تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْمِيم (٢٣)

الصفحة ٢ من ٢

وَكتب اليه فى جَوَاب كتاب ورد اليه من جنابه هَذِه

جاءنى من جناب شيخى كتابمستطاب مهذب مألوف
من جناب الشريف صدر الموالىهُوَ ذَاك الْعَلامَة الْمَعْرُوف
دُرَر كُله وسحر وخمرفلآليه كُلهنَّ شفوف
فبألفاظه اهتديت فمهماقيل أَحْسَنت قلت انى رَدِيف
قَائِلا فِيهِ قل أجيبك مهمارمته عِنْد همتى للطيف
فترويت ثمَّ جِئْت بِبَيْتقَالَه شَاعِر خَبِير عريف
مالنا فى الندى عَلَيْك اخْتِيَاركل مَا يمنح الشريف شرِيف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «موقع الخيل من نداك طفيف»

وَحكى والدى قَالَ أخبرنى الْمولى الْعَلامَة الشهَاب الخفاجى وَأَنا بِمصْر فى سنة سِتِّينَ وَألف أَنه كَانَ فى يَوْم من الايام فى مَجْلِسه الرفيع الْمقَام مَعَ جمَاعَة من الْفُضَلَاء وزمرة من الاماجد النبلاء فاحتجب الشهَاب عَن الْمجْلس لاجل الدُّخان وَكَانَ الْمَنْع عَنهُ قد حصل من حَضْرَة السُّلْطَان وَلما عَاد الى الْمجْلس أنْشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما نظم وقتهما من غير مين

اذا شرب الدُّخان فَلَا تلمناوجد بِالْعَفو يَا روض الامانى
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة
تُرِيدُ مهذبا من غير ذَنْبوَهل عود يفوح بِلَا دُخان

قَالَ فَأجَاب صَاحب التَّرْجَمَة فى الْحَال على سَبِيل الارتجال

اذ شرب الدُّخان فَلَا تلمنىعلى لومى لابناء الزَّمَان
أُرِيد مهذبا من غير ذَنْبكريح الْمسك فاح بِلَا دُخان

وَمن آثَار قلمه البديعة مَا كتبه الى الامام الْهمام يُوسُف بن أَبى الْفَتْح امام السُّلْطَان وَهُوَ بِدِمَشْق

يَا من علا بجمالهوكماله أَعلَى الْعلَا
منى اليك تَحِيَّةحرز البقا لذوى العلى

ينْهَى على رسم أولى النهى الى الْمحل الذى خصّه الْحسن والبها انه كُنَّا مجهزين اليه قبل تَارِيخه كتابا مَكْتُوبًا بمداد الصدْق والخلة وخطابا فِيهِ شِفَاء من الْعلَّة وَالْغلَّة ثمَّ قعدنا ناظرين بِمَ يرجع الْمُرْسل فَلم يظْهر مِمَّن رَحل وقفل وطلع وأفل نوع أثر من عين ونغمة خبر من ربَاب ذى رعين فَلَعَلَّ المجهز ضَاعَ فى الْبَين وَمَا ضَاعَ نشره بَين اثْنَيْنِ والا فالحبيب لَا محَالة وثيق الوفا سحيق عَن شفا جرف الجفا فَلَو وصل لوصل وَمَا قطع عروق مَا حصل ودمت يُوسُف الْحَقَائِق موفيا كيل الدقائق بَين مُتَّهم ومنجد ومشئم ومعرق وَكتب على رقْعَة دفعت اليه من بعض الْفُضَلَاء على يَد وَاسِطَة بعض خَواص الافاضل متضمنة لعتب حصل من الْمولى الْمَذْكُور يحْضرُون الى الْبَيْت ويحكون الْحِكَايَة كَيْت وَكَيْت قَضِيَّة الهجر فِرْيَة الواهمه والقطيعة من الْجِيرَان لَا من اهل كاظمه عِنْد الملاقاة تظهر الامور ولذى المصافاة يحصل شِفَاء الصُّدُور وَالسَّلَام وَكتب على اجازة لبَعض الحلبيين لما تشرفت بمطالعة هَذَا الطامور الْفَائِق على هياكل النُّور وقلائد الْحور بيمن مَا احتواه من ذكر الصَّالِحين الذى تنزل الرَّحْمَة عِنْده وَتحصل الاجور اللَّائِق كتبه بالمسك على الكافور بل سَواد أحداق الْحور على صَحَائِف قدود ربات الحجول والقصور ذكرتهم بِالدُّعَاءِ الصَّالح وَالثنَاء الْعطر الفاتح وأثنيت على صَاحبه الفائض الفالح بالمدح العبق اللائح مستمدا من روحانيتهم الْعَالِيَة متيمنا بِحسن الانتظام فى زمرتهم الساميه ومستمطرا سحب همتهم الهامية الناميه فَقلت فِيهِ مقرظا

حققت أَن جمال الدّين من زمرحلوا مَحل سَواد الْقلب وَالنَّظَر
من أهل خرقَة تجويد بهَا ادرعواوالتاج بيضهم تحمى عَن الضَّرَر
من مشرب عبقرى بيضهم جددالمرتوى صدرهم من رَملَة الصَّدْر
المنتمين الى الباز المحلق فىجو الْعلَا الاشهب العالى عَن النّظر
طُوبَى لَهُ اذ جلا مرْآة خاطرهبِخرقَة مِنْهُم تجلو عَن الكدر
جمال ذى الْعَصْر فى محياه دَامَ وَادحلت شعوب جمال الْكتب وَالسير
بَين الالى فَرَأَوْا عزا لنظير لَهُعز الفريدة فى عقد من الدُّرَر
فان لَهُ ينبح الحساد من حسدفَلَا يضر عواء الْكَلْب للقمر

تمّ عزل عَن النقابة وَأعْطى قَضَاء مَكَّة المشرفة فسافر بحرا على طبق مَا أَمر بِهِ من

قبل السُّلْطَان فَلَمَّا وصل الى ثغر جدة أدْركهُ بريد الْحمام وَذَلِكَ فى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف

مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن على الشهير بالحزرمى الْبَصِير الدمشقى المولد والوفاة الحنفى الْفَقِيه الْعَالم الْجَلِيل الْقدر أحد شُيُوخ الْحَنَفِيَّة المتصدين للافادة أَخذ الْفِقْه عَن اجلاء كبار مِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن العلمى نزيل دمشق وَقَرَأَ انواع الْعُلُوم على المنلا مُحَمَّد بن عبد الْملك البغدادى الدمشقى وَحصل وبرع وَلَزِمَه جمَاعَة من الْفُضَلَاء أخذُوا عَنهُ وانتفعوا بِهِ وَكَانَ أول أمره فَقِيرا فسكن فى حجرَة بمدرسة العزيزية وَاتفقَ انه دخل حجرته بعض السراق وَأخذُوا اسبابه وَبَعض دَرَاهِم كَانَ جمعهَا من كد وَجهد فَحصل لَهُ كَمَال الالم وفى اثناء ذَلِك عرض لَهُ الْعَمى وَكَانَ عروضه لَهُ فى حُدُود سنة عشْرين وَألف فعالج بَصَره مُدَّة فَمَا أَفَادَهُ العلاج فسافر الى بَغْدَاد راجيا ان يبرأ على يَد أحد فَمَا تيَسّر لَهُ فَعَاد الى دمشق ثمَّ وجهت اليه الْمدرسَة اليونسية فدرس بهَا وَكَانَ لَهُ بقْعَة بالجامع الاموى وَكَانَ قبل ان يكف ولى الخطابة بِجَامِع السُّلْطَان سُلَيْمَان مُدَّة وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير والحذرمى نِسْبَة الى حزر مَا بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة بعد هازاى سَاكِنة ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة فيمَ فألف قَرْيَة بغوطة دمشق

مُحَمَّد بن مُحَمَّد الملقب نجم الدّين الحلفاوى الانصارى الحلبى الدَّار الحنفى الْمَذْهَب خطيب جَامع حلب وصدرها الْمُسْتَوْفى اقسام النباهة والبراعة وَكَانَ فى عصره أوحد الْفُضَلَاء وابلغ البلغاء وَله الصيت الذائع بالسخاء والمروءة ووفور المهابة والفتوة ذكره الخفاجة فى الخبايا فَقَالَ فى وَصفه نجم طلع من وَافق المكارم زَائِد الِارْتفَاع وَنزل منَازِل سعد رقى فِيهَا عَن قَوس الشّرف باطول ذِرَاع يقطع أوقاته فى طلب الْفَضَائِل والكمال وَلَا ينزه طرفه فى غير سَمَاء خلال أَو رياض جمال فَلَو كَانَ الْعلم بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ أَو بالعيوق لطاله ثمَّ أورد لَهُ ابياتا كتبهَا الى النَّجْم فِيهَا سُؤال نحوى والابيات هى هَذِه

أنجما أَضَاءَت سَمَاء الرتببِهِ وتسامت فخارا حلب
أخالى واسمى أخلا لاسمهوَكم من اخاء يفوق النّسَب
أبن كلمة قيل مَبْنِيَّةبِغَيْر اخْتِلَاف لَهُم أَو شغب
وان نعتت كَانَ اعرابهاباعراب ناعتها مَا السَّبَب
فتبوعها لم يزل تَابعاعلى عكس مَا فى لِسَان الْعَرَب
فدم نجم سعد بِرَأْس الْعلَاوطالع اعدائه فى الذَّنب

فَأَجَابَهُ النَّجْم أَيْضا بقوله

أمولاى منشى لِسَان الْعَرَبوقاضى دواوين أهل الادب
وَمن فَضله شاع فى الكائناتونال بِهِ ساميات الرتب
سبقت الالى فى نظام القريضوفى كل علم بلغت الارب
وجادت اكفك بالنائلاتوفاضت بهَا غاديات النشب
لعمرى لقد فقت كل الانامبذوق حلا وبفهم ثقب
كَانَ الْمسَائِل قطر النداوفكرك كالسحب مِنْهَا انسكب
وَقد كنت أسمع أوصافكمفَلَمَّا تبدت رَأَيْت الْعجب
وَقد كنت فى تَعب للعلومفَلَمَّا رَأَيْتُك زَالَ التَّعَب
وَقد شرفت بك كل الْبِلَادوشاق بِفَضْلِك نَادَى حلب
بعثت لعبدك در النظاموصغت لَهُ أنجما من ذهب
سكرت بِخَمْر معَان صفتبِهِ نقط الْخط مثل الحبب
تضمن لغزا يُنَادى بياشهَاب بن شمس حويت الطّلب
فَلَا زلت تنظم نثر اللآلوتنثر من دره الْمُنْتَخب
وَلَا زلت أنْشد فِيهِ المديحوأطوى الزَّمَان بِهِ والحقب
وَأثْنى عَلَيْهِ بآلائهوَأقرب مِنْهُ نأى أَو قرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»
وأذهب من نور آدابهظلام الدياجى وظلم النوب
مدى الدَّهْر مَا انقض نجم وَمَاشهَاب سما فى سَمَاء الرتب

وترجمه تِلْمِيذه البديعى فَقَالَ فى وَصفه امام الْفُضَلَاء الذى بِهِ يقتدون وبأنواره من حنادس الشّبَه يَهْتَدُونَ عَالم جدد رسوم البلاغة بعد ان نسجت عَلَيْهَا العناكب واحيا ربوعها بعد أَن قَامَت عَلَيْهَا النوادب وافتتح بصوارم افكاره مقفلات صياصيها واستخرج خرائدها الممنعة بمعاقلها واسترق نَوَاصِيهَا حسن سيرته وطهر سَرِيرَته وقدزها بخطابته الْجَامِع الاكبر

لَو أَن مشتاقا تكلّف فَوق مَافى وَسعه لسعى اليه الْمِنْبَر

وَقد نسجت افكار شعراء الْعَصْر وشائع مفاخره وخلدت فى دواوينها ظرائف

مآثره وَلم تزل حَضرته الشَّرِيفَة كعبة الْجُود وسدته المنيفة قبْلَة الْوُفُود مَعَ سماحة شيم وفصاحة كلم ورجاحة كرم وَقد أصَاب شاكلة الصَّوَاب وأتى بفصل الْخطاب من قَالَ فى مدحه

لقد بت فى الشَّهْبَاء مَا بَين معشرتهاب الليالى ان تروع لَهُم جارا
مقاديرهم بَين الانام شريفةوَلَكِن نجم الدّين أشرف مِقْدَارًا
ترى الْبشر يَبْدُو من أسارير وَجههفَلَو جِئْته لَيْلًا لاهداك انوارا

ثمَّ أنْشد لَهُ من شعره قَوْله من قصيدة

أَتَرَى الزَّمَان يُعِيد لى ايناسىويرق لى ذَاك الحبيب القاسى
كم قد نشرت بِهِ باسط لذائذىوهصرت من عطفيه غُصْن الآس
أَيَّام لَا غُصْن الشَّبَاب بملتوعَنى وَلَا حبى لعهدى ناسى
قطر الحيا فى وجنتيه مكللمثل الْحباب على صفاء الكاس
ساقيته طعم المدام فَلم يشبصفو الْحَيَاة بكدرة الادناس
لم أنسه متسر بِلَا ثوب الحياهمتبخترا فى قده المياس

وَقَوله فى قصيدة

نثر الدّرّ من كلامك نظمالم نَكُنْ بعد ورده الدَّهْر نظما

قلت وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَن شيخ الاسلام عمر العرضى وَغَيره وتصدر للاقراء فَانْتَفع بِهِ الجم الْغَفِير من أهل دائرته من أَجلهم الْعَلامَة مُحَمَّد بن حسن الكواكبى مفتى حلب والفاضل الاديب مصطفى الثانى وَشَيخنَا الْعَلامَة الاجل أَحْمد بن مُحَمَّد المهمندارى مفتى الشَّام وَغَيرهم وَاجْتمعَ بِهِ والدى فى عودته من الرّوم فى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَذكره فى رحلته الَّتِي الفها وقرظ لَهُ عَلَيْهَا النَّجْم المترجم فَقَالَ بعد الحمدلة والتصلية وَبعد فَلَمَّا تشرفت الشَّهْبَاء بقدوم مَوْلَانَا فَخر الافاضل وعمدة الادباء الْوَارِث سلافة الْمجد عَن أَبِيه وجده الْحَائِز قصبات الرِّهَان فى ميدان البلاغة بعزمه وجده من فاق ببلاغته نثر النظام وسما فى متانة نظمه على البحترى وابى تَمام وَملك ديوَان الانشاء وَلَا بدع فَذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَكَانَ قدومه عَلَيْهَا ووروده اليها من دَار السلطنة العليه قسطنطينية المحميه راتعا طيب الْعَيْش بِحُصُول المآرب ناهلا من وُرُوده على الذ المشارب فأوقفنى على هَذِه الرحلة الَّتِي تشد اليها الرّحال وتقف عِنْدهَا مطايا الآمال فوقفت على

حديقة أريجة النَّبَات وصحيفة بهيجة الصِّفَات واجلت طرفى فى الفاظ ارق من السلافه والذ من الامن بعد الاخافة وَمَعَان أحلى من لعاب النَّحْل واعذب من الخصب بعد الْمحل جمعت فَضَائِل الْآدَاب وملكت معاقل الالباب تعرب عَن بلاغة منشيها وتبلغ الانفس من امانيها فَلَا زَالَت الاعين من لقائها مبتهجة والالسن بِحسن ثنائها ملتهجة وامده الله تَعَالَى بِسَعْد لَا انْقِطَاع لحبله وأيده بمجد لَا انصداع لشمله لابرح يرتع فى رياض الْفَضَائِل ويطبق من اصول دلائله الْمسَائِل على الدَّلَائِل انْتهى وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَخمسين وَألف وَجَاء تَارِيخ وَفَاته زفت لنجم الدّين حور الْجنان والحلفاوى بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام ثمَّ فَاء بعْدهَا ألف مَقْصُورَة قَالَ ابْن الحنبلى فى تَرْجَمَة الْعَفِيف مُحَمَّد بن أَبى النمر أخبرنى انما قيل لاجداده بَنو حلفاء لما انه كَانَ لَهُم أَب ولد فى طَرِيق الْحجاز بجوار أَرض كَانَت تنْبت الحلفاء وَلم يكن مهد يوضع فِيهِ فَكَانَت أمه تَأْخُذ شَيْئا من ورق الحلفاء وتضعه تَحت وَلَدهَا الى ان فَارَقت تِلْكَ الاراضى فسكنى بأبى حلفاء قَالَ فَنحْن بَنو أَبى حلفاء الا انه اختصر فَقيل بَنو حلفاء بِحَذْف مُضَاف قَالَ وَكَانَ أَمر أَن يكْتب فى نسبه الانصارى فى آخر وقته لما بلغه ان أَبَاهُ كَانَ من ذُرِّيَّة حباب بن الْمُنْذر بن الجموح الانصارى الخزرجى وَهُوَ الذى ذكر ابْن دُرَيْد فى تَرْجَمته فى كتاب الاسعاف انه شهد بَدْرًا قَالَ وَهُوَ ذُو الرأى سمى لمشورته يَوْم بدر ذَا الرأى

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.