمعطَّلِ
وأخذ قوله: " كأنَّ الثُّريَّا علّقت " البيت، من قول الآخر:
كأنَّ الثُّريَّا علّقتْ فوقَ نحرِهوفي جيده الشِّعْرَى وفي وجهه القمرْ
إذا قيلتِ العوراءُ أغضَى كأنَّهذليلٌ بلا ذلٍّ ولو شاءَ لانتصَرْ
وأخذ قوله: " فما بيضة بات الظَّليمُ " البيت وقوله: " ويجعلها دون الجناح " البيت بعده من قول أبي دؤاد الإيادي:
فما بيضةٌ باتَ الظَّليمُ يكِنُّهابأجرع من يَبْرينَ حرج نِعامُها
ويُرخِي جناحَيه عليها ويتَّقيرياحاً من الجوزاءِ طلاًّ رِهامُها
وأما قوله: " أشارت بمدراها " البيت، فمثل قول عمر بن أبي ربيعة:
أشارت بمدراها وقالت لأُختهاأهذا المُغيريُّ الَّذي كانَ يذكَرُ
ومثل قول أبي دَهبل:
أشارت بمدراها وإيَّايَ حاولتْوقالتْ لتربَيْها عليَّ توقَّفا
والَّذي لا نشكّ فيه أنَّ عمر بن أبي ربيعة وأبا دَهبل أخذا هذا المعنى من العبد لأنه أقدم منهما.
وأما قوله: " ألِكْني إليها عمرك الله " البيت وقوله: " تهادِيَ سيلٍ " البيت بعده فهو حسن في مشي النساء وقد أخذه جماعة. فممَّن جوَّد في أخذه وأبدع وزاد زيادةً بيِّنةً وأتى به مع الزيادة الكثرة باللفظ العذب والاستعارة الجيدة والتشبيه المليح ابن الرومي في قوله:
جاءت تَدافعُ في وشيٍ لها حسنٍتدافُعَ الماءِ في وشيٍ من الحبَبِ
وقد ذكرنا أكثر ما قيل في مشي النساء بل نظنّ أنَّا قد استغرقنا سائر ما قيل في مواضع هذا الكتاب فلذلك لم نذكر هنا منه شيئاً.
وأما قوله: " توسِّدني كفّا وتثني بمعصم " البيت، فهو مليح في وصف العناق. على إن للمحدثين في هذا المعنى صفات جوَّدوا فيها وأحسنوا غاية الإحسان قد ذكرنا بعضها فيما تقدَّم. وممَّا لم نذكره هناك قول ابن الروميّ:
ربَّما التفَّتْ إلى الصُّبْحِ لنا ساقٌ بساقِ
في نِقابٍ مِن لِثامورِداءٍ من عناقِ
وقول ابن الرومي هذا أتمّ في المعنى وأحسن في اللفظ والزيادة فيه لا تُخيل لحسن الاستعارة، ومثله في الحسن له أيضاً:
وكِلانا مُرتَدٍ صاحبَهُكارتداءِ السَّيف في يومِ الوغَا
نتساقَى الرِّيق ممَّا بينَنازَقَّ أُمَّاتِ القطَا زُغْبَ القَطا
وممَّن جوَّد في ذكر العناق بشَّار بقوله:
فبتُّ بها لا يَخلص الماءُ بينناإلى الصُّبح دوني حاجبٌ وستُورُ
وقد أخذ علي بن الجهم من بشَّار فقال:
سقَى اللهُ ليلاً ضمَّنا بعد هجعَةوأدنَى فؤاداً من فؤاد معذَّبِ
فبِتنا جميعاً لو تُراق زجاجةٌمن الرَّاحِ فيما بيننا لم تسرَّبِ
ومن مليح ما قيل في العناق قول ابن المعتزّ:
كأنَّني عانقتُ ريحانةًتنفَّستْ في ليلها البارِدِ
فلو تَرانا في قميص الدُّجَىظننْتَنا في جسدٍ واحدِ
وإلى هذا أشار ابن طباطبا في قوله:
وليلٍ نصرتُ الغيَّ فيه على الرُّشدِوأعديتُ حالَ القربِ منه على البعدِ
وضيَّقتُ فيه من عناقِ مُعانقيفظنَّ وِسادِي أنَّني نائمٌ وحدِي
وللبحتري في العناق أيضاً:
ومن قُبَلٍ قبلَ التَّشاكي وبعدَهنكاد بها من لذّة اللّثم نَشرقُ
وقد لفَّنا وشكُ الفراق وضمَّناعناقٌ على أعناقنا ثَمَّ ضيّقُ
ليس يجوز أن نستقصي ما قيل في هذا الباب إذا عنَّ في موضع واحد، لأنه لا بدَّ أن تردَّد في مواضع؛ فلذلك نترك نظائر كثيرة احتياجاً إليها لموضوع آخر.
قال: ولمَّا طال تشبيب عبد بني الحسحاس بنساء قومه وذكرهنَّ في الشعر بمثل قوله:
وهنَّ بناتُ القومِ أنْ يشعرُوا بنايكُنْ في بناتِ القومِ إحدى الدَّهارسِ
وكمْ قد شقَقْنا من رداءٍ ومِطرَفومن برقعٍ عن طَفْلة غير عانِسِ
إذا شُقَّ بردٌ شُقَّ بالبُردِ برقُعدَوَاليك حتَّى كلُّنا غيرُ لابِسِ
توامر قومه في قتله واجتمعوا لذلك في شرب لهم وأحضروه معهم وكان شجاعاً رامياً وكانت قوسه لا تفارقه ولا يقدر أن يوتِّرها غيره، فلمَّا أخذ فيهم الشراب قال له بعضهم: يا سحيم أراك تقطع وتر قوسك هذه إن شُددتَ به كتافا؟ قال: نعم، قالوا: حتَّى ننظر، فأمكنهم من نفسه حتَّى أوثقوه بالوتر. قالوا له: اقطع، فانتحى فيه فلم يقطعه، فحين رأوا ذلك وثبوا إليه بالخشب فضربوه حتَّى كادوا يقتلونه ثمَّ تعاذلوا في أمره وتركوه رحمةً له، فمرَّت به امرأة من نسائهم وهو مكتوف ونظر إليها فقال وهم يسمعون:
فإنْ تضحَكِي منِّي فيا رُبَّ ليلةٍتركتُكِ فيها كالقَباءِ المفرَّجِ
فوثبوا إليه بأجمعهم فلمَّا علم أنَّه القتل قال أيضاً:
ولقد تحدَّرَ مِن كرائمِ بعضكمعَرَقٌ على مَتْن الفِراش وَطِيبُ
فلما سمعوا هذا البيت قتلوه، وبيتُه هذا بيت نكد وذلك أنَّه عمَّهم كلّهم بالعار ورماهم بالفضيحة لقوله: " من كرائم بعضكم " أي من امرأته أو ابنته أو أخته، ولو أنَّه خصَّ واحداً دون الجميع لكان العار لازماً له دون غيره، ولكنَّه جمعهم كلّهم، فيجوز أن يقول كلّ واحد منهم لصاحبه متى عيَّره بهذا البيت: إيَّاك أراد بالقول دوني، وقد أحسن الكناية عن الجماع بقوله:
ولقد تحدَّرَ مِن كريمة بعضكمعَرَقٌ على مَتْن الفِراش وَطِيبُ
لأن العرق يعتري المرأة في ذلك الوقت، ومن الكناية أيضاً عن الجماع قول بعض الأعراب:
فإن كانَ فيكم بعلُ ليلى فإنَّنيوذي العرش قد قبَّلتُ ليلى ثمانيا
وأُقسمُ عندَ الله أنْ قد رأيتُهاوعِشرونَ منها إصبعاً من ورائِيا
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع