تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

الحدّ الثاني في السيّادة والولاية (٢)

وهل ينبت الخطيّ إلا وشيجه

وقال الأصمعي للرشيد في شيء سأله عن الخبير سقطت فقال: أسقطك الله على رأسك.

التمدّح بمتابعة السلطان: أنشد سلم بن قتيبة قول حطابط:

أسود فأكفى أو أطيع المسوّدا

فقال: ما أدري أي هذين أشرف؟ فقال بعض أهل المجلس: هذا فإنه إذا مات السيد يكون مكانه ولو هارّه وشارّه ما كان ليجعل مكانه. فقال: صدقت. قال حاتم:

أسود ذا الفعال ولا أباليعلى أن لا أسود إذا كفيت

وقال آخر:

لعمرك ما إن أبو مالكبواه ولا بضعيف قواه
للشاعر المتنخل، من قصيدة «لعمرك ما إن أبو مالك»
إذا سسته سست مطواعةومهما وكلت إليه كفاه
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

المتغيّر على السّلطان لفظا: بعث يزيد عبد الله الأشعري إلى ابن الزبير فقال له: إن أول أمرك كان حسنا فلا تفسده بآخره. فقال عبد الله ﵁ ليس ليزيد في عنقي بيعة فقال: ولو كان له في عنقك بيعة كنت تفي بها. قال: أي والله فالتفت إلى الناس فقال: معشر الناس قد بايعتم ليزيد وهو يأمركم بالرجوع عن بيعته، وهو لا يرتضي الرجوع عنها. فقالوا لابن الزبير:

كيف رأيت هذا الخلع الخفي. وقال معاوية لامرأة من الخوارج: أخرجي المال من تحت استك فقالت لمن حضر: أسألكم بالله أهذا من كلام الخلفاء.

ومما جاء في القضاء والشهادة

الممتنع من تولّي القضاء: أمر المنصور أبا حنيفة ﵀ أن يتولى القضاء فقال: لا أصلح لذلك فقال:

إنك تصلح، فقال: إن كنت صادقا فلا يجوز لك أن توليني وإن كنت كاذبا فقد فسقت فقال: والله لتلين. فقال: والله لا وليت فقال حاجبه: أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف فقال: أمير المؤمنين أقدر على الكفارة مني. قيل لما مات عبد الرحمن بن أذينة ذكر أبو قلابة للقضاء فهرب حتى أتى الشأم فوافق ذلك عزل قاضيها فهرب حتى أتى اليمامة فقيل له في ذلك فقال: ما وجدت مثلا للقاضي العالم إلا مثل رجل سابح وقع في بحر، فكم عسى يسبح حتى يغرق.

كون الحاكم مرضيا ومسخوطا: قيل لشريح ﵀: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت ونصف النّاس عليّ غضبان، وقال رجل لشريح: قضيت عليّ بالجور وليد خلنّك الله النار قال: إذا يدخلها سبعة قبلي من ولّاني ومن علّمني هذا الحكم ومن جاء بك مدعيا والشاهدان والمزكيان.

حثّ الحاكم على تقليل الكلام: عزل عمر بن عبد العزيز ﵁ قاضيا وقال: بلغني أن كلامك أكثر من كلام

الخصمين وكان أبان يقلّل من الكلام فقيل له في ذلك: فقال: إنّ من كان كلامه حكما فحق عليه أن يتبلم ولا يتكلّم إلا فيما يعنيه.

حثّ الحاكم على الاجتهاد: قال النبي ﷺ: لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال:

فإن لم تجد فيه، قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد فيها. قال: أجتهد برأيي. وأراد معاوية ﵁ أن يستعمل عبد الرحمن بن خالد فقال: كيف تعمل؟ قال: اعمل برأيك ما لم يجاوز الحزم فإن جاوزه عملت برأيي، فولّاه.

حثّ الحاكم على الصّلح فيما يشتبه: كتب عمر ﵁، إلى معاوية: عليك بالصلح ما لم يبن فيه فصل القضاء، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: الصلحجائز بين المسلمين إلا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا. وصالح ابن الزيات عاملا على مال فطالبه به فقال: أظلم وتعجيل؟ فقال ابن الزيات: أصلح وتأجيل؟

من قطع الحكومة بالتهوّر: ولي أعرابيّ ناحية فخطب: ألا أني لا أوتي بظالم ولا مظلوم إلا أوجعتهما عقوبة، فتعاطى رعيته بينهم الأنصاف ولم يترافعوا إليه في حق ولا باطل حذرا من عقوبته، وكان بعض الولاة إذا اشتبه عليه حكم، حبس الخصمين حتى يصطلحا. ويقول: دواء اللبس الحبس.

نهي الحاكم عن قبول الهدية: قال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ

وقال النبي ﷺ: لعن الله الراشي والمرتشي. وتخاصمت امرأة من قريش ورجل إلى عمر وكانت المرأة اهدت إلى عمر فخذ جزور وقالت أفصل القضاء بيننا كما يفصل الجزور، فقضى عمر عليها وقال: إياكم والهدية.

وقال بعضهم كنت في طريق مكة فإذا أعرابي يختصم إليه الناس فيقضي بينهم بالحق فلما تفرقوا قلت: هل أخذت العلم عن أحد؟ قال: لا. قلت: فما هذا الفهم؟ قال بوفق الله. قلت: أرأيت لو تحاكم إليك اثنان فأهدى إليك أحدهما أكنت تقضي له فقال: إذا لا ينزل التوفيق وقد تقدم من ذلك أخبار في باب الولايات.

من مال إلى أحد الخصمين لأجل هدية: اختصم رجلان إلى حاكم فدنا منه أحدهما وقال: قد وجهت إلى دار القاضي فراريج كسكرية وحنطة بلدية وشهدة رومية فقال القاضي بصوت رفيع: قم يا بارد إذا كانت لك بينة غائبة فانتظرها ليس هذا مما يسار فيه، وقيل: الحاكم شيطان ونعم الرقى الرشا.

وتحاكم رجلان إلى المغيرة الثقفي قاضي الحجاج فاهدى أحدهما منارة والآخر بغلة فرأى صاحب المنارة ظلع القاضي مع صاحبه فأراد أن يذكر القاضي فقال: أمري أضوأ عند القاضي من سراج على منارة عظيمة ففطن القاضي لقوله فقال: اسكت فإن البغلة رمحت المنارة فأطفأت نورها. وقال قاض:

إذا ما صبّ في القنديل زيتتحوّلت القضية للمقندل

حثّ متحكّم على اعطاء الرشوة: قال ابن طباطبا:

يا خليلي يا أبا الغيث درّكنصب القاضي لك اليوم شرك
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
طلب البرطيل فابذله لهيسكت القاضي وإلّا ذكرك
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
لا يهولنّك دنيّتهأعطه من رشوة ما حضرك

المهجوّ بأخذ الرشوة: ذكر أعرابيّ حاكما فقال: يقضي بالعشوة ويطيل النشوة ويقبل الرشوة. قال ابن طباطبا في أحمد بن عثمان البري:

وفينا عاملا عدل وجورهما حلفا انبساط وانقباض
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
فوالى حربنا في وصف قاضوقاضينا عقاب ذو انقضاض
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

واتفق أن وافى أصبهان عليلا، فاحتجب أياما وحضر فيل فكثرت النظارة عليه فمنع عنه الناس إلا ببذل. فقال ابن طباطبا:

شيئان قد حار الورى فيهمابأصبهان الفيل والقاضي
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
ليس يرى هذا ولا ذا فكممن ساخط منّا ومن راض
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
الفيل يرشى عند سنديهفأين سنديك يا قاضي
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

قال البسامي:

إذا أهل الرشا صاروا إليهفأحظى القوم أوفرهم بضاعه
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
فلا رحم يقرّبهم إليهسوى الورق الصحبح ولا شفاعه
وليس بمنكر هذا لديهلأنّ الشيخ أفلت من مجاعه

قاض مستول على المواريث: جاءت امرأة إلى قاض فقالت: مات زوجي وترك أبويه وولدا وامرأة وأهلا وله مال فقال: لأبويه الثكل، ولولديه اليتم، ولامرأته الخلف، ولأهله القلة، والذلة والمال يحمل إلينا حتى لا تقع بينكم الخصومة.

المهجوّ متّهم بالجهل: قال الصاحب في قاض: يخبط العشواء ويحكم حكم الورهاء ويناسب أخلاق النساء. ورفع إلى المأمون في قاض أنّ فلانا يعضّ الخصوم، فوقّع ليشنق، ونحوه كان أحمد بن الخصيب إذا ضجر ممن يناظره رفسه فقال فيه شاعر يخاطب المتنصر:

قل للخليفة يا ابن عم محمدأشكل وزيرك أنّه ركّال
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «قل للخليفة يا ابن عم محمد»
قد نال من أعراضنا بلسانهولرجله عند الصدور مجال
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «قل للخليفة يا ابن عم محمد»

قال المصيصي:

أفّ لقاض لنا وقاحأضحى بريئا من الصّلاح
وليس في الرأس منه شيءيدور إلا أبو رياح
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة

النّهي عن التعرّض للقضاة: قيل: لا تعادوا القضاة فيختاروا عليكم الأقاويل ولا العلماء فتضع عليكم المثال.

من ردّ القاضي شهادته فعارضه بما عدل به: شهد معلم عند سوّار فقال: لا أجيز شهادتك. قال: ولم؟ قال: لأنك تأخذ على كتاب الله تعالى الأجرة، فقال: وأنت تأخذها على القضاء، فقال: أنا أكرهت، فقال: هب أنك مكره على القضاء هل أكرهت على أخذ الأجرة، فأجاز شهادته. وشهد آخر عند سوار بسبة. فقال: من أين علمت؟ قال من حيث علمت أنك سوار بن عبد الله. وشهد قوم عند شبرمة بقراح فيه نخل فسألهم كم فيه من جذع؟ قالوا: لا ندري، فأراد أن يرد شهادتهم فقال أحدهم: أيها القاضي كم من أسطوانة في هذا المسجد؟ فقال: لا أدري. فقال: كيف وأنت تحكم فيه منذ كذا سنة، فاجاز شهادتهم.

من ردّت شهادته لبلهه: قال سوار: لا أعلم أحدا أفضل من عطاء السلميّ ولو شهد عندي بفلس ما أجزت شهادته لأنه ليس بحازم. وقال كثير من الفقهاء: لا نقبل شهادة الوهم والأبله لا شهادة له.

من عارض من الخصوم الحاكم في الشاهد عليه فردّ شهادته: شهد رجل عن شريح فقال المشهود عليه: أتقبل شهادته وإن أحبّ الأشياء إليه الخبز واللحم، فتوقف في إمضاء شهادته. فقيل له: لم توقفت؟ فقال: أنه يعني أنه يشهد بأكلة. وشهد رجل عند سوّار بمال على آخر فقال: سوّار تارس أم رامح؟ فقال تارس، فقال ذاك شرّ له سأعيد المسألة عنه.

وإنما أراد أنه مأبون فتعجّب الحاضرون من حيلة الرجل وفطانة سوّار لمراده.

الممتنع من إقامة شهادة زور: استشهد محمد بن الفرات أيام وزارته علي ابن عيسى بغير حق، فلم يشهد له. فلما عاد إلى بيته كتب إليه: لا تلمني على نكوصي عن نصرتك بشهادة زور فإنه لا اتفاق على نفاق ولا وفاء لذي مين واختلاف، وأحرى بمن تعدّى الحق في مسرتك إذا رضي أن يتعدى الباطل في مساءتك.

وكان المتنبّي أشار إلى هذا المعنى بقوله:

لقد أباحك غشا في معاملةمن كنت منه بغير الصدق تنتفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

شهود زور: قال سهل بن دارم: كان بالبصرة شيوخ يشهدون بالزور وشرط بعضهم درهم وآخرون يشهدون وشرطهم أربعة. وآخرون شرطهم عشرون درهما. فسألت عن ذلك، فقال:

أصحاب الدرهم يشهدون ولا يحلفون، وأصحاب الأربعة يشهدون ويحلفون، وأما أصحاب العشرين فيشهدون ويحلفون ويبهتون.

وكان شيخ في المعدلين يشهد بطفيف يهدى إليه فجاءه رجل بدرهمين وسأله شهادة فقال: ما ضربت المشط بأقل من خمسة ولكني أسامحك. قال الشاعر:

ما للعدول أراني الله جمعهمفي مرجل مطبق في جوف تنّور
قوم إذا غضبوا كانت سيوفهمقطع الشهادة بين القوم بالزّور

قال عبد الصمد المعدل:

وكيف تخشى شهادات يقوم بهاثلاثة شاهدا زور ومجنون
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

وقال بعضهم: الناس كلّهم عدول إلا العدول.

وصف قلانسهم: قال المصيصي:

كأنّ دنية عليهاغراب نوح بلا جناح

وقال آخر:

ترى قلانسهم كالرمح طعنتهاتخفى جراحتها في جنب مغرور

الشهادة على الزنا: حقّ الشهود على الزنا أن يكونوا أربعة ذكورا يصرّحون ولا يكنون لقوله تعالى:

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً

(الآية)، وحضر أبو بكرة وزياد مع غيرهما فشهد ثلاثة على المغيرة بن شعبة بالزنا عند عمر ﵁. فلمّا أقبل زياد قال عمر: إني أرى لك وجها وضيئا وأرجو أن لا يفضح الله بك رجلا من أصحاب النبي ﷺ فقال: إني رأيت أفخاذا مجتمعة ونخيرا يعلو ويسطع ولا أعلم ما وراء ذلك فضرب عمر أبا بكرة وصاحبيه الحدّ.

التعريض بالشهادة بذلك: استشهدوا أعرابيا على رجل وامرأة فقال: رأيته قد تقممها يحفزها بمؤخرها ويجذبها بمقدمها ويخفى على المسلك. وقال آخر: رأيته قد تبطنها ورأيت خلخالها سافلا وسمعت نفسا عاليا ولا علم لي بشيء بعد ذلك. وشهد رجل على آخر فقال الحاكم: إنّك قد رأيته وهو يدخل ويخرج فقال: لو كنت جلدة استها ما أمكنني أن أشهد به كذلك.

تثبّت الحاكم في الإقرار بما فيه حدّ: أتى ما عز بن مالك رسول الله ﷺ فقال: إني زنيت، فقال: لعلك مسست أو لمست أو غمزت، فقال: لا بل زنيت. فأعادها عليه ثلاث مرات فلما كان في الرابعة رجمه.

وأتى أبو الدرداء ﵁ بامرأة قد سرقت، فقال: أسرقت قولي: لا. وأتى زياد بلصّ وعنده الأحنف فانتهره فقالوا: صدق الأمير. فقال الأحنف: الصدق أحيانا معجزة. فقال زياد: جزاك الله خيرا.

ذمّ موالاة باب القضاة: قيل: إذا رأيت الرجل على باب القاضي من غير حاجة فاتهمه، وكتب بعضهم إلى عامل له: ابعث إليّ بمائة رجل كلهم يستحقون القتل لأجرب عليهم سيوفا ابتعتها فإن لم تجدهم في حبسك فتمّم من أصحاب القاضي فإنهم يستحقون القتل.

واستعان رجل بالمأمون أيام الرشيد في أن يقبل شهادته فوقّع في قصته من رام الشهادة بمعونة السلاطين فليقمها على قضاة الشياطين. وقال يحيى بن أكثم للمأمون: يا أمير المؤمنين إن فلانا يلتمس أن أقبل شهادته، فقال: يا يحيى قد أسقط على لسانه عدالته.

ومما جاء في الحجاب والحجاب والغلمان

الحثّ على تشديد الأذن: قال أزدشير لابنه: لا تمكن الناس من نفسك، فاجرأ الناس على السباع أكثرهم معاينة لها. وقيل: لا بد للسلطان من وزعة، وقيل لبعض السلاطين: لم لا تغلق الباب وتقعد عليه الحجاب فقال: إنما ينبغي أن أحفظ أنا رعيتي لا أن يحفظوني.

الحثّ على إصلاح الحاجب والبوّاب ووصف ما يجب أن يكونوا عليه من الأحوال: قال يزيد بن المهلب لابنه: استظرف الكاتب واستعقل الحاجب. وقال عبد الملك لأخيه: تفقد كاتبك وحاجبك وجليسك فالغائب يخبره عنك كاتبك والوافد عليك يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك.

وقال يحيى بن المعلى:

كن على منهاج معرفةإن وجه المرء حاجبه
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
فبه تبدو محاسنهوبه تبدو معايبه

وقال آخر:

ولبّ المرء يعرف بالغلام

الممدوح بسهولة الحجاب: سهل الحجاب مؤدّب الخدّام، وقال آخر:

يلوذ به راج وخاش وكلّهمله مدخل سهل عليه ومخرج

وقال آخر:

فبابك ألين أبوابهمودارك مأهولة عامره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»
وكلبك آنس للمعتفينمن الأم بابنتها الزاهره

من طلب تسهيل الأذن من الزوّار وعاتب: قدم أديب على أمير فكتب رقعة ودفعها إلى حاجبه ليوصلها، وفيها:

إذا شئت سلّمنا فكنّا كريشةمتى تلقها الأرياح في الجوّ تذهب

فقال للحاجب: قل له قد خففت جدا فكتب أخرى وفيها:

وإن شئت سلّمنا وكنّا كصخرةمتى تلقها في حومة الماء ترسب

فقال للحاجب: قل له قد ثقّلت جدا فكتب أخرى وفيها:

وإن شئت سلّمنا فكنّا كراكبمتى يقض حقا من لقائك يذهب

قال: أما هذا فنعم وأذن له، قال أبو تمّام:

مالي أرى القبة الفيحاء مقفلةعنّي وقد طالما استفتحت مقفلها
كأنها جنّة الفردوس معرضةوليس لي عمل زاك فأدخلها
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل لابن طوق رحى سعد إذا خبطت»

قال جعفر المصري:

فتفضّل علي بالإذن إن جئت فإنيمخفّف في اللقاء
ليس لي حاجة سوى الحمد والشكرفدعني أقرئك حسن الثناء

هجاء من حجب تعريضا

ولم جئت مشتاقا على بعد شقّةإلى غير مشتاق ولم ردّني بشر
وما باله يأبى دخولي وقد رأىخروجي من أبوابه ويدي صفر
للشاعر البحتري، من قصيدة «عمرت أبا إسحاق ما صلح العمر»

قال الخوارزمي:

أيا عمرو رويدك من حجابفلست بذلك الرجل الجليل
ولا تبخل بهذا الوجه عنّافليس بذلك الوجه الجميل

من حجب فشتم وهجا بالبخل: قال مالك بن طوق: دخل عليّ يوما مجنون ونحن نأكل، فأكل معنا ثم جاء يوما آخر فحجب فرآني يوما مع أماثل البصرة فقال:

عليك إذنا فإنا قد تغدّينالسنا نعود وإن عدنا تعدّينا
يا أكلة سلفت أبقت حرارتهاداء بقلبك ما صمنا وصلّينا

فما أتى عليّ يوم أشد منه حزنا. وقال آخر:

كلما جئناك قالوانائم غير مفيق

لا أنام الله عينيك وإن كنت صديقي

وقال بعض البغداديين:

حجابك الصعب سهلإذا دهتك مصيبه
فلا عدمت رزايامطيعة مستجيبه

من يتّخذ حاجبا مع سوء حاله: قال بعض الشعراء:

يا أميرا على جريب من الأرض له تسعة من الحجّاب
قاعد في الخراب يحجب عنهما رأينا بحاجب في خراب

تخويف من يشدّد الحجاب: مرّ زاهد ببعض القصور، ورأى حجّابا على بابه فسأل عنه، فقيل هو لسالم بن فلان، رجل كثير المال عريض الجاه وقد مرض فاحتجب عن الناس، فقال:

وما سالم من وافد الموت سالماوإن كثرت حجّابه وكتائبه
ومن كان ذا باب منيع وحاجبفعمّا قليل يهجر الباب حاجبه

هجاء بوّاب:

سأهجر بابا أنت تملك أمرهولو كنت أعمى عن جميع المسالك
فلو كنت بوّاب الجنان تركتهاويمّمت عنها مسرعا نحو مالك

قال ابن الحجّاج:

ففي است من تحجبه والذيتوصله أيضا وتعنى به

المظهر رضاه بصعوبة الأذن: استأذن أبو سفيان على عثمان ﵄ فحجبه فقيل له: يحجبك أمير المؤمنين فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني. وقال أبو العيناء للقاسم بن عبيد الله: لا أعدمني الله من حجابك والوقوف ببابك. قال أبو تمّام:

ليس الحجاب بمقص منك لي أملاإن السماء ترجّى حين تحتجب

وقال آخر:

إنيّ لأغتفر الحجاب لماجدأمست له منن عليّ رغاب
للشاعر البلاذري، اقرأ القصيدة
فالحرّ مبتذل النوال وإن بدامن دونه ستر واغلق باب

ذكر من لا يحجب: قال شاعر:

من النّفر البيض الذين إذا انتمواوهاب رجال حلقة الباب قعقعوا

وقال آخر في ضده:

قوم إذا حضر الملوك وفودهمنتفت شواربهم على الأبواب
للشاعر جرير، من قصيدة «قال الأمير لعبد تيم بئس ما»

من اعتذر من السّلاطين عن الحجاب: أتى رجل مسترفد باب معن فحجبه فكتب إليه:

إذا كان الجواد له حجابفما فضل الجواد على البخيل

فوقّع تحته:

إذا كان الكريم قليل مالولم يعذر تستّر بالحجاب

كتب إلى مطيع بن أياس حمّاد الراوية:

هل لذي حاجة إليك سبيللا يطيل الجلوس في من يطيل

فلما قرأ البيت كتب إليه:

أنت يا صاحب الكتاب ثقيلوكثير من الثقيل القليل
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة

وقيل: الركوب إلى باب السلطان بعد الظهر ثقل وسوء أدب، وكتب بعض السلاطين إلى صاحب له يزوره بالعشيّات:

أعيذك من زورة بالعشيّتحطّ وتذهب قدر النّبيل
فإمّا رجعت بذلّ الحجابوأما حللت محلّ الثقيل

النهي عن دخول الدور بغير إذن: قال الله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها

وقال الله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ

وقال ﷺ: من أطلع في بيت بغير أذن ففقئت عينه فهو هدر.

وروي أن من اطلع في بيت فقد دمر، أي حكمه حكم الداخل وقال ﷺ: إنما جعل الاستئذان لأجل النظر وقال عمر ﵁: من ملأ عينيه من قائمة بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق.

وقال ﷺ: إذا استأذن أحدكم فلم يؤذن له فلينصرف.

الحثّ على تأديب الغلمان: قيل: لا يتأدب العبد بالكلام إذا وثق بأنه لا يضرب. وأمر محمد بن الجهم أن يضرب غلامه ضربة وجيعة فقيل له في ذلك فقال: الواحدة الوجعية تملأ صدره من التضاعيف وإذا كان خفيفا أحسن ظنه بالكثير قال المتنبي:

اجعل عبيدك أوتادا تشجّجهالا يثبت البيت حتى يقرع الوتد

قال الحكم بن عبد الله:

العبد لا يطلب العلاء ولايعطيك شيئا إلّا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع الظهر لايحسن مشيا إلا إذا ضربا

الحثّ على الإحسان إلى الخدم: روي في الحديث: اتقوا الله في خولكم فإنهم اشقاؤكم لم ينحتوا من جبل ولم

ينشروا من خشب، أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، واستعينوا بهم في أعمالكم فإن عجزوا فأعينوهم فإن كرهتموهم فبيعوهم، ولا تعذبوا خلق الله، وآخر وصية أوصى بها النبي ﷺ الصلاة وما ملكت أيمانكم. وقال أبو بكر ﵁. لا يدخل الجنّة سيّء الخلق.

الحثّ على مداراتهم والتغافل عنهم: سمع الموبذ في مجلس أنوشروان ضحك الغلمان، فقال: أما تهاب هؤلاء الخدم؟

فقال أنوشروان: إنما يهابنا أعداؤنا، وقال بزرجمهر: إنما نداري خدمنا ونحن ملوك على رعيتنا وخدمنا ملوك على أرواحنا، ولا حيلة لنا في التحرّز عنهم. وقيل: مما يدل على كرم الرجل سوء أدب غلمانه. وقيل: من حسن خلقه سوء أدب غلمانه.

ذمّ مؤتمر لغلامه: قال البحتري:

إن الشريف إذا أمور عبيدهجازت عليه فأمره مرتاب

قال آخر:

ولست أحبّ الأديب الظريفيكون غلاما لغلمانه

من يحمد استخدامه: قيل: أجود المماليك الصغار لأنهم أحسن طاعة وأقلّ خبثا منهم وأسرع قبولا.

وقيل: استخدم الصغير حتى يكبر والعجمي حتّى يفصح وقال قتيبة: لا تشتر غلاما مولدا هو حرّ حتى تقوم بيّنة أنّه حرّ.

من أعتق من صلحاء العبيد: حكي أنّ ابن عمر ﵁ مرّ براعي غنم مملوك فقال: أتبيعني شاة من غنمك؟

قال: ليست هي لي، فقال: أين العلل وأراد أن يمتحنه فقال: فأين الله؟ فاشتراه وأعتقه.

فقال الغلام: اللهم إنك رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر، وأعتق عمرو بن عقبة غلاما له كبيرا فقام إليه عبد صغير فقال: اذكرني يا مولاي ذكرك الله بخير فقال إنك لم تخرف، فقال: إن النخلة قد تجني زهوا قبل أن تصير معوا قال: قاتلك الله لقد استعتقت وحسنت وقد وهبتك لواهبك، كنت أمس لي واليوم مني، سبي فيلسوف وأراد رجل شراءه فقال له لماذا يصلح؟ قال: للحرية.

ذمّ العبيد: قيل: ليس عبد بأخ لك. قال ابن سعد:

العبد لو كانت ذؤابة رأسهذهبا لكان رصاصة رجلاه

قال المتنبي:

أنوك من عبد ومن عرسهمن حكّم العبد على نفسه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»
فلا ترج الخير عند امرىءمرّت يد النخّاس في رأسه

الغلام المتعاطى معه: قال رجل لغلام صديق له وقد شاخ ما حالك؟ قال: مولاي ينيكني منذ كذا وكذا سنة بالحجة، وذلك أنه يفعل في كل يوم، فإذا قلت يا مولاي قد شخت يقول يا بغيض من أمس إلى اليوم.

وقال رجل لغلام له قد التحى: أخرج من داري، فقال: رد إلي ما أخذت منّي خدّا أملس وفقحة ضيقة.

وحلف رجل على غلام لأضربّنك، فاستعفاه الغلام، فقال: أتراني أعصي الله فيك، فقال: طالما عصيت الله في تعاطيك معي فخجل الرجل من أصحابه.

المسيء إلى خدمه: قال رجل لأعرابي: ما تصنعون في عبيدكم حتى يقال في الدعاء عليهم باعك الله في الأعراب؟ قال: نجيع كبده ونعري جسده ونطيل كدّه ونكثر جلده. اشترى أعرابي عبدا فقيل: أنه يبول في الفراش فقال: إن وجد في دارنا فراشا فليبل فيه.

وكان لرجل عبد يأكل الحوّاري ويطعمه الخشكار، فباعه فاشتراه آخر يأكل الخشكار ويطعمه الشعير، فباعه فاشتراه آخر يأكل الشعير ويطعمه النخالة فاستباعه، فاشتراه آخر كان يجيعه وإذا قعد بالليل وضع السراج على رأسه فلم يستبعه، فقيل له في ذلك فقال: أخشى إن باعني أن يضع المشتري الفتيلة في حدقتي.

من ذكر أنّ لا غلام له: قال ابن الحجّاج:

إذا قدموا خيلهم للركوبخرجت فقدمت لي ركبتي
وفي جملة الناس غلمانهموليس سواي في جملتي
ولا لي غلام فادعو بهسوى من أبوه أخو عمّتي
للشاعر الحسين بن أحمد بن محمد، من قصيدة «خليلي قد اتسعت محنتي»

والعرب تقول العبد من لا عبد له.

حمد اتخاذ الخصيان: قيل لأبي العيناء: لم اتخذت خصيا أسود؟ فقال أمّا الأسود فلئلا أتّهم به، وأما الخصيّ فلئلا يتهم بي. قال أحمد بن يوسف في وصفهم:

مبرؤن من الشعر اللبيد ومنحمل الأيور وإخراج المناتين
وكالنّساء إذا ما رمت خلوتهموكالليوث لدى الهيجاء تحميني

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «محاضرات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.