من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
مصطفى الترزي
ابن أحمد باشا ابن حسين بن إسمعيل المعروف بالترزي الدمشقي كان والده أمير الأمراء وتولى امارة اللجون وغيرها فيما أظن وكان أولاً باشجاويش في أوجاق اليرلية بدمشق وتوفي في سنة تسع وثمانين وألف وكان له ولد أكبر من المترجم يسمى محمداً فذهب للديار
الرومية وأتلف جميع متروكات والده ومخلفاته وباع العقارات وغيرها وأما المترجم فإنه نشأ مكتسباً للكمال والعلوم مجتهداً ساعياً الاجتناء زهرات الأدب والمعارف وكان أديباً شاعراً فائقاً ماهراً بالأدب مع معرفة تامة بالطب وغيره مشتهراً بالكمالات والعرفان له حافظة واطلاع باللغة والأشعار وغير ذلك بارعاً بالنظام ينفث السحر من رشحات أقلامه ويجري البديع من لسانه وكان له هجو بليغ وترجمه الأمين المحيي وكان آخر من ترجمه في ذيل نفحته وقال في وصفه مجده محبوك من جهتيه ميم عاف وسائل من وجهتيه فلله مجد هو شمس نهاره طلع وقد ارتدى برداء الشباب والتف وتحوط بالسبع المثاني من العين واحتف فروضة أدبه فسيحة الرحاب وقد جمعتني وإياه الأقدار وطلبت منه شيئاً من نظامه فأتاني بقطع وهي قوله
أبدا يحنّ إليك قلبي الخافقوالجذع يعلم أنني لك عاشق
يا من يهز من الدلال مثقفاًوبسهم لحظيه الحشاشة راشق
مهلاً فأين العدل منك لمغرمكلف بحبك بل بقولك واثق
ما راح يضمر عنك إلا موثقاًأكذبته وتقول إني صادق
قول الأعاريب الكرام وتنثنينحوي بعين أخي المودة وامق
هيهات ما للغانيات مودةما كل قول للفعال مطابق
شيم الليالي الغدر من عهد الأولىقدما وما للدهر وعد صادق
فليهن من قد بات في دعة اللقايلقى أحبته ونحن نفارق
وقوله
لا تلم من غدا بحب سليمان أسيراً ودمعه في انطلاق
لي قالت جنود حسن محياهـ وأيضاً لسائر العشاق
مذ تبدّي بطلعة تشبه الشمس بهاء في ساعة الاشراق
مثل قول التي بها اهتدت النمل بنصح في غاية الاشفاق
دونكم فادخلوا المساكن من قبل تصابوا بأسهم الأحداق
تحطمنكم فتفقدون رمايابسهام الخطوب بالاتفاق
ذلك اللحظ فاحترز منه واحذرلم يكن دونه من الموت واقي
هو من قول بعضهم
أسلمنا حب سليمانكمإلى هوى أيسره القتل
قالت لنا جند ملاحاتهلما بدا ما قالت النمل
قوموا ادخلوا مسكنكم قبل أنتحطمكم أعينه النجل
وقال وقد تخلص فيها إلى مدح شيخ الطريقة الشيخ محمد بن عيسى الخلوتي الصالحي وهي من غرر قصائده
هوى يشوق النفس والنسيباوصادحات حسنت تشبيبا
وحملت نشر الزهور شمألتهدي إلينا عنبراً وطيبا
واختص وجه الدوح من عارضهلما استدار جد ولا منسوبا
فاعتدل الغصن وصار فوقهالشحرور من وجد به خطيبا
فقام يدعو والحمام هتفقد أتقنت ألحانها ضروبا
فقم إلى تلك الرياض مسرعاًمبتكراً ونادم المحبوبا
يا بابي ومن يقول بابيذاك الغزال الشادن الرعبوبا
في وجهه للناظرين جنةللحسن كانت منظراً عجيبا
منمنم يزهو على عشاقهمخضباً بنانه تخضيبا
ما صادفت قلبي سهام لحظهإلا أتت غزاله تصيبا
فليته صير لي من وصلهوقربه يا صاحبي نصيبا
جرّبت من بعاده نار الغضىعذبني بحرّها تعذيبا
لولا الهوى ما شاق عيني مألفوبالحمى كم ودّعت حبيبا
هوى حقيقي له مودّةقد ولدت نجل الوفا نجيبا
أهل السماح في الدنا قد زهدواوقدسوا بالواحد القلوبا
وبالرضا قد مزجت طباعهمفلا ترى في وجههم قطوبا
وأخلصوا لله قلباً قد صفامن كدر واستأنفوا الغيوبا
فما دعوا للغيث يوماً وبكواإلا أجاب قبل أن نجيبا
راحوا براح الحال في وجودهملما اختفوا وروّقوا المشروبا
مذ عاملوه في مقامات الوفاهب لهم عرف الرضا هبوبا
ومنها
كالمسك وافاك دعاء مخلصريان من ماء الوفا رطيبا
إن لم يراك لا يسرّ قلبهويكره الخيال أن ينويا
ما للفتي قد لعب الدهر بهوصرفه صيره متعوبا
من الزمان علقته محنقد شعبت بقلبه شعوبا
إلاك يستظل في جنابهوالناس قد أفنيتهم تجريبا
واستجلها من البديع غادةلا ترتضي غير الهنا مركوبا
وقال يمدح بها محمد المحمودي وقد أهداها له من نفثاته وهي قوله
خد يورّده لهيبهفتكاً وأعيننا تذيبه
أندى من الورد الذيحياه رياناً نصيبه
وبثغره ماء الحياة يرق كالصهبا صبيبه
وسقاه ماء شبيبةراح الجمال بها يشوبه
ميال أعطاف الصباتيهاً يرنحه وثوبه
ذو قامة هيفاء مثل الغصن يحمله كثيبه
أبداً يميل مع النسيم يظل يعطفه هبوبه
وبوجهه آيات حسن فيه زينها قطوبه
أبدى قسي حواجببالروح يفديها سليبه
من مقلتيه أراش فيقلبي السهام به يصيبه
فرمى ندوب سهامهفي اللب قد أصمت ندوبه
متمنع عن ناظريما زال يحجبه رقيبه
برقت بوارق وعدهوالبرق يطمعنا خلوبه
ولصبه أهدى الضنامتحيراً فيه طبيبه
منح السهاد لمقلتيمذ طال عن نظري مغيبه
أودى بجسمي هجرهوالحب تستحلي خطوبه
وأرى عقارب صدغهبالوصل قد غفرت ذنوبه
ياليت شعري ما الذيبصدوده عني ينوبه
يقسو عليّ فؤادهوقوامه غصنا رطيبه
أتراه يعلم بالذييشكوه من سقم كئيبه
وصدوده أبدا علىعشاقه ليست تعيبه
كم ذا أموّه بالهوىوالصبر قد شقت جيوبه
قصرت فصاحة مادحأحصى كمالك أو يثيبه
يا من بباهر شعرهقد راح يسكرنا نسيبه
شعر هو السحر الحلال يروق هذبه لبيبه
منشئ حلاه محمد المحمود مفرده نجيبه
الفاضل اللسن الذيمحل الزمان به خصيبه
في كل لفظ من معاني فضله تسبي شعوبه
متناسق كالدر في العقد الذي نظمت ثقوبه
وإذا ذكرنا الشعر فهوكما سمعت به حبيبه
وافتك مثل الروض يهدي عرفها نفحاً جنوبه
ومديحك السامي غدافرضاً على مثلي وجوبه
والمهر منك جوابهاوكفاه فخراً من تجيبه
نفحتك مني بالثناء وطيب عنبره وطيبه
وله أيضاً قوله
لك في المعالي رتبة من دونهازهر النجوم وتلك فوق هلالها
فلذاك أنت أمين أسرار الهدىوالله قد أولاك حسن خلالها
وجواهر النعمان عزت غيرةإلا عليك لمن بغى لمنالها
فأهنأ بها لا زلت نرشد قاصداًيبغي الهداية للتقى سؤالها
يا من له قلم إذا وشى بهصفحات طرس أشرقت بجمالها
ولذلك الفضلاء عجباً أنشدتبعلاك بيتاً من بديع مقالها
إن الكتابة للفتاوي لم تجدأحداً سواك يحل من أشكالها
وسمتك من بين الورى بمرادهاحتى ارتضاك الله من أمثالها
لا زلت محروس الجناب مؤيداًبعوارف قد حزتها بكمالها
وقوله يمدح به ولد الشريف بركات شريف مكة المعظمة سابقاً حين وروده دمشق
قدوم كما انهلت سحائب أمطاروقد أشرقت منها الرياض بأزهار
حكى الشمس غب الغيم اشراق ضوئهاولاحت على الدنيا ببهجة أنوار
وسرت به الآفاق شرقاً ومغرباًوأرجها كالمسك فتته الداري
وذاك قدوم السيد الأعظم الذيأتانا كيسر بعد بؤس واعسار
فكان كطيب الأمن وافي لخائفوكالنير إلا علي به يهتدي الساري
فأهلاً به من قادم قدم الهنابلقياه بل رؤياه غاية أو طاري
من القوم إن هم فاخروا جاء شاهداًلهم محكم التنزيل من غير انكار
وإن نطقوا جادوا بأبلغ حكمةيلين لها صلد وجامد أحجار
وأن ينتموا جاؤا بكل حلاحلتذل له شوس الملوك باقرار
بنى حسن أهل العلى منبع الهدىأئمة حق هم بأصدق أخبار
ميامين غرّ من ذؤابة هاشمهم في دجى الخطب المهول كأقمار
وأشرفهم يحيي الذي شرفت بهدمشق ونلنا فيه أرفع مقدار
فيا ابن رسول الله وابن وصيهومن أنزل القرآن في مدحه الباري
إليك اعتذاري من كلال قريحتيلجور زمان فيه قد قل أنصاري
ولكنّ لي في دوحكم خير قربةبها الله يعفو عن عظائم أوزاري
لقد مزج الرحمن ربي ودادكمبقلبي وسمعي والفؤاد وأبصاري
ووالله ما وفيت بالمدح حقكمولو بلغ الجوزا نتائج أفكاري
لآل عليّ في الأنام توجهيومدحهم وردي وديني وأذكاري
وهنيت بالعيد السعيد وعائدعليك بما نالوا به خير أبرار
فإن العلى تسموا بكم وكفاكمعلا انكم ملجا الأنام من النار
ولا زلت ذا عمر طويل مؤيداًمدا الدهر ما هبت نسائم أسحار
وقوله مادحاً ومهنئاً ومعتذر للمولى محمد العمادي
العفو أولى من عتاب المذنبوالذنب يخرس كل شهم معرب
كرّت عليّ عجائب لو أولعتبمتالع لانقض قض الكوكب
من لي بعذر أن يقوم بحجتيعند الإمام الطيب ابن الطيب
علامة الآفاق من بوجودهأفلت نجوم ذوي الضلال بمغرب
حتى يزول محال قول باطلقد ألبسوني فيه ثوب الأجرب
نزهت عنه سمع مولاي الذيأنا عبده الأدنى وهذا منصبي
مفتي البرية في الفواخر كلهاكالبحر يلقى الدرّ للمتطلب
إن فاه أسكت كل ذي لسن بمايبديه من صوغ الكلام المعرب
مولى إذا احتكت فهوم أولى النهيجلى برأي مثل بدر أشهب
وأبان كل عويصة في العلم كالنجم الرفيع بمثل حدّ مشطب
ورث الفضائل كابراً عن كابريوم العلى عن كل جدّ منجب
قوم بهم دين الاله مؤيدمن أن يدنسه مقال منكب
شاد العماد لهم ثناء طاهراًحمل الرواة له لأقصى المغرب
مولاي أنت أجل من حاز العلابفضائل هي كالطراز المذهب
هنيت بالرتب التي هي في الورىفخراً كوضع التاج يوم الموكب
هي منصب الفتيا الرفيع مقامهافوق السماك الشامخ العالي الأبي
دامت لك العليا ودام لك الهناما سار ركب في فيافي سبب
مولاي غفراً فاستمع بتفضلبعض اعتذاري من صميم تلهب
قد قوّلاني في علوّ جنابكمما لم أقله وحق ربي والنبي
أنا ما حييت مديحكم وثناؤكموردي به عند الإله تقربي
حاشاي من قول هزا لو قلتهلنهيت عنه بألف ألف مكذب
بل كيف أقتحم الهلاك وأرتضيغضب الإله كفعل ميشوم غبي
بشراي إني قد ظفرت بمطلبيحاشاك تلقاني بوجه مقطب
دم للبرية ملجأ ومؤملاما أزهر الليل البهيم بكوكب
وقال يمدح السيد السند الشيخ علي الحموي الكيلاني شيخ الطريقة القادرية
يزار بزوراء العراق ضريحوللحق أنوار عليه تلوح
تحوم حواليه الملائك رفعةووردهم التقديس والتسبيح
سلام عليه من صريح معظمإليه تحايت الإله تروح
ضريح إمام الأولياء وقطبهمأبى صالح عالي الجناب فسيح
يحج إلى بغداد يبغي زيارةله القطب يسعى خادم ويسيح
ومن جوهر المختار جوهره الذيله في علوّ المكرمات وضوح
فمن أمّ عالي بابه نال رفعةووافاه من فيض الإله فتوح
به تكشف الجلا ويرتفع البلاويثني عنان الخطب وهو جموح
وأنباؤه الغرّ الكرام ملاذناوذخرهم أني بذاك نصوح
ومصباحهم مولى عليّ جنابهعلا به باب الهدى مفتوح
كريم سجايا النفس لألاء وجههيضىء فتخفى عند ذلك بوح
مهذب أخلاق من الفضل والحجىكثير اتضاع بالنوال سموح
عليم بأسرار الحقائق عارفبأنفاسه للسالكين نفوح
متى تلقه تلقى أغرّ كأنماصفا وهو لطف من صفاه وروح
ومولى هو البحر الخضمّ ومن بهدعا آب موفور الجناح نجيح
ولكنه بحر العلوم قرارهعميق على من رامه وطليح
محامده تتلى فيعبق طيبهاكنشر رياض علهن صبوح
وقد حلّ في وادي دمشق ركابهبسعد سعود للنحوس يزيح
فوافى ربوعاً طالما طال شوقهاإيه وكادت بالغرام تبوح
وخفق في الوادي السعيد نسيمهاوهبت به معتل وهو صحيح
وعمّ الورى فيها سرور ونشأةوإني وهذا القول صاح صريح
فنادت جميع الخلق أهلاً ومرحباًببدر بأفلاك الكمال سبوح
أمولاي أرجو منك نظرة إننيمفارق عهد للخليط جريح
أهيم إذا غنى ابن ورقاء في الرباوأسمع منه لحنه فأنوح
رمتني صروف النائبات بأسهملها في فؤادي والصميم جروح
ولكن بمولائي أرى كل كربةتزول ومنها الدمع كان سفوح
وإني وإني في حماك ومن يكنجوارك أمسى منه فهو ربيح
وعذراً فقد وافتك مني بخجلةوشعري بمدح في سواك شحيح
وليس بمحص بعض وصفك مادحولو جاء منه للمديح مديح
ولكنها ترجو السماح كرامةوأنت عن الذنب العظيم صفوح
ودم في سعود وارتقاء ونعمةبعمر طويل عنه قصر نوح
فراجعه عنها بقوله
مخائل سعد للعيون تلوحبوجه سريّ للسموّ طموح
قرينة عز في غضون جبينهفتغدو لبشراها له وتروح
فتى من سارة الناس ممن تقدموالنيل المعالي والركاب سبوح
أديب أريب فاضل متفضلبليغ ولفظ الدرّ منه فصيح
تغذى لبان الفضل في حال مهدهغبوق له منها روا وصبوح
امام همام في الفهوم مقدّموفي الأدب الغض الطري فصيح
كريم حوى وصف الكرام وفعلهاسمى مصطفى والفعل منه مليح
فخذ بعض شذر واغض عن قصر قاصروسامح بفضل فالكريم سموح
وللمترجم قوله
فرائد درّ في صحائف ألماسونور رياض في مهارق قرطاس
والادراري الأفق ضمن سفينةتسير بلج من ذخارف أنفاس
إذا كان قاموساً لها علم ماجدفبحر خضمّ لا يقاس بمقياس
فكيف وربانيها في مسيرهاله قلم يجري كسابق أفراس
همام حوى وصل الكرام وفعلهاوفاق العلى بالفضل كالعلم الراسي
سليل أساطين فحول ضراغمهم من ذرى العليا في قنن الرأس
تكلف فكري وصف بعض صفاتهفتاه بموماة وعام بمغماس
وكيف ونيل النجم أقرب ماربالفكري أو أحصى علاه بأنفاس
فشكري لآل للعماديّ حامدومدحهم فرضي لتطهير أدناس
فلا زال ناديهم لمثلي ملجاإذا الدهر لاقاني بصورة عباس
وقوله مادحاً أيضاً ومؤرخاً اتمام الحواشي التي جمعها الممدوح على كتاب دلائل الخيرات
في الصلاة على سيدنا محمد ﷺ
أمولاي زاد الله قدرك رفعةبجاه رسول الله خير الخلائق
فأنت على تقوى الإله مواظبتسير على نهج الهدى والحقائق
ومن يك ذكر المصطفى ديدنالهلقد حاز في الدارين عز المسابق
دلائل خيرات إذا ما تلوتهاأفدت بها أجراً لكم لم يفارق
فهذا دليل الخير والرشد والهدىتشيد به ذكراً كمسك لناشق
فهذبته سفراً بتحرير متنهوجاءت حواشيه رقاق الدقائق
ورصعت من كنز العلوم حواشياكترصيع درّ في نضار المناطق
لقد طاولت شهب السماء بما حوتبهدى رسول الله أفصح ناطق
فطوبى لكم آل العماد فسعيكمدواماً على نهج الهدى في الطرائق
وعظمتها مولاي حامد نسخةتخلد فيها الصدق ضمن المهارق
فدم ما تلا ذكر النبي أخو الهدىوصلي عليه عاشق اثر عاشق
صلاة يضىء الكون من نور ذكرهاتفوح كمسك في العذيب وبارق
ومذ تم ذاك السفر قلت مؤرخاًوشائع حسن لحن من نور صادق
وقوله مضمناً أبيات الشيخ داود البصير الطبيب الثلاثة بقوله
ليل كقادمتي غراب مغدقيمضي بأحزان وطول تلهف
وصباح يومي إن سألت فإنهكصباح ثكلى مات واحدها الوفي
أبكي لشمل بات وهو مصدّعكالعقد بدد بعد شمل تألف
ظنّ الخليّ وقد رآني باكياًأني رعفت من الجفون الذرّف
هل راحم صبا أذاب فؤادهدهر ألح لصرفه لم يصرف
الله يعلم أنني من بعدهملحليف أحزان بقلب مدنف
أهفو إلى مرّ الحمام وشربهومذاقه ياما أحيلاه بفي
من طول أبعاد ودهر جائرومسيس حاجات وقلة منصف
ومغيب خلّ لا اعتياض بغيرهشط الزمان به فليس بمسعف
أوّاه لو حلت لي الصهباء كيأنشأ فأذهل عن غرام متلف
وله وذلك عند تراكم الخطوب عليه وعدم مشفق يأخذ بيديه
إن قلبي قطب البلاء أديرتلشقائي رحى الهموم عليه
وتراه مغنيطساً للرّزايايجذب الخطب من سحيق إليه
وله أيضاً ناعياً ثمرات الفؤاد ونجباء الأولاد
غراب ينوح لتفريقناويوم يصيح بتلك الرسوم
فبانوا وأصبحت من بعدهمأليف الشجون خدين الهموم
فما أجلد القلب في النائباتويا قلب صبراً لهذي الكلوم
وكانوا نجوم سماء الحشاوفي الترب غيب تلك النجوم
فوا وحشتاه لتلك الوجوهوبعد السرور ألفت الوجوم
ومن شعره أيضاً
أفدي مهاة أفردت عن سربهابدوية سحرت بطرف أدعج
شخصت بطلعتها العيون وقد بدادبر الدجى بجبينها المتبلج
بسمت فخلت البرق أومض ضاحكاًعن لؤلؤ في ثغرها المتفلج
وسمت لها شفة فراقت منظراًوحلت بأزرق فاق زهر بنفسج
فدهشت من كنز بمبسمها لهقفل من الياقوت والفيروزج
وله مادحاً شيخ الاسلام مفتي الدولة العثمانية المولى السيد عبد الله المعروف بالبشمقجي حين قدم دمشق حاجاً بقوله
هي المعالي لكم حيث السهى ارتفعتوحيث شمس الضحى في أفقها طلعت
شمس العلى أشرقت بالشام في شرفمن الحجاز وأنوار الهدى لمعت
أنوار من زينة الدنيا بمقدمهحتى به سائر الأكدار قد رفعت
تالله ما الغيث أجدى من مكارمهإذا همت بسحاب الفضل أو همعت
يا بضعة من رسول الله خالصةبمهبط الوحي أخلاف الهدى ارتضعت
يا آل بيت رسول الله حبكموافرض به سور التنزيل قد صدعت
لولاكم لم يكن شمس ولا قمرولا درار بأنوار الضيا سطعت
ورثت مشيخة الاسلام عن سلفمن عهد ما شرع الاسلام قد شرعت
يا كعبة المجد لو لم تسع مبتهلاًلكعبة الله إجلالاً إليك سعت
الحج باليمن مبرور مناسكهلسيد فيه آيات الهدى جمعت
يا مفخر الدولة العلياء من قدمومن بمجدك أركان العلى امتنعت
ويا عماداً لركن الدين تنصرهبمقول الحق إن أركانه انصدعت
أيامك الغرّ بالاقبال مشرقةبها عنادل أطيار الهنا سجعت
فالسعد عبد خديم للركاب لهبشائر بسنا الاقبال فيه رعت
فالله يبقيك للعلياء ناصرهاإذا الموالي إلى أعتابك انتجعت
وله أيضاً
هو الله لا إثبات إلا لذاتهتقدّس ذو الافضال واللطف والعفو
فلا تغترر بالكائنات بأسرهاوكل الذي تلقى زوال إلى محو
وأيامنا برق ونحن خلالهخيال مضى بين البطالة واللهو
وهل نحن إلا للفناء مصيرناومنا قلوب قد تميل إلى الزهو
رمتني صورف النائبات بأسهموأصمت رماياها بصدق ولم تشو
وهل تعتب الأيام شخصاً إذا بكىويجمع منه الدهر عضواً إلى عضو
ومن هجوه في بني آدم جميعاً قوله
قوم كائن القر كان خليقةلهم فأعرى الايك من أوراقها
لو شاهدوا فلساً بأقصى لجةفي البحر لانتزعوه من أعماقها
أو يسألوا معشار عشر شعيرةفاضت نفوسهم على أنفاقها
فعلى نفوسهم الخبيثة لعنةتستوجب الافراط في استغراقها
ملؤا أقاليم البلاد ضلالةواستنزحوا الأموال من آفاقها
ورأيت غير المترجم هجا بني آدم بقوله
بني آدم لا بارك الله فيكملأنتم شرار الناس بين الخلائق
خلت منكم الدنيا من العدل والهدىولم يبق إلا فاسق وابن فاسق
وأوسعتم الآفاق بغياً وجفوةوهيهات منكم صادق الوعد فائق
وأنتم ظروف الزور والبغي والأذىوما راج منكم غير كل منافق
تمنيت عمري أن أرى غير غادرفما شمت إلا عائقاً وابن عائق
غصبتم حقوق الناس ثم ملأتمجوانب هذا الكون من كل فاسق
عليكم من الله الجليل مصائبتكون عليكم مثل وقع الصواعق
أقول وكلا الرجلين بلغ في الهجو إلى أقصى حده وهجا نفسه مع أبيه وجده فنرجو من واهب العقول أن يغفر ذنوب من أساء أنه أكرم مسؤل ومن نثر صاحب الترجمة ما كتب به لأحد أعيان دمشق وهو قوله أدام الله على العلم وأهليه والاسلام وبنيه سبوغ ظل مولاي الإمام الذي صدره تضيق عنه الدهناء ويفرغ إليه الداماء والذي له في كل يوم مكرمة غرة الايضاح ومن كل فضيلة قادمة الجناح ذو الصورة التي تستنطق الأفواه بالتسبيح ويترقرق فيها ماء الكرم ويسيح تحي القلوب بلقائه مثل ما مست الفقر بعطائه له الخلق الذي لو مزج به البحر لنفى ملوحته ولكفى لذوذته هو غذاء الحياة ونسيم العيش ومادة الفضل أراؤه
مدى في مفاصل الخطوب وفراسته تشف عما وراء الغيوب همته تعزل السماك الأعزل وتجر ذيلها على المجرة وهو راجح في موازين الفضل سابق في ميادين العقل يفترع أبكار المكارم وينسى بكرمه ذكر حاتم ينابيع الجود تتفجر من أنامله وربيع السماك يضحك عن فواضله هو لسان الشريعة وإنسان حدقة الملة وغرة الزمان وناظر الإيمان أخلاقه خلقن من الفضل وشيمه تشام منها بوارق المجد له طلعة عليها للبشاشة ديباجة حسنة بهية هو بحر من العلم ممدود كسبعة أبحر ويومه في العلماء كعمر سبعة أنسر حرس الله ذاته التي هي شمس هذا الزمان والدليل الأكبر على بقاء نوع الإنسان وبعد فالمملوك ينهي إلى المقام العالي والمحل الباذخ المنيف السامي أدام الله سعادته مشرقة النور مبلغة السول واضحة الغرر بادية الحجول ما بلغه من كلام تجرع منه غصص الصبر وتحمل منه ما أثقل به كاهل الدهر وخصه به من بين أبناء العصر كلمات تتدكدك لها الأطواد وتتفطر بسببها الأكباد قد انقصم منها ظهري وقل على تحملها صبري فلا ألوم إلا حظي الذي لا ينبهه ضجيج يوم القيامة ولا أبكي إلا على ما وسمني به الدهر من هذه العلامة حتى ظنت بي الظنون فإنا لله وإنا إليه راجعون
ولو أن ما بي بالجبال لدكدكتأو الصخرة الصلداء لم تتجلد
ولما بصر بي مولاي متوجهاً على طريق الجبل ظن أن معي من أهل الوبال والخبل وأعيذ ظنه الجميل أن يشوبه إلا صدق الفراسة فوالله يا سيدي لم يصحبني إلا رجل من ثعلبايا قرية الاستاذ الشيخ محمد مراد يقال له أبو خالد أثقل من رضوي وأبرد من الجمد البارد ورجل آخر من أعراب البادية الذين هم كالسباع الضارية منازلهم عند القيصوم والشيخ ولا يعرفون إلا حداء الابل وعندهم ذلك مكان التسبيح قد جردهم الدهر فلجوا إلى الجرد وأقاموا ببادية ظنوا أنها جنة الخلد أعز شيء في أبياتهم الزاد فإذا سمعوا به حسبوه من عتاد المعاد أقمت فيهم على جوع يحرق الأكباد وبرد يجمد الماء في المزاد أياماً بعد شهور السنة لا أذوق فيها السنة ولي فيهم شريك أشأم من ناظر على وقف وله بيت كبيت العنكبوت خال من الدثار والقوت فما نابني إلا معاناة متاعب ضيق بها عليّ واسع الفضا وشب في جوانحي منها جزل الغضى وأعظم منها بلاء ما بلغني من هذا الأمر الفظيع والخطب الذي تضع له الحوامل ويشيب الرضيع فوالله الذي لا إله إلا هو ما أحببت في عمري رافضياً ولا عددته لي معيناً ولا وفياً فصبراً على ما حل بي من هذه الخطوب وأستغفر الله وإليه أتوب أن أقل ركابي في سفرة ثانية ولو مضني البؤس في هذه الفانية
رأيت اضطراب المرء والجدّ عاثركما اضطرب المخنوق في حبل خانق
جعل الله أيام مولاي سامية ولياليه ومستقبله خيراً من ماضيه وأبتهل إلى الله أن يمد في عمر مولاي على طول الزمان في مسرة وأمان إنه على ما يشاء قدير وبالاجابة جدير انتهى ولما قتل الوزير أسعد باشا المعظم والي دمشق وأمير الحاج الشامي أشقياء الجند بدمشق كان ممن قتل ولد صاحب الترجمة ونهبت داره واضمحل حاله وتراكمت عليه الأمراض ولم تطل مدته ومات وكانت وفاته في سنة ستين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع