تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الدَّال الْمُهْملَة

الصفحة ٢ من ٢

درويش مُحَمَّد بن أَحْمد وَقيل مُحَمَّد أَبُو الْمَعَالِي الطالوي الأرتقي الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ أحد أَفْرَاد الدَّهْر ومحاسن الْعَصْر وَكَانَ ماهرا فِي كل فن من الْفُنُون مفرط الذكاء فصيح الْعبارَة منشئا بليغا حسن التَّصَرُّف فِي النّظم والنثر وَله كتاب سانحات دمى الْقصر جمع فِيهَا أشعاره وترسلاته وَهُوَ كتاب حسن الْوَضع متداول فِي أَيدي النَّاس ووالده رومي المحتد قدم إِلَى دمشق فِي صُحْبَة السُّلْطَان سليم وَكَانَ خَادِمًا لبَعض أَتْبَاعه فَتزَوج أم درويش مُحَمَّد وَهِي عنقًا بنت الْأَمِير عَليّ بن طالو وقطن مَعهَا بمحلة التَّعْدِيل من دمشق ثمَّ إِنَّه انْكَسَرَ عَلَيْهِ بعض مَال من ضَمَان أَمَانَة أقطاع كَانَت عَلَيْهِ فسارعن دمشق فَنَشَأَ وَلَده درويش مُحَمَّد فريدا وَأعْطى من أقطاع وَالِده حِصَّة يسيرَة وَفرغ عَنْهَا الآخر وَلزِمَ صَنْعَة السُّرُوج وَلم يطلّ مكثه بهَا حَتَّى جذبه الشهَاب أَحْمد بن الْبَدْر الْعزي إِلَيْهِ وَكَانَ توسم فِيهِ قابلية الْعلم وحبب إِلَيْهِ الطّلب وَلما ذاق حلاوة الْعلم أَشَارَ إِلَيْهِ بترك زِيّ الْجند وَلبس زِيّ الْعلمَاء ثمَّ صحب الْعَلامَة أَبَا الْفَتْح مُحَمَّد الْمَالِكِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْأَدَب والرياضي والمنطق وَالْحكمَة والتصوف وَغَيرهَا وَلَزِمَه مُدَّة مديدة وَأخذ عَن جمَاعَة من فضلاء الْعَجم الواردين إِلَى دمشق مِنْهُم الْمولى مُحَمَّد بن حسن المغاني وَلما أنزلهُ فِي مدرسة جده لأمه الْأَمِير عَليّ الْمَذْكُور وَقَرَأَ عَلَيْهِ حَاشِيَة الْمطَالع ومنلا زَاده فِي الْحِكْمَة وَغير ذَلِك وَأخذ التصوف عَن منلا غياث الدّين الشهير بمير مخدوم اللألائي التبريزي قَرَأَ عَلَيْهِ بِدِمَشْق مُقَدمَات الفصوص للشَّيْخ دَاوُد القيصري وَشرح الرباعيات للْمولى عبد الرَّحْمَن الجامي وَأخذ عَن الشَّيْخ سراج الدّين التبريزي نزيل مَكَّة المشرفة وَصَحبه بُرْهَة لما قدم من مَكَّة إِلَى دمشق فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَأخذ فرقة التصوف عَن الشَّيْخ مُحَمَّد النَّاشِرِيّ نزيل الْمَدِينَة المنورة وَإِمَام مَسْجِد قبَاء ثمَّ قَرَأَ الْفِقْه بعد وَفَاة شَيْخه أبي الْفَتْح على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على الشَّيْخ نجم الدّين مُحَمَّد البهنسي خطيب دمشق ومفتيها والمعاني وَالْبَيَان على الْعِمَاد الْحَنَفِيّ وَحضر مجَالِس التَّفْسِير عَليّ الْبَدْر الْعزي فِي تَفْسِيره بالتقوية وَالْجَامِع الْأمَوِي

مَعَ مُلَازمَة وَلَده الشهَاب ثمَّ ولي تدريس الْمدرسَة الخانوتية دَاخل دمشق ثمَّ اتَّصل بِخِدْمَة قَاضِي الْقُضَاة الْمولى مُحَمَّد بن بُسْتَان حِين كَانَ قَاضِيا بِدِمَشْق فلازم خدمته وناب عَنهُ وَله فِيهِ مدائح كَثِيرَة ثمَّ ارتحل مَعَه إِلَى الرّوم وناب عَنهُ بهَا حِين ولي قضاءها وَلما ولي قَضَاء الْعَسْكَر بِأَنا طولي بَعثه إِلَى الشَّام قاما ثمَّ رَجَعَ إِلَى الرّوم وَولي بهَا عدَّة مدارس ثمَّ عَاد إِلَى دمشق فِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَصَحب بهَا جمَاعَة من أَصْحَابه القدماء وَكَانَ يجْرِي بَينه وَبينهمْ مطارحات وترسلات فَمَا دَار بَينه وَبَين الْحسن البوريني أَن الْحسن نقل عَن الشَّيْخ الطَّيِّبِيّ بَيته الْمَشْهُور وَهُوَ

وَلَا تضف شهر اللَّفْظ شهرإِلَّا الَّذِي أوّله رافادر

فَمر بهم فِي المطالعة فِي حَوَاشِي الْكَشَّاف للسعد أَن إِضَافَة لفظ شهر إِلَى رَجَب مُمْتَنع فَقَالَ الطالوي يَنْبَغِي أَن يسْتَثْنى ذَلِك مِمَّا يَقْتَضِيهِ كَلَام الطَّيِّبِيّ فَقَالَ لَهُ البوريني بَادرُوا إِلَى ذَلِك فَقَالَ إِلَّا الْأَصَم فَهُوَ فِيهِ مُمْتَنع فَقَالَ الْحسن مجيزا لِأَنَّهُ فِيمَا رَوَوْهُ مَا سمع وَبِهَذَا عالي السعد الْمَنْع وَكتب إِلَيْهِ البوريني عقب مقاطعة صدرت بَينهمَا قَوْله

يَا نَاسِيا من لم يزلفِي النَّاس يَتْلُو مننك
يَا حسنا أَفعالهكَيفَ تسوء حسنك

فَرَاجعه بقوله

ماسؤب يَوْمًا حسنىفِي النَّاس يَتْلُو منني
وَإِن تسؤ أَفعالهقابلتها بالْحسنِ

وَوَقع لَهُ فِي ذَلِك الْأَثْنَاء وَهُوَ بِدِمَشْق أَن ابْن خَالَته الْأَمِير إِبْرَاهِيم الطالوي تولى الْإِمَارَة بِولَايَة نابلس فَتوجه مَعَه وَأَعْطَاهُ الْأَمِير خيلاً وَمَا لَا وزوده وودعه فنوجه إِلَى الْقَاهِرَة وَاسْتقر بهَا نَحْو سنة وَأخذ بهَا عَن الْعَلامَة عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي الْحَنَفِيّ وَالشَّمْس مُحَمَّد النحراوي الْبَصِير الْحَنَفِيّ وَشَيخ الشَّافِعِيَّة فِي عصره الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ وَغَيرهم مِمَّن ذكره فِي كِتَابه السانحات وَعَاد من مصر إِلَى دمشق ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم واتصل بالمولى سعد بن حسن جَان معلم السُّلْطَان مُحَمَّد فَأكْرم مثواه بِنَاء على معرفَة حُقُوق أَبنَاء النِّعْمَة وأغنياء الْأَصَالَة خُصُوصا الجامعين إِلَى شرف النّسَب شرف الْأَدَب وامتدحه وولديه مُحَمَّدًا وأسعد بقصائد كَثِيرَة وَولي بعنايته مدارس عديدة بالروم إِلَى أَن وصل إِلَى مدرسة خير الدّين باشا بِخَمْسِينَ عثمانيا ثمَّ أعْطى مِنْهَا الْمدرسَة السليمانية بِدِمَشْق والإفتاء بهَا فورد إِلَى دمشق وَاسْتقر بهَا إِلَى

أَن مَاتَ وَكَانَ على تماسك حَاله شاكيا لدهره مستزيدا الْقُدْرَة وَكَانَت أحلاقه متفاوته فَمَا مدح أحدا إِلَّا هجاه وَله فِي ذَلِك أَعَاجِيب كَثِيرَة وَهُوَ فِي كل أسلوب من أساليب الشّعْر كثير الْملح كَأَنَّمَا يصدر شعره عَن طباع المفلقين من الشُّعَرَاء وَله القصيدة الَّتِي سَارَتْ فِي الْبِلَاد وطارت فِي الْآفَاق لحسن ديباجتها وَكَثْرَة وفقها وَكَانَ أرسلها من الرّوم إِلَى أَصْحَابه الْعلمَاء والأمراء المقيمين بِدِمَشْق أَولهَا

أنسيمة الرَّوْض المطيربالعهد من زمن السرُور

ولطولها وشهرتها لم اذْكُرْهَا وعَلى نمطها وَقعت قصائد كَثِيرَة جَاهِلِيَّة وإسلاما ومحدثة فَمِنْهَا للشريف الرضي الموسوي

نطق اللِّسَان عَن الضَّمِيروالبشر عنوان الضَّمِير
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نطق اللسان عن الضمير»

وَلأبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ

إِن الالئ خلف الْخُدُورهم فِي الضمائر والصدرو

وَمن هَذَا الْعرُوض قصيدة المنحل لمعظم بن الْحَارِث الْيَشْكُرِي كَمَا فِي حماسة أبي تَمام ومطلعها

إِن كنت عاذلتي فَيرىنَحْو الْحجاز وَلَا تجوري

ولإبراهيم بن المدير قصيدة فِي مدح المتَوَكل على هَذَا المنوال مِنْهَا

يَوْم أَتَانَا بالسروروَالْحَمْد لله الْكَبِير
أخلصت فِيهِ شكرهووفيت فِيهِ بالنذور

مِنْهَا

الْبَدْر ينْطق بَيْننَاأم جَعْفَر فَوق السريرد
فَإِذا تواردت العظائمثمَّ كنت مُنْقَطع النظير

وللطالوي يَسْتَدْعِي بعض أصدقائه إِلَى منتزه فِي بعض الْأَيَّام

قد غازل النسرين لحظ النرجسفِي مجْلِس سقى الحيا من مجْلِس
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
يرنو إِلَيْهِ كَمَا رنت من خشيَةالمراقباء غيد عَن لحاظ نعس
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
والورد أخجله الحيا فَكَأَنَّهُخد تورد من لهيب تنفس
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
فِي فتية نشرت حدائق بردهَافزهت على زهر الْجَوَارِي الكنس
دارت سلاف الذّكر مِنْك عَلَيْهِمفغدت تمايل كالغصون الميس
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
ترجو قدومك كي يتم سرورهاوتقر عينا يَا حَيَاة الْأَنْفس
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
لَا زَالَ وردك يانعا فِي رَوْضَةوشبابك الفتان زاهي الملبس
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
مَا غرّدت ورق بِأَعْلَى أيكةفِي رَوْضَة كُسِيت مطارق سندس
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة

وَله من قصيدة قَالَهَا وَهُوَ بالروم يتشوق فِيهَا لوطنه فِي قَوْله

على الشَّام مني كلما هبت الصِّبَاسَلام كنشر الرَّوْض طَابَ لَهُ نشر
بِلَاد كأنفاس الشُّمُول شمالهاوتربتها مسك وحصباؤها در
سَقَاهَا وحياها الْإِلَه معاهداًسَحَاب دنوا الْعَهْد وافي بِهِ الْبشر
فيا حبها زِدْنِي جوي كل لَيْلَةوَيَا سلوة الأحزان موعدك الْحَشْر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

وَله من قصيدة تشْتَمل على وصف السِّرّ والسفينة مطْلعهَا

سرنا يَا سلامبول نبغي نزهةدعت الْفُؤَاد إِلَى الفضاء الْمُطلق
ثمَّ امتطينا الْبَحْر فِي نوحيةتجْرِي بِنَا فِي لج موج مطبق
نشرت قوادم طَائِر ومشت بِهِفِيهِ كنسر فِي السَّمَاء محلق
بارت عِقَاب الجوّاذ طارت بِهِبمثال قادمتي جنَاح العقعق
فَكَأَنَّهَا باز وَنحن بمتنهاتهوي بِنَا طوراً وطوراً ترتقي
حَتَّى رست فِي شاطئ ورمت بِنَاتِلْكَ المذانب وسط روض مونق
فَإِذا بِأَرْض فِي الصفاء كعسجدوالمندل الشحري فِي المتنشق
حفت بسرو كالقيان تلفعتخضر الملا وكشفن عَن سَاق نقي

هَذَا ينظر إِلَى قَول أَحْمد بن سُلَيْمَان بن وهب

حفت بسرو كالقيان تلبستخضر الْحَرِير على قوام معتدل
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
فَكَأَنَّهَا وَالرِّيح تخطر بَينهَاتنوي التعانق ثمَّ يمْنَعهَا الخجل
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

وَقَالَ الصنوبري من أَبْيَات مطْلعهَا

يَا ريم قومِي الْآن وَيحك فانظريمَا للحدائق أظهرت إعْجَابهَا
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
والسر وَشبه عرائس مجلوّةقد شمرت عَن سوقها أثوابها

وَقَالَ ابْن طَبَاطَبَا وَنقل عَن الصاحب أَنه كَانَ يعجب بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وينشدهما إِذا دخل بُسْتَان دَاره

يَا حسن بُسْتَان دَاريوالورد يقطف طله
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
والسرو قد مدّفيهعلى الرياحين ظله

وَقَالَ ابْن المعتز

والسرو مثل قضب الزبرجدقد استمدّ المَاء من ترب ندى

رَجَعَ إِلَى القصيدة مِنْهَا

والغيم فِي وسط السَّمَاء كَأَنَّهُقطع اللجين على بِسَاط أَزْرَق

أَخذه من قَول ابْن المعتز

والبدر فِي أفق السَّمَاء كدهممقلى على ديباجة زرقاء

وَذكره الخفاجي فِي كِتَابيه وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر قصيدته الَّتِي راسله بهَا ومطلعها

قبلت مصطجا شفَاه الاكؤسوَالصُّبْح يبسم لي بثغر ألعس

وَجَوَاب الطالوي عَنْهَا بقوله

خد تورد من لهيب تنفسأم قد معسول المراشف ألعس

ثمَّ قَالَ فِي تَرْجَمته وَرَأى نبلوفرة صَارَت صد فاللآلئ السَّحَاب وحقة لدر الندى الْمُذَاب كَأَنَّهَا بوتقة أذاب فِيهَا الجو نضارة أَو كأس فِي يَد مصطج يداوي خماره أَو مقلة صب كئيب فاجأه على الْغَفْلَة الرَّقِيب بَعْدَمَا امْتَلَأت بدمع الجوي فتردد فِيهِ الدمع من صرة النَّوَى وَقد طفا المَاء الزلَال فَبلغ حافاتها وَمَا سَالَ بل تشبث بأهداب أوراقها خشيَة فراقها فَقَالَ

ونوفرة كعين الصب سكرىنجم المَاء خشيَة أَن يراقا
ذكرت لَهَا النَّوَى يَوْمًا فَفَاضَتْوَصَارَت كلهَا للدمع ماقا

قلت ضمن فِيهِ قَول المتنبي

نظرت إِلَيْهِم وَالْعين سكرىفَصَارَت كلهَا للدمع ماقا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وَمن غَرِيب مَا وَقع أَنه لما توجه من دمشق إِلَى الرّوم اجتاز بثغر صيدا وحاكمها إِذْ ذَاك الْأَمِير فَخر الدّين الْمَعْنى وَكَانَ مَعَه لَهُ مَكْتُوب بالتوصية فِيهِ من محافظ الديار الشامية الْوَزير شرِيف باشا فأوصله إِيَّاه مَعَ قصيدة مدحه بهَا مطْلعهَا

قل لمجرى الْجِيَاد قب الْبُطُونوأمير الْبِلَاد فَخر الدّين

وَكَانَ مَعَه غُلَام كالبدر لَوْلَا أفوله والغصن لَوْلَا ذبوله لَو رَآهُ الفرزدق سلا نوار بأحداقه الَّتِي تستوقف الْأَبْصَار فاغتصبه مِنْهُ فأسف على يوسفه أَسف يَعْقُوب وأمل النُّصْرَة على الدَّهْر فَأصْبح المغلوب فَكتب إِلَى الشريف الْوَزير يستعديه على ذَلِك الْأَمِير قصيدة أَولهَا

بِاللَّه يَا نشر العبيرسيرى بروضات العرى

إِلَى أَن قَالَ

إِن جِئْت ربع الشَّام فاقصدساحة الشّرف الْعلي
أَعنِي الشريف ابْن الشريفابْن الشريف الموسوي
متحملاً مني السَّلَامكمسك دارين الذكى
لجنات مَوْلَانَا الْوَزيروليّ مَوْلَانَا على
ثمَّ اشرحن من حَال مَوْلَاهُالْمُحب الطالوي
مَاذَا ألْقى فِي ثغر صيدامن دروزي غوى
دين التناسخ دينهلابل يدين بِكُل غي
وَيرى الطبائع أَنَّهَافعالة فِي كل شَيْء
وافي بمكتوب الشَّرّ بفإِلَيْهِ من بلد قصى
بوصيه فِيهِ كَأَنَّمَايوصيه فِي أَخذ الصَّبِي
فَسَقَاهُ يَوْم فِرَاقهلَا كَانَ بالكأس الروى
وغد الحشا من بعدهيبكي بدمع عِنْد مي
فِي غربَة لَا يشتكيفِيهَا إِلَى خل وَفِي
لَا جَار يحميه وَلَايأوى إِلَى ركن قوى
إِلَّا إِلَى ركن الشريفالطَّاهِر الشيم الزكي
حامي حمى الشَّام الشريفبِكُل أَبيض مخذمي
مولَايَ سمعا أَن ليحَقًا لديك بِغَيْر لي
بولاء حيدرة الْوَصِيّأخي النبيّ الْهَاشِمِي
لأتهملن فِي أَخذ ثاريمن كفور بِالنَّبِيِّ
وَابعث إليّ مقانباًفِيهَا الكمى على الكمى
لَو حَارَبت جند القضاثنت سراه عَن مُضِيّ
جرافة لم تبْق فِيأطلاله غير النؤى
وأشيعت ينعي الديار مَعَابْن دأبة فِي النعى

قلت والدروزية تقدم الْكَلَام فِي تَرْجَمَة حسن العيلبوني أننا سنتكام عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَة الْأَمِير فَخر الدّين بن معن فِي حرف الْفَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى والنؤى فِي قَوْله جرافة إِلَى آخر الْبَيْت هُوَ الحفير حول الْخيام وأشبعت مُصَغرًا الوتد شج رَأسه وَابْن دَابَّة الْغُرَاب وَهُوَ علم جنس لَهُ مَمْنُوع من الصّرْف قيل سمي بِهِ لِأَن انثاه إِذا طارت من

بيضها حضنها الذّكر فَيكون كالداية للْأُنْثَى وَمن عُقُود جمان الطالوي فصل من نثره شوقي إِلَى لِقَاء سَيِّدي عمر الله يذكرهُ رباع الْفضل كَمَا عمر طلاب الْعُلُوم نائله الجزل شوق الوامق لعذراه وَعُرْوَة إِلَى عفراه فصل وَهَا أَنا مذ سرت عَن حَضرته الجليلة مَا نسيت أيادية الجميلة وَهل ينسى المدلج قمر لَيْلَة وَسَاكن الْيمن مطلع سهيلة فصل وَإِن أَفْوَاه الحمائم أَو بروق الغمائم لَا تقدر أَن تصف مَا أجنه من الأرتياح لقُرْبه والإنضمام إِلَى معاشره وَحزبه فقد شهِدت أَنَّهَا أبلغ من سحبان وأفصح من صعصعة بن صوحا فصل أما الشوق فقد اشتعل ضراما وَكَاد عَذَابه إِن يكون غراماً حَتَّى قَالَ فَم الجفن بِلِسَان الدمع يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا فَإِنِّي ألْقى إِلَيّ كتاب كريم فاح مِنْهُ شميم عرار نجد وَمَا بعد العشية من شميم فتمتعت بِمَا هُوَ أحلى من الْوَصْل بعد الهجر وَمن الْأَمْن بعد الْخَوْف وَمن الْبُرْء بعد السقم وَلم أدر أطيف مَنَام أَو زائر أَحْلَام أم قرب نوى بعد البعاد أم حبيب يَأْتِي بِلَا ميعاد وَمن آخر أسأَل الله وهاب الصُّور خلاق الْقوي وَالْقدر فياض المعارف ذراف العوارف أَن يهب اقترابا صافيا من الكدر مغنيا عَن ورد الْمُكَاتبَة والصدر انْتهى وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كَمَا قَالَ البديعي فِي وَصفه مقضى الأرب من أدوات الْأَدَب وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي نَهَار الْأَرْبَعَاء ختام شهر رَمَضَان سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَذكر البوريني فِي تَرْجَمته أَنه كَانَ قبل مَوته بأيام عمر فِي دَاخل بَيته بمحلة التَّعْدِيل بَيْتا صَغِيرا وَكَانَ يَقُول هَذَا الْبَيْت بَيت الفتاوي وَمَوْضِع الْكتب وَمن الْعجب أَنه نقل كتبه إِلَى الْبَيْت الْمَذْكُور فَكَانَ يصفها ويرتبها وَينظر فِيهَا ويقلبها وَهُوَ ينشد هَذَا الْبَيْت وَأَظنهُ من نظمه ونتائج فهمه وَهُوَ

أقلبها حفظا لَهَا وصيانةفيا لَيْت شعري من يقلبها بعدِي

فَمَاتَ بعد ذَلِك بِعشْرين يَوْمًا رَحمَه الله تَعَالَى درويش مُحَمَّد بن حُسَيْن بن مسيح الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن القاطر الْمُقدم ذكر وَالِده والموعود بِذكرِهِ وَهُوَ سبط أبي الْمَعَالِي الطالوي الْمَذْكُور قبله وَرُبمَا أطلق عَلَيْهِ الطالوي أَيْضا كَانَ فَاضلا كَامِلا جيد الْخط منسوبه بلغ الشُّهْرَة التَّامَّة فِي قبُول خطه والتنافس فِيهِ وَكتب الْكثير وَكَانَ حسن المطارحة لطيف المذاكرة حُلْو الشكل طوَالًا وَكَانَ يعرف الموسيقى حد الْمعرفَة وَله شهرة بِهَذِهِ

الْمعرفَة عِنْد أَرْبَاب هَذَا الْفَنّ الحاذقين فِيهِ فَإِذا حَضَرُوا مَعَه مَجْلِسا عظموه وتراخوا فِي الْعَمَل حَتَّى يُشِير إِلَيْهِم وَكَانَ يعرف اللُّغَة التركية وَأَظنهُ يعرف الفارسية أَيْضا وَله فِي حل المعميات والألغاز الْيَد الطولي وَكَانَ فَقِيرا متقنعا باليسير من الرزق وَلما توفّي أَخُوهُ زَكَرِيَّا الْآتِي ذكره اتحصر ارثه فِيهِ فأثرى واعتدل حَاله إِلَّا أَنه لم تطل مدَّته فَتوفي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

درويش مُحَمَّد بن رَمَضَان سبط القَاضِي تَاج الدّين الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ كَانَ من الْفُضَلَاء الأذكياء لَهُ لطف طبع ومنادمة مَقْبُولَة وَكَانَ عطاردي الطَّبْع يحن غَالب الصناعات وَكَانَ يتقن اللُّغَة الفارسية والتركية وَله إنْشَاء بالتركية مستعذب ودراية فِي الْأَشْعَار وَاسِعَة قَرَأَ بِدِمَشْق على الشّرف الدِّمَشْقِي وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقي والعلامة فضل الله بن عِيسَى البوسنوي نزيل دمشق وسافر مَعَ أَبِيه إِلَى الرّوم ولازم من قَاضِي الْعَسْكَر الْمولى مُحَمَّد بن قره جلبي وَرجع إِلَى دمشق وناب فِي بعض محاكمها ثمَّ رَحل إِلَى الرّوم فِي خدمَة شفيق أستاذه الْمَذْكُور الْمولى عبد الْعَزِيز وَأَرَادَ سلوك طَرِيق الْقَضَاء مثل وَالِده فَمَا تيَسّر لَهُ وَاتفقَ لَهُ أَنه كَانَ على أَبِيه دين لرجل من المتمولين فرغبه الدَّائِن فِي أَن يُعْطِيهِ مبلغا آخر ويضمه إِلَى الْمبلغ المستقر فِي ذمَّة وَالِده فَيكون المبلغان لازمين لَهُ فَرغب فِي ذَلِك وَلما أحضرهُ لَدَى القَاضِي لأجل صك الْإِقْرَار واعترف بالمبلغ السَّابِق ألزم بِهِ وَحبس وَبَقِي أَيَّامًا فِي الْحَبْس ثمَّ أطلق فَخلع عَنهُ اللبَاس واخذ طَرِيق المولوية وساح فِي بِلَاد الرّوم حَتَّى وصل إِلَى بَلْدَة كليبولي وَأقَام بهَا مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ قدم إِلَى دمشق وجاور مُدَّة فِي تكية المولوية ثمَّ انْتقل إِلَى دَاره وتغيرت أطواره وَولي تدريس البادرائية ونظارة وقف أجداده وَلبس الْعِمَامَة وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى مجَالِس الْقُضَاة بِدِمَشْق وينادمهم وَكَانَ حُلْو الحَدِيث عَارِفًا بطرِيق المنادمة ثمَّ بعد مُدَّة عزم على الْحَج وجاور بِالْمَدِينَةِ وَبهَا توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وقرأت بِخَط وَالِدي أَن وِلَادَته كَانَت فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ درويش بن سُلَيْمَان بن الشَّيْخ الْكَبِير الْفَقِيه الثبت الرحلة مُحَمَّد ابْن القطب الْكَبِير أَحْمد الدجاني الشَّافِعِي الْمُقَدّس الشَّيْخ الصَّالح الزَّاهِد فِي الدُّنْيَا الْعَفِيف كَانَ يحفظ الْكتاب الْعَزِيز ويدارس بِهِ وتفقه على الشَّيْخ مَنْصُور بن عَليّ

الْمحلى نزيل الْقُدس ثمَّ دمشق الْمَعْرُوف فِي دمشق بالصابوني وَسَيَأْتِي ذكره وَعَلِيهِ اشْتغل بالتصوف ولازمه مُدَّة إِقَامَته بالقدس ثمَّ بعد ارتحاله إِلَى دمشق أرسل لَهُ إجَازَة بالمشيخة على الْفُقَرَاء لصلاحه وديانته وَكَانَت وَفَاته فِي عشر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

الْأَمِير درويش الْمَعْرُوف بدالي درويش الجركسي الأَصْل نزيل دمشق الشجاع البطل الْمَشْهُور قدم إِلَى دمشق فِي خدمَة الْوَزير الخناق وَلما عزل مخدومه عَن نِيَابَة دمشق أَقَامَ هُوَ بهَا وتديرها وَصَارَ من أجنادها وسافر إِلَى روان ومروان وَأسر بِبِلَاد الْعَجم وشاع خبر مَقْتَله فضبطت أملاكه وأسبابه لطرف بَيت المَال ثمَّ ظهر بعد مُدَّة واستخلص مَا كَانَ ضبط من أَمْوَاله وسافر إِلَى بَغْدَاد عَام فتحهَا وَبعد مَا عَاد كَبرت دولته واشتهر صيته وَولي حُكُومَة تدمر وَظَهَرت شجاعته وَكَانَ يُغير على العربان وينهبهم ويأسر مِنْهُم وَيدخل إِلَى دمشق بالمواكب الحافلة ثمَّ ولي حُكُومَة حمص وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ عزل عَنْهَا وَولي لِوَاء عجلون وَتوجه إِلَيْهَا فثار بَينه وَبَين أَهلهَا حروب كَثِيرَة وكسره وَأخذُوا غَالب أَسبَابه وخيوله فَعَاد إِلَى دمشق واشتكى إِلَى السدة الْعلية فَجَاءَهُ أوَامِر شريفة بركوب نَائِب الشَّام عَلَيْهِم وَأخذ مَا ذهب لَهُ فَلم يُفْسِدهُ ذَلِك شَيْئا وَأقَام منزويا بداره وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف

درويش مُحَمَّد باشا الْوَزير الْأَعْظَم الْمَشْهُور هُوَ جركسي الأَصْل وَكَانَ أَولا من خدمَة المرحوم مصطفى أغا ضَابِط الْحرم السلطاني فِي عهد السُّلْطَان أَحْمد ثمَّ خدم الْوَزير الْأَعْظَم مُحَمَّد باشا الْمَعْرُوف بمنبسط الْقدَم وَكَانَ السُّلْطَان عُثْمَان يُحِبهُ لفروسيته وشجاعته وسافر فِي خدمَة الْوَزير الْمَذْكُور إِلَى مصر لما صَار محافظا بهَا وَكَانَ يقدمهُ على جَمِيع حفدته وولاه الخدمات السامية حَتَّى صيره كتخداله وَلما ولي الوزارة الْعُظْمَى قتل فِي زَمَنه أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بالكوحك وَكَانَ نَائِب الشَّام فولاه نيابتها وَكَانَ ذَلِك فِي أواسط سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وقدمها وَكَانَ ظَالِما جبارا ففتك فِي أَهلهَا وَتجَاوز فِي ظلمهم الْحَد وَفِي آخر أَيَّامه اجْتمع الْعَامَّة على القَاضِي واشتكوا من الظُّلم وبالغوا فِي التوسل بِهِ فَلَمَّا بلغه ركب وَكَانَ فِي الْوَادي الْأَخْضَر مخيما وأتى مغضبا وَسَفك فِي بَعضهم وَقتل رجلا صباغا من الصلحاء ثمَّ عزل وَصَارَ أَمِير الْأُمَرَاء بطرابلس الشَّام وَبعد ذَلِك ولي حُكُومَة بَغْدَاد

وتنقل فِي النيابات حَتَّى ولي فِي آخر أمره الوزارة الْعُظْمَى فِي شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَمَات وَهُوَ فِي الصدارة فِي شهر ربيع الأول سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بقسطنطينية بِالْقربِ من مدرسة عَليّ باشا الجديدة فِي طَرِيق الدِّيوَان

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.