من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة (٢)
وصف الإنسان بأنّه لا يخلو من العيب: قيل لبعض الفلاسفة: من الذي لا عيب فيه؟ فقال: الذي لا يموت. وقال الأحنف:
الشريف من عدّت سقطاته، أي الرجل المهذب. قال شاعر:
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلّهاكفى المرء نبلا أن تعّد معايبه
ولهذا باب آخر في الإخوانيات.
الحثّ على إكرام النفس عند المذلّة: قال عمرو بن العاص: المرء حيث يجعل نفسه إن صانها ارتفعت، وإن قصّر بها اتّضعت.
قال بعضهم:
وما المرء إلّا حيث يجعل نفسهففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
قال حاتم:
ونفسك أكرمها فإنك إن تهنعليك فلن تلقى لها الدهر مكرما
قال صالح بن عبد القدوس:
إذا ما أهنت النفس لم تك مكرمالها بعد ما عرّضتها لهوان
أنشد غلام أبي عبيده:
ولا تهن للصّديق مكرمةنفسك حتّى تعدّ من خوله
يحمّل أثقاله عليك كمايحمل أثقاله على جمله
وإنما يعني بذلك الهوان الذي هو العسف لا الهون الذي قالت العرب فيه إذا عز أخوك فهن. قال ﷺ: سيد القوم خادمهم.
الممدوح بصيانة النفس: قال بعضهم: جعلت الدنيا دون عرضى فآثرها لدى ما صانه وأهونها على ما شانه، ووصف آخر رجلا فقال: اشترى بالمعروف عرضه ومن الأذى فلو كانت الدينا له فأنفقها صيانه لنفسه لاستقلها.
قال ابن نباتة:
لبست من الحوادث كلّ ثوبسوى ثوب المذلّة والهوان
مدح إهانة النفس حيث تحمد: مدح أعرابي رجلا فقال: كان يهين نفسا كريمة لقومه ولا يبقي لغد ما وجد في يومه.
قالت الخنساء:
نهين النفوس وهون النفوس يوم الكريهة أوفى لها
ويروى عن الشافعي ﵁:
أهين لهم نفسي لأكرمها بهمولن تكرم النفس التي لا تهينها
ما جاء في الفتوّة: قيل: الفتوة طعام موضوع ونائل مبذول وبشر مقبول وعفاف معروف وأذى مكفوف، وجاء جماعة إلى حسان فقالوا من الفتى؟ فقال:
إن الفتى لفتى الهواجر والثرىوفتى الطّعان ومدره الحدثان
ذاك الفتى إن كان كهلا أو فتىليس الفتى بمنعم الشبان
جواز تقبيل اليد: روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا يحلّ لأحد أن يقبّل يد آخر إلا رجلا من أهل بيتي أو يد عالم.
وقال ابن عباس ﵄: صنع رسول الله ﷺ إلى رجل معروفا فقبل يد رسول الله ﷺ خمس مرات، ولما قدم عمر بن الخطاب الشأم، قبّل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ يده ثم تناول رجله ليقبلها فقال: مه أما هذا فلا. ودخل عطية بن عبد الرحمن الثقفي فمثل بين يدي مروان ابن محمد فاستأذنه أن يقبل يده، فقال: القبلة من المسلم ذلّة ومن الذميّ خدعة. لا حاجة لي في أن نذل أو تخدع. مد المأمون يده لأعرابي ليقبلها فتناولها بكمه فقال: أتقذر لها؟ فقال: لا بل أتعزز بها.
من منع من ذلك أو امتنع: قالت امرأة لأبي مسلم: ناولني يدك أقبلها فقد نذرت، فقال: عليك بالحجر الأسود تصيبين أجرا وتقضين نذرا.
ودخل عقال بن شبة على هشام وأراد أن يقبل يده فقال: لا يفعل هذا من العرب إلا هلوع ولا من العجم إلا خضوع.
وقيل لما أفضت الخلافة إلى أبي العباس السفاح وفدت عليه قريش فأمروا بتقبيل يده، حتى دخل إبراهيم بن محمد العدوي فقال: يا أمير المؤمنين لو كان تقبيل اليد يزيد في القربة منك لأخذت بخطّي منه. وانك لغني عمّا لا أجر فيه لك وفيه منقصة لنا فأقره ولم ينقصه من حظوظ أصحابه شيئا.
الممدوح بأنّه مقبّل اليد والرجل: قال إبراهيم الصولي:
لفضل بن سهل يدتقاصر عنها المثل
فباطنها للنّدىوظاهرها للقبل
أخذه ابن الرومي فقال:
فامدد إليّ يدا تعوّد بطنهابذل النوال وظهرها التقبيلا
قال الخوارزمي:
تعاورت الشفاه الكم عنهاونافست الشفاه بها الخدودا
وله:
يقبّل رجليه رجال أقلّهمتقبّل في الدست الرفيع أنامله
وفي ضده يقول الهنادي لبعض بني هاشم:
يا قبلة ذهبت ضياعا في يدضرّ الإله بنانها بالنّقرس
ودخل أبو العميثل على طاهر بن الحسين متمدحا وقبل يده فقال: ما أخشن شاربك يا أبا العميثل. فقال: أيها الأمير إن شوك القنفذ لا يضر ببرثن الأسد. فضحك وقال إن هذه الكلمة أعجب إليّ من كل شعر. فأعطاه للشعر ألف درهم ولكلمته هذه ثلاثة آلاف درهم.
المقبّل أرضه: قال المتنبّي:
تقبّل أفواه الملوك بساطهويكبر عنها كمّه وبراجمه
قال أبو القاسم بن أبي العلاء:
يقبّل صيد النّاس سدّة بابهويعظم عنه أخمص وركاب
لدى ملك قد خطّ في كلّ جبهةكتابة رقّ والمداد تراب
قال أحمد بن إبراهيم:
سجدنا للقرود رجاء دنياحوتها دوننا أيدي القرود
فما بلت أناملنا بشيءرجوناه سوى ذلّ الخدود
من يقام له وينزل إليه وجواز ذلك وكرامته: قال شاعر:
فلا تعجب لإسراعي إليهفإنّ لمثله شرّع القيام
قال إبراهيم الصولي:
إذا ما بدا والقوم فوق سروجهمتناثرت الأشراف منهم على الأرض
وقال آخر:
وترى النّاس هيبة حين يبدومن قيام وركّع وسجود
وقال آخر:
يأتي الجوانب لا يراجع هيبةوالسائلون نواكس الأذقان
الممدوح بمعنى واحد في أحوال أو جوارح مختلفة: قال المتنبيّ:
طويل النجاد طويل العمادطويل القناة طويل اللسان
حديد اللحاظ حديد الحفاظحديد الحسام حديد الجنان
قال الخوارزمي:
سريع اللسان سريع السنانسريع البنان سريع القلم
الممدوح بأنّه لو كان كذا لكان خيره: قال أبو عمرو بن العلاء لو كانت ربيعة فرسا لكان شيبان غرّتها.
قال شاعر:
لو كنت ماء كنت من مزنةأو كنت نجما كنت سعد السعود
وقال آخر:
فلو كنت ماء كنت ماء غمامةولو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
ولو كنت لهوا كنت تعليل ساعةولو كنت ليلا كنت من ليلة القدر
قال الكندي:
ولو خلق الناس من دهرهملكانوا الظلام وكنت النهارا
ضرب من المدح يقال فيه يا كذا
يا مشربا سائغا بلا كدريا سمرا ممتعا بلا سهر
قال كشاجم:
يا عوضا من فائتلم يحتسب منه عوض
يا دعة وراحةمن تعب ومن مضض
ومما جاء في النذالة والتأخر عن المكارم
حدّ السفلة ووصفها: قال معاوية: السفلة من ليس له فعل موصوف ولا نسب معروف، وقيل هو الذي لا يعيبه ما صنع له وقيل هو الذي لا يبالي بما يقول وبما يقال له، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى هو الذي يعصى الله تعالى.
وقال أبو ناظرة:
أيا سفلة الناس والأصدقاءويا سفلة الكسب في المأكل
ونحوه لابن الحجّاج:
وسخ الثوب والعمامة والبرذون والوجه والقفا والغلام
وقيل: المروءة التامة مباينة العامة، وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: ما لله ﷿ على العاقل بعد الإسلام نعمة أفضل من مباينة العامة بالفهم والعقل.
مضرّة اجتماع السفلة والغاغة: يروى عن النبي ﷺ نعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا، وقيل
في قول الله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ
أي من السلطان أو من تحت أرجلكم أي من السفل، أتى أمير المؤمنين كرّم الله وجهه برجل ذي جناية فرأى ناسا يعدون خلفه، فقال: لا مرحبا بوجوه لا ترى إلا عند كل سوء. وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: صف لي الناس. فقال: خلق الناس أطوارا طائفة للسيادة والولاية وطائفة للفقه والسنة وطائفة للبأس والنجدة ورجرجة بين ذلك، يغلّون السعر ويكدّرون الماء، إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا لم يعرفوا.
من تصاحبه النّذالة: قال الشاعر:
أناخ اللؤم وسط بني رباحمطيّته فاقسم لا يريم
كذلك كلّ ذي سفر إذا ماتناهى عند غايته مقيم
قال جحظة:
كم سألنا عن النذالة واللؤم فكانا في داره راتبين
الموصوف بالذلّة: قيل: هو أذل من النقد ومن القردان تحت المناسم ومن الوتد:
وكنت أذلّ من فقع بقاعيشجج رأسه بالفهر واجي
أي وأجىء فلين الهمزة ويقال هو أذل من الحذا.
الموصوف بالشرية: ذم أعرابي قوما فقال: ما زال فيهم خميرة سوء يبقيها الماضي للباقي حتى أورثوها فلانا فعجنها بيده ثم أكلها بفمه. وقال الصاحب ﵀ في بعض أهل الزمان فلان راية الشر.
المقصّر في المكارم والمعالي: قال إبراهيم بن رجاء:
يمدّ بنو كليب للمعاليسواعد لم تزل عنها قصارا
وقال آخر:
متى جرت الكودان في الرّهان
وقال آخر:
لن يلحق الفرس الحمار الموكف
وقال آخر:
وابن اللئيم معقل باللؤم يغمر
وقال آخر:
جرى طلقا حتّى إذا قيل سابقتداركه عرق اللئيم فبلّدا
وقال آخر:
جرى المداكي حسرت عنه الحمر
وقال آخر:
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرنلم يستطع صولة البذل القناعس
وقال غيره:
إنّك كالجاري إلى غايةحتّى إذا قاربها قام
قال أبو الهداهد الأصفهاني:
لهم عن كلّ مكرمة حجابفقد تركوا المكارم واستراحوا
السابق إلى الملاوم المتأخر عن المكارم: قال هشام بن قيس:
إذا ما سوءة دارت رحاهاوجدتهم لا سواها ثقالا
قال الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطاولو سلكت سبل المكارم ضلّت
قال البسامي:
هو في الخير قطوفوهو في الشرّ وساع
وقال آخر:
إذا نهض الناس للمكرماتوقاموا إليها جميعا قعد
قال الباذاني:
يداك يد تطول إلى المخازيوعن طلب العلا أخرى قصيره
وقال آخر:
رأوا في اللؤم رخصا فاشتروهويمنعهم عن الكرم الغلاء
وقال آخر يهجو امرأة:
تكره ذكر الله في بيتهاوهي إلى الحشّاء مشتاقه
إن ذكر الخير فما إن لهامن جمل فيه ولا ناقه
مقدامة في الشرّ سبّاقةوفي تقى الله على السّاقه
الحكم بين فاضل ونذل: سئل أبو العيناء عن رجلين فقال: وما يستوى البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج. وسئل أبو ثور عن حماد بن زيد بن درهم وحماد بن سلمة بن دينار فقال: بينهما في القدر ما بين جديهما في الصرف، وقال أعرابي: فلان يدعي الفضل على فلان ولو وقع في ضحضاح معروفة لغرق شاعر. وهل يقاس ضياء الشمس بالقمر! قال محمد بن منادر:
ومن يجعل الوجه مثل القفاوعالية الرّمح كالسّافل
وفي المثل:
مذكية تقاس بالجذاع
وفيه: ليس قطا مثل قطي وقال سبيع التميميّ:
أسوّيك بالمرء الذي لست مثلهوكيف يسوّى صالح القوم بالرّذل
تفضيل رجل على آخر في الفضل: في المثل: ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان، وفتى ولا كمالك. في كل شجرة نار واستمجد المرخ والعفار.
قال حسان بن ثابت للحارث بن أبي الشمر:
أبيت اللعن إنّ النعمان بن الحارث يساميك وو الله إن قفاك أحسن من وجهه، وشمالك خير من يمينه، وإن عدّتك أحضر من عدة وغدك أوسع من يومه، وكرسيك أرفع من سريره وأمّك أشرف من أبيه.
من يغبط أو يحسد فاضلا أن يفعل مثله: رأى الحسن ﵁ قوما يتزاحمون على جنازة بعض الصالحين فقال:
مالكم تتهافتون عليه افعلوا فعله تكونوا مثله.
قال أبو العميثل:
يا من يؤمّل أن تكون خصالهكخصال عبد الله أنصت واسمع
فلأنصحنّك في المروءة والذيحجّ الحجيج إليه فأقبل أودع
اصدق وعفّ وبرّ وانصر واحتملواحلم وكفّ ودار واصبر واشجع
أخذ ذلك من قول عروة بن الزبير:
يا أيّها المتمنّي أن يكون فتىمثل ابن زيد لقد خلّى لك السبلا
أعدد نظائر أخلاق عددن لههل سبّ من أحد أو سبّ أو بخلا
وأنشد أبو العيناء في معناه:
إذا أعجبتك خلال امرىءفكنه يكن منك ما يعجبك
فليس على الجود والمكرماتإذا جئتها حاجب يحجبك
الحكم بين نذلين: سئل أبو العيناء عن رجلين فقال: هما الخمر والميسر ائمهما أكبر من نفعهما، وتفاخر رجلان في الكرم وتراضيا بأبي العيناء فحكماه فقال: أنتما كما قال الشاعر:
حمارا عبادي إذا قيل نبنابشرّهما يوما يقول كلاهما
وفي المثل كثير ويرعو، وكل عير خير. وقيل زندان في وعاء وقيل زندان في رقعة.
وقيل سواسية كأسنان الحمار. وعكس هذا المعنى الصنوبري فأتى بأجود لفظ وأوضح معنى، فقال:
أناس هم المشط استواء لدى الوغاإذا اختلف الناس اختلاف المشاجب
عذر من ذكر فاضلا ونذلا معا: قال بعض الكبار لرجل: أتذكرني مع فلان وفلان فقال: قد ذكر الله النار والجنة وفرعون مع موسى وآدم مع إبليس فلم يهن بذلك أولياءه ولم يكرم به أعداءه.
اختيار أراذل: وصف أعرابي قوما فقال: هم كلاب وفلان من بينهم سلوقي وهم حنظل وهو هبيد. وإن في الشر خيارا وليس العاقل من يعرف الخير من الشر وإنما العاقل من يفرّق بين الشرين. قال محمود:
ذممتك أولا حتّى إذا مابلوت سواك عاد الذمّ حمدا
ولم أحمدك من خير ولكنرأيت سواك شرّا منك جدّا
فعدت إليك مختلا ذليلالأني لم أجد من ذاك بدّا
كمجهود تعاظم أكل ميتفلمّا اضطرّ عاد إليه شدّا
من لا يفرح بموته ولا يسر بحياته: قال شاعر:
إذا كنت لا ترجى لدفع ملمّةولم يك في المعروف عندك مطمع
ولا أنت ممّن يستعان بجاههولا أنت يوم الحشر ممّن يشفع
فعيشك في الدنيا وموتك واحدوعود خلال من وصالك أنفع
ذكر أحمد بن الخطيب عند أبي العيناء فقال: إن دنوت منه عرّك وإن بعدت منه ضرك. فبلغ كلامه أحمد فقال: تفسيره أن حياته لا تنفع وموته لا يضرّ. وقيل لرجل:
مات فلان فقال: من لم تنفع حياته لم تجزع وفاته:
فبعدا لا انقضاء له وسحقافغير مصابه الخطب العظيم
من لا يستحضر في المحافل ولا يعرج عليه الأماثل: وقال الأخطل:
أما كليب بن يربوع فليس لهمعند التفاخر إيراد ولا صدر
مخلفون ويقضي النّاس أمرهموهم بغيب وفي عمياء ما شعروا
الآكلون خبيث الزاد وحدهموالسائلون بظهر الغيب ما الخبر؟
وقيل:
هادته وغيبته سواء
وقال آخر:
كزائدة الابهام خلف الرواجب
وقال آخر:
كزائدة النّعامة في الكراع
قال عبدان:
خرجنا غداة إلى نزهةوفينا زياد أبو صعصعه
فستة رهط به خمسةوخمسة رهط به أربعه
قال سحيم بن موسى:
عن المكارم تنفى طيىء طردانفي الزيوف أبتها كفّ منتقد
المتعري من الإنسانية: وصف أعرابي رجلا فقال: ليس فيه من الآدمية ألا أنه يسمى آدميا. وقال فتى لأبيه:
مالي إذا أخذتم في الأشعار والأخبار تسلط على المنام. فقال: لأنك حمار في مسلاخ إنسان. ويقال فلان حارض بن حارض لمن لا خير فيه.
ذم من لا يبالي بما ارتكب: وصف أعرابي رجلا فقال: يهون عليه عظام الذنوب ويحسن في عينه قباح العيوب ولو كان في بني آدم سباخ أنه لمن سباخهم.
قال المري:
قوم إذا خرجوا من سوءة ولجوافي سوءة لم يخبّوها بأستار
وقيل: من الأبيات الرائعة المعجبة التي لا أرباب لها قول الشاعر:
أن يغدروا أو يجبنواأو يبخلوا لا يحفلوا
وغدوا عليك مرجلين كأنّهم لم يفعلوا
الموصوف بكثرة المساوىء: قيل: مدفع المعائب ومجمع المثالب لو قذف على الليل لونه لانطمست نجومه.
الأخطل:
قوم تناهى إليهم كلّ فاحشةوكلّ مخزية سبّت بها مضر
قال أبو تمّام:
مساو لو قسمن على الغوانيلما أمهرن إلا بالطّلاق
وقال زبينا النصراني:
لي صاحب لست أحصي من محاسنهشيئا صغيرا ولا أحصي مساويه
وليس فيه من الخيرات واحدةوأكثر السوء لإبل كلّه فيه
قال ابن الرومي:
معايب النّاس وسوآتهمقد جمعت لي منك في شخص
قال ابن أبي عيينة:
جمعت خصال الردي جملةوبعت خصال النّدى جملة
وقال آخر:
فما لك في الخير من خلّةوكم لك في الشرّ من خلّة
قال ابن الحجّاج:
مقابح فيك شتّىأوصافها لا تحّد
من يرضى منه أن يكفّ شرّه: قيل: أسوأ ما في الكريم أن يمنعك نداه وأحسن ما في اللئيم أن يكفّ عنك أذاه، قال المتنبي في معناه:
إنّا لفي زمن ترك القبيح بهمن أكثر النّاس إحسان وإجمال
ذمّ من يعادي أولياءه دون أعدائه: قيل لمعاوية: ما النذالة؟ قال: الجراءة على الصديق والنكول عن العدو. وذم أعرابي رجلا فقال: هو أقل الناس ذنوبا إلى أعدائه وأكثرهم تجرؤا على أصدقائه وأوليائه وكتب بعضهم عدوه بمعزل عنه وصديقه على وجل منه إن شهد عافه وإن غاب عنه خافه وفي الأقارب باب يقرب من هذا.
من أخلف فيه الظنّ لنذالته: قال أبو علي البصير
كان ظنّي بك الجميل فألفيتك من كلّ ما ظننت بعيدا
قيل لجعيفر: أن اقصد فلانا وسله. فقال: إنه قطوف عن الخيرات لا يثمر شجرة ولا يميه حجره. فقيل ليس كما تظنه فأتاه فلم ير منه طائلا فقال: له:
يا فتى أخلف فيه الظنّ من كلّ فنون
لم يكن ظنّي بك الخير ولكن خدعوني
الموفي على كلّ لئيم: قد كان لأم طفل لفّ في خرق، وقيل هو ألام من الذئب وفي ضده قيل هو أكرم من الليث ولؤم الذئب أنه يأخذه ما يعن له وإن كان شعبان والأسد يتلطف عن ذلك إذا شبع وقيل: لئيم راضع وذلك من باب البخل.
من لا يبالي بغضبه: قيل لرجل: فلان غضب عليك. فأنشد:
إذا غضبت تلك الأنوف لم أرضهاولم أطلب العتبى ولكن أزيدها
قال ابن الرومي:
غضبت وطلت من سفه وطيشتهزهز لحية في قدّ رفش
فما افترقت لغضبتك الثريّاولا اجتمعت لذاك بنات نعش
وفي المثل: غضب الخيل على اللجم، ومما يضرب به المثل في ذلك قول المتنبي:
وغيظ على الأيام كالنّار في الحشاولكنّه غيظ الأسير على القدّ
وقيل:
فلا سلّ من تلك الصدور قتادها
قال أبو علي البصير:
أبو جعفر كالناس يرضى ويغضبويبعد في كلّ الأمور ويقرب
ولكن رضاه ليس يجدي قلامةفما فوقها إذ سخطه ليس يرهب
ويقرب من ذلك قولهم ما أبالي ما نهي من ضبك وما نضج وعكس هذا الباب قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت النّاس كلّهم غضابا
وضيع ارتفع: قيل: إذا استنسر البغاث حلت الأحداث، وقيل إذا ذهبت العتاق ارتفعت الدقاق، وجاء ما لا يطاق.
وقال أزدشير ما شيء أسرع في انتقال الدول من رفع وضيع إلى مرتبة شريف. قيل السفل إذا تعلموا تكبروا وإذا تمولوا استطالوا، والكرام إذا تعلموا تواضعوا وإذا افتقروا صالوا، وقيل لأن يسقط ألف من العلية خير من أن يرتفع واحد من السفلة.
الاغتياظ لوضيع تعرض لرفيع: لما ولي زياد البصرة خطب فقال: إني رأيت خلالا ثلاثا نبذت إليكم، منهن النصيحة لا
يأتيني شريف بوضيع لم يعرف شرفه إلا عاقبته ولا هل بحدث لم يعرف فضل سنه إلا عاقبته ولا عالم بجاهل عنته إلا عاقبته، فإنّما الناس أشرافهم وذوو سنهم وعلماؤهم، ووجد في كتب العجم أنّ بازيار الأبرويز أطلق شاهينه على طائر فاخطأه فانقض على عقاب تراءت له فضربها ضربة أبان رأسها من جسدها، فأخذ البازيار الشاهين والعقاب وأتى به الملك ليعلمه بفعل الشاهين رجاء أن يسرّه بذلك وينال به مالا، فلما أخبره أخذ الشاهين من البازيار فقطف رأسه ثم التفت إلى وزرائه وأوليائه وقال يتكايدني أن أرى يدا دنيئة تسلّطت على يد رفيقة.
وضيع يتعرض لرفيع لعجزه: قال الأعشى:
كناطح صخرة يوما ليوهنهافلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
قال كشاجم:
تبارزني ونفسك من رصاصوهل يبقى على النّار الرصاص
المذموم بأنه لو كان كذا لكان شره: دخل أبو الأسود على ابن عباس ﵄ يجر رجله فقال: لو كنت بعيرا كنت ثقالا. فقال له أبو الأسود: ولو كنت راعي البعير لما بلغته الكلأ ولما حفظته من الضيعة وقيل لام بهلول كيف ترين ابنك؟ فقالت: قبحه الله لو كان داء ما برىء منه. قال:
لو كنت ريحا كانت الدّبوراأو كنت غيما لم تكن مطيرا
أو كنت ماء لم تكن نميراأو كنت بردا كنت زمهريرا
أو كنت مخا كان مخّا ريرا
وقال آخر:
لو كنت ماء لم تكن بعذبأو كنت سيفا لم تكن بعضب
أو كنت لحما كنت لحم كلب
ضرب من الذمّ يقال يا كذا
يا طيرة الشؤم ويا فأل التلفيا سوء كيل وغلاء وحشف
قال أبو نواس:
يا غراب البين في الشؤم وميزاب الجنابه
يا كتابا بطلاقوعزاء بمصابه
يا مثالا من هموموتباريح كآبه
قال الناجم:
يا قوة اليأس ويا ضعف الأمليا كلّ مكروه وكرب وبخل
يا حيرة المملق أعيته الحيليا زحل الدهر ومرّيخ الدول
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع