من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك (٢)
دنىء يعاديك بلا سبب: قال عبد الصمد:
ربّ من يشجيه أمريوهو لم يخطر ببالي
قلبه ملآن من ذكري وقلبي منه خال
قال الموسوي:
واتعب من ناداك من لا تجيبهوأغيظ من عاداك من لا تشا
تأسّف من يعاديه لئيم أو دنيء: قال علي بن الجهم:
بلاء ليس يشبهه بلاءعداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضا لم يصنهويرتع منك في عرض مصون
ولما حاصر المنصور ابن هبيرة بعث إليه ابن هيبرة أن يبارزني فقال: لا أفعل فقال ابن هبيرة لأشهرنّ امتناعك ولأعيّرنك به فقال المنصور مثلنا ما قيل: إن خنزيرا بعث
إلى الأسد وقال قاتلني فقال الأسد لست بكفؤى ومتى قتلتك لم يكن لي فخر وإن قتلتني لحقني وصم عظيم. فقال لأخبرنّ السباع بنكولك فقال الأسد: احتمال العارفي ذلك أيسر من التلطخ بدمك، وفي عذر من يخاصم دنيئا ويدافعه قول المتنبي:
إذا أتت الإساءة من وضيعولم ألم المسيء فمن ألوم؟
الحثّ على العداوة بالفعل لا القول: قيل: غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله. وولي أبو مسلم رجلا ناحية فقال له: إياك وغضبة السفلة فإنها في ألسنتها وعليك بغضبة الأشراف فإنها تظهر في أفعالها.
الحثّ على إماتة الحقد: أرسطوطاليس استعدّ لإهماد لهب العداوة بالاناة قبل تلّهب ناره فإن إطفاءه قبل انتشاره سهل يسير، وقيل: ما أحسن بالرجل أن يحسن مداراة عدوه حتى يطفىء سورة ناره وقال بعض أصحاب المأمون يوما إن عجيف بن عنبسة خبيث النية رديء السريرة، وأراك قد قربت مجلسه. فقال: والله لأحسنن إليه ولا تفضلن عليه حتى أكون أحب الناس إليه. فلم يزل يختصه حتى صار يبذل دونه مهجته.
مدح الحقد وذويه: وصف أعرابي حقودا فقال: يحقد حقد من لا ينحلّ عقده ولا يلين كيده، وقال يحيى لعبد الملك ابن صالح: إنك حقود فقال: إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشر إنهما عندي لثابتان، فلما قام قال يحيى ما رأيت من احتج للحقد حتى حسنه سواه وقيل لرجل: أنك لحقود، فقال:
وإن امرأ لم يحقد الوتر لم يكنلديه لذي النعماء جزاء ولا شكر
قال ابن الرومي:
وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتىوبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارعمن البذر فيها فهي ناهيك من أرض
قال الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم
ذمّ الحقد وذويه: قال النبي ﷺ: ترفع أعمال العباد فترفع إلى الله في كل جمعة فيغفر للمستغفرين ويرحم المترحّمين ويترك أهل الحقد لنيتهم. وقيل للأحنف: من أسود الناس فقال:
الأخرق في ماله المطرّح لحقده.
أسباب العداوات: شكا رجل إلى سهل بن هارون عداوة رجل فقال: العداوة تكون من المشاكلة والمناسبة والمجاورة واتفاق الصنائع فمن أيّها معاداته لك وقال رجل لآخر إنّي أخلص لك المودة، فقال: قد علمت. قال كيف علمت وما معي من الشاهد إلا قولي. قال إنك لست بجار قريب ولا بابن عم نسيب ولا بمشاكل في صناعة، وقيل لمشيب بن شبة: ما بال فلان يعاديك فقال لأنّه شقيقي في النسب وجاري في البلد ورفيقي في الصناعة، وقيل: كل عداوة لعلة فإنها تزول بزوال العلة وكل عداوة لغير علّة فإنها لا تزول.
عداوة الأقارب: قيل: عداوة الأقارب كالنار في الغابة. ما النار في الفتيلة بأحرق من تعادى القبيلة.
وقيل: عداوة الأقارب كلسع العقارب. قال: إن الأقارب كالعقارب بل أضرّ من العقارب.
وسئل بعضهم عن بني العم فقال: هم أعداؤك وأعداء أعدائك، ولهذا باب في الأقارب.
من لا يبالى بعداوته: قال الأعشى:
ألست منتهيا عن نحت أثلتناولست ضائرها ما أطّت الإبل
كناطح صخرة يوما ليوهنهافلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وقال كشاجم:
تبارزني ونفسك في رصاصوكم يبقى على النّار الرّصاص
وقال الحجاج: أهل العراق أهل الشقاق والنفاق ومساوىء الأخلاق. ثلث من الدين مارق وثلث منافق وثلث سارق. والله لو عاديتموني لما ضررتموني وما مثلي ومثلكم إلا كما قيل:
فرأيك لو أبغضتني ما ضررتنيولو رمت نفعا ما وسعت لذلك
ومما جاء في الحسد
حدّ الحسد: قيل: الحسد أن تتمنى زوال نعمة غيرك والغبطة أن تتمنى مثل حال صاحبك وقال ﷺ المؤمن يغبط والمنافق يحسد. وقيل: الحسد خلق دنيء وقال ابن المعتز: الحسد من تعاطى الطبيعة واختلاف التركيب. وقيل: الحسد داعية النكد.
استعظام الحسد من بين الذّنوب: قال ابن السماك: إن الله تعالى أنزل سورة جعلها عوذة لخلقه من صنوف الشر فلما انتهى إلى الإعاذة من الحسد جعلها خاتما إذ لم يكن بعده في الشر نهاية الحسد أوّل ذنب عصى الله به في السماء والأرض.
قال ابن المقفع: الحسد والحرص دعامتا الذنوب فالحرص أخرج آدم ﵇ من الجنة والحسد نقل إبليس من جوار الله تعالى. وقال أنس بن مالك ﵁: رفع البركة عن خمسة عن الناكث والباغي والحسود والحقود والخائن. وقال ﷺ: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
النهي عن الحسد: روي أن سليمان ﵇: سأل الله تعالى أن يعلمه كلمات ينتفع بها، فأوحى إليه أني معلّمك ستّ كلمات لا تغتابن عبادي وإذا رأيت أثر نعمتي على عبد فلا تحسده.
فقال: يا رب حسبي أنا لا أقوم بهاتين من حسد من دونه قل عدوه ومن حسد من فوقه أتعب نفسه.
صعوبة إرضاء الحاسد: قال معاوية: كل الناس يمكنني أن أرضيه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال نعمتي.
وقيل: لزاذان فروح: أيّ: عدو لا تحب أن يعود صديقا؟ قال: الحاسد الذي لا يرده إلى مودتي إلّا زوال نعمتي. قال المتنبي:
سوى وجع الحسّاد داو فإنّهإذا حلّ في قلب فليس يحول
وقال الببغا:
ومن البليّة أن تداوي حقد مننعم الإله عليك من أحقاده
وصف الحسد بأنه أعظم عداوة: قال أبو العيناء: إذا أراد الله أن يسلّط على عبده عدوّا لا يرحمه، سلط عليه حاسدا.
وقال بعضهم: ما ظنك بعداوة الحاسد وهو يرى زوال نعمتك نعمة عليه.
صعوبة شماتة الحساد: سأل بعض الملوك جماعة من الحكماء عن أشد ما يمرّ على الإنسان، فقال بعضهم:
الفقر، وقال آخرون: الفقر في الغربة، وقال غيرهم الغربة مع المرض. ثم أجمعوا على أن أشد من ذلك كله شماتة العدو ثم أجمعوا على أن أشد من ذلك كله رحمة العدو للمرء من نكبة تناله. فقال:
وحسبك من حادث بامرىءترى حاسديه له راحمينا
قال ابن أبي عيينة:
كلّ المصائب قد تمرّ على الفتىوتزول غير شماتة الحسّاد
قال الخبزارزي:
شماتتكم لي فوق ما قد أصابنيوما بي دخول النار بل طنز مالك
المحسود لفضله: قال شاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسدا وبغضا إنّه لدميم
قال ابن المعتزّ:
ومن عجب الأيام بغي معاشرغضاب على سبقي إذا أنا جاريت
يغيظهم فضلي عليهم ونقصهمكأنّي قسمت الحظوظ فحابيت
الدعاء للإنسان بأن يكون محسودا: قال شاعر:
لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا
وقال آخر:
لا زلت عرض قرير العين محسودا
وقال آخر:
لا زال مكتسيا سربال محسود
وقال آخر:
ولا برحت نعماك داء حسودها
وقيل في الدعاء: حسد حاسدك. وقال بعض أهل اللغة: ولا يقال حاسد حسدك لأنه يصير دعاء للحاسد.
ذمّ من لا يحسد: قال:
ولن ترى للئام النّاس حسّادا
الحارثي:
وأسوأ أيام الفتى يوم لا يرىما أحدا يزري عليه وينكر
دنيء يحسد سريّا: قال مروان بن أبي حفصة:
ما ضرّني حسد اللئام ولم يزلذو الفضل يحسده ذو والتّقصير
قال أبو تمّام:
لكلّ كريم من ألائم قومهعلى كلّ حال حاسدون وكشّح
من يحسد الذين تصل إليهم نعمه: قيل: توصل رجل إلى إبليس فقال له: لي إليك حاجة إنّ لي ابن عم ذا ثروة وله إحسان كثير إلي وتوفر علي ولي بماله نفع بيّن، ولكنّي أريد أن تزيل نعمته، وأن افتقرت بفقره. فقال إبليس لاصحابه من أراد أن يرى من هو شر منّي فلينظر إليه. وقيل لرجل:
أتحسد فلانا وهو يواليك ويكرمك. فقال نعم حتى أصير مثله أو يصير مثلي قال المتنبي:
وأظلم أهل الأرض من بات حاسدالمن بات في نعمائه يتقلّب
قال ابن الرومي:
يا من يعادي السماء إن رفعتكلّ خيرها تحتها ودع نكدك
المكذب بأفعاله قول الحساد
يكذّب قول الحاسدين سماحتيوصبري إذا ما الأمر عضّ فأضجعا
قال لبيد:
بنو عامر من خير حي علمتموإن نطق الأعداء زورا وباطلا
تبكيت الحاسد وحثّه على أن يفعل فعل محسود لينال منزلته: قال البحتري:
لا تحسدوه فضل رتبته التياعيت عليه وافعلوا كفعاله
قال السري الرفّاء:
نالت يداه أقاصي المجد الذيبسط الحسود إليه باعا ضيّقا
أعدوه هل للسّماك جريرةفي أن دنوت من الحضيض وحلّقا
أم هل لمن ملأ اليدين من العلاذنب إذا ما كنت منه مملقا
استراحة من لا يحسد وطيب عيشه: الفضل لمن نبذ الحسد وأراح الجسد ولزم الجدد قال البحتري:
مستريح الأحشاء من كلّ ضغنبارد الصدر من غليل الحسود
قال الأصمعي: رأيت أعرابيا أتى عليه عمر كثير، فقلت: أراك حسن الحال في جسدك.
قال: نعم تركت الحسد فبقيت نفسي. وهذا من قول سقراط: الحسد يأكل الجسد. قال الفضيل: لا يستريح قلبك حتى يترك كلّ الدنيا. وقيل: من دعته نفسه إلى ترك الدنيا فلينظر هل يحسد أحدا فإن حسد كان تركه عجزا لأنه لو زهد فيها ما حسد عليها.
الممدوح بأنه لا يحسد: وقف الأحنف على قبر الحارث بن معاوية فقال: رحمك الله كنت لا تحقر ضعيفا ولا تحسد شريفا.
قال التنوخي:
فما نشرت أعراضهم عن معائبولا طويت منهم قلوب على حقد
وأنّى يكون الحقد والنّاس دونهمولا حقد إلا أن يكون على ندّ
ما لا يستقبح فيه الحسد: قال النبي ﷺ: لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله ما لا ثم أنفقه في حقّ، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها. وقال أرسطوطاليس: الحسد حسدان محمود ومذموم فالمحمود أن ترى عالما فتشتهي أن تكون مثله أو زاهد فتشتهي مثل فعله والمذموم أن ترى عالما أو فاضلا فتشتهي أن يموت.
المتبجّح بكونه حسودا: اجتمع ثلاثة نفر فقال أحدهم لصاحبه: ما بلغ من حسدك؟ قال: ما اشتهيت أن أفعل بأحد خيرا قط. فقال الثاني: إنك رجل صالح أنا ما اشتهيت أن يفعل أحد بأحد خيرا قط. فقال
الثالث: ما في الأرض أفضل منكما، أنا ما اشتهيت أن يفعل بي أحد خيرا قط. وقال عبد الملك للحجاج: صف نفسك فليس العاقل إلّا من عرف نفسه. فقال: أنا حديد حقود حسود.
حمد الغبطة وذمّها: روي في الخبر: المؤمن يغبط والمنافق يحسد. وروي أنّ النبي ﷺ سئل: أيضرّ الغبط؟ قال: نعم كما يضرّ الورق الخبط.
ومما جاء في التواضع والكبر
ما حدّ به التواضع والكبر: قيل لبعضهم: ما التواضع؟ قال: أخلاق المجد واكتساب الود. فقيل ما الكبر؟ قال:
اكتساب البغض، وقيل لأزدشير: ما الكير؟ فقال: اجتماع الرذائل لم يدر صاحبها أين يضعها فيصرفها إلى الذم.
فضل التواضع والحثّ عليه: قال النبي ﷺ: طوبى لمن تواضع التواضع أحد مصائد الشرف، من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره وفي الثمل تواضع الرجل في مرتبته زبّ للشماتة عند سقطته، وقيل: من وضع نفسه دون قدره رفعه الناس فوق قدره ومن رفعها عن حده وضعه الناس دون قدره، وقيل لبزرجمهر: هل تعرف نعمة لا يحسد عليها؟ قال: نعم التواضع فقيل:
هل تعرف بلاء لا يرحم صاحبه؟ قال: نعم الكبر.
ذكر السبب الداعي إلى التكبّر: قال المأمون: ما تكبّر أحد إلّا لنقص وجده في نفسه ولا تطاول إلّا لوهن أحسنّ من نفسه قال أحمد بن أسماعيل:
رأيت الرياسة مقرونةبلبس التكبّر والنخوه
ذمّ متكبّر لولاية نالها: قيل: من نال منزلة فابطرته دل على رداءة أصله وعنصره. قال أحمد بن أبي طاهر:
وتاه سعيد أن أفيد ولايةوقلّد أمرا لم يكن من رجاله
وأدبر عنّي عند إقبال حظّهوغيّر حالي عنده حسن حاله
وضاق علي حقّي بعقب اتساعهفأوسعنه عذرا لضيق احتماله
وقال سفيان ﵀: السفل إذا تمولوا استطالوا وإذا افتقروا تواضعوا والكرام إذا تموّلوا تواضعوا وإذا افتقروا استطالوا. قال صالح بن عبد القدوس:
تاه على إخوانه كلّهمفصار لا يطرف من كبره
أعاده الله إلى حالهفإنّه يحسن في فقره
المبغيّ عليه منصور: قال الله تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
، وقال تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
وقال ﷺ: ما رأيت أسرع هلاكا من البغي، وقال ﷺ: ذنبان عجل عقوبتهما:
البغي وقطيعة الرحم.
قال يزيد بن الحكم:
البغي يصرع أهلهوالظلم مرتعه وخيم
ذمّ متكبّر بخيل أو دنيء: قال النبي ﷺ: البخل والكبر لا يجتمعان في مؤمن. وقيل: من استطال بغير تطوّل وامتنّ بغير منّة فقد استعجل المقت.
قال عليّ بن الجهم:
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهماتيه الملوك وأفعال المماليك
قال أبو بكر بن الزبير:
يا قليل القدر موفور الصلفوالذي في التيه قد حاز السرف
كن لئيما وتواضع تحتملأو سخيّا يحتمل منك الصلف
وقيل: أنف في السماء واست في الماء. ومن هذا النحو قول الجعدي:
بالأرض أستاههم عجزا وأنفهمعند الكواكب بغيا يا لذا عجبا
ذمّ فقير متكبر: قيل: أبغض الناس ذو عسر يخطر في رداء كبر، قال الشاعر في ذم آخر:
فخر بلا حسب عجب بلا أدبكبر بلا درهم هذا من العجب
ذمّ الفخر وذويه: قال الله تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
ونظر النبي ﷺ إلى رجل بخرازاره فقال: أرفع إزارك فإنه أبقى وأنقى وأتقى فقال: يا رسول الله إنّه مروءة. فقال أليس: لك بي أسوة وكان إزاره ﷺ إلى انصاف ساقيه.
نظر مطرف إلى المهلب وعليه حلة يسحبها فقال: ما هذه المشية التي يبغضها الله؟ فقال: أو ما تعرفني؟ قال: بلى أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت بين ذلك حامل عذرة فلم يعد إلى تلك المشية، ونظر الحسن ﵁ إلى رجل يخطر في ناحية المسجد، فقال: انظروا إلى هذا ليس فيه عضوا إلّا ولله عليه نعمة وللشيطان فيه لعبة.
ذمّ من ضرع ذلّة بعد التكبّر: قال شاعر:
رفع الكلب فاتّضعليس في الكلب مصطنع
بلغ الغاية التيدونها كلّ ما ارتفع
إنّما قصر كلّ شيءإذا طار أن يقع
لعن الله نخوةصار من بعدها ضرع
مدح متواضع بسرعة المشي والتجوز في الأكل: كان عمر بن الخطاب ﵁ يسرع المشي فقيل له في ذلك فقال: هو أنجح
للحاجة وأبعد من الكبر أما سمعت قول الله تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
، وكان النبي ﷺ يأكل على الأرض فقيل له في ذلك فقال: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد.
المتواضع بالقيام بحوائج النّاس وتحمّل أثقالهم: كان النبي ﷺ يمشي مع الأرملة يقضي حاجتها ولا يستنكف، واشترى رجل شيئا فمر بسلمان وهو أمير المدائن فلم يعرفه فقال: احمل هذا معي يا علج، فحمله وكان من يتلقاه يقول ادفعه إليّ أيها الأمير فيقول: لا والله لا يحمله إلا العلج والرجل يعتذر إليه ويسأله أن يردّه عليه وهو يأبى حتى حمله إلى مقرّه.
المتواضع في قيامه بأمر عياله: اشترى أمير المؤمنين رضوان الله عليه تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقال له بعض أصحابه: دعني أحمله، فقال: أبو العيال أحق أن يحمله. ورؤي بعض الكبار وبيده بطن شاة فقال له رجل: ادفعه إليّ فإنه يزري بك، فقال:
ما نقّص الكامل من كمالهما جرّ من نفع إلى عياله
وكان أبو هريرة ﵁ يحمل الحزمة من الحطب وهو خليفة مروان، وكان يقول: وسّعوا للأمير.
حمد تعظيم الكبار: قدم قيس بن عاصم على النبي ﷺ وكان سيد أهل الوبر فبسط له رداءه ثم قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. وروي أن مجوسيا دخل على رسول الله ﷺ فأخرج ﷺ من تحته وسادة حشوها ليف وطرحها له وأقبل عليه يحدّثه، فلما نهض قال عمر ﵁: إنّه مجوسي، فقال ﵊: قد علمت ولكن جبريل ﵇ يأمرني أن أكرم كلّ كريم قوم إذا أتى، وهذا سيد قومه.
وقال الشعبي: ركب زيد بن ثابت فدنا منه عبد الله بن العباس ﵃ ليأخذ بركابه فقال: ما تفعل يا ابن عم رسول الله؟ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأمرائنا فقال زيد ارني يدك فأخذها وقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا.
النهي عن التصدّر في المجالس: قال زياد لابنه: إياك وصدر المجالس فإنه مجلس قلعة. قال الأحنف: ما جلست مجلسا خفت أن أقام منه لغيري ولهذا باب في غير هذا الموضع.
حمد تصديرك صاحبك: دخل سالم بن مخزوم على عمر بن عبد العزيز ﵁: فتنحى له عن الصدر فقيل له في ذلك فقال: إذا دخل عليك من لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المنزلة.
مدح معرفة الرجل قدر نفسه: قال أمير المؤمنين علي ﵁: لن يهلك امرؤ عرف قدره. وقال الشافعي ﵁: أنفع الأشياء أن يعرف الرجل قدر منزلته ومبلغ عقله ثم يعمل بحسبه. وقد تقدّم من ذلك صدر في باب العقل.
ذمّ اعجاب المرء بنفسه: قال النبي ﷺ: ثلاث مهلكات: شحّ مطاع وهوى متبّع وإعجاب المرء بنفسه. وقيل:
عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله.
وقال الشاعر:
ما النّاس عندك غير نفسك وحدهاوالناس عندك ما خلاك بهائم
وقال أعرابي لرجل معجب بنفسه يسرني أن أكون عند الناس مثلك في نفسك وعند نفسي مثلك عند الناس. وقال إبليس: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالبه بغيرها إذا أعجب بنفسه واستكثر عمله ونسي ذنبه.
ذكر من عظم إعجابه وصلفه: حكي عن ابن ثوابة أنه قال لغلامه: اسقني ماء، فقال: نعم فأمر بصفعه فقيل له: في ذلك فقال: إنما يقول نعم من يقدر أن يقول لا، وليس لهذا هذه المنزلة. ودعا يوما أكّارا يكلمه. فلما فرغ دعا بماء وتمضمض به استقذارا لمخاطبته وكان جذيمة الأبرش لا ينادم أحدا استعظاما.
وقال: إنما ينادمني الفرقدان. فكان يشرب كأسا ويصب لهما كأسين في الأرض واستأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية فمنعه الحاجب فهشم أنفه، فقال له معاوية: أتفعل هذا بحاجبي؟ فقال له: وما يمنعني وأنا بالمكان الذي أنا به من أمير المؤمنين. فقال له أبوه: فض الله فاك إلا قلت وأنا بالمكان الذي أنا عليه من عبد مناف.
الممتنع من التذلّل لكبير ومتكبّر عليه: قال عدي بن أرطاة وهو أمير لوكيع بن أبي الأسود: سوّ عليّ ثيابي فقال: ذكرتني الظعن وكنت ناسيا، في خفي ضيق فليمده الأمير حتى أنزعه. فقال له عديّ إن الجليس ليلقى من جليسه أكثر من هذا. فقال: يا عدي إذا عزلت عنا فكلفنا أكثر من هذا أما وأنت ترى لك علينا بسطة فلا الموسوى يذكر والده وامتناعه من تقبيل يد بعض السلاطين:
فتى تاه عن بسط الملوك وقد عنتعليها جباه من رجال وآنف
زمام علا لو غيره رام جرّهلساق به حاد من الذّل معنف
النهي عن الإفراط في التّواضع: قال ابن المقفع: الإفراط في التواضع يوجب المذلّة، والإفراط في المؤانسة يوجب المهانة. وقيل: من التواضع ما يضع.
عذرخ من تواضع لدنىء مهابة: قال النبي ﷺ: إنّ من شرار الناس من أكرمه الناس اتقاء شرّه كان أبو العباس ضم المنصور إلى حميد بن قحطبة فقال له يزيد بن حاتم: أترضى بمتابعة حميد؟ فقال:
اسجد لقرد السّوء في زمانهوداره ما دام في سلطانه
وفي المثل الحمى أضرعتني لك.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع