تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

الحدّ الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك

فمما جاء في الإنصاف والظلم

عزّ الحق وذلّ الباطل: قال الله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ

وقال تعالى:

وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ

قال ابن المعتز إن للحق أن يتضح وللباطل أن يفتضح.

وقيل: الحق حقيق أن ينهج سبيله ويتضح دليله. وقال المنتصر يوما: والله ما عز ذو باطل ولو طلع القمر من بين عينيه ولا ذل ذو حق ولو اتفق العالم عليه، وقيل: للباطل جولة ثم يضمحل وللحق دولة لا تنخفض ولا تذل وقيل: الحق أبلج والباطل لجلج.

وقيل: الحق من تعداه ظلم ومن قصر عنه ندم.

مدح العدل: قال أنوشروان: العدل سور لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق.

وقيل: عدل قائم خير من عطاء دائم. وقيل: لا يكون العمران حيث لا يعدل السلطان.

وقيل لحكيم: ما قيمة العدل؟ قال: ملك الأبد. وقيل: قيمة الجو رذل الحياة. وقيل:

العدل يسع الخلق والجور يقصر عن واحد.

التحذير من دعوة المظلوم: قال النبي ﷺ: اتقوا دعوة المظلوم فإنها مجابة. وقال بعضهم: دعوتان أرجو إحداهما وأخاف الآخرى دعوة مظلوم أعنته وضعيف ظلمته. وقيل: احذروا دعوة المظلوم فإنها لينة الحجاب. وقال ﷺ اللهم إني أعوذ بك من أن أظلم أو أظلم.

المتفادي من ظلم الضّعاف: قال معاوية: إني لاستحي أن أظلم من لا أجد له ناصرا عليّ إلا الله. وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: إنّ أبغض الناس إليّ أن أظلم من لم يستعن عليّ إلا بالله.

أفحش الظلم ظلم الضعيف: قال شاعر:

وإني لأعطي النّصف من لو ظلمتهأقرّ وطابت نفسه لي بالظّلم
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

قيل: من عمل بالعدل في من دونه رزق العدل ممن فوقه.

نهي الوالي والقادر عن الظلم: قيل: لا ينبغي للإمام أن يكون جائرا ومن عنده يلتمس العدل، ولا للعالم أن يكون سفيها ومن عنده يلتمس العلم والحلم. وقيل: إذا ظلمت من دونك عاقبك من فوقك، قال ابن الرومي:

وإن الظلم من كلّ قبيحوأقبح ما يكون من النبيه

وله:

ارهب من الأقران قرنا ما لهإلا العواقب والعقوبة ناصر

والظلم من ذي قدرة مذموم

التسكين من المظلوم بما له من العقبى: قيل: في قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ

أعظم تعزية

للمظلوم وابلغ تحذير للظالم على مدارجة العقوبة وإن تنفست مدته. وقيل لعمر ﵁: كان الرجل في الجاهلية يظلم فيدعو على من ظلمه فيجاب عاجلا ولا نرى ذلك في الإسلام، فقال: كان هذا جزاء بينهم وبين الظلم وإنّ موعدكم الآن الساعة والساعة أدهى وأمرّ. وقيل: إنما تندمل من المظلوم جراحه إذا انكسر من الظالم جناحه.

المتفادي من أن يظلم أو يظلم: كان من دعاء النبي ﷺ إذا خرج من بيته: بسم الله وبالله أنّي أعوذ بك من أن أزل أو أضلّ أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ، وقال بعضهم: لنا عز يمنع من أن نظلم وحلم يمنع من أن نظلم.

الموصوف بالظّلم: قيل: فلان أظلم من حية لأنها لا تحفر الجحر بل تسلب غيرها جحره فتدخله.

ويقال أظلم من ذئب، قال:

وأنت كذئب السوء إذ قال مرّةلعمروسه والذئب غرثان خاتل
أأنت الذي من غير شيء سببتنيفقال متى ذا؟ قال ذا عام أوّل
فقال ولدت العام بل رمت غدرةفدونك كلني ما هنا لك مأكل
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

وقيل: أعدى من الدهر ومن التمساح ومن الجلندي وهو فيما قيل اسم الملك الذي قال الله تعالى فيه: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً

وقال: أعرابي لئن هملجت إلى الباطل أنك عن الحق لقطوف. وقيل: الفتنة عرس الظالم.

المتبجّح بالظّلم: قيل لأعرابي: أيما أحب إليك أن تلقى الله ظالما أو مظلوما؟ فقال: ظالما قيل:

ويحك ولمه؟ قال: ما عذري إذا قال لي: خلقتك قويا ثم جئت تستعدى، وقيل لأعرابي:

ولد له ابن جعله الله برا تقيا فقال بل جعله جبارا عصيا يخافه أعداؤه ويؤمله أولياؤه.

الممدوح بكونه مظلوما لمن هو دونه: وقع الرشيد في قصة رجل: الشريف من يظلم من فوقه ويظلمه من دونه فانظر أي الرجلين أنت. قال محمود الورّاق:

ما زال يظلمني وأرحمهحتى رثيت له من الظلم

وقال ابن الزهير: تحمّل بعض الظلم أبقى للأهل والمال. قال الشاعر:

ولا تحم من بعض الأمور تعزّزافقد يورث الذّل الطويل تعزّز
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

وقال الأحنف: كم جرعة من الظلم تجرعتها مخافة ما هو أعظم منها.

الرخصة في المجازاة بالظلم: قال الله تعالى في مدح ذلك: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا

وقال تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ

وقال بعضهم لسلطان: إني وإن خشنت في المال فقد عذر الله المظلوم إذا جهر بالسوء طلبا للنصفة من ظالمه حيث قال: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم. وقال جرير: إنّي لا أبتدي، لكن أعتدي.

من لا يبالي بأن يظلم: قيل: أهون مظلوم سقّاء مروّب. وقيل: أهون مظلوم عجوز معقومة قال شاعر:

وظلم النهشلي من السواء

من لا يبالي بأن يظلم

قال أبو فراس:

وبعض الظالمين وإن تعدّىشهيّ الظلم مغفور الذنوب

ولبعض الصوفية:

دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبهفكلّ الأذى ممّن يحبّ سرور
تراب قطيع الشّاء في عين ذئبهاإذا سار في آثارهنّ ذرور

وقال آخر:

وقد يؤذى من المقة الحبيب

تحسّر من ظلمه دنيء أو لئيم وتعزّيه: في المثل لو ذات سوار لطمتني. قال الفرزدق:

فوا عجبا حتّى كليب تسبّنيكأنّ أباها نهشل أو مجاشع

قال أبو فراس:

ما للرجال من الذييقضى به الله امتناع
ذدت الأسود عن الفرائس ثم تفرسني الضباع
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «ما لعبيد من الذي»

قال أبو سعيد بن نوقة وقد أجاد ما شاء:

ولا غرو إن يبلى شريف بخاملفمن ذنب التنّين ينكسف البدر

اختيار ركوب القتل على التزام الظّلم: قال محمد بن وهب:

فتى يتّقي أن يخدش الذمّ عرضهولا يتّقي حدّ السيوف البواتر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

قال المتلمس:

فلا تقلن ضيما مخافة ميتةوموتنّ بها حرّا وجلدك أملس

قال أبو فراس:

أرى ملء عيني الردّى وأخوضهإذا الموت قدّامي وخلفي المعايب

وله:

والموت عند طروق الضّيم مورود

قال ابن نباتة:

لأصحبت الحياة إن صحبتنيفي الملمّات مهجة تستضام

الممتنع من احتمال الظّلم: قال الزبرقان:

قد رامني الأقوام قبلكفامتنعت من المظالم

قال خالد بن زهير:

فإن كنت تبغي للظلامة مركباذلولا فإنّي ليس عندي بعيرها

قال آخر:

فلان لا يسأم خطّة الخسفولا يحمل على مركب العنف

قال:

لا يعلف الضيم ذو مجد وذو شرفولا يبيت بوادي الخسف مذموما

وقال:

كأنّه من حذار الظلم مجنون

قال آخر:

ولا ألين لغير الحق أسألهحتى يلين لضرس الماضغ الحجر

وقد أحسن الذي قال: من ظلمني مرة فالله ينتقم لي منه ومن ظلمني مرتين فالله ينتقم له منّي.

عادة النّاس ظلم من استضعفوه: قال ابن عائشة:

تراهم يغمزون من استركّواويجتنبون من صدق المصاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

قال المتنبّي:

والظلم من شيم النفوس فإن تجدذا عفة فلعلّة لا يظلم

قال رجل عبسيّ:

إن المحكّم ما لم يرتقب حسباأو يرهب السيف أو حد القنا حنفا

ظالم متظلّم: في المثل يلدغ العقرب وتصيء قال الخبزارزي:

ظلمت سرا وتستعدي علانيةألهبت نارا وتستعفي من اللهب
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «ظلمت سرا وتستعدي علانية»

قال الشعبي: حضرت مجلس شريح فجاءته امرأة تخاصم زوجها باكية، فقلت: ما أظنها إلا مظلومة. فقال: إن إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون وهم ظالمون.

ذمّ ممتنع من قبول الإنصاف: قيل: ما أعطي أحد قط النصف فأبى إلا أخذ شرا منه. وقال الأحنف: ما عرضت النصفة على أحد فقبلها إلّا تداخلني منه هيبة ولا ردّها أحد إلا طمعت فيه.

مدح الحلم وكظم الغيظ وفضل الرحمة والعفو والاستعفاء والاعتذار

الآخذ نفسه بالحلم من الملوك: دفع أزدشير بن بابك ثلاثة كتب إلى رجل يقوم على رأسه وقال له: إذا رأيتني قد غضبت فادفع إليّ الأول، فإن لم أندم فالثاني ثم الثالث وكان في الأول أمسك فلست بإله، وإنما أنت جسد يوشك أن يأكل بعضه بعضا. وفي الثاني إرحم عباد الله يرحمك الله. وفي الثالث احمل عباد الله على حقه.

الحثّ على تكلّف الحلم واستعماله: قيل: إذا لم تحلم فتحالم فقلّ من تشبّه بقوم إلّا كان منهم. قال:

تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهمفلن تستطيع الحلم حتى تحلما

الممدوح بالحلم: قال حسان:

أحلامنا تزن الجبال رزانةوتزيد جاهلنا على الجهّال
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أحلامنا تزن الجبال رزانة»

قال ابن هرمة:

ولو وزنت رضوى ببعض حلومهملشالت ولو زيدت عليه تضارع
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ولو وزنت رضوى ببعض حلومهم»

قال أبو فراس:

يجني الخليل وأستحلي جنايتهكيما يدلّ على حلمي وإحساني

قال المتنبي:

وأحلم عن خلّي وأعلم أنّنيمتى أجزه حلما عن الجهل يندم

من اجتهد في إغضابه فحلم: بايع رجل آخر على أن يغضب الأحنف فجاءه فخطب إليه أمه. فقال: لسنا نردك انتقاصا بحسبك ولا قلة رغبة في مصاهرتك، ولكنها امرأة قد علا سنها وأنت تحتاج إلى امرأة ودود ولود، تأخذ من خلقك وتستمد من أدبك، ارجع إلى قومك وأخبرهم أنك لم تغضبني.

خطب آخر إلى معاوية أمه. فقال: ما الذي رغبّك فيها وهي عجوز؟ فقال: بلغني أنها عجوز عظيمة العجز، فقال: لعلك خاطرت أن تغضب سيد بني تميم قال: نعم.

قال: ارجع فلست به.

فضل كظم الغيظ: قال الله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ

ومر النبي ﷺ بقوم يربعون حجرا فقال: ألا أخبركم بأشدكم من ملك نفسه عند الغضب، وقال ﷺ: من كظم الغيظ وهو يقدر على أن ينفذه خيّره الله في أي حور شاء، وقيل: الكظم يدفع محذور الندم كالماء يطفىء حر الضرم. كظم يتردد في حلقي أحب إلى من نقص أجده في خلقي. قال: وأفضل حلم حسبة حلم مغضب.

ما يسكّن به الغضب: قيل: من غضب قائما فقعد سكن غضبه وإن كان قاعدا فاضطجع سكن والعجم تقول: من غضب فليستلق.

قال أبو بكر بن عبد الله: أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم، وقيل: أذكر قدرة الله إذا غضبت. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ

فقيل: الطيف من الشيطان حرّ الغضب.

من أغضب من الكبار فصبر: قام رجل إلى عمر بن عبد العزيز فكلّمه بكلام أغضبه، فقال: أردت أن يستفّزني الشيطان، فإياك ومعاودة مثله، عافاك الله.

أمر محمد بن سليمان برجل أن يطرح من القصر كان قد غضب عليه، فقال الرجل:

اتّق الله. فقال: خلوا سبيله فإني كرهت أن أكون من الذين قال الله تعالى فيهم: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ

ذمّ الغضب: قيل لحكيم: أيّ الأحمال اثقل؟ فقال: الغضب. وروى أن إبليس لعنه الله. قال: مهما أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب لأنه ينقاد لي فيما أبتغيه ويعمل ما أريده وأرتضيه.

وقيل لأبي عباد: أيما أبعد من الرشاد السكران أم الغضبان؟ فقال: الغضبان: لا يعذر أحد في طلاق ولا ماثم يجترمه وما أكثر ما يعذر السكران. وسئل ابن عباس ﵁ عن الغضب والحزن أيّهما أشدّ؟ فقال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه أظهره غضبا ومن نازع من لا يقوى عليه كتمه حزنا، ومن هنا أخذ المتنبي قوله:

وحزن كلّ أخي حزن أخو الغضب

من غضب في غير مغضب: قال بعض الحكماء: إذا كانت الموجدة من علّة كان الرضا مفقودا. وقيل: من غضب من غير ذنب رضي من غير عذر. وقيل: من فاته الدين والمروءة فرأس ماله الغضب.

عذر من كان منه غضب: قال الشافعي ﵁: من استغضب ولم يغضب فهو حمار، ومن استرضي

ولم يرض فهو جبار، وقيل: من لم يغضب من الجفوة لم يشكر أخا النعمة. وقيل: فلان يملك حالتيه أي غضبه ورضاه.

الحثّ على ترك الغضب المؤدّي إلى الاعتذار: قال حكيم: إياك وعزة الغضب فإنها تصير بك إلى ذلّ الاعتذار.

قال الشاعر:

ولا تحكم من بعض الأمور تعزّزافقد يورث الذلّ الطويل تعزّز

وقال آخر:

ولرّب ممتعض هو المتذّلل

وقال آخر:

متى ترد الشفاء لكل غيظتكن مما يغيظك في إزدياد

سرعة الغضب وبطؤه: قيل: أسرع الناس رضا أسرعهم غضبا، كالحطب أسرعه خمودا أسرعه وقودا.

وكان بعض الناس يقول: أعوذ بك من غضب من لا يكاد يغضب، وأعوذ بك من غضب امرأة قادرة وذي قوة قاهرة.

الحثّ على ملأمة النّاس: قال أبو العتاهية:

ساهل النّاس إذا ما غضبواوإذا عزّ أخوك فهن

قال محمود الورّاق:

دار الصديق إذا استشاط تغضّبافالغيظ يخرج كامن الأحقاد
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «دار الصديق إذا استشاط تغضبا»
ولربّما كان التغضّب باحثالمثالب الآباء والآجداد

الحثّ على التصامم عن القبيح والتمدّح بذلك: قال المهلب: إذا سمع أحدكم العوراء فليطأطىء لها تتخطّاه، وأسمع رجل آخر وهو ساكت فقال: إني وإياك كما قال زهير:

وذي خطل في القول يحسب أنهمصيب فما يلمّم به فهو قائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وقال حاتم:

وكلمة حاسد من غير جرمسمعت فقلت مرّي فانفذيني
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وما من شيمتي شتم ابن عمي»
عنيت بها كأن قيلت لغيريولم يعرق لها يوما جبيني

قال السموأل اليهودي:

ربّ شتم سمعت فتصاممتوعيّ تركته فكفيت

قال البحتري:

وأحبس عن تعريض عرضي لجاهلوإن كنت في الإقدام أطعن في الصّف

الحثّ على الرحمة ومدح ذويها: قال النبي ﷺ: إرحم من في الأرض يرحمك من في السماء وقال ﷺ: من لا يرحم الناس لا يرحمه الله، وقال ﵊: لا تنزع الرحمة إلّا من قلب شقيّ.

وقال: من كرم أصله لان قلبه وقيل: من أمارات الكرم الرحمة ومن أمارات اللؤم القسوة.

استطابة العفو ولذّته: قيل: لذة العفو أطيب من لذة التشفيّ لأن لذّة العفو يتبعها حمد العاقبة، ولذة التشفي يتبعها غمّ الندامة، وقيل للإسكندر: أيّ شيء أنت به أسر مما ملكت؟ قال: مكافأة من أحسن إليّ بأكثر من إحسانه وعفوي عمّن أساء بعد قدرتي عليه.

ما يستحسن في الكبار من الحلم وما يستقبح: قال معاوية ﵁ وقد أغلظ له رجل: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين السلطان، وقال المأمون الحلم يحسن بالملوك إلا في ثلاثة: قادح في ملك ومتعرّض لحرمة ومذيع لسر. وقال السفّاح: الحلم يحسن إلا ما أوضع الدين وأوهن السلطان.

الحثّ على درء الحدّ: قال النبي ﷺ: ادرؤا الحدود بالشبهات، وقال عمر ﵁: لأن يخطىء الإمام

في العفو خير له من أن يخطىء في العقوبة. قال إبراهيم النخعي: لئن أعطّل مائة حد قد ثبتت أحبّ إليّ من أن أقيم حدا قد ثبت.

حثّ القادر على العفو: قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: إذا قدرت على العدوّ فاجعل العفو شكر قدرتك.

ظفر الإسكندر ببعض الملوك فقال له: ما أصنع بك؟ قال: ما يجمل بالكرام أن يصنعوه إذا ظفروا، فخلّى سبيله ورده إلى مملكته. ولما ظفر أنوشروان ببزرجمهر قال:

الحمد لله الذي أظفرني بك فقال: كافىء من أعطاك ما تحب بما يحب.

قالت عائشة ﵂: إذا ملكت فاسجح. وقيل: المقدرة تذهب الحفيظة، وقيل ليوسف ﵇: بعفوك عن إخوتك عند قدرتك رفع قدرك.

ذمّ المتشفيّ من الغيظ: قال معاوية ﵁: العقوبة الأم حالات ذي القدرة. وقال حكيم: من شفى غيظه لم يجب شكره. وقال: التشفيّ طرف من الجزع فمن رضي أن لا يكون بينه وبين الظالم إلّا ستر رقيق وحجاب ضعيف فلينتصف، وقال شاعر:

متى ترد الشفاء لكلّ غيظتكن ممّا يغيظك في ازدياد
متى لم تتّسع أخلاق قوميضيق بها الفسيح من البلاد

مدح من صفح عن قدرة: قال شاعر

وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا

وقيل: عفو العزيز أعزّ له وعفو الذليل أذلّ له وقال آخر:

ما أحسن العفو من القادرلا سيّما عن غير ذي ناصر
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة

قال أشجع:

يعفو عن الذنب العظيم وليس يعجزه انتصاره
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
صفحا عن الباغي عليهـ وقد أحاط به اقتداره
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

قال المتنبي:

فتى لا تسلب القتلى يداهويسلب عفوه الأسرى الوثاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

الممدوح بأنه إن شاء صفح وإن شاء انتقم: قال الأعشى:

يقوم على الرغم في قومهفيعفو إذا شاء أو ينتقم

وقال كثير:

حليم إذا ما نال عاقب مجملاأشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تشوف من صوت الصدى كلما دعا»

قال علي بن الجهم:

يعاقب تأديبا ويعفو تطوّلاويجزي على الحسنى ويعطي فيجزل
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

تسطو بعدل وتعفو إن عفوت بهفلا عدمناك من عاف ومنتقم

الحثّ على إقالة من سلم ظاهره: قيل: لا تعتد بما لم تسمعه أذناك فإن السيد إذا حضر هيب وإذا غاب اغتيب. وقال بعض الملوك: إنما نملك الأجساد دون النيات ونحكم بالعدل لا بالهوى ونفحص عن الأعمال لا عن السرائر. قال البحتري:

إذا عدوّك لم يظهر عداوتهفما يضرّك إن عاداك إسرارا

وقال آخر:

إذا دحسوا بالكره فاعف تكرّماوإن حبسوا عنك الحديث فلا تسل
فإنّ الذي يؤذيك منه استماعهوإن الذي قالوا وراءك لم يقل

العفو عمّن سلم باطنه: قد يهفو المرء ونيته سليمة ويزلّ وطريقته مستقيمه، قال إبراهيم بن المهدي:

ما إن عصيتك والغواة تمدّنيأسبابها إلا بنيّة طائع
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «والله يعلم ما أقول فإنه»

قال ابن طباطبا:

أرى زلّتي كفرا فهل لي توبةوكم كافر بالله راج لغفرانه
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
فإن كنت في الكفر الذي جئت مكرهافما زال قلبي مطمئنا بإيمانه
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

قال الفرزدق:

فلست بمأخوذ بلغو تقولهإذا لم تعمّد عاقدات العزائم

ذمّ من لا يقيل العثرة: قال النبي ﷺ: ألا أخبركم بشراركم من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده. ألا أخبركم بشر من ذلكم من لا يقبل معذرة ولا يقيل عثرة. قال شاعر:

موقّح الوجه قليل الصّفحكلامه مثل عصى الطّلح

أي معوج.

عتب من يحفظ الذنب بعد تقادمه: قال البحتري:

تناس ذنوب قومك إنّ حفظ الذذنوب إذا قد من الذّنوب
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمنك تأوب الطيف الطروب»

وقيل: الآثام تدرسها الأيام.

وجوب العفو عن المعترف: الاعتراف يزول به الاقتراف. لا عتب مع إقرار ولا ذنب مع استغفار. المعترف بالجريرة مستحق للغفيرة، قال محمد بن جابر:

إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائباإليك فلم تغفر له فله الذّنب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وقيل: التوبة تغسل الحوبة.

الحثّ على العفو بعد الإقرار: قال عمرو بن كلثوم لصديق له أنكر ذنبا: إمّا أن تقرّ بذنبك فيكون إقرارك حجّة لنا في العفو وإلّا فطب نفسا بالانتصار منك. فإن الشاعر يقول:

أقرّ بذنبك ثم اطلب تجاوزناعنه فإنّ جحود الذنب ذنبان

قيل: يجب للحازم أن لا يتقدّم غفرانه تعريف الجاني ما جنى لئلا ينسب عفوه إلى الغفلة وكلال حدّ الفطنة.

سوء الاعتذار دليل على الإصرار: قال:

لا ترجع رجعة مذنبخلط احتجاجا باعتذار

وقال آخر:

فلا أنت أعتبت في زلّةولا أنت أغليت في المعذرة

حسن العفو عن المصرّ: سمع حكيم رجلا يقول: ذنب الإسرار أولى بالاغتفار. فقال: صدق الله ليس فضل من عفا عن السهو القليل، كمن عفا عن العمد الجليل.

استعفاء من خلط إقرارا بإنكار: ما أعرف تقصيرا فابلغ ولا ذنبا فاعتب ولكني أقول:

هبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوّه
للشاعر القاضي عبد الوهاب المالكي، اقرأ القصيدة
وإذا أسأت كما أسأت فأين فضلك والمروّه

قال ابن نوقة:

وهبني- وما أجرمت- أجرمت. كلّ ماأتاك به الواشي فجد باحتماله

وقال ابن باذان:

لئن أسأت فأين إحسانكوإن أفرطت فأين افضالك؟

وقال آخر:

أقررت بالجرم على أنّنيلست بمخليك من العربده

وقال الشعبي لابن بسرة، وقد كلمه في قوم حبسهم: إن حبستهم بالباطل فالحقّ يخرجهم وإن حبستهم بحق، فالعفو يسعهم. فأمر بإطلاقهم.

الحثّ على استبقاء نعمة بإقالة عثرة: قال ابن الرومي:

لا تطيّر وسنا عن مقلةأنت أهديت لها حلو الوسن»
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا كريما لم يزل محتمِا»

قال ابن نوقة:

أترضى بإلزام الدنيئة خادمارجا في ذراكم أن ينال المعاليا

وقال روح بن ذنباع: لا تشمتنّ بي عدوا أنت رقمته ولا تسوءنّ بي صديقا أنت سررته ولا تهدمنّ ركنا أنت بنيته.

استعفاء من زعم أن ذنبه كان خطأ أو نسيانا: قال النبي ﷺ: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. وقال غلام هاشميّ أراد عمّه أن يجازيه بسهو منه: يا عم إنّي قد أسأت وليس معي عقلي فلا تسىء ومعك عقلك. قال أبو تمّام:

فإن يك سخط عمّ أو تك هفوةعلى خطإ منّي فعذري على عمد

قال عليّ بن الجهم:

ألم تر عبدا عدا طورهومولى عفا ورشيدا اهدى
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ومفسد أمر تلافيتهفعاد وأصلح ما أفسدا
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

قال المتنبّي:

وعين المخطئين هم وليسوابأوّل معشر خطئوا فتابوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»
وما جهلت أياديك البواديولكن ربّما حفي الصّواب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

المتمدّح بذلك: اعتذر رجل إلى المنتصر فقال: أتراني أتجاوز بك حكم الله حيث يقول: لَيْسَ

عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً

قال الحسن بن وهب:

وعندي إغضاء وعفو عن الذييزلّ إذا ما لم يكن ذاك عن عمد

مستعف سأل أن يقوّم ويؤدّب: قال أحمد بن أبي فنن:

أحين كثّرت حسّادي وساءهمجميل فعلك بي أشمتّ حسّادي
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
فإن تكن هفوة أو زلة سلفتفأنت أولى بتقويمي وإرشادي
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

مستعف سأل العفو لفرط خوفه: قال علي بن الجهم:

فعفوك عن مذنب خاضعقرنت المقيم به المقعدا
إذا ادرع الليل أفضى بهإلى الصّبح من قبل أن يرقدا
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

مستعف اتكل على سالف حرمته: قال هاشمي للمأمون: من حصل له مثل دالتي، ولبس ثوب حرمتي، ومت بمثل قرابتي، واسلف مثل مودّتي، أقيل له أعظم من عثرتي، وغفر له فوق زلّتي، فقال:

صدقت وعفا عنه. قال شاعر:

أيذهب يوم واحد إن أسأتهبصالح أيّامي وحسن بلائيا
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة

وكفى بالحثّ على ذلك قول الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ

الاستعفاء لمذنب من قوم محسنين: قال إبراهيم الصولي:

أساءوا وفيهم محسنون فإن تهبلمحسنهم أهل الإساءة يصلحوا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

من توصّل إلى العفو بذمّ نفسه: كان جعفر بن أمية خرج مع مصعب بن الزبير وكان صديقا لعبد الملك، فلما أتى به بعد قتل مصعب قال عبد الملك: لا أنعم الله بك، خرجت مع مصعب؟ قال: نعم قال:

ونعم أيضا فلا أنعم الله بك. قال: إني أعرف نفسي بالشؤم فاردت أن أصيب مصعبا بشؤمي، فضحك وخلّاه.

وأتى الحجّاج برجل من أصحاب ابن الأشعث فقال له: أفيك خير إن عفوت عنك؟ فقال: لا. قال: ولمه؟ قال: لأني كنت خاملا فرفعتني وألحقتني بالناس فخرجت مع ابن الأشعث لا لدين ولا لدنيا ومعي الحماقة التي لا تفارقني أبدا ولا أفلح معها سرمدا.

فضحك منه وخلّى سبيله.

مستعف ذكر فرط خوفه من الوعيد: قال مروان بن أبي حفصة

أبيت وجنبي لا يلائم مضجعاإذا ما اطمأنّت بالجنوب المضاجع
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «خلت بعدنا من آل ليلى المصانع»

قال سلم الخاسر:

لقد أتتني من المهديّ معتبةتظلّ من خوفها الأحشاء تضطرب

قال أبو تمّام:

أتاني عائر الأنباء تسريعقاربه بداهية نآد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»
فيا خبرا كأنّ القلب أمسىيجرّ به على شوك القتاد

قال البحتري:

عذيري من الأيام رقّقن مشربيولقينني نحسا من الطير أشأما
وألبسنني سخط امرىء بتّ موهناأرى سخطه ليلا مع الليل مظلما

من هرب خشية العتاب فاعتذر لذلك: قال شاعر:

لئن أخفى حذاري عنك شخصيلما أرسلت من كفّي خيلك
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أسومك ما يسوم العبد مثلي»
ولم أهرب على ثقة وعلمبأنّي إن رميت أفوت نبلك
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أسومك ما يسوم العبد مثلي»
ولكنّي هربت على يقينبأنك معمل في الحكم فضلك

المتوصّل إلى العفو بتذكّر الله ومناشدته: غضب رجل على مولاه فقال: أسألك بالله إن علمت أني لأطوع لك منك لله فاعف عنّي، عفا الله عنك، فعفا عنه.

وقال رجل لأمير غضب عليه: أسألك بالذي أنت أذلّ بين يديه غدا منّي بين يديك إلا ما عفوت عنّي، فعفا عنه. وقال آخر لأمير يضربه: اضرب بقدر ما تعلم أنك تجشّمه عند القصاص يوم الجزاء، فعفا عنه.

من استعفى واستوهب جميعا: جنى غلام للحسن بن علي ﵄ فأمر بعقابه فقال: يا مولاي إن الله تعالى قد مدح قوما فكن منهم، فإنه يقول: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ

فقال: خلوا سبيله قال وقد قال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

قال: أنت حر لوجه الله ولك من المال كذا.

واستعفى رجل من مصعب بن الزبير فعفا عنه فقال: اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض، فأعطاه مائة ألف، فقال الرجل: إنّي قد جعلت نصفها لابن قيس الرقيّات لقوله:

إنّما مصعب شهاب من الله تجلّت عن وجهه الظّلماء

فقال له مصعب: هذا لك وعلينا أن نعطيه ذلك، قال المتنبّي:

فاغفر فديتك وأحبني من بعدهالتخصّني بهدّية منها أنا

وقال:

رددت مالا ولم تمنن عليّ بهوقبل مالي قدما قد حقنت دمي

المتوصّل إلى العفو بدفع الوقت: أتي عبيد الله بن زياد»

بخارجيّ فأمر بقتله، فقال: إن رأيت أن تؤخّرني إلى غد فأمر بتأخيره فقال:

عسى فرج يأتي به الله إنّهله كلّ يوم في خليقته أمر
للشاعر محمد بن أحمد بن رشيد مولى المهدي، من قصيدة «مَرِيضَة كرّ الطّرف مجدولة الحشا»

فعفا عنه. وغضب المأمون على علي بن الجهم فقال: لآخذن مالك ولاقتلنك أقتلوه. فقال أحمد بن أبي دؤاد: إذا قتلته فمن أين تأخذ المال يا أمير المؤمنين؟ قال:

من ورثته، فقال: حينئذ تأخذ مال الورثة وأمير المؤمنين يأبى ذلك. فقال: يؤخّر حتى يستصفى ماله. وانقضى المجلس وسكن غضبه وتوصل إلى خلاصه.

قال شاعر:

وإذا ابن عمك لجّ بعض لجاجهفانظر به غده ولا تستعجل
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

المتوصّل إلى ذلك بالتثبّت إلى حين التبيّن: قال الله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ

، وقيل: لوال: تأنّ فإن التأني من الوالي صدقة. وغضب الرشيد على رجل فقال له جعفر: غضبت لله فاطع الله في غضبك بالوقوف إلى حال التبين كما غضبت له.

وقال الشعبيّ لعبد الملك: إنّك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على ردّ ما أوقعت.

فأخذ هذا المعنى شاعر، فقال:

فداويته بالحلم والمرء قادرعلى سهمه ما دام في يده السّهم

التثبّت في العقوبة نصف العفو: قال المتنبّي:

ترفّق أيّها المولى عليهمفإنّ الرفق بالجاني عتاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

نهي العافي عن التثريب: رضي بعض الملوك عن رجل ثم أخذ يوبّخه. فقال: إن رأيت أن لا تخدش وجه رضاك بالتثريب فافعل. وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع به. وقيل: العفو مع العذل أشد من الضرب على ذي العقل. فرّب قول أنفذ من صول وعفو أشد من انتقام، قال ابن نوقة:

إن كنت تعفو فاعف عفو مهنىءإحسانه إنّ الكريم وهوب
قل قول يوسف حين قال لإخوةجاؤه معتذرين لا تثريب
أو لا فعاقبني فليس بمنكرمن مثلك التقويم والتأديب

وفيمن يعاقب ثم يعاتب، قال شاعر:

إذا عوقب الجاني على قدر جرمهفتعنيفه بعد العقاب من الرّبا
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «رعى الله دهرا فات لم أقض حقه»

معاتبة من صفح ثم ندم: قال ابن طباطبا: كان جرى بيني وبين رجل كلام واحتملت عنه، ثم ندمت فرأيت في المنام كأنّ شيخا أتاني فأنشدني:

أندمت حين صفحت عمّن قد أساء وقد ظلم
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
لا تندمن فشرّنامن أتبع الخير الندم
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

ذمّ من اعتذر فأساء: قيل في المثل: عذره أشد من جرمه، رب أضرار أحسن من اعتذار. وقال آخر:

أنسيتنا باعتذارك كلّ عثارك وقيل بث من عذرك ثم من ذنبك.

قال الخبزارزي:

وكم مذنب لمّا أتى باعتذارهجنى عذره ذنبا من الذّنب أعظما
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «وكم مذنب لما أتى باعتذاره»

قال ابن الحجّاج:

لي صديق جنى عليّ مرارا وكثّرا

ثمّ لمّا عتبتهغسل البول بالخرا
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «لي صديق جنى علي»

قال عليّ بن عبد العزيز الجرجاني:

ربّ ذنب ينمى على العذر حتّىيبصر الاحتجاج عنه يشينه
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
كمقال الجريء يزداد قبحاكلّما ازداد منهم تحسينه

النهي عن الذنب المفضي إلى الاعتذار: قيل: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فما كل من يحكي عنك وينكر تطيق أن توسعه عذرا وقيل من وثق بحسن العذر وقع في الذنب. قال قال الموسوي:

ومن قيّد الألفاظ عند نزاعهابقيد النّهى أغنته عن طلب العذر
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أتحسب سوء الظن يجرح في فكري»

النّهي عن العذر: قال النبي ﷺ: إياكم والمعاذير فإنّها مفاجر. وقال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه:

امسك عن الاعتذار واستمسك بالاستغفار.

وكتب الحجاج إلى بعض من اعتذر إليه أن يعلم الله ذلك من نيتك تكف المقال.

صعوبة الاعتذار والحثّ على تركه: قال عليّ بن الجهم:

إنّ دون السّؤال والاعتذارخطّة صعبة على الأحرار
فارض للمذنب الخضوع وللقارف ذنبا مضاضة الأعتذار

قال الزبير وهو في نهاية الحسن:

تعالوا نصطلح وتكون منّامعاودة بلا عدّ الذّنوب
فإن أحببتم قلتم وقلنافإن القلب أشفى للقلوب

نهي من لم يذنب عن العذر: إيّاك والعذر عما لم تجنه فالمعتذر من غير ذنب يوجب على نفسه الذنب. وقيل:

أحقّ منزلة بالاجتناب منزلة العذر لأنه يقف مواقف تهمة وقلّما سلم من ظنّة. وقيل:

الإغراق في العذر يحقق التهمة كما أن الافراط في النصيحة يوجب الظنّة.

الاعتذار من ترك الاعتذار: قال بعضهم: سكوتي عن التفسير لاعترافي بالتقصير. وقال آخر: لست أعتذر إليك

من الذنب إلا بإقلاع عنه. وكتب كاتب: إن تركت الأعتذار فلما قال الشاعر:

إذا لم يكن للعذر وجه مبينفإن اطراح العذر خير من العذر

وقيل للمطيع وقد بلغ المهتدي عنه شيء أنكره: إن كان ما بلغك حقا فما تغني المعاذير وإن كان كذبا فما تضرّ الأباطيل.

تأسّف من يعاتب من غير ذنب: قال شاعر:

قد يلام البريء من غير ذنبوتغطّى من المسيء الذّنوب
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

إذا كنت ملحيا مسيئا ومحسنافغشيان ما تهوى من الأمر أكيس
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

وقال البحتري:

إذا محاسني اللاتي أدلّ بهاكانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر!
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»

وفي المثل: ربّ ملوم لا ذنب له. قال شاعر:

وكم من موقف حسن أحيلتمحاسنه فعدّ من الذّنوب

من اعتذر بتكذيب الواشي: قال زهير بن بلال:

وذي حنق أغراه بي غير ناصحفقلت له: وجه المحرّش أقبح

قال أبو تمام:

ومن يأذن إلى الواشين يسلقمسامعه بألسنة حداد

قال ابن الحجاج:

قل للذي جهّز بالسّعي بيبضاعة عادت بخسرانه
يا ذا الذي لا بدّ من صفعهيوما ومن تعريك آذانه
لو حدّثت كسرى به نفسهصفعته في جوف إيوانه

قلّة الاعتذار بقول الواشي: قال شاعر:

دع الناس ما شاؤوا يقولون، إننيلأكثر ما قالوا عليّ حمول
وما كلّ من أسخطته أنا معتبولا كلّ ما يروى عليّ أقول

من ذكر إرضاء صاحبه: قال العتابي:

فهل أنا مغض في هواك وصابرعلى حدّ مصقول الغرار بن قاضب
ومنتزع عمّا كرهت وجاعلرضاك مثالا بين عيني وحاجبي

وقال آخر:

لو أسخطتك حياتيقتلت نفسي لترضى
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من حوى الحسن محضا»

ومما جاء في ذم الحلم ومدح العقاب

النهي عن الملاينة حيث لا تنفع: قال شاعر:

بالرفق مارس ولاين من تخالطهوغالظنّ إذا لم ينفع اللين

قال سعد بن ناشب:

وفي اللين ضعف والشراسة هيبةومن لا يهب يحمل على مركب وعر

وقيل: الكريم يلين عند استعطافه واللئيم يقسو عند استلطافه.

النهي عن الحلم إذا كان يلحق منه مذلّة: قال سالم بن وابصة:

إنّ من الحلم ذلا أنت عارفهوالحلم عن قدرة فضل من الكرم
للشاعر سالم بن وابصة الأسدي، من قصيدة «ونيرب من موالي السوء ذي حسد»

قال قيس بن زهير:

وقد يستجهل الرجل الكريم

وقال آخر:

وفي الحلم ضعف والعقوبة هيبةإذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح

إذا الحلم لم ينفعك فالجهل أحزم

قال المتنبي:

وحلم الفتى في غير موضعه جهل

وله:

من الحلم أن تستعمل الجهل دونهإذا اتّسعت في الحلم طرق المظالم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

دفع الجهل بالجهل: قال هدبة:

ما إن نفى عنك قوما أنت تكرههمكمثل وقمك جهّالا بجهّال
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

ولي فرس للحلم بالحلم ملجمولي فرس للجهل بالجهل مسرج
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
وما كنت أرضى الجهل خدنا ولا أخاولكنّني أرضى به حين أحوج
للشاعر صالح بن جناح اللخمي، من قصيدة «لئن كنتُ محتاجاً إلى العلم إنني»

وقيل: الشرّ لا يدفعه إلا الشر والحديد بالحديد يفلح.

من حلم وقتا ونهى عن الاغترار به: قال بعضهم:

فلا يغررك طول الحلم منّيفما أبدا تصادفني حليما

قال المتنبّي:

وأطمع عامر البقيا عليهاوترّفها احتمالك والوقار

وصف الحلم بأنه مضرّ مذلّل: قيل: الشهرة بالملاينة والخير شرّ من الاشتهار بالغلظة والشر لأن من عرف بالخير اجترأ عليه الناس، ومن عرف بالشّر هابه الناس وتجنّبوه. وقيل: آفة الحلم الذلّ وقيل للأحنف: ما الحلم؟ فقال: الرضا بالذل.

كون الحلم مغريا: قال معاوية: ما ولدت قرشية خيرا منّي فقال ابن زرارة الكلابية: بل ما ولدت شرّا لهم منك فقال: كيف؟ قال: لأنك عودتهم عادة يطلبونها ممّن بعدك فلا يجيبونهم إليها فيحملون عليهم كحملهم عليك، وكأنّي بهم كالزقاق المنفوخة على طرقات المدينة.

وقال الأحنف لرجل: ليت طول حلمنا عليك لا يدعو جهل غيرنا إليك.

النهي عن إكرام اللئام: قال يزيد بن معاوية لأبيه: هل ذممت عاقبة حلم؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان وليا إلا أعقبني ندما، ولا أقدمت على كريم وإن كان عدوا إلا أعقبني أسفا. قال شاعر:

متى تضع الكرامة في لئيمفإنّك قد أسأت إلى الكرامه
وقد ذهبت صنيعته ضياعاوكان جزاء فاعلها النّدامه

وقيل: الكريم يستصلح بالكرامة واللئيم بالمهانة.

قال المتنبي:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»
فوضع الندى في موضع السيف بالعلىمضرّ كوضع السيف في موضع النّدى

وقيل: استعمال الحلم مع اللئيم أضر من استعمال الجهل مع الكريم.

الاستخفاف بمن لا يصلحه الإكرام: إذا لم تنفع الكرامة فالإهانة أحزم. وقيل: من لا يصلحه الطالي أصلحه الكاوي من

كان الإكرام مفسده لم تكن الزيادة فيما يفسده له مصلحة. جنّب كرامتك اللئام فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكروا وإن نزلت بهم شدة لم يصبروا.

قال شاعر:

سأحرمكم حتّى يذلّ صعابكمفانجع شيء في صلاحكم الفقر

قال آخر:

إنّ اللئيم إذا رأىلينا تزايد في خسرانه
لا تكذبنّ فصلاح منجهل الكرامة في هوانه

الاستعانة بالجهل عند الحاجة إليه: أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم النار والعار، وبينما ابن عمر ﵄ جالس إذ أقبل أعرابي فلطمه فقام إليه رجل فجلد به الأرض، فقال ابن عمر: ليس بعزيز من ليس في قومه سفيه. وقيل: اجعل لكلّ كلب كليبا يهرّ دونك، فالعرض يصان بمثل سفيه يصول وحاد يقول:

لا بدّ للسؤدد من أرماحومن سفيه دائم النباح

قال الأحنف:

ومن يحلم وليس له سفيهيلاقي المعضلات من الرّجال

وقال آخر:

ولا يلبث الجهّال أن يتهضّمواأخا الحلم ما لم يستعن بجهول

المتمدّح بأنه يقابل الإساءة بمثلها: قال شاعر:

اعلم بأنّك ما أسديت من حسنإليّ أو سيء أوفيتك الثّمنا

قال مسلم بن الوليد:

فإن يك أقوام أساؤا فأحسنواإليّ فإنّي بالجزاء لراصد

قال الحارثي إذا عفا لم يكن في عفوه من ولا يكدر نعماه، إن سطا عاتب ذا جرم بقدره لا يتعداه.

عذر من بدر منه سخط: قال البحتري:

إذا أحرجت ذا كرم تخطّىإليك ببعض أخلاق اللئام
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

عذر من عاتب على صغير: قال رجل من بني يشكر:

تعفو الملوك عن العظيم من الذّنوب لفضلهاولقد تعاقب في اليسير وليس ذاك لجهلها
لكن ليعرف فضلهاويخاف شدّة نكلها

فضل غلبة الخصم بالحجّة دون البطش: قال معاوية ﵁ عجبت لمن يطلب أمرا بالغلبة وهو يقدر عليه بالحجّة ولمن يطلبه بخرق وهو يقدر عليه برفق. ولمّا ظهر ماني الزنديق في أيام سابور بن أزدشير ودعا الناس إلى مذهبه، فأخذه سابور قال له نصحاؤه: اقتله، قال: إن قتلته من غير أن قطعته بالحجة قال عامة الناس بقوله، ويقولون ملك جبار قتل زاهد ولكني أحاجه فإذا غلبته بالحجة قتلته، ففعل ثم حشا جلده تبنا وصلبه.

ومما جاء في العداوات

الاحتراس من غرس العداوة: قيل: لا تشتر عداوة رجل واحد بمودة ألف رجل. وفي كتاب كليلة لا ينبغي للعاقل أن تحمله ثقته بقوته على أن يجتر العداوة كما لا يجب لصاحب الترياق أن يشرب السم اتكالا على أدويته. وقيل: توسّد النار وافتراش الأفاعي أقل غائلة ممن أوجس عداوتك فيروح بها.

وقيل: احذر معاداة الرجال فالناس رجلان عاقل فأحذر ختله وأحمق فاحذر حمقه.

وقال عبد الله بن الحسن بن الحسين ﵃ لابنه: إتّق معاداة الرجال فانك لا تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم.

وقيل: الأحقاد مخوفة وأخوفها ما كان في أنفس الكبار فإنهم يرون الطلب الوتر مكرمة.

وقال بعضهم في التحذير من العداوة:

سيعلم إسماعيل أنّ عداوتيله سمّ أفعى لا يصاب دواؤها

النهي عن السّكون إلى من يخافك: من خاف شرك أفسد أمرك ومن خاف صولتك ناصب دولتك، قال معاوية: من خاف اساءتك اعتقد مساءتك.

التحذير من عدوّ قاهر: قيل: أحذر الناس أن يحذر عدوّ قاهر وسلطان جائر. وقيل: إيّاك ومعاداة من أن أرادك بسوء أرداك، وإن أردته بسوء لم توجع إلّا حشاك، وقيل: لا تعاد من غيظك عليه غيظ الأسير على القد.

النهي عن الاستعانة بمن ظلمته: قيل: العدوّ عدوان عدوّ ظلمته وعدو ظلمك، فإن اضطرك الدهر إلى أن تستعين بأحدهما فاستعن بالذي ظلمك فإنه أحرى أن يعينك وإن الذي ظلمته موتور.

حمد المداجاة طلبا للفرصة: قيل لابن القرية: ما الدهاء؟ فقال: تجرع الغصه، وتوقع الفرصة، وقيل: من تمام

الأدب أن تستر العداوة إلى وقت الفرصة لئلا يستسلح لذلك. قال أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه: انكى الأشياء لعدوك أن لا تعلمه أنك اتخذته عدوا. وقيل: لا يكونّن سلاحك على عدوك أن تكثر ثلبه وقصبه فإنك تخبر عن حزمه وعجزك، ولكن دامجه حتى تبادره بالكظم وتساتره بالختل. قال التنوخي:

إلق العدّو بوجه لا قطوب بهيكاد يقطر من ماء البشاشات
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فأحزم الناس من يلقى أعاديهفي جسم حقد وثوب من مودّات
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وقيل: إذا لم تجد لشفرتك محزا فلا تضعها في صلابة فتكلها.

المتبجّح باظهار الليان وإبطان العداوة: قال عبد الملك بن مروان لما قتل عمر والاشدق سكنته ليقلّ منه نفره، فاصول صولة حازم مستمكن. قال حميد الأكاف:

وإني ليلقاني العدوّ مواصلافيحسبني منه أبرّ وأوصلا
أجرّ له ذيلي لأدرك فرصتيويحسبني في جرّ ذيلي مغفّلا

قال المتنبي:

وجاهل مدّه في جهله ضحكيحتّى أتته يد فرّاسة وفم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وقال آخر:

أجامل أقواما حياء وقد أرىصدورهم باد على مراضها

وصف عدوّ يكاشرك إذا حضرك: قال عمرو بن جابر الحنفي:

يكاشرني وأعلم أنّ كلاناعلى ما ساء صاحبه حريص

قال عمرو بن أم عاصم:

كلّ يداجي على البغضاء صاحبهولن أعالنهم إلا كما علنوا»

قال المثقب:

إن شرّ الناس من يكشر ليحين ألقاه وإن غبت شتم
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «إن شر الناس من يكشر لي»

قال ابن الرومي:

يبيح لي صفحة السلّامة والسّلم ويخفي في قلبه مرضا

وقال المتنبي:

أبدو فيسجد من بالسّوء يذكرنيولا أعاتبه صفحا وإهوانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

وقيل لأعرابي: كيف فلان فيكم؟ فقال: إذا حضر هبناه وإن غاب اغتبناه. قال:

ذاك هو السيد فيكم.

من نظره ينبىء عن عداوته: وقال زهير:

الودّ لا يخفى وإن أخفيتهوالبغض تبديه لك العينان

وقال آخر:

ستور الضمائر مهتوكةإذا ما تلاحظت الأعين
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

وذكر أعرابي قوما فقال: ما زالت عيون العداوة تتجهم فتمجها أفواههم وأسباب المودة تخلق من قلوبهم فتخرس عنها ألسنتهم حتى ما لعداوتهم مزيد.

العداوة المستورة والتحذير منها: قال الشاعر:

وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغنكماطر أوبار الجراب على النشر

وقال آخر:

وقد ينبت المرعى على دمن الثّرىوتبقى حزازات النّفوس كما هيا

وقال أبو نواس:

كمن الشنآن فيه لناككمون النّار في حجره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»

وقال المتنبي:

وإنّ الجرح ينفر بعد حينإذا كان البناء على فساد

وقيل هدنة على دخل وجماعة على أقذاء. قال شاعر:

ومستخبر عنّا يريد لنا الرّدىومستخبرات والعيون سواجم

وفي كتاب كليلة: لا تأمنن عدّوك على مكنون سرّك فكمون عداوته ككمون الجمر في الرماد إذا وجد فرصة اشتعل.

ثبات العداوة الجوهريّة: في كتاب كليلة: ليس بين العداوة الجوهرية صلح وإن اجتهد فالماء وإن أطيل إسخانه فليس يمتنع من إطفاء النار إذا صبّ عليها. وحكي أنّ أعرابيا أخذ جر وذئب فربّاه بلبن شاة عنده، وقال: إذا ربيته مع الشاة يأنس بها فيذبّ عنها ويكون أشد من الكلب ولا يعرف طبع أجناسه، فلما قوي وثب على شاته فافترسها، فقال الأعرابي:

أكلت شويهتي ونشأت فينافما أدراك أنّ أباك ذيب

وروي أن النبي ﷺ قال: الودّ والعداوة يتوارثان، وقيل: لكل حريق مطفىء فللّنار الماء وللئيم العداوة وللحزين الصبر وليس للحقد الغريزي دواء.

المسرّة بوقوع المعاداة بين أعدائك: في كتاب كليلة: من حق العاقل أن يرى معاداة بعض عدوه لبعض ظفرا حسنا. ففي اشتغال بعضهم ببعض خلاصه منهم وفي الأدعية المجمع عليها: اللهمّ أخذل الكافرين وأوقع بينهم العداوة والبغضاء.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «محاضرات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.