تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

السهروردي شمس الدين

كتب مثل ياقوت الدّر، وزاد عليه ففضل الرفيق الحرّ، وباهى الروض وقال بيدي ما بيدي ولا حى النرجس، وقال كيف تدرك الغاية وطرفك قد نعس، وسهر وردي وكيف يقاس بي وقد تطاولت ولم يبلغ الشجر أو يشبه بي عزيز غال، وإن قيل ياقوت، فهل هو إلا حجر وهبه، أجاد الخط أتى بأحسن مما أتيت، أو أنه سابق فهل خط معي إذ خط الرهان فأبيت، أو قيل إنه قد أجاد حتى من علم الطرب فيما ادعيت وسبق، وإن كنت أنت بعده قد طرف وما سعيت فهل شهد إلا بالخط الذي عليه [ص] أقصر، وإلى الخط ما طمح على أنه اقتصر، ولا ملأ إلا البصر، وحده بحسن خطه وقد ملأت السمع والبصر، مولده ببغداد في المحرم سنة أربع وخمسين وست مئة ببغداد، حفظ القرآن، وتفقه على مذهب الشافعي، وقرأ العربية ونظر في اللغة والمعقول، وحفظ المقامات الحريرية، وفاق الناس في الخط بعد ياقوت المستعصمي، وقيل: إنه كتب قلم النسخ أحسن من

ياقوت، وكتب على الشيخ زكي الدين عبد اللّه، وفاق عليه في الكتابة.

قال العلامة تاج الدين بن البشاك: كنت أكتب على ياقوت وأجود قلم النسخ، فكان يغير عليّ ويوقفني على الأصول، وكنت أستزيده فيوقفني إلى أن بلغت طبقة لم يغير عليّ فيها شيئا، فاستزدته فلم يزدني، وألححت عليه فقال:

ما عليّ مزيد، أتظن أنك تبلغ طبقة شمس الدين السهروردي، فإن نسخه خير من نسخي، قال أبو الخير الذهلي: وأجمع الناس على أنه لم يدرك أحد غايته في كتابات المينا على الآجر وغيره، وكتاباته مشهورة بالروم والعراق وخراسان وفارس وغير ذلك من البلاد، وسمع الحديث على جماعة منهم: رشيد الدين أبو عبد الله المقري، وعماد الدين أبو البركات ابن الطبال، وأجاز له جماعة، وكان حسن الأخلاق كثير الحياء، شديد المقال، ذا مروءة وفتوة، وشرف نفسي وتواضع، كثير البشاشة ظريفا لطيفا، معمور الأوقات بالاشتغال والأشغال، صاحب رأى وحزم وعزم وتؤدة وفصاحة، وبلغ في الموسيقا، وعلمه بالغاية القصوى، واعترف الفضلاء بإحرازه فيه قصب السبق، أخذ علمه وعمله عن صفي الدين عبد المؤمن، وأجمع الناس على أنه لم يأت بعده مثله، ومنه استفاد المينا وبرز عليه فيه، ووصلت تصانيفه في الموسيقى شرقا وغربا، وكتب بخطه ثمانية وسبعين مصحفا، منه خمس ربعات، كل ربعة وقر بعير، وكتب إحياء علوم الدين للغزالي، وكتاب المصابيح للبغوي ثلاث نسخ، وعوارف المعارف للجدابية ثلاث نسخ، ومشارق الأنوار للصنعاني ثلاث نسخ، وكتاب الشفاء لابن سينا في مجلد، والكتاب في نفسه في كثير من النسخ المتوسطة ستة عشر مجلدا [ص] والمقامات ثلاث نسخ، ومفصّل الزمخشري نسختين ونهج البلاغة أربع نسخ، وكتب من الأحاديث والأدعية والدواوين والدروج شيئا كثيرا، وكان حظيا عند السلطان، وكاتبه سلطان الهند واليمن غير مرة وجماعة

من الكبراء على أن يمضي إليهم فلم يفعل، وكتب عليهم خلق كبير، منهم السلطان أبو سعيد، والسلطان أبابك، وسلطان السّلم، والوزير غياث الدين محمد بن الرشيد، ونظام الدين الطياري، وأولاد الأئمة والقضاة، والفضلاء والرؤساء والوزراء، وقصد من البلاد لأجل الخط والموسيقا:

قد قنعنا بخمول عن غنىوبعزّ اليأس عن ذلّ التّمنّي
فكريم القوم لا أسألهفلمإذا يعرض الباخل عنّي

وقوله:

يا من بنور العلم… متعك الله بما خوّلك
ولا برحت الدهر في نعمةصافية المشرب والأمر لك
ما هينمت ريح الصبا سحرةوغنت الورق ودار الفلك

ومن شعره أيضا:

بدا نجم السعادة في الصعودوبشر بالميامن والسعود
وحقّق فيك آمال البرايابما أولاك من كرم وجود
فلاح لنا الفلاح وحل فينامحل الروح من جسد العميد
وأبقيت النفوس بظل أمنيعم الخلق في مدن وبيد
بعدل شامل في كل أرضلسلطان الزمان أبو سعيد

ومن أصواته:

ذكر العذيب ومائلات قبابهوقف الفؤاد على أليم عذابه
ومهب أنفاس الصبا من جوهفيه شفاء الصب من أوصابه
للشاعر أبو بكر العيدي، اقرأ القصيدة
فدع النسيم يبث من أنبائهوعلى دموع العين رد جوابه

[ص]

ويشوقني أن المحب يسوقهلقيا القريب العهد من أحبابه

ويروى الشعر لابن قيس، ويروى لغيره، ومن أصواته

أعاتبه فيطرب من حياءوفي الخدين من خجل دليل
كأن الجلنار بوجنتيهوماء الياسمين به تجول
ويزعم أنني ما رمت هذاويطرق ثم ينكر ما أقول
وكم لام العذول عليه جهلاوآخر ما جرى عشق العذول

والشعر مجهول، وله صوت في شعر ابن قرطابا:

لذي السالف المسكي والمقلة الكحليرسيس هوى في الحب يبلى ولا يبلى
عزيز عرفت الدل من كلفي بهوكم من عزيز في الهوى عرف الدلا
كثير التجني ليس لي عنه سلوةوأعجب شيء جائر الحكم لا يسلا
ومعتدل كالغصن لا عدل عندهولولا سقامي في الهوى عرف العدلا
فلا تعذلوني في هواه فإننيحلفت بذاك الوجه لا أقبل العذلا
دعوني وشكوى الحب بيني وبينهفما أعذب الشكوى إليه وما أحلا

وكذلك له صوت صنعه في شعر الملك الأمجد صاحب بعلبك:

أحبة قلبي بعد ما بان أنسكموبنتم عن الجرعاء كيف أكون
قضى الوجد لي أن لا أزال مسهداإذا رقدت تحت الظلام عيون
للشاعر الملك الأمجد، من قصيدة «هوى بين أحناء الضلوع دفين»
أأحبابنا لي بالإياب مواعدفحتّام تلوى والعداة ديون
وحتام أشكو الهجر منكم شكايةتعلم صلد الصخر كيف يكون

وله شعر في صوت آخر وهو:

ما ضر أهل الحمى لو أنهم رجعوابانوا فأقفر مصطاف ومرتبع
للشاعر الملك الأمجد، من قصيدة «ما ضر أهل الحمى لو أنهم رجعوا»
نأوا فبان على آثار بينهمعصر الشباب فمن أبكي ومن أدع
مناي إصلاح ما بيني وبينكموكل شيء من الدنيا له تبع
للشاعر الملك الأمجد، من قصيدة «ما ضر أهل الحمى لو أنهم رجعوا»
أبعد ذاك التداني من دياركمأبيت والقلب عن لقياكم يزع
للشاعر الملك الأمجد، من قصيدة «ما ضر أهل الحمى لو أنهم رجعوا»

[ص]

وله صوت في شعر ابن الساعاتي:

هذا الذي قتل المحب ومادرىفحذار منه ولم يفد أن تحذرا
ما كنت أحسب قبل لؤلؤ ثغرهأن الثمين يكون منه الأصغرا
قاسمته قسم الجفون فليتهيوما يقاسم ناظري سنة الكرى
يهتز غصن نقا ويعقب زهرهويصول قسورة ويرنو جؤذرا
غنى فناح الورق من حسد لهوانقد قد الغصن حين تبخترا
في خدّه المبيض أسود عارضمن خوف جمرته انثنى فتحيرا

وكان في آخر عمره يأنف من علم الموسيقا، ولم يكن في لحيته من البياض

إلا شعرات يسيرة إلى أن مات، ولم يحصن قط رحمه الله تعالى، وتوفي في آخر شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وصلى عليه جماعة من الخلفاء، ودفن عند جده، ولم يخلف بعده في سائر البلاد بعده مثله في حسن الخط وعلم الموسيقا.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.